الانقلاب الكبير .. بغداد - بيروت
تأليف: ريشار لابفيير
عرض: بشير البكر
كيف انتقلت فرنسا من الدعوة إلى عالم متعدد القطبية، ومن رفض العولمة الأمريكية، إلى عالم آحادي القطبية وعولمة الولايات المتحدة. لماذا حصل التلاقي بين باريس وواشنطن من حول القرار 1559 الخاص بلبنان سنة 2004؟ وما القصة السرية لهذا القرار، وأسباب اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري، والاتفاقات بين الرئيسين شيراك وبوش بصدد إسقاط النظام السوري، وموقف إسرائيل من ذلك؟


عن هذه الاسئلة يجيب الكتاب الصادر حديثاً في باريس، عن دار سوي للصحافي الفرنسي ريشار لابفيير الذي يترأس تحرير اذاعة فرنسا الدولية تحت عنوان: الانقلاب الكبير: بغداد- بيروت. يبدأ الكتاب بوقفة عند خطاب وزير الخارجية الفرنسية دومينيك دوفيلبان (رئيس الوزراء حاليا) في فبراير/شباط 2003 امام مجلس الامن الدولي، خلال الخلاف الأمريكي الفرنسي تجاه الأزمة العراقية. في ذلك الوقت قال الوزير الفرنسي أسباب الرفض الفرنسي لحرب جديدة ضد العراق. لقد اعتقد الكثير من الفرنسيين انها يقظة، لكنها لم تكن اكثر من يقظة فجائية عابرة. ويبرر ذلك انه لم يكن هناك سياسة محددة او مشروع مضاد. هل هو نقص حاد في ارادة القوة، هل فقدت فرنسا امكانية الدفاع عن مطالبها، هل اصبحت أقل تأثيرا مما كانت عليه في زمن الجنرال ديغول؟ ويدلل الكاتب على هذه الحالة بإقرار القرار 1559 في ايلول/سبتمبر ،2004 والذي يعني التلاقي مع السياسة الأمريكية، الذي يعبر عن نفسه في العراق وفلسطين وايران والحرب ضد الارهاب لاحقا، وشيئا فشيئا يتحول الانقلاب الكبير من ممارسة إلى عقيدة.


ويقول الكاتب في المقدمة ان هذا التلاقي السياسي، عّبر عن نفسه مع بدء الهجوم الإسرائيلي على لبنان في الثاني عشر من تموز/يوليو الماضي، بعد هجوم حزب الله على الخط الاخضر. حتى الاول من آب /اغسطس تسببت غارات الطيران الإسرائيلي في سقوط 600 مدني لبناني، وتدمير البنية التحتية للبلد... وأدت إلى تهجير نحو 800 الف لبناني. ورغم هذه الحصيلة المروعة لم يتحرك أحد. لامؤتمر قمة الدول الثماني، الذي انعقد في سان بطرسبورغ، ولا الجامعة العربية، ولا مجلس الامن الذي كانت تترأسه فرنسا في يوليو. وينتقل للحديث عن مؤتمر روما الذي انعقد في 26 يوليو، والذي انتهى إلى العمل حالا من اجل التوصل بسرعة إلى وقف اطلاق للنار. لقد تبين ان المجتمع الدولي ومعه فرنسا اكتفى بالتفرج على إسرائيل، وهي تدمر لبنان بمباركة من واشنطن.

ويشرح الكاتب كيفية وصوله إلى كتابة هذا الكتاب. ويقول من اجل استيعاب هذا الانقلاب الفرنسي التقيت بكثير من الدبلوماسيين من اداريين وعسكريين فرنسيين واجانب، تحت الخدمة او في التقاعد. ولأسباب خاصة بهم رفضوا الاشارة اليهم صراحة، وبفضل هؤلاء يأتي الكتاب ليس كمحاولة او رواية، وانما كتحقيق. ويشير الكاتب إلى شخصيات عربية قدمت له المساعدة على انجاز هذا الكتاب منها الشيخ ددت في حضرموت ووليد شرارة وميشال سماحة في لبنان.
 
