ابتكارات عربية : فن جعل الاستسلام سلاماً
2005-03-15

بقلم نضال حمد

إن اعتبار معاهدات كمب ديفيد ووادي عربة انتصارات عربية أمر يثير السخرية ويبعث على المرارة. فتلك العقلانية العربية في السلام لم تكن سوى في حقيقة الأمر سوى تقديم خدمات للأمريكان وإسرائيل مقابل مساعدات عينية ومادية منهما. كما أنها هروب من الواقع الصعب. هذا وقد مارس هؤلاء العرب تأثيرهم الكبير على الطرف الفلسطيني المتنفذ. ولكي نكون واقعيين ومفهومين فاننا لا نفهم كيف يمكن لقيادة قادت الشعب الفلسطيني ان تفرط بحقوقه وتتخلى عنها لصالح الاحتلال بتلك السهولة.

عندما ذهب الرئيس الراحل أنور السادات إلى القدس المحتلة وعانق بيغين وشارون وشامير وغيرهم من أهل الإجرام الملطخة أياديهم بدماء العرب، لم يأبه لأحد ولم يعر اهتماما لأي كان، فقد كان يتصرف وكأنه الحاكم بأمر الله، أي كما يتصرف الرئيس بوش حاليا مع العرب والمسلمين والضعفاء في عالم اليوم. وشد الرحال إلى القدس المحتلة حيث اعتلا منبر الكنيست الإسرائيلي وألقى ما عنده من جمل وعبارات كانت كالسكاكين تمزق صدور العرب أجمعين. وقد صفق له أعضاء الكنيست بحرارة، كما كان صفق له المرحوم أبو عمار أيضا بحرارة قبل الزيارة،وذلك عندما قال في جلسة مجلس الشعب المصري انه سيزور القدس المحتلة.ولا ندري سر تصفيق المرحوم عرفات للمرحوم السادات. حيث كان الأجدر به مغادرة القاعة فالقاهرة وهذا أضعف الأيمان.

على كل حال اعتبرت زيارة السادات لفلسطين المحتلة خيانة للشعارات القومية وللوحدة العربية. فتم عزل مصر فغاب عن الصراع اكبر قطر عربي، وأصبحت حياة مصر رهينة للمساعدات الأمريكية الغربية. ولم تتبدل إلى هذا اليوم. ولو قسنا هزيمة السادات "المنتصر بكمب ديفده" بانتصار "المهزومين في اوسلو" فسنجد أن هزيمة المرحوم السادات تبقى أقل وطأة من هزيمة الطرف الفلسطيني بقيادة المرحوم عرفات.

فن انتصار المهزوم ليس حكرا على السلطات في البلاد العربية بل تعداها ليصل إلى معارضيها، فحتى المعارضة في بلاد العرب تجعل من هزائمها انتصارات، فالمعارضة الفلسطينية مثلا تعتبر وقوفها ضد اوسلو انتصارا على الذين وقفوا مع اوسلو. مع أن المعارضة لم تقدم للشعب المذهول أية بدائل معقولة. فقد ظلت ترفض واقعية الانبطاحيين من اوسلو الذي اعترفوا بهزيمتهم يوم سموها نصراً. ولم تقدم أي جديد سوى زيادة في ترديد شعار الجهاد والمقاومة والكفاح المسلح ورفض الاستيطان والتطبيع والمفاوضات ونتائج اوسلو مع الاعتراف بتضحياتها الجسام في سنوات الانتفاضة الثانية، لكن تلك التضحيات لم تستثمر لتعزيز برنامج المقاومة. ورغم كل تلك الشعارات الرنانة إلا أن المعارضة تلتقي كل يوم مع افرازات اوسلو الفلسطينية... أليست السلطة بكل وزرائها وقادتها وأعضاء مجلسها التشريعي من افرازات اوسلو. أليست قيادات فتح التي تشارك في السلطة وتهيمن عليها وعلى المنظمة من افرازات اوسلو. وإذا كانوا كذلك فلما تجلس الفصائل معهم وتحاورهم في عاصمة كمب ديفد وشرم الشيخ وتقبل المساومة على الحقوق والكفاح بصيغة وقف إطلاق نار وهدنة والخ؟؟؟.

