حكايات السلف

أُجـرة الحمـار

حكم القاضي بمصر بإفلاس رجلٍ كَثُرت ديونُه، فأركبه حماراً وطوَّف به في البلد ليحترز الناس من معاملته بعد ذلك. فلما أُنزِل عن الحمار قال له صاحبُ الحمار:‏ ‏ أين أجرةُ الحمار؟‏ ‏ فقال له: يا أبله، فَفِيم كُنّا طول النهار؟! من كتاب "الكشكول" لبهاء الدين العاملي.

*

قصة أبي نواس مع شاعر الأندلس

‏ كان عباس بن ناصح، الشاعر الأندلسي، لا يَقْدم من المشرق قادمٌ إلا سأله عمَّن نَجَمَ هناك في الشعر، حتى أتاه رجل من التجار فأعلمه بظهور أبي نواس، وأنشده من شعره قصيدتين؛ إحداهما قوله: ‏ ‏ جَرَيْتُ مع الصِّبا طَلـْقَ الجُمُوحِ ‏ ‏ والثانية: ‏ ‏ أما ترى الشمس حَلـَّت الحَمَلا ‏ ‏ فقال عباس: ‏ ‏ هذا أشعرُ الجن والإنس. واللّه لا حبسني عنه حابس. ‏ ‏ فتجهَّز إلى المشرق. فلما حلَّ بغداد نزل منزِلة المسافرين، ثم سأل عن منزل أبي نواس، فأُرشـِد إليه، فإذا بقصر على بابه الخـُدَّام. فدخل مع الداخلين، ووجد أبا نواس جالسًا في مقعد نبيل، وحولَه أكثرُ متأدّبي بغداد، يجري بينهم التمثل والكلام في المعاني. فسلّم عباس وجلس حيث انتهى به المجلس، وهو في هيئة السفر. ‏ ‏ فلما كاد المجلس ينقضي، قال له أبو نواس: مَن الرجل؟ ‏ ‏ قال: باغي أدب. ‏ ‏ قال: أهلاً وسهلاً. من أين تكون؟ ‏ ‏ قال: من المغرب الأقصى. وانتسب له إلى قرطبة. ‏ ‏ فقال له: أَتَرْوي من شعر أبي المخشيّ شيئًا؟ ‏ ‏ قال: نعم. ‏ ‏ قال: فانشِدني. ‏ ‏ فأنشده شعره في العمى. فقال أبو نواس: ‏ ‏ هذا الذي طَلَبَتْه الشعراء فَأَضَلَّتْه. أنشـِدني لأبي الأجرب. ‏ ‏ فأنشده. ثم قال: أنشدني لبكْر الكنانيّ. ‏ ‏ فأنشده. ثم قال أبو نواس: ‏ ‏ شاعر البلد اليوم عباسُ بن ناصح؟ ‏ ‏ قال عباس: نعم. ‏ ‏ قال: فأنشِدني له. فأنشده: ‏ ‏ فَأَدْتُ القَريض ومَنْ ذا فَأَدْ ‏ ‏ فقال أبو نواس: أنت عباس؟ ‏ ‏ ‍‍‍‍‍قال: نعم! ‏ ‏ فنهض أبو نواس إليه فاعتنقه إلى نفسه، وانحرف له عن مجلسه. فقال له مَن حضَر المجلس: ‏ ‏ من أين عرفَته أصلحك اللّه؟ ‏ ‏ قال أبو نواس: ‏ ‏ إني تأمّلته عند إنشاده لغيره، فرأيته لا يُبالي ما حدث في الشعر من استحسان أو استقباح. فلما أنشدني لنفسه استَبَنْتُ عليه وَجْمَةً، فقلت: ‏ ‏ إنه صاحبُ الشِّعر! ‏ ‎‎ من كتاب "طبقات النحويين واللغويين" للزُّبيدي الأندلس. ‏

**

إني أرى في الكتاب ما لا ترون
‏ كان سديدُ المُلك، وهو أول من ملك قلعة شَيْزَر من بني منقذ، موصوفًا بقوّة الفطنة. وتُنقل عنه حكاية عجيبة، وهي أنه كان يتردد إلى حَلَب قبل تملّكه شيزر، وصاحب حلب يومئذ تاج الملوك محمود بن صالح بن مرداس. فجرى أمرٌ خاف سديد الملك على نفسه منه، فخرج من حلب إلى طرابلس الشام.‏ ‏ فتقدّم محمود بن صالح إلى كاتبه أن يكتب إلى سديد الملك كتابًا يتشوّقه ويستدعيه إليه. ففهم الكاتب أنه قصد له شرّا، وكان صديقًا لسديد الملك. فكتب الكتاب كما أُمِر إلى أن بلغ إلى "إن شاء الله تعالى"، فشدَّد النون وفَتَحَها. ‏ ‏ فلما وصل الكتاب إلى سديد الملك عَرَضَه على من بمجلسه من خواصه، فاستحسنوا عبارة الكتاب، واستعظموا ما فيه من رغبة محمود فيه وإيثاره لقربه. فقال سديد الملك: ‏ ‏ إني أرى في الكتاب ما لا ترَوْن. ‏ ‏ ثم أجابه عن الكتاب بما اقتضاه الحال، وكتب في جملة الكتاب: ‏ ‏ أنا "الخادم المقرّ بالإنعام"، وكسر الهمزة من أنا، وشدَّد النون. ‏ ‏ فلما وصل الكتاب إلى محمود، ووقف عليه الكاتب، سُرَّ الكاتب بما فيه، وقال لأصدقائه: ‏ ‏ قد علمتُ أن الذي كتبتُه لا يخفى على سديد الملك، وقد أجاب بما طَيـَّبَ نفسي. ‏ ‏ وكان الكاتب قد قصد قول الله تعالى: "(إِنَّ المَلأَ يأتمرون بك ليقتلوك)، فأجاب سديد الملك بقوله تعالى: ‏ ‏ (إِنـَّا لن ندخلها أبدًا ما داموا فيها)! ‏ من كتاب "وفيات الأعيان" لابن خلّكان.

