حوار نضال حمد مع المخرج الفلسطيني جورج خلفية
التقينا بالمخرج الفلسطيني جورج خليفة في اوسلو.. ومن فوائد اوسلو وسلامها الذي لعنته ولازلت ارفضه شخصيا أنها سمحت لي بالتعرف على جزء هام من مثقفي شعبنا الفلسطيني المشتت. هناك تعرفت على مجموعة من المثقفين الفلسطينيين. ففيها وعلى دفعات وفي أوقات مختلفة ومتفرقة تعرفت على المرحوم عزت الغزاوي ومهدي عبد الهادي ورجاء بكرية وعزمي بشارة ووليد الفاهوم وعلى مجموعة المخرجين: مصطفى أبو علي،جورج خليفة، ديما ابو غوش، بثينة كنعان الخوري وريم عيسى وغيرهم .. ولأننا لا نعرف سينما فلسطيننا بالشكل المطلوب نتيجة حالة الحصار والغربة والشتات واللجوء التي عشناها ولازلنا نعيشها فقد رأيت السينما الفلسطينية تسبح في عيون هؤلاء المخرجين والمخرجات... حيث شاهدت الجليل والخليل وكل فلسطين تموج كصورة للحب المقدس ، رايتها تطلع معهم سلالم الصعود نحو سماء الذاكرة الفلسطينية الحاضرة أبدا، فيهم ومعهم في أفلامهم وحكاياتهم وتوزعهم الجغرافي وتنوع أفلامهم بالرغم من أن همومهم واحدة... رأيت في كبريائهم شجاعة وانتماء هاني جوهرية، هذا الشاهد على حالتنا العربية، هذا الشهيد الشامخ كجبل صنين حيث استشهد وهو يدافع عن عروبة لبنان كما رآها الشهيد الزعيم كمال جنبلاط وكما لا زلنا نراها في ظل تلك الذكريات وأشباح الظلام التي تخيم على لبنان. في هذه البلاد النائية التي صارت محطة للفلسطينيين، ينذر أن يمر أسبوع دونما وجود وفد ما أو شخص فلسطيني ما في النرويج وعاصمتها اوسلو.. في تلك المدينة وغير بعيد عن لسان بحري تعرج على جسدها،حيث تتداخل الألسن البحرية، التقيت بالمخرج جورج خليفة حيث كان لنا الحوار التالي.

حوار نضال حمد مع المخرج الفلسطيني جورج خلفية
من هو جورج خليفة ؟
جورج خليفة شاب من مواليد الناصرة سنة 1947 " مش كل هالقد شاب" ..
لكنك اكبر من "إسرائيل" ..
بالضبط اكبر بسنة،اكبر منها بسنة واحدة فقط،كان عمري بالضبط سنة واحدة لما جاءوا وأعلنوا دولتهم .. تخرجت من الثانوية البلدية في الناصرة ... وعملت مدة، ثم سافرت إلى بلجيكا حيث درست سينما سنة 1973 وعدت إلى البلاد آخر سنة 1984 ، استقريت في القدس وتزوجت فتاة من مواليد رام الله هي بالأصل من لاجئي القدس. أكثر شغلي كان في الإنتاج، تحديدا في إنتاج الأفلام الروائية التي اشتغلها أخي ميشيل خليفة (مخرج سينمائي) وكذلك أفلام أخرى. حيث كنت في تلك الأفلام أؤدي دور المنتج المنفذ أو مدير الإنتاج فيها ومنذ شهر مايو/أيار سنة 1992 اشتركت في إقامة مؤسسة القدس للسينما والتلفزيون التي كانت أول مؤسسة بادرت لتدريس كوادر مهنية للتلفزيون الفلسطيني. في سنة 1996 حلت هذه المؤسسة وأقيم مكانها معهد الإعلام العصري في جامعة القدس ومن ضمنه تلفزيون القدس التربوي وأنا نائب مدير هذا المعهد ومسئول الإنتاج والتدريس فيه منذ سنة 1999. حاليا نحن ندرس كذلك التلفزيون التابع لجامعة القدس نعطيهم الجانب العملي.