إن أفضل تعبير عن هزيمة المنتصرين في اوسلو،هو ما كتبه الراحل ادوارد سعيد: " لقد تخطى الأمل العقبات التي اعترضتنا كشعب لننظر الآن في تلك العقبات. كنا أول شعب تستعمر أرضه ويعلن انه غير مرغوب فيه. ويطرد ،وتمحى آثار وجوده الوطني محوا منظما على أيدي مهاجرين حلوا محله. ودُفع معظمنا خارجاً وأشير إلينا على أننا لسنا بشعب،حيث لم يبق داخل إسرائيل سوى أقلية صغيرة تم التعامل معها قانونيا بتسميتها غير اليهود وليس الفلسطينيين. أما البقية فقد كفت رسميا عن الوجود.".. ورغم هذا اعترف أهل اوسلو بالاستيطان وبالاحتلال ووضعوا اللاجئين على الرف والقدس كذلك والسيادة و... و ..لقد أصبح أبناء الشعب الفلسطيني نزلاء معسكرات اللاجئين في الدول العربية.وسنت من اجلهم قوانين بغيضة ،وغدوا لاجئين بلا دولة، وعوملوا من قبل البعض معاملة حقيرة وسيئة. لكنهم انتصروا على الواقع وحرجوا من الصدمة وبنوا منظمتهم من اجل الحرية والتحرير، وقدموا على مذبح الكفاح الوطني تضحيات جسيمة، لكنهم لم يجنوا سوى الهزيمة. لأن الذين قادوهم سلموا بان زمانهم أصبح زمان أمريكا وإسرائيل.

لقد شهدت الحالة الفلسطينية تغييباً مبرمجاً للمؤسسة لحساب الفرد، إذ غابت المنظمة بفعل التفرد واللامبالاة وتغييب الدور الجماعي لصالح الفرد القائد او الفرد المؤسسة. وقد نتج عن اوسلو انشقاق المجتمع الفلسطيني مع وضد، هذا وقد رفضت غالبية الشعب الفلسطيني "سلام الشجعان" واعتبرته استسلاما وخضوعا لاملاءات إسرائيل وأمريكا وتفريطا بالحقوق الفلسطينية وقبولا بالأمر الواقع.فالسير في اوسلو كان إعلانا صريحاً عن " فقدان الأمل بإعادة البناء الوطني الحقيقي وتقرير المصير الحقيقي وبان القضية خاسرة". هذا الإعلان المقروء بدون الجهر به أو كتابته يعتبر استسلاما فلسطينيا للاحتلال. فقد خرجت القضية من تحت الدلفة لتحت المزراب كما يقول المثل الشعبي. وتعزز دور أطراف عربية مجاورة لفلسطين حيث استعملوها كورقة مساومة لنيل الرعاية الأمريكية ودولار الوقاية الأمريكي الذي هو خير من ألف حق عربي.

إن اعتبار معاهدات كمب ديفيد ووادي عربة انتصارات عربية أمر يثير السخرية ويبعث على المرارة. فتلك العقلانية العربية في السلام لم تكن سوى في حقيقة الأمر سوى تقديم خدمات للأمريكان وإسرائيل مقابل مساعدات عينية ومادية منهما. كما أنها هروب من الواقع الصعب. هذا وقد مارس هؤلاء العرب تأثيرهم الكبير على الطرف الفلسطيني المتنفذ. ولكي نكون واقعيين ومفهومين فاننا لا نفهم كيف يمكن لقيادة قادت الشعب الفلسطيني ان تفرط بحقوقه وتتخلى عنها لصالح الاحتلال بتلك السهولة.

فاوسلو لا يعيد الضفة الغربية وقطاع غزة ولا يحل قضية اللاجئين والمستوطنات ويبني جدار عازل ويقتل ويعتقل ويهدم ويحرق ويدمر ويصادر وينشر ثقافة الفساد والهزيمة والانحلال الأخلاقي. اوسلو كرس الاستيطان و الاحتلال والخنوع ونشر إشاعات بعدم جدوى الكفاح المسلح وبضرورة وقف الانتفاضة وعدم عسكرتها وبوجوب الكفاح السلمي. واوسلو أضاع السيادة والحدود والعاصمة والمياه والعودة ووحدة الأرض والشعب. وأخيراً أضاع الحلفاء والأصدقاء والأشقاء وفرق الجميع.

وعبر اوسلو أعطت القيادة الفلسطينية موافقتها على استمرار الاحتلال وهذا يحدث لأول مرة في تاريخ حركات التحرر كما قال المرحوم البرفسور ادوارد سعيد في كتابه القيم - تأملات حول المنفى-... وأعيد تقسيم شعب فلسطين بين لاجئين ومقيمين... وأبقى ( اوسلو) الأمور بيد الاحتلال، وجعل السلطة خادما لها،وكرس اللاديمقراطية والفساد والمحسوبيات والقمع والسلب والنهب والعصابات والمافيات واجهزة الأمن المبتذلة... اوسلو يعتبر هزيمة سياسية وأخلاقية للحق ونصرا للظلم. أبعد كل هذا لا يخجل أهل اوسلو من المتأوسلين التحدث عن نصر أو شبه انتصار في صراعهم مع الاحتلال..؟؟. ونحن نقول لهم عليهم قراءة الحالة الفلسطينية جيدا لأن الشعب الفلسطيني لن يسمح بتحقيق نبوءة الكاتب الأمريكي نورمان فلنكستين التي تقول بأن مصيراً مرعباً كمصير هنود الشيروكي ينتظر الفلسطينيين...

نضال حمد

رابط المقال في مجلة فلسطين الالكترونية

ابتكارات عربية : فن جعل الاستسلام سلاماً

*

 back  /  عودة