 

 

 

 

 

**

 

 

 

 

***

أكثرُ الناس يقرأها بالفَتْح

قرأ الخليفة المتوكل يومًا، وبحضرته وزيره الفتح بن خاقان: (وما يُشْعِرُكُم أَنَّها إذا جاءت). فقال له الفتح:  ‏ يا سيدي، (إنّها إذا جاءت) بالكسر. ‏ ‏ ووقعت المشاجرة، فتراهنا على عشرة آلاف دينار، وتحاكما إلى يزيد بن محمد المهلَّبي الشاعر ـ وكان صديقًا للمبرّد ـ فلما وقف يزيد على ذلك خاف أن يَسْقُطَ أحدهما، فقال: ‏ ‏ واللّه ما أعرف الفرق بينهما. وما رأيت أعجب من أن يكون باب أمير المؤمنين يخلو من عالم متقدم. ‏ ‏ فقال المتوكل: ‏ ‏ فليس ها هنا من يُسأَل عن هذا؟ ‏ ‏ قال: ‏ ‏ ما أعرف أحدًا يتقدم فتى بالبصرة يُعرف بالمبّرد. ‏ ‏ فقال: ينبغي أن يُشْخَص. ‏ ‏ فلما أُدْخِل المبّرد على الفتح بن خاقان، قال له: ‏ ‏ يا بصريّ، كيف تقرأ هذا الحرف (وما يُشْعِرُكم إنها إذا جاءت لا يؤمنون) بالكسر، أو (أنها إذا جاءت) بالفتح؟ ‏ ‏ قال المبرد: ‏ ‏ (إنها) بالكسر. وذلك أن أول الآية: (وأَقْسَموا باللّه جَهْد أَيمانهم لئن جاءَتهم آية لَيُؤْمِنُنَّ بها، قُل إِنما الآيات عند اللّه وما يُشْعِرُكم)، ثم قال تبارك وتعالى: يا محمد .إنّها إذا جاءت لا يؤمنون) باستئناف جواب الكلام المتقدم) ‏ ‏ قال الفتح: صدقت ‏ ‏ ثم ركب إلى دار أمير المؤمنين، وعرّفه بقدوم المبرّد، وطالبه بدفع ما تخاطرا عليه فأمر المتوكل بإحضار المبرد. فلما وقعت عينه عليه قال: ‏ ‏ يا بصريّ، كيف تقرأ هذه الآية: (وما يُشْعِرُكم إنها إذا جاءت) بالكسر، أو (أَنَّها إذا جاءت) بالفتح؟ ‏ ‏ قال المبّرد: ‏ ‏ يا أمير المؤمنين، أكثر الناس يقرأها بالفتح. ‏ ‏ فضحك المتوكل وضرب برجله اليسرى، وقال: ‏ ‏ أَحضر يا فتحُ المال. ‏ ‏ فقال: إنه واللّه يا سيدي قال لي خلاف ما قال لك. ‏ ‏ فقال المتوكل: ‏ ‏ دعني من هذا. أحضر المال! ‏ ‏ وخرج المبرّد، فلم يصل إلى الموضع الذي كان أُنْزِلَه حتى أتته رُسُل الفتح. فلما أتاه قال له: ‏ ‏ يا بصريّ، أوّل ما ابتدأنا به الكذب! ‏ ‏ قال المبرّد: ما كذبتُ. ‏ ‏ فقال: كيف وقد قلتَ لأمير المؤمنين إن الصواب: (وما يُشْعِرُكم أَنها إذا جاءت) بالفتح؟ ‏ ‏ فقال: ‏ ‏ أيها الوزير، لم أقل هكذا، وإنما قلت: أكثر الناس يقرأها بالفتح. وأكثرهم على الخطأ. وإنما تخلَّصتُ من اللائمة، وهو أمير المؤمنين. ‏ ‏ فقال الفتح: أحسنت! ‏ من كتاب "طبقات النحويين واللغويين" للزُّبيدي الأندلسي. ‏

 

*