يقال انك كتبت كتابا عن تاريخ السينما الفلسطينية ؟
نعم كتبت عن تاريخ السينما الفلسطينية ، في الواقع الكتاب ليس فقط عن السينما الفلسطينية لكن فيه جزء عنها، وأساس الكتاب هو تقصي الذاكرة والمدى في السينما الفلسطينية، وحصة السينما الفلسطينية في بناء السرد الفلسطيني ، الخطاب الفلسطيني...
هل لك أن تحدثنا عن السينما الفلسطينية في داخل الداخل؟
عمليا السينما الفلسطينية يمكن أن تقسمها لداخل ولضفة وقطاع، يمكن تقسمها لفترات ، فترة بيروت التي اغلبها وثائقي وغالبية أفلامها أنتجت ضمن التنظيمات الفلسطينية. من الناحية الفكرية السينمائية يعني التوحد تحت النكبة ،كلنا أبناء نكبة واحدة ،كان العامل الأساسي تبعها، كان الموحد الباني للذاكرة الفلسطينية التي كانت ضرورية لتوحيد الشعب الفلسطيني وقتها حيث كان في منافي مختلفة. في مخيمات مختلفة .. الخ والثورة الفلسطينية بدأت في 1965 توحدوا تحت لواء القضية الفلسطينية ثم انتقلت الفترة الثانية إلى داخل فلسطين والمرة هذه بسبب كونها على الأرض تماما وتتحدث مع الناس العايشين على الأرض نفسها ويمارسوا نضالهم اليومي أثناء معيشتهم اليومية. توجهت أكثر لسرد القصص الفردية للناس الموجودين تحت من غير خوف من إبراز التنوع الفلسطيني،من تفكيك المجتمع الفلسطيني لمركباته الأساسية.ولكن في كل الأفلام إعادة توحيده في الآخر. فنحن نستطيع أن نتحدث عن فترات ولا يمكننا التحدث عن داخل وخارج.السينما الروائية الفلسطينية لغاية اليوم فيها 16 فيلم أنتج منها المخرجين الذين من الداخل ميشيل خليفة (شقيق جورج خليفة)،إيليا سليمان، هاني أبو اسعد وتوفيق أبو وائل. ميشيل خليفة أنتج 3 روائيات،رشيد مشهراوي أنتج 3 روائيات من النوع الطويل غير الأفلام الروائية القصيرة.إيليا سليمان 2،وتوفيق أبو وائل فيلم روائي واحد وهاني أبو اسعد فيلمان اثنان يعني صار 11 من 16 أو 17 فيلم من إنتاج الداخل.
ما هو الفرق بين هؤلاء والذين في الخارج، كما تعلم في الخارج كانت منظمة التحرير الفلسطينية بإمكانياتها ؟
منظمة التحرير الفلسطينية لم تكن حريصة كثيرا على وضع خطة للسينما وتعطيها موارد،كما يبدو والوضع لازال مستمرا هذه الأيام أيضا، هناك اولويات أخرى عند المنظمة. سألتني لماذا الأفلام أكثر من الداخل، أقول لك لأنهم يتمتعون بحرية حركة أكثر .. أهل الداخل بسبب حكم ظرف تاريخي،بحكم احتكاكهم بالمجتمع اليهودي يوميا فهم أكثر تابعين للذي يسمونهم بسينما المجال الثالث ، الفضاء الثالث فهم منفتحين أكثر على الفضاءات الأخرى وبذلك أسهل عليهم كان كما يبدو إمكانية خروجهم للخارج والاستقرار هناك والمحاولة من خلال الخارج أن ينتحوا أفلامهم وإنهم ينجحوا وقد نجحوا في غالبيتهم. من الضفة والقطاع أقل ناس استطاعوا أن يعملوا بسبب ظروفهم التاريخية. مثلا من بعد رشيد مشهراوي كان صعب أن تجد احد في الضفة والقطاع... في صبحي الزبيدي وهو شخصية مهمة لكن أفلامه وثائقية في غالبيتها.
