رحيـل العـم هنـري
بقلم : نضال حمد - أوسلو (النرويج)
مات الرجل الطيب والأقرب للبساطة منه للطيبة ، مات العم البولندي والد زوجتي والقريب إلى قلبي كحبي لأبنته وكقربي من قلب حبي . نام الرجل القوي ذو القبضة القوية نومته الأخيرة والأبدية . كان قد عانى قبل الوفاة معاناة صعبة فأحتمل آلام المرض العضال كصقر "أمل دنقل" يوم عانى هو الآخر من تلك الآلام ويوم تذوق من نفس تلك الكأس المميتة ببطيء والتي تسري في جميع أنحاء الجسم مخلفة وراءها دمار الجسد والقلب وقلة حيلة المريض والمداوي . نعم توفي هنري غداكوفيتش هذا الرجل القريب للقلب ، الذي شق مشوار حياته من قريتهم النائية والتي غدت بعد الحرب العالمية الثانية وتقسيماتها الجغرافية والمصالحية والتاريخية تابعة للاتحاد السوفييتي سابقا والآن لجمهورية أوكرانيا المستقلة . هناك ولد هنري وهناك عاش سنوات طفولته الأولى وعاش الحرب العالمية الثانية ، حيث رأى الظلم والقمع والتنكيل الألماني بالشعب البولوني وبيهود بولندا الذين اضطهدوا وعذبوا على أيدي الجيش النازي ، هناك علمه أهله حب الناس ومساعدة المحتاج رغم ضيق ذات اليد والأوضاع الصعبة حينها . كان أحيانا يتذكر كيف أن كثيرا من العائلات البولندية ساعدت اليهود وحاولت مساعدتهم بكافة السبل وهناك من البولنديين من قتل أثناء المساعدة أو من أعتقل وهو يساعد أو يحاول المساعدة وكان نصيبه الاعتقال أو الإعدام فورا وفي نفس المكان حتى يكون عبرة لمن يريد المساعدة ومخالفة قوانين النازية . العم هنري رأى وشاهد كل شيء ولهذا لم يستطع فهم اليهود ولماذا يمارسون الظلم والإرهاب بحق الفلسطينيين وهم نفسهم كانوا ضحايا للإرهاب والظلم .
لم يستطع العم هنري تقبل الحقد اليهودي على بولندا والبولنديين وكان يقول لي "ها هم يكافئوننا على مساعدتنا لهم وعلى موت بعضنا من أجل إنقاذ بعضهم من براثن الموت على أيدي النازية الألمانية" . كان بمرارة يقرأ أقوال شامير وغيره من القادة الصهاينة ، حيث قال أسحق شامير مرة في معرض حديثه : أن البولون يرضعون العنصرية ومعاداة السامية من صدور أمهاتهم ومنذ الولادة . ويقول أيضا : البابا هو أكبر معادي للسامية .. لأنه بولندي ولأنه رفض ركوب موجة الرضوخ لضغوطات الصهيونية العالمية التي أستشرت وعششت في كل وسائل الإعلام ومواقع القرار في بولندا حينها حتى غدى الإنسان يخجل من القول أن هذه الحكومات تمثل الرأي العام البولندي الرافض للتدخلات اليهودية بشئونه الداخلية وللأكاذيب والدعايات الحاقدة على بولندا والشعب البولندي الذي قدم من الضحايا أكثر مما قدمه اليهود في الحرب ضد النازية الألمانية . هكذا كان العم هنري يعبر عن رأيه وكان بكل بساطة يقول : لما لا يوجد لغة واحدة تجمع الناس كلهم في العالم وبهذا تكون لغة الحوار والتفاهم واحدة وبهذا تزول المشاكل والخلافات ويصبح حلها أن وجدت أسهل وأقل صعوبة .
نعم لقد أحسنت التفكير يا عم هنري ولو كان الناس كلهم بطيبتك وبساطتك لكانت الدنيا بخير والعالم أكثر نظافة وعفة وطهارة وصدق وتآخي ، لكن عالمنا الخالي من القيم والمبادئ والمتجه نحو العولمة وهيمنة القطب الواحد على العالم وتنصيب نفسه قاضيا ومدعيا ومحاميا ومدافعا يجعل من الصعوبة بمكان تحقيق هكذا آمال وأمنيات وتطلعات وأحلام .. نعم يا عمي الطيب هي الحقيقة واحدة ولا تقبل الجدل والقسمة ، عالمنا يتجه نحو النهاية الحتمية فلكل زمن نهاية ، ونهاية الزمن الصهيوني الأمريكي لا بد آتية وهي آتية فعلا ولا محالة.
الحقوق محفوظة لنضال حمد
Copyright©2004Nidal Hamad