اجتماع سري بين نصرالله والسفير الفرنسي في بيروت

يبدأ الكاتب هذا الفصل المثير الذي عنونه باحزر من سيكون على العشاء؟ بالتقدم الذي طرأ على العلاقات الفرنسية - الأمريكية بعد أزمة الحرب على العراق، ويروي انه كل خمسة او ستة اشهر، يستقل مستشار الرئيس الفرنسي موريس غوردو مونتانيو الطائرة باتجاه واشنطن، ليلتقي مع نظيره الأمريكي مسؤول شؤون الامن القومي ستيفن هادلي. وفي كل اجتماع يمضي الرجلان عدة ساعات معا لتنسيق استراتيجياتهما في ما يخص لبنان وسوريا وايران والمناطق الاخرى الساخنة. وبعد ذلك يعود المستشار الفرنسي ادراجه. وما بين كل زيارتين لاتنقطع الصلات بين المستشارين فهما يتهاتفان دائما، وعادة ما يحصل ذلك مرتين في كل اسبوع يومي الثلاثاء والخميس. وحسب افتتاحية الواشنطن بوست اصبح الاليزيه بفضل هذه الدبلوماسية الخاصة، احد اكثر الحلفاء اهمية وفعالية بالنسبة للبيت الابيض. ولفهم اهمية هذا العمل يتوجب العودة إلى كانون الثاني/ يناير من سنة ،2005 مع الاخذ في الاعتبار ان القرار 1559 تم اقراره في 2 سبتمبر/أيلول ،2004 وشكل قاعدة المصالحة الفرنسية الأمريكية.

ويواصل الكاتب السرد، ان جورج بوش الذي انتخب بصعوبة في الولاية الاولى، اقنعه مستشاروه في بداية الولاية الثانية انه بحاجة إلى حلفائه الاوروبيين ليساعدوه على المستويين السياسي والعسكري، وفي تحمل اعباء فاتورة العملية التي بدأت تكلف دافعي الضرائب الأمريكين على نحو غال جدا. ولايعني ذلك انه يتوجب عليه ان يقوم بتغيير سياسي بل ان يتبع طريقة جديدة سماها خبراء العلوم السياسية تعدد الأحادية. اي ان نقوم بنفس السياسة الاحادية، ولكن شريطة ان نقوم باعلام الحلفاء والشركاء. وفي العشرين من يناير يسمي بوش في خطابه للولاية الثانية دول محور الشر، مركزا على الحرية الانسانية كمحرك للتاريخ، وبذلك تعلن الولايات المتحدة تبني سياسة دعم وتطوير الحركات والهيئات الديمقراطية في داخل كل امة وثقافة، من اجل وضع حد للشمولية. وقد اعاد التأكيد على الأمر نفسه في خطابه عن حال الاتحاد في 2 فبراير. وحدد الشرق الاوسط كهدف للسياسة الجديدة.

من اجل وضع هذه السياسة قيد العمل، اختار لها سيدة هي مستشارته الخاصة لشؤون الامن القومي كوندوليزا رايس التي خلفت كولن باول، وفي 18 يناير في حديثها امام مجلس الشيوخ من اجل المصادقة على تعيينها، لم تستشهد رايس الا بالوزير الإسرائيلي ناتان شارانسكي المنشق السوفييتي السابق الذي اصبح وزيرا في الحكومة الإسرائيلية كممثل عن اليمين المتطرف، وصار كتابه(قضية الديمقراطية) مرجعية لبوش. وحددت بأن مهمتها الاولى في الولاية الثانية هي القيام برحلة إلى اروربا، من اجل دعم الحرية على مستوى عالمي، وخصوصا في البلدان التي عارضت الحرب على العراق، أي فرنسا والمانيا. لقد قادتها جولتها على التوالي إلى لندن، برلين، فرصوفيا، انقرة، إسرائيل، الضفة الغربية، روما، باريس، بروكسل، اللكسمبورغ.