هل ستصبح السينما الفلسطينية في حالة أفضل وتنهض وتأخذ مستوى أرقى؟
في أي دولة في العالم توجه صناديق لدعم السينما وتحدث جهود من مصادر أخرى غير تلك الصناديق مثل التلفزيونات .. حاليا في فلسطين لا يوجد لا هذا ولا ذاك. ما في صندوق ولا التلفزيون الفلسطيني من القوة بحيث يدعم الانتاج السينمائي لمصلحته طبعا لكي يجد شيء يبثه.. لازم يكونوا موجودين الاثنين.أنا برأيي اقل حاجة هو صندوق سينمائي الذي يسمح بتمويل الأفلام ولو بعشر ميزانية الفيلم لان الباقي يستطيع الشباب أن يجلبوه من الخارج. حاليا هذا غير موجود ،التخطيط كذلك غير موجود ، شو بدنا من السينما؟ مش موجود ولا على أي مستوى، ومن ناس يعني كل واحد يستجيب للحساسية بتاعته. المجموع جيد والسينما الفلسطينية في نهاية الأمر اثبتت نفسها، نحن نتكلم عن سينما التي في سنة 1987 أخذت تنويه بمهرجان كان مع فيلم "عرس الجليل" وأخذت من سنة 1980 جائزة العمل الأول من مهرجان قرطاج مع فيلم ميشيل خليفة"الذاكرة الخصبة". وفيلم ايليا سليمان بعنوان " يد إلهية" قبل سنتين نال جائزة المحكمين الدوليين في مهرجان كان. هذه الجائزة الثانية في مهرجان كان، بمعنى انه كان ينافس المخرج بولانسكي. هاني أبو اسعد نال جائزة أفضل فيلم أوروبي في برلين وعلى حسب التقييم يستطيعوا ان يدعوه ينتمي لأوروبا أو لأي مكان. السينما عندها بكل بساطة إمكانيات كبيرة ، إمكانيات إنها تنجح وان تروي القصة الفلسطينية بالشكل الذي يرضي الفلسطيني. وان تنجح في تمثيل الفلسطيني كما هو يحب ان يمثل نفسه. لكن من دون ان تعطيها الدولة أولوية معينة، والدولة ممثلة طبعا بالسلطة الفلسطينية تقول ان عندها اولويات ثانية، وهذا صحيح ان لديها اولويات ثانية ولا نستطيع تجاهلها ، مثل الفقر وخاصة نتيجة للنضال التحرري الدائر حاليا والذي يكلف الناس تكاليف كبيرة جدا ليس فقط في حياة الأشخاص بل كذلك في مستوى معيشتهم.
هل هناك إقبال من الجمهور الفلسطيني على الأفلام الفلسطينية التي تعرض في فلسطين ؟
أين يعرضوها ؟! فلسطين ما فيها سينما، مدينة رام الله فيها سينما وهناك عندما يكون عرض لفيلم فلسطيني يكون في إقبال عليه.مثلا فيلم يد إلهية بقي يعرض على مدى شهر تقريباً. بالنسبة لرام الله ورغم "كبر سيطها" هي بالواقع مدينة صغيرة إذ هي ومدينة البيرة مع بعض لا يتعدوا ال60 ألف نسمة. مثلا في غزة وبقية مناطق الضفة حتى الظروف لا تسمح لنا بتكوين دور عرض فيها، بالتالي نادرا ما يشاهد الفلسطيني أفلامنا ، يشاهدونها في أوروبا أكثر مما يشاهدونها هنا في فلسطين.
يقال أن رام الله آخذة مكان بيروت فلسطينياً ؟
والله هيك يكون أفضل .. أنا أقول دائماً أنها آخذة مكان القدس .. لكن الذي أنت تقوله يمكن يكون هو الأصح.
