استشهدت نِعَمْ الجنوبية

بيروت المحاصرة / 1982

بقلم نضال حمد

 
جاءت من الجنوبِ ،من غبار القذائف ومع شظايا الطائرات..

جاءت مع دوي المدافع والأنفجارات المتلاحقة...

كانت تبحث في صمود المقاتلين المتشبثين بالأرضِ عن ضوء قمر بيروت الذي كان معهم،وعن الهلال الذي لازال يسامرهم ولا يفارقهم.

كانت نِعَمْ ،نِعْمَ الخلق،جنوبية من تراب الجنوب،عربية من طين الجنة.

أنت جئتِ ونحن جئنا نبحث عنك يا نعم،علنا نجدك ياسمينة مع الصامدين،كما عودتنا في زمن العرب الهاربة...

لم نذهب إلى هناك إلا لأننا كنا متيقنين من أنك قد تكونين هناك مع المقاتلين خلف المتاريس،تحاورينهم وتشدي من وزرهم. تشاركينهم حفلاتهم وسهراتهم في الليالي الطويلة،حيث الحصار و المعارك التي لا يعرف فيها هؤلاء القوم معنى الانكسار،لأنهم من طين النصر ويتطلعون دوما نحو الانتصار.

كنا نبحث عن نعم بين المواقع والدشم،لكن البنت الجنوبية، الشجاعة والجرئية والقوية،التي وصلت قبلنا إلى حيث كان استشهادها.هناك في تلك المنطقة،كانت آخر لحظات نعم مع الحياة.كانت الأشجار تحترق ،امتلأ الشارع بالغبار،والحرش المشتعل بألسنة النار،حيث كان الدخان يتصاعد فوق الأشجار وأعلى من أشجار الصنبور الممتدة من منطقة البربير حتى دوار الطيوني. هناك رأيناك في عيون المقاتلين، كنت تضحكين وتبتسمين وتعبقين برائحة الياسمين. تحاورين المدافعين عن بيروت،تتحدثين مع الرجال والأشبال والفتيات والزهرات. تسألين هذا عن أهله،وذاك عن أخوته ورفاقه. كنت تحدثينهم عن برج البراجنة وشاتيلا وعن الحصار ومعاركه القاسية،وعن هؤلاء الرجال الذين غدوا أسطورة العرب وحكاية أطفال هذا الزمن.

صوتك يا نعم ! كان أنعم من صوت عصفور وأعذب من زغردة بلبل،لكنه بنفس الوقت،كان ساعة الشدة أقوى من راجمة كاتيوشا تنول بصواريخها على مواقع وتجمعات الغزاة. كلماتك كالرصاص تخترق صدورهم وعقولهم،تحطم معنوياتهم. لقد كنت يا نعم القمر الجنوبي الذي لا ينام. والذي أزال ظلام ليل الهزيمة. وآلة تسجيلك التي كنت تحملينها أينما اتجهت،ستبقى تعمل وتسجل أحاديث الرجال والأشبال وتروي أساطيرهم في معارك الحصار. مسجلتك ستروي للناس عبر راديو صوت فلسطين،حكايات من هذا الزمان،وأعاجيب نادرة من هذا المكان،من بيروت المحاصرة. حيث المدافعين عن شرف الأمة العربية في بيروت الغربية. هذه بيروت ،ميناء الحب والتمرد والعنفوان،مركز تجميع العرب من كل المدن والبلدان. هذه بيروت التي تبكي رحيلك يا بنت الجنوب،وتعرف عاصمة الغضب،أن جسدك تمزق أشلاء وتناثر على الشارع و الجدران،وبين الأشجار في الحرش البيروتي،الذي لازال صامدا رغم عشرات آلاف القنابل الحارقة.

أيها المقاتلون الذين ستفتقدونها !

لقد رحلت المذيعة الشجاعة،نعم الجنوبية،الجميلة،المسلية بكلماتها،التي تزيل الهم عن القلب وتبعث على السرور وراحة البال بالرغم من انشغال العقل والقلب بواقع الحال. رحلت بأحاديثها وبكل ما فيها من جمال ونبرات. رحلت بخصالها الثورية بسنابل محبتها وعزتها العربية. رحلت بعدما كانت الشمس التي كانت تطل من وراء الجبل الحزين. لتصبح بيروت كل يوم وتقول لكم أيها الصامدون،أن الشهيد القائد كمال جنبلاط يحيكم،يحيي صمودكم،وأنه سعيد بتألقكم ،رغم حزنه على وقوع الجبل بقبضة الاحتلال. رحلت الفتاة مبللة بدمها الذي روى أرض بيروت التي أحبتها. كان حبها لضيعتها الجنوبية كحبها لبيروت ولفلسطين. هكذا هو القدر،يخون البشر عند اخطر منعطف،يختطف المميز من بينهم،وهكذا رحلت نعم،بشكل خاطف. لكن رغم كل هذا يا نعم! ستبقين مميزة بحياتك وبموتك.

نعرف أن ثمن انتصارنا سيكون غاليا،وأننا سنفقد الأحبة والغوالي كل يوم في هذا الحصار اللعين. لكن إرادة المقاومة ستبقى أعلى من هدير الطائرات وأقوى من قصف الهمج. نَعَمْ لقد رحلت نِعَمْ الفلسطينية أكثر من بعض الفلسطينيين واللبنانية أكثر من معظم اللبنانيين.وتركت لنا ذكريات مسجلة في الراديو وأخرى مسجلة في عقول وقلوب وضمائر الناس.

نضال حمد

 * من مجموعة حصار بيروت 1982

  الحقوق محفوظة لنضال حمد

Copyrightę2004Nidal Hamad

اخبرونا عن أي وصلة لا تعمل

hnidalm@chello.no

تصفحوا سجل الزوار

عودة  /Back