وفي باريس التي وصلتها من روما ألقت الوزيرة الأمريكية خطابا في الثامن من فبراير في معهد العلوم السياسية، اعتبره محيطها خطابا مرجعيا كبيرا. قفزت فيه على طروحاتها السابقة التي اطلقتها في سنة 2003 في العفو عن روسيا، وتجاهل المانيا، ومعاقبة فرنسا. وبعد ذلك التقت نظيرها الفرنسي ميشيل بارنيه، الذي بدا اقل بريقا من سلفه دوفيلبان، وكان اللقاء حميما، ثم التقت مع شيراك وجرى الحديث عن المرحلة الجديدة والتحضير لاجتماع الاطلسي والقمة الاوروبية الأمريكية المشتركة، التي انعقدت في نفس الشهر في بروكسل. وفي هذا الوقت في 22 فبراير استدعى بوش شيراك للعشاء في منزل السفير الأمريكي في بروكسل. وقد سبق العشاء اجتماع بين الرئيسين تركز على بحث الملف اللبناني السوري، وقد كان الحريري قد اغتيل قبل ثمانية أيام.

لقد كان شيراك بحاجة إلى الدعم الأمريكي من أجل تطبيق القرار 1559 وكان شيراك محددا في حديث خلال الاجتماع: ان من يعرف كيف يعمل النظام في السلطة في دمشق، يعلم من دون شك ان قرار قتل الحريري تم اتخاذه من قبل الرئيس بشار الاسد، وأي افتراض آخر لامعنى له. وقال شيراك لا يمكن ان نقول اننا مع الديمقراطية ونتركهم يخنقون الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة (لبنان)، ولكن يجب ان نتصرف بنعومة، وألا نهاجم سوريا مباشرة، لانها سوف تدعو بنجاح إلى التضامن العربي معها. لذا يجب ان يكون هدفنا هو حرية لبنان من السيطرة السورية، فسوريا تعتمد في جزء من حياتها على استغلال ثروة لبنان من خلال نظام فساد منظم من قبل الاوليغاركية في البلدين. ان النظام السوري يشكل آخر نموذج للانظمة الستالينية، ولبنان هو بمثابة كعب أخيل لها.

تنسيق أمريكي  فرنسي

أعجب بوش بدرس نظيره الفرنسي، وروى عليه ان زوجته لورا لفتت انتباهه إلى ضرورة مهاجمة سوريا عن طريق لبنان، ولكن كيف بوسعنا ان نحقق هدفنا؟. ويجيب شيراك محددا قبل كل شيء أهمية لجنة التحقيق الدولية بصدد اغتيال الحريري يجب ان تكون قوية ومدعومة من المجتمع الدولي. واصر على وجوب مساعدة المعارضة اللبنانية، حيث هناك في لبنان اليوم حركة شعبية كبيرة معارضة لسوريا لكن زعماءها يخشون ان يتعرضوا للاغتيال، وبعضهم سوف يتعرض لذلك من دون شك. وطوّر شيراك بعد ذلك توصية ثانية: يجب عدم خلط المرحلتين السورية اللبنانية، مع عملية السلام في الشرق الاوسط، وإلا سوف نفقد الشيعة الذين سوف ينضمون إلى سوريا. ان سوريا سوف تظل تتخذ من عملية السلام ذريعة من اجل رفض كل تغيير في لبنان. وهنا التزم بوش بأن يمرر هذه الرسالة إلى المسؤولين الإسرائيليين، وطلب من نظيره الفرنسي ألا يقلق في حال تجددت الحرب الاهلية في لبنان بمجرد مغادرة السوريين للبنان.. لكن شيراك شرح له ان ظروف اليوم مختلفة عن تلك التي سادت في سنة ،1975 وان اجهزة المخابرات السورية اكثر خطرا من الجيش لكن من الممكن مراقبة انسحابهم، لانهم مكشوفون للشارع، ومعرضون للعواقب. واصر شيراك على تطبيق فوري للقرار ،1559 واعاد ما سبق ان ذكره لبوش عدة مرات ان تطبيق القرار 1559 سيكون مميتا بالنسبة للنظام السوري. وفي حال عدم تطبيق القرار نستطيع ان نظل نقول ان الانتخابات في لبنان لايمكن ان تكون حرة ولا ديمقراطية... وسيكون هناك الوقت الكافي للعودة إلى مجلس الامن من اجل فرض عقوبات. يجب دراسة العقوبات الاقتصادية، المباشرة وغير المباشرة، لأن النظام السوري قائم على نهب منظم للبنان من طرف أعلى هرم السلطة في سوريا.

