إيمان لم تسترح في اليوم الخامس!

نضال حمد - أوسلو

إيمان الحمص 13 سنة فقط لا غير، عبرت الشارع من بيتها إلى المدرسة فكان بانتظارها موت على الطريقة الصهيونية  الأصولية، موت معلن على الشارع وبشهود من الجانبين، من جانب الضحية البريئة ومن جانب القاتل البشع، القادم من غياهب الماضي وسوداوية الحاضر في كيان يمكن لأي إنسان أن يشتم منه رائحة القتل والبارود والدمار والموت بأية وسيلة أو طرق ممكنة أو يتهيأ للبشر أنها غير ممكنة. فنفس الذين اغتالوا براءة إيمان حجو سابقاً ومئات الأطفال الفلسطينيين لاحقاً، اغتالوا بالأمس 5/10/2004 براءة إيمان الحمص.

إيمان بمريولها المدرسي كانت سائرة على بركة الله تفكر برمضان شهر الصوم والإيمان، شهر البركة والإحسان، شهر مدافع الإمساك والإفطار وليس مدافع الاحتلال، شهر صوت المسحراتي وليس صوت الأباتشي، وكانت تفكر بالعيد الذي لم يعد يأتي على بلادها سعيداً كما يفترض أن يأتي. وكانت تحمل حقيبتها المدرسية الصغيرة، حيث وضعت لها أمها الكراسات والكتب والأقلام, والزاد وجبة صغيرة تسد جوع الطفلة الأميرة.

عبرت إيمان طرف الشارع تسير بخطى الأطفال، تنظر هنا وهناك، ولا تفكر بأن الموت بالانتظار، أو أن هناك من يلاحقها بمنظاره المثبت على سلاحه القانص.. وفجأة بدأت أبواب الجحيم تفتح جهنمها أمام أعين المارة والسكان، فجنود الاحتلال كانوا يقضون وقتهم باصطياد الأطفال، أطلقوا الرصاص، وما إن سمعت إيمان أزيزه حتى سارعت لترك حقيبتها، راغبة في الفرار من المكان بحثاً عن الأمان. لكنها لم تتحرك أكثر من خطوة واحدة، حيث أصابتها رصاصة قاتلة، جعلتها تتمدد على الأرض وعينها تشهد دوران السماء والأبنية والمكان وكل ما رأته في لحظة الصعود بجوار الله في جنة الأطفال والشهداء.

تلون الجسد الصغير بالأحمر القاني وتمزقت الحقيبة المدرسية، ورغم هذا لم تمت إيمان, قاومت لثوان معدودات، لعلها كانت تريد الحياة بالرغم من رصاصة الوبش الكامن خلف سور الموت في برج من اللعنات.. فعلاً هي كانت تريد الحياة، وكانت تريد الذهاب إلى المدرسة لقراءة التاريخ والأدب والعلوم ولتعلم الجغرافيا والرياضيات وحفظ المحفوظات وتلاوة القرآن وإنشاد القصائد لشعراء فلسطين والعروبة في زمنٍ تُحارب فلسطين بالعروبة، ولكنها في حصارها تدافع عن نفسها وتدافع عن العرب والعروبة، خاصة أن فلسطين وبلاد الشام وشرق المتوسط كلهم عالقون بين رصاص الوبش الصهيوني وفيتو البوش الأمريكي.

استشهدت إيمان على الفور لكن قائد وحدة شاكيد التابعة لفرقة غفعاتي النخبوية العسكرية الإرهابية الصهيونية تقدم منها، تطلع في بياض عينيها، ثم اقترف جريمته النكراء، حيث فعل الذي فعله المجرم إيهود بارك مع الشاعر الشهيد كمال ناصر قبل أن يغتاله في شارع فردان ببيروت سنة 1973، أفرغ مخزن رصاصه في جسدها الطريّ عن بعد صفر...

كل هذا حدث والجنود شهدوا الجريمة بأم أعينهم، فمنهم من لم يحتمل المشهد المرعب والرهيب، فتقدم بعضهم بشكوى ضد قائد وحدته للمراتب العليا. لكن ماذا ستفعل الشكوى ما دامت التعليمات الجهنمية والدموية تأتي من تلك المراتب العليا، ففي تلك المراكز يقبع جنرالات ومجرمون صهاينة محترفون، لو كان هناك عدل وقانون دولي وضمير عالمي حيّ، لتم جلبهم إلى محاكمات دولية مثلما فعل العالم مع مجرمي الحرب من الحركة النازية في الحرب العالمية الثانية. لكن في زمن بوش والأوباش لا يوجد عدل وإنصاف ما دام الحاكم والقاضي مثله مثل القاتل والجلاد.

بحسب رواية أحد الجنود الذين رفضوا إطلاق الرصاص فقد قال لهم إن الشخص الذي رأوه على بعد مائة متر من الموقع ليس سوى صبية صغيرة، وأبلغ ذلك لقيادة الموقع، وقال إن عمرها لا يتجاوز 12 عاماً ولم يطلق النار نحوها. وتابع الجندي حديثه لصحيفة يديعوت أحرنوت  فقال: "أحد الجنود أطلق عليها رصاصة واحدة، فسقطت على الأرض"..

هذا يعني أنه تم قنصها عن سابق إصرار وترصد، ويعني أنها قتلت عمداً وبلا سبب سوى أنها سارت على بعد مائة متر من القاعدة العسكرية (الإسرائيلية).

وفي وصفه للحادثة الجريمة قال أحد الجنود: "قائد الوحدة أطلق عليها رصاصتين ثم عاد إلى الوراء، وعندها أطلق زخة رصاص من سلاحه الأوتوماتيكي. لقد أفرغ ذخيرة بندقيته الرشاشة، وبهذا انتهى الحدث"..

وقد احتج الجنود على جريمة التنكيل بالجثة، حيث قالوا إنه لم يكن هناك أي سبب لما فعله قائد الوحدة، باختصار قالوا إنه نكل بالجثة.

وباختصار نقول إن هؤلاء الجنود مرآة للكيان (الإسرائيلي) حيث أغلبيتهم العظمى من القتلة والمجرمين والإرهابيين منذ الولادة حتى يوم القيامة. لأنهم شاركوا في قتل الطفلة ولم يحتجوا على قتلها بلا سبب بل على التنكيل بجثتها!

كيف برر المجرم فعلته؟

قال قائد الوحدة إنه فعل فعلته تلك "لاعتقاده بأن القتيلة إرهابية حتى بعد اقترابه من جثتها". تصوروا مدى وحشية هذا المخلوق، يتصرف بطريقة حيوانية ضالة، ويتحدث بلسان مجرم متوحش لا يقيم أية قيمة لحياة الأطفال، فكيف لو كانت الضحية رجلاً أو شاباً أو مقاتلاً أو جندياً يحمل السلاح، تصوروا ماذا كان سيفعل؟!

المشكلة ليست فيه وحده بل في التربية التي يتربى وينشأ عليها جنود الاحتلال وأطفال المسماة (إسرائيل) الصهيونية، فهذه مدرسة قديمة جديدة تربى فيها القتلة القدامى والجدد. وهنا بالذات ليسمح لنا عضو الكنيست يوسي سريد فنحن لا نتفق معه حول وجود سابق أو لاحق لأخلاقيات وطهارة سلاح في الجيش الصهيوني. فلا هذا ولا ذاك كان موجوداً.. فجيش "الدفاع الإسرائيلي" كان ولا زال جيشاً دموياً منذ بن غوريون وبيغن وديان حتى يومنا هذا، حيث يحكم كيان الاحتلال شارون وموفاز ويعالون ولبيد وغيرهم من الجنرالات. وماذا  تسمى عشرات عمليات القتل والإعدام والتصفية المنتظمة للأطفال والمواطنين الأبرياء في فلسطين والتي قام بها جيش صهيون، وتمت لفلفتها بخبث وبطرق شيطانية؟!

 وفي الختام نستعين هنا بما كتبه أحد القراء تعليقاً على كلام  يوسي سريد عن طهارة السلاح والأخلاقيات (الإسرائيلية) في صحيفة يديعوت أحرنوت:

"المستوطن الذي قتل المواطن الآمن في نابلس حكم عليه أسبوع إقامة جبرية في بيته. أما لاختلاف الوضع هنا ليس بالنسبة للشهيدة ولكن للقاتل، فهنا القاتل ضابط وقادم جديد على الوحدة العسكرية لذا ولتوفير الوقت والجهد على المحققين فقراركم سيكون (بعث الضابط شهر نقاهة في مكان يختاره لإراحة أعصابه). من الأفضل اختيار دولة غير عربية."..

نحن أمام منهاج وسياسة وعقيدة وكيان يؤمن بالوحشية والإجرام والإرهاب وسيلة لإلغاء الآخر وتصفيته واقتلاعه من أرضه وجذوره. لكن حتى هذه الأساليب الوحشية لن تدع الشعب الفلسطيني يتخلى عن حقوقه ويترك ما تبقى له من أرضه. وإن اغتالوا كل ايمان صغيرة في هذا الشعب فإن الإيمان الكبير والأكبر هو بفلسطين المستقبل، حيث لن يستطيعوا اغتيالها أبداً.

 الحقوق محفوظة لنضال حمد

Copyrightę2004Nidal Hamad

عودة  /Back