فتحي أبو جبارة

 2003 / 3 / 7

كنت صباح أحد الأيام القليلة الماضية اجلس في بيتنا مع أطفالي  مقابل التلفاز حيث كانوا يشاهدون فيلما للأطفال عن" سبايدرمان" أي الرجل العنكبوت، الذي يطير ويفعل كل شيء بطريقة أكثر إثارة وجذباً للمشاهدة عند الأطفال من سوبرمان، الرجل الطائر الذي لطالما احتل جزءا من تفكيرنا أيام كنا أطفالا صغار في مخيمنا، الذي كانت طائرات إسرائيل تحتل من فوقه السماء حيث تسرح وتمرح على راحتها، وتقتل بناته وبنينه. أما عند الكبار فلم يكن لرامبو بطل الأمريكان وقاهر الأعداء أي مكانة سوى الاحتقار والضحك عليه وعلى هبل الأمريكان. لأنهم يصنعون من لاشيء صرعات و أفلام بهلوانية تضج بها صالات السينما والعرض ثم مع الأيام تصبح موضة تجتاح أوروبا فالعالم التعبان ويصدقها الإنسان الفارغ من الأيمان والمعتاش على الخيال. أطفالي يجلسون مقابل تلفازهم وأنا مقابل حاسوبي لكن بانتظار نهاية فيلمهم وبداية موجز الأخبار. بعد أن انتهى أطفالي من مشاهدة فيلمهم المعقد أدرت التلفاز على قناة الجزيرة كي أشاهد موجز أنباء هذا الصباح السعيد، وعند إذاعة النبأ عن استشهاد مواطن فلسطيني من مدينة قلقيلية متأثرا بجراح أصيب بها يوم عيد الأضحى تذكرت فورا صديقي حسام أبو جبارة  وخطر على بالي هو بالذات، لا أعرف لماذا بالذات هو مع أن لي في قلقيلية صديق آخر أعرفه منذ عشرون سنة . ومعرفتي بحسام هي معرفة جديدة وقصيرة مقارنة بمعرفتي بالصديق الآخر، معرفة جديدة وعن بعد، الكترونية، وبدون أن نرى بعضنا ، فقط عبر الرسائل والإنترنت. فهو صاحب ورئيس تحرير موقع البوابة الصادر من فلسطين وإنكلترا معاً، حيث أقوم منذ البداية بنشر بعض مقالاتي في هذا الموقع الجميل والفريد. عندما سمعت الخبر فكرت بحسام وقلت اللهم استره من هذا البلاء وهذه الأخبار السيئة، وازددت قلقاً وحيرة بعدما لم أجد حسام كالعادة وكما عادته على الماسينجر حيث أننا نتبادل قليلا من الكلام وحديثا مختصرا إثناء توقفنا عن العمل في صفحاتنا وهمومنا الأنترنتية المتعلقة بفلسطين والقضية. لم يعد حسام ولم أستطع الوصول إليه لعدة أيام، لكنني علمت بخبر وفاة والده متأثرا بالجراح التي أصيب بها من خلال صديق ثالث مشترك. وكم كانت المفاجئة حزينة ومؤلمة فالجريح الذي سمعت نبأ وفاته في الأخبار كان هو فعلا والد صديقي حسام ،كأنني كنت أحس بأن شيئاً ما أصاب صديقي في قلقيلية.

قمت على الفور بكتابة برقية تعزية مختصرة وممزوجة بالحسرة والأسف على والد صديقي،هذا الرجل الذي كان برفقة ابنه حسام حيث كانا يقومان بزيارة الأهل والمعارف والجيران لإلقاء تحية العيد عليهم، فأوقفهما  جنود من جيش الراب والحاخامات والجنرالات على احد حواجز المدينة مع مجموعة من الموقوفين ضمت الكبار والصغار، وبعد لحظات مرت سيارة مسرعة من قربهم فقام الجنود بإطلاق النار عليها مما أدى لمصرع طفل عمره ثمانية سنوات وإصابة عشرة آخرين كانت إصابة فتحي أبو جبارة أخطرها. لا أستطيع الآن أن أفكر بحسام وبالزلزال الذي هزه وهو يرى والده مدرجا بدمه أمامه دون أن يتمكن من إسعافه لان جنود جيش الشعب المحتال منعوه من ذلك وتركوا والده ينزف أمامه لساعات. أنه الإرهاب الذي لا يضاهيه أي إرهاب في هذا الزمان الحاضر، إرهاب يقتل الابن في حضن والده والوالد بين يدي أبنه والطفلة في سريرها والأطفال في كل يوم بعيد وبدون عيد.. أنها سوداوية ودموية الحاضر الإسرائيلي في فلسطين المحتلة.

بعد كل هذا الإذلال وهذه المهانة اليومية، يجب على ا للإسرائيليين أن يسألوا أنفسهم عن الأخلاق والقيم الإنسانية التي انقرضت فيهم منذ بدء انبعاثهم من جديد كما يزعمون وبعد مذابح الحرب العالمية الثانية ومآسي المحارق والمعسكرات التي حاولت أبادتهم. والتي جلبوا نظرياتها معهم وهم أنفسهم ارتدوا ثوب الجزار ويحاولون تطبيق نفس سياسة تلك المعسكرات عبر ابادة الشعب الفلسطيني هذه الأيام بالتقسيط المريح، التقسيط الذي يريحهم لكنه بنفس الوقت لا يزيد شعب فلسطين إلا صلابة وعنفوان ويجعله يغلي في جوفه كالبركان.

يا صديقي حسام !

أنها سنة الحياة وشعب فلسطين الأبي يدفع ضريبة الحرية والاستقلال ، هذه الضريبة التي تكلف غالياً و تسلب الناس أغلى ما يملكون وأعز من يحبون.

أن الحرية لا تعطى بل تنتزع والاستقلال لا يمنح من الاحتلال بل يتحقق بالعطاء والبذل والتضحيات و بالدماء والنضال الذي يسقطه ويزيله و يطرده.

وشعب فلسطين المتعالي حد الاقتراب من ملكوت الله  في عطاءه ونضاله، لن يتراجع عن الهدف الفلسطيني السامي... أما من يعتبرون أنفسهم ساميين ويعادون السامية الحقيقية، هؤلاء أتباع الصهيونية الدموية لا بد أنهم إلى زوال.
 

 

 الحقوق محفوظة لنضال حمد

Copyright©2004Nidal Hamad

عودة  /Back