وكانت الخلاصة في هذا الاجتماع من نصيب بوش الذي بدا مرتاحا جدا للنقاش، فقال أرى الطريق الذي يجب ان نتبعه بوضوح، انه مشروع شديد الاهمية، انها لحظة عظيمة. واقترح ان يظل وزيرا الخارجية وفريق المستشارين على اتصال دائم. وباقتراح من رايس تم الاتفاق على ضرورة اعلام ممثل الامم المتحدة الخاص بتطبيق القرار 1559 تيري رود لارسون، لكي يتعاون في وضع هذه الاستراتيجية من دون ان يتدخل في عمل لجنة التحقيق الدولية باغتيال الحريري، التي يجب ان تظل تعمل بطريقة مستقلة ذاتيا. وقد اختتم الاجتماع بإصدار بيان مشترك يطلب الانسحاب الفوري لسوريا من لبنان، والتنفيذالكامل والفوري للقرار 1559 بكافة عناصره بما يضمن السيادة والاستقلال وبعد نهاية اللقاء، وقبل تناول العشاء، أطل الرئيسان على الصحافيين والمصورين وكان يبدو عليهما الانشراح، وبادر بوش الصحافيين بالقول، هذا اول عشاء لي في اوروبا بعد اعادة انتخابي، وهو مع شيراك. وهذ تعبير عن الاهمية التي نوليها لعلاقاتنا المشتركة.
تناول البحث على العشاء الشأن الايراني، وطلب شيراك من بوش دعم الجهود الاوروبية، حيث تقوم فرنسا والمانيا وبريطانيا منذ عدة أشهر بمساع مشتركة، بهدف الوصول إلى اتفاق لتعليق ايران نشاطاتها النووية. وقد وافق بوش على ذلك، من غير ان يستبعد أي خيار في حال فشل المفاوضات، وعدم توصلها إلى نتائج ملموسة.

في هذا الجو المتوتر طار المستشار مونتانيو في نهاية فبراير إلى طهران في مهمة مزدوجة: دفع الملف النووي، والحصول على ضمانات من الايرانيين، بأن يلتزم حزب الله التهدئة في ما يتعلق بتطبيق القرار 1559 الذي يطالب بنزع سلاحه.

وفي صورة موازية في بيروت تحرك السفير الفرنسي برنارد ايميه، الذي لعب دورا اساسيا في التقارب الأمريكي الفرنسي والتوصل إلى القرار ،1559 ولكونه من اكثر العارفين لطبيعة التوازنات اللبنانية، أراد أن يستبق كل سوء فهم، وطلب من مساعديه اقامة صلة مع السلطات الشيعية، من اجل ايصال الرسالة المفيدة المترتبة على القرار ،1559 ويتحدث الكاتب هنا عن الثقل السكاني الذي تمثله الطائفة الشيعية، وعن بعض رموزها البارزة مثل المرجع الشيخ محمد حسين فضل الله. ويقول انه جرى تحديد موعد مع نبيه بري رئيس البرلمان وحركة أمل، اما ايصال الرسالة فيتم عن طريق نواف الموسوي مسؤول العلاقات الخارجية في حزب الله. وهي تتضمن النقاط الاربع التالية:

* اولا: لا يرمي القرار 1559 إلى غير هدف واحد هو استعادة السيادة اللبنانية كاملة، وهذا القرار غير موجه ضد احد، وصدر كإجابة على التدخل السوري في الانتخابات الرئاسية اللبنانية.

* ثانيا: يجب ان يطبق هذا القرار بالكامل من اجل ضمانة عدالة وشرعية الانتخابات التشريعية، التي سوف تجرى في يونيو ،2005 وفي ما يخص نزع سلاح حزب الله فإن حل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ليس جديدا، وهو متضمن في اتفاق الطائف الذي تم الاتفاق عليه بين اللبنانيين انفسهم.

* ثالثا: تعارض فرنسا على الدوام وضع حزب الله على لائحة المنظمات الارهابية، رغم الضغوطات البريطانية والايطالية، لانها تعتبر ان لهذه المنظمة بعدا سياسيا فعليا من خلال نوابها الذين يشاركون في الحياة السياسية البرلمانية للبلاد. وسيكون من المهم ألا يقدم الحزب ذلك على طبق من ذهب للذين يرغبون بإقصائه عن المشهد السياسي.

* رابعا: من المهم احترام الشرعية الدولية، والخط الازرق الذي تم اعتماده من طرف المجتمع الدولي. هذا خط الهدنة بين لبنان وإسرائيل- بما في ذلك مزارع شبعا- يبقى المرجع المعتمد من طرف الامم المتحدة.
ويواصل الكاتب سرد هذه الوقائع التي تتناول جوانب مجهولة من علاقات فرنسا مع حزب الله، ويكشف عن اللقاء الذي حصل بين الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله والسفير الفرنسي في بيروت برنار ايميه. ويقول ان السيد نصرالله طلب في منتصف نيسان/ ابريل موعدا للقاء سري مع السفير الفرنسي. ارسل ايميه الطلب إلى باريس، موضحا قلق حزب الله الذي يعتبر ان القرار 1559 استخدم من طرف واشنطن وتل ابيب، والاستفسار الاساسي يختص بالشق الثاني من القرار الذي يتحدث عن نزع سلاح المقاومة. ويقول الكاتب ان السفير خان سرية اللقاء واخبر الأمريكيين في صورة مسبقة، لكي لاينظروا إلى الأمر من زاوية سلبية. ومن أجل أن يهدئوا الإسرائيليين الذي يعارضون في صورة دائمة كل خطوة من هذا القبيل.

أعطى الكي دورسيه الضوء الاخضر للقاء، محددا انه عدا الرسائل الاربع، لابد من استغلال المناسبة لتوضيح الشروط لمراقبة الاجواء الإسرائيلية من قبل طائرة من دون طيار ارسلها حزب الله في 11 ابريل سنة ،2005 ان هذا التحليق من شأنه ان يرفع مستوى التوتر على طول الخط الازرق. ويوضح مسؤول كبير في وزارة الخارجية الفرنسية ان التحليق يعطي ذريعة لاولئك الذين يطالبون بوضع الحزب على اللائحة الاوروبية للمنظمات الارهابية.

في هذا الوقت وجه السيد نصرالله رسالة طويلة إلى فرنسا عبر جريدة السفير، وتناولتها صحيفة الفيغارو الفرنسية تحت عنوان رسالة إلى صديق فرنسي، يذكّر فيها بمواقف حزبه التقليدية، مبتدئا بالحديث عن عقيدة المقاومة، واعتبرها انها عنصر ردع وحماية في وجه إسرائيل، أي ان فعلها محصور في الدفاع وما تقوم به هو بالتشاور مع الجيش اللبناني، وهو يحسب في اطار استراتيجية الدولة اللبنانية. ثم ان القرار 1559 يعتبر تسوية فرنسية أمريكية تسببت بالحاق الاذى بلبنان، لانها كانت ذات مفعول هز الاستقرار على المستوى السياسي الداخلي.

وذكّر نصرالله بصلة الصداقة الشخصية التي تجمعه بالحريري، واتفاقهما في وجهات النظر، مؤكدا الاتفاق من حول المقاومة، وفي نفس الوقت على مشروع سياسي حديث ومحدد بالنسبة للبنان الغد.
كان الهدف من توجيه الرسالة التي تعتبر تصرفا سياسيا قويا غير معتاد، هو تمهيد اللقاء السري بين نصرالله والسفير الفرنسي، الذي كان يفترض فيه انه سوف يوسع الآفاق.
حصل اللقاء في 16 ابريل 2005 في مكتب السيد نصرالله في الضاحية الجنوبية في حارة حريك، ودام ساعتين ونصف الساعة. وقد استمع نصرالله بانتباه شديد إلى الرسائل الفرنسية، قبل أن يجيب نقطة بنقطة بصراحة شديدة حسب تعليق السفير ايميه.

استهل نصرالله الحديث بالتأكيد على اهمية اختلاف فرنسا عن الولايات المتحدة، موضحا انه يحترم لفرنسا هذا الموقف، وان حضور الرئيس شيراك في جنازة الحريري موقف تم تثمينه من طرف اللبنانيين. واضاف ان اللبنانيين ينتظرون من فرنسا اليوم ان تساعدهم على المستوى الداخلي، لكي يستيطعوا مواجهة التحديات الخارجية، وحزب الله يعلم ان فرنسا تريد للبنان الامن والاستقرار، لكن ليس من حق أحد فرض ارادته على اللبنانيين.

على المستوى الداخلي، اعتبر ايميه ان هناك مرحلة جديدة قيد البدء في لبنان الذي يجب ان يأخذ مصيره من الآن بيديه، وان فرنسا تراهن على حس المسؤولية لدى جميع اللبنانيين، وخصوصا من طرف حزب الله من أجل انجاح العملية الديمقراطية من خلال المشاركة في الحوار الداخلي. وتابع السفير يقول يتوافر اليوم توافق لبناني داخلي من أجل تسوية تدريجية وجدية لقضية المقاومة، وقد حانت لحظة نزع سلاحها، كما ان فرنسا تأمل تطبيقا كاملا للقرار 1559.

وقد رد نصرالله على ذلك بقوله: ان حزب الله يريد هو الآخر لبنانا ديمقراطيا، وسيكون من اول المساهمين فيه كونه يعبر عن الحركة الاكثر شعبية، ويمثل اكبر طائفة في البلد. واضاف ان اقامة جمهورية اسلامية في لبنان مسألة غير واردة، وغير ممكنة التحقق نظرا للتعدد الطائفي. وذكّر ان حزب الله كان من اكثر انصار الحريري، وهو يشعر بالسعادة لأن نجله سعد يسير على نفس الطريق. كما ان الحزب يساند العملية الجارية وحكومة ميقاتي الانتقالية، والتوصل إلى قانون انتخابي جديد واجراء الانتخابات في أقرب أجل ممكن، من أجل تفعيل العملية الديمقراطية، وانه جاهز لالتقاء كل القادة السياسيين وممثلي الطوائف وعلى رأسهم البطريرك صفير. كما ان الحزب يريد تعاونا مع لجنة التحقيق الدولية حول اغتيال الحريري، ولكنه يتمنى في نفس الوقت ألا تنحرف اللجنة عن هدفها في البحث عن الحقيقة وكشف المجرم الفعلي، وعليها ان ترفض استخدامها لاغراض سياسية.

وفي ما يخص المقاومة الوطنية، ذكّر السفير بضرورة أن يتوقف حزب الله عن خروقاته ضد إسرائيل وخصوصا ارسال طائرة من دون طيار للمراقبة. ورد نصرالله مستعينا بالشروحات التي وردت في رسالته الى صديق فرنسي، بأن المقاومة الوطنية ليست اكثر من حاجة دفاعية وردعية في وجه الخروقات الإسرائيلية شبه اليومية للاجواء اللبنانية، من جانب الطيران الإسرائيلي. ثم ان ارسال طائرة من دون طيار هو رد متواضع وغير هجومي على الخروقات الإسرائيلية. واضاف ان حزب الله لايريد ان يقاتل من دون نهاية، بل هو جاهز للحوار حول مستقبل المقاومة، اذا ما توفر بديل اكثر فعالية لضمان الدفاع عن لبنان، وهو لايقدم اية ضمانة دولية على هذا الصعيد، وخصوصا لإسرائيل التي تنتهك التزاماتها كل يوم. واعاد عدة مرات تكرار مسألة رفض تقديم ضمانات على المستوى الدولي، وقال انه لايقدم ضمانات الا على المستوى المحلي.
وقد أبدى السفير القلق والانشغال من حول الدور الذي يلعبه حزب الله على صعيد الداخل الفلسطيني. لكن نصرالله رد على هذه النقطة بقوله: ان حزب الله حركة لبنانية صرفة، ونحن لانقوم بأي عمل عسكري إلى جانب الفلسطينيين، أو في مكانهم. ان المقاومة الوطنية لم تضع نفسها ابدا تحت تصرف أية نزاعات أخرى. وان تحرير فلسطين هو عملية من اختصاص الفلسطينيين وحدهم، ومن حيث المبدأ نحن نساند مبدأ الهدنة التي توصل اليها محمود عباس مع المجموعات الفلسطينية المسلحة.

وحول موضوع سوريا، تمنى نصرالله ان يتم اتباع جانب الحذر فسوريا بلد مفتاح لمستقبل لبنان، وفي حال استمرار الحرب مع إسرائيل، فإنه من مصلحة لبنان واللبنانيين عدم القيام بشيء من شأنه اضعاف أمن سوريا واستقرارها. وقال ان حزب الله يرفض أي تغيير للسطة في سوريا لانه اذا استهدفت سوريا، سوف تعم الفوضى في كل المنطقة.

اختتم الطرفان اللقاء برسالة نهائية، فمن جانب ايميه اكد على دور فرنسا في لبنان، وان هدفها هو ان تكون إلى جانب جميع اللبنانيين، ومع تنفيذ القرار ،1559 أما نصرالله فقد اعرب عن امله في مواصلة الحوار مباشرة، وفي صورة دائمة، لكنه يخشى كل شيء من جانب الولايات المتحدة.

ويكشف الكاتب انه بعد ثلاثة ايام من اللقاء اي في 19 ابريل/نيسان، التقى السفير الفرنسي بنظيره الأمريكي جيفري فيلتمان، واطلعه على ما دار خلال اللقاء وخصوصا الانشغال الأمريكي الإسرائيلي من حضور حزب الله في الاراضي الفلسطينية، وارسال طائرات من دون طيار، واكد ايميه على ضرورة الطابع السري للقاء، وان المستشار مونتانيو سوف يحمل مضمونه إلى واشنطن. لكن السفير الأمريكي اجاب بأن اللقاء لقي صدى طيبا لدى وزارة الخارجية الأمريكية، مؤكدا ان واشنطن تتحاور مع حزب الله بطريقة غير مباشرة بواسطة اجهزته الامنية. وأبدى السفير الأمريكي سعادته للأولوية التي تعطيها واشنطن للتنسيق الأمريكي الفرنسي بشأن لبنان. ويشرح هذا التنسيق نفسه من خلال التأثير الذي خلفته محادثات ايميه مع نصرالله، على صعيد تحليق الطائرة من دون طيار. وقد وعد بأنه لن يتخذ اية مبادرة من دون استشارة صديقه ايميه. وقال ان الجزء الاكبر من التفاهم الفرنسي الأمريكي يتحقق على الارض.

وواصل الكاتب سرد هذه الوقائع السرية، ويقول في عشاء جرى في واشنطن في 22 ابريل شاركت فيه الوزيرة رايس والمستشار هادلي، ومن الجانب الفرنسي مستشار شيراك والسفير الفرنسي في واشنطن جان ديفيد ليفيت، كانت سوريا ولبنان هما الموضوع الرئيسي للمفاوضات. وقