فجر العصافير الطليقة

13-4-1983

 نضال حمد

نهضت من نومي على زقزقة العصافير .. وما بين وداع الأصدقاء

وقلّة النوم والتفكير ، كان رفاقي يستقلون قطار السادسة..

ودعوا الأيام القليلة الفائتة ، ودعوا بولونيا الحمراء ، حيث مستشفى الروتزولي

حي بسانو ديلي جرابا، وحيث داوينا  بعض الجراح ..

صباح المدينة دافئ،وحنون مثل صدر أم

صباجها اكتمل بصياح الديك،كأنه يقول لي قم

 وقمت مع الفجر الهادئ أودع الغرباء ..

*

 قال صديقي الناهض توه من نومٍ عميق : ما أروع فجر العصافير الطليقة..

صديقي هذا يذكرني بالطرب الأصيل، ببيروت وزقزقة العصفورة

 أميمة خليل،بموسيقى مارسيل ،بفيروز الفيروزة ..

بتجليات زياد الرحباني،بالدليل الثوري وكتاب الأغاني ..

  بالحرية العتيقة .. بصباحيات صيف الحصار

بصفارات الإنذار،بغارة تُنزل الموت من علٍّ

بالصورايخ تهبط بلا مظلات،بالقنابل تتساقط على مدى الساعة

وبالرؤوس التي لم تنكس،في زمن مات فيه حتى الرعب، تحت قدمي فتاة

من  حيٍ بائسٍ  في مخيم شاتيلا ..

  *

زقزقة العصافير الطليانية،تأتينا من كل صوب،تدخل علينا عبر النوافذ المشرعة

من فتحات أبواب غُرفنا المفتوحة،على فضاء الله،مع كلمات ايفونا،

تلك الشيوعية الطيبة، الأم الحنون، المرأة المبدعة..

شمسٌ بولونيةٌ من ايطاليا،  مشرقةٌ  يا ستنا الشقراء 

لا تغيبي عنا ، كما الشمس التي نعرفها

دائما مشعة، تنشر الضوء والدفء من حولنا..

تلك هي الأم ايفونا الإيطالية ..

 *

عصافير  المدينة تدخل عقولنا من قلوبنا،ولا تخرج لأنها حرة في سجوننا ..

من كل صوب يأتي الغناء،من كل صوب تحضرنا وجوه الشهداء

من خلف أسوار قلعتنا المحاصرة،ومن وراء الدخان

 وسماء العرب الأخيرة،من كل صوب تأتينا ذكراهم ..

خلفها طيور المعادن الأمريكية..تنشر الخراب والموت ، تعود ميتة من حيث جاءت

ونبقى نحن حيث مقابرنا ..وتبقين يا عصافير بولونيا الحمراء

لأنك أجمل ما في هذا الصباح،وأعذب ما في المدينة،

وأرق ما في دنيا السلام ..

 *

صباح بولونيا يأتيك،بزقزقة عصفور طليق

بنسمة هواء باردة،تعبر جرحك، تاركة عبق أزهار الربيع..

صباح المدينة يأتيك ، ببسمة بربارا ، سيمونا والطفل الرضيع

بصلياتٍ رشاشة من لسان برونو السليط، بنظرات جيراننا تجوب الجميع ..

بالفينو الطلياني يجعل لسانك فصيح ..

*

هنا فادي الطفل الجريح،يبتسم فترتسم على جبينه بهجة صبرا

يركض فتظنه جاء للتو من شاتيلا،يركل الكرة،رغم أن ساقه بترت بفعل قنبلة ..

يصرخ مع مزيج من نكهة الأطفال،يعلو صوته فوق صمت المكان.. وأقول له:

نحن هنا  يا ولدي في بلاد البندقية بلا بنادق

وفي زمنٍ نحتاج فيه لوقفة على الأطلال.. لتأملٍ في حالتنا..

نحن هنا يا فادي بقايا لشاتيلا وصبرا

 *

هنا قرب أسوار الخضار،عند سياج الحديقة الأخضر

فاطمة وعلي وبركة ،من جنوب الحب والحرب.

أطفال من لبنان الأخضر، يلفتون بجراحهم الأنظار.

هذا القلم لعلي،وذاك الدفتر لفاطمة،وتلك الدمية لبركة

وهذه العربات لهم .. ما أحبوا ركوبها أبدا

لكنهم أجبروا ..فقد جعلتهم صورايخ صهيون مقعدين

بركة ، علي وفاطمة، نموذج لأطفال لبنان وفلسطين

جراحهم بنفسجية ، فرغم الحزن يبتسمون،

يضحكون مثل عصافير بولونيا..

علي وفاطمة وبركة

 يرسمون ويكتبون قصتهم بالأحمر ..

*

صباحنا البولوني جميل،صباحنا الفلسطيني رحيل،

صباحنا اللبناني كبسمة ضيعها مدفع الدخيل

ومزقها خنجر العميل..

 

 انتهى

الحقوق محفوظة لنضال حمد

Copyright©2004Nidal Hamad

*

BACK / رجوع للرئيسية

اخبرونا عن أي وصلة لا تعمل

hnidalm@chello.no

chello.no