خير خلف لخير سلف

 نضال حمد
 

25 كانون الأول 2004

عنوان مقتبس من بيان لحركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح،وزعته الحركة اليوم على وسائل الإعلام تعلن عبره بداية الحلمة الانتخابية للسيد محمود عباس أبو مازن لرئاسة السلطة الفلسطينية. ويفهم من البيان أن محمود عباس كان على علاقة ممتازة مع الرئيس الراحل ياسر عرفات، وهذا ما يناقض الواقع والحقيقة، فعلاقة الرجلين ساءت جدا منذ ما قبل استقالة عباس من رئاسة مجلس الوزراء الفلسطيني و قوله يومها انه لم يعد عضواً في حركة فتح. ولم يتكلم ابو مازن مع صديقه ورفيق دربه في الحرب والسلام الرئيس المرحوم ياسر عرفات حتى مرض الأخير ووصول حالته الصحية إلى وضع حرج جدا استدعى سفره إلى فرنسا، حيث وافته المنية.

يفهم من بيان الحركة وكأن العلاقة بين الرجلين كانت ممتازة، وهذا كلام أقل ما يقال عنه أنه استخفاف بعقول أبناء الشعب الفلسطيني أولاً وبعقول أبناء حركة فتح ثانيا وبعقولنا كلنا كبشر ثالثا. فقمر فتح الذي كان محجوبا بفعل شمسها الشهيدة، يصبح فجأة المصدر الوحيد للنور في فتح وفي فلسطين، كأن هذا الشعب العظيم لم ينجب غير زاحفين نحو السلام وملتحقين بركب القطار السلمي ومسلمين بمشاريع الآخرين. فكيف يمكن ان يكون محمود عباس خير قائد سيقود الشعب والسلطة وفتح وهو الرجل الذي عرفناه منذ البداية رجل اوسلو والمحامي الذي يدافع باستماتة عن سلامها. وكيف يمكن ان يكون عباس خير أبناء شعب فلسطين وهو الذي جعل هذا الشعب حقلا لتجاربه السلمية الفاشلة؟؟؟

نفهم ان يعتبر البيان عباس خير خلف لخير سلف،فعرفات وعباس وجهان لعملة واحدة ورفيقان في سلام اوسلو وما لحقه من معاهدات واتفاقيات وغير ذلك من مؤتمرات مثل شرم الشيخ والعقبة وكمب ديفيد وواي ريفير وخريطة الطريق وغيرها. ونفهم ان اوسلو وما تبعه كان خيارهما ولازال خيارا وحيدا لعباس ومن معه ومن يدعم ترشيحه للرئاسة. وعباس وعرفات لم يختلفا في التوجه والتفكير وكلاهما ركب قطار سلام الشجعان عن قناعة وبإصرار، كما أنهما دافعا عن ذلك بقوة وحاربا كل من عارضهما بكل الأساليب من الاعتقال وشراء الذمم والضمائر والمواقف حتى تجويع القادة والكوادر والأعضاء في فتح وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية المعارضة. ونحن هنا لسنا بحاجة لأمثلة فالأمثلة على ذلك موجودة بالمئات داخل وخارج فلسطين المحتلة. لكن ما يخيفنا الآن أن تقوم فعلا حركة فتح بالالتفاف حول الرجل خدمة لمصالح فتحاوية ضيقة، تاركة البيت الفلسطيني عرضة للمختبرات والاختبارات العباسية التي أوصلته إلى الحضيض ولما هو عليه الآن.خاصة ان الشعب تعب من تلك القيادة وتجاربها وما جاءت به من كلام عن السلام...

لقد أوصلت سياسة ابو مازن ومن قبله الرئيس عرفات وهما قائدان من الدرجة الأولى في حركة فتح الشعب الفلسطيني الى حالة يأس لا مثيل لها. وقد أصبح المواطن الفلسطيني بعد تجربة حكم السلطة الفلسطينية يعتبر أن فترة الاحتلال الصهيوني المباشر كانت أقل وطأة وتكلفة، لأن الناس كانوا تحت حكم الاحتلال ويواجهونه ويقارعونه أما بعد عودة أهل أوسلو أصبح السيئ أسوأ والجيد لم يعد جيدا، كما تم تخريب التركيبة الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية لسكان الضفة والقطاع. وأبرزت مسيرة اوسلو كافة لصوص وتجار ومنافقي الخارج والداخل. فأصبح البعض قادة ووزراء وخلفاء على الأرض بفضل رعاية رؤسائهم،وصار الرجل غير المناسب في المكان الذي يفترض أن يكون فيه من هو مناسب. وبقدرة قادر صار بعض الذين كانوا لا يملكون المال من أغنى أغنياء البلد. كما تم توزيع الأموال والشركات والثروات على المحسوبيات وأبناء وأقارب وزلم القيادات السالفة واللاحقة والباقية. وأصبحت شركات وجهاء ورموز اوسلو تزود الصهاينة بما يحتاجونه من مواد للبناء مثل الاسمنت وغيره.وهذا قليل مما تذخر به خزانة اوسلو السحرية وفانوس علاء دينها السحري.

إذا كانت فتح التي هتف لها أبناؤها " أنا ابن فتح ما هتفت لغيرها" و"غلابة يا فتح يا ثورتنا غلابة" لم تعد تميز بين الصحيح والغلط وصارت ترى المستقبل مع مهندس سلام الشجعان. كما أنها لم تظهر نيتها تغيير سياسة عرفات الداخلية ولم ترسل أية إشارات لإعادة الاعتبار والحياة لمنظمة التحرير الفلسطينية، ولم تقم باستغلال رحيل قائدها التاريخي ، الختيار الإخطبوط لمصلحة بناء الحركة وإعادة الاعتبار للمنظمة وللوحدة الوطنية الفلسطينية على أساس برنامج الثوابت الفلسطينية، فهنا نستطيع القول أن الشعب الفلسطيني ليس بحاجة لهكذا فتح بخلفها ولا بسلفها، لأنه بحاجة لمن يقوده نحو تحقيق الحرية والاستقلال والعودة والتقدم والديمقراطية والبناء وإحياء الممثل الشرعي والوحيد من جديد حتى يصبح بالانتخابات الحرة والديمقراطية التي يشارك بها كل الفلسطينيين أينما كانوا فعلا ممثلا شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، وحتى يستطيع هذا الممثل قيادة السلطة ومحاسبتها ومراقبتها. لأن الذي يحدث منذ زمن غير ذلك تماماً، والمسئولية الأولى تقع على عاتق حركة فتح والفصائل التي تدور في فلكها.

 

 الحقوق محفوظة لنضال حمد

Copyright©2004Nidal Hamad

اخبرونا عن أي وصلة لا تعمل

hnidalm@chello.no

هنا كذلك : حوارات أجراها مدير الموقع

مقالاتي تعبر عن وجهة نظري وحدي فقط لا غير ...

تصفحوا سجل الزوار

عودة / Back