تقصد مكان القدس كعاصمة؟
نعم رام الله آخذة مكان القدس كعاصمة ...
هل أنت عضو في جماعة السينما الفلسطينية؟
لا لست عضوا في جماعة السينما وأظن أنها خطوة ممتازة وادعمهم تماما لكن أنا لا أستطيع أن أكون عضوا في شيء لا اقدر أن أعطيه..
قضية التمويل قضية صعبة، هل يوجد جهات عربية تدعم وتمول ؟
مرة ثانية نرجع للواقع ، الواقع هو انه من مجموعة طويلة عريضة من مجموعة الأفلام الفلسطينية فيلم واحد فقط ممول بجزئه الأكبر عربياً وهو فيلم "عرس رنا "أو "القدس في يوم آخر" لهاني أبو اسعد. بدأ كمشروع من قبل المؤتمر الإسلامي لعمل فيلم عن القدس يستطيع مخاطبة الغرب. هكذا كان مكتوبا في المشروع. يعني فيلم واحد بتمويل عربي مقابل تقريبا 7 أفلام فيهم جزء كبير تمويل إسرائيلي، والإسرائيليين لا يمولوه من كرمهم لكن القانون يجبرهم في حال تقديم سيناريو أن يفحصوه.
ألا يتدخلوا بالأفلام بصفتهم الممول؟
غالبا لا يتدخلوا ، لكن أي مؤسسة تمويل تتدخل إذا كان فنيا في ضعف وتطالب بإعادة كتابته، غالباً و أعماً لا .. أتصور أنهم لا يتدخلوا فبكل بساطة إذا ما عجبهم السيناريو يخلقوا وضع على أساسه لا يأخذ السيناريو أي دعم. لكن الموجودين في صندوق السينما هم على الغالب من الإسرائيليين الذين يحبوا أكثر أن يعيشوا في دولة منفتحة لجميع مواطنيها وهذا فرق كبير، هم ليسوا كثر لكن وجودهم أحيانا في أماكن مؤثرة يفيد. بالنسبة للتمويل العربي، بعض الأفلام مثل جنين جنين لمحمد بكري ساعدوا في تمويل إنتاجه أو تمكينه من إنتاجه مثلا أوربيت دفعت إيجار المونتاج ، نزار حسن في بعض أفلامه حصل على تمويل من جهات خاصة عربية، بعض منها غير مكشوف الاسم، لا ادري من هم. في النهاية كما ترى لا التمويل الفلسطيني ولا العربي له باع طويل في السينما الفلسطينية، التمويل الأوروبي هو أكثر شيء له باع في السينما الفلسطينية وفي السينما العربية الجيدة سواء كانت شمال افريقية أو لبنانية أو سورية أو مصرية يوسف شاهين ويسري نصر الله والبقية وكذلك في السينما الفلسطينية. يعني هذا الوضع هو جزء من الزمن العربي الرديء هذا الذي لا ندري إن كان ربنا سيمسح لنا نرى ولو الضوء في آخر نفقه .. لكن العالم العربي عودنا أنه كلما اعتقدنا أن هناك ضوء في آخر النفق كنا نجد القطار يطلع لنا من آخر النفق.
كيف تقييم زيارتكم للنرويج ؟
هي زيارة من اجل أن يبدأ الإنسان في مشروع هو بالأصل صعب، برأيي الزيارة ايجابية لان اللقاء نفسه كان ايجابيا والحوار أيضا والنتائج سنراها ونعرفها لاحقاً.
كلمة أخيرة ؟
أرى انه خسارة عدم استغلال الجاليات العربية في أوروبا بما فيه الكفاية خاصة خبرتها بحساسيات المجتمعات الأوروبية.صحيح أننا نسمع خطابات سياسية وان نحن لا نهتم بالأوروبيين .. والخ لكن هذا غير صحيح .. هناك ناس يعرضوننا وكأننا قوة عليا في العالم ،عسكرية عليا، ولكن في الواقع الناس تناضل بدماء أولادها وبخراب بيوتها...
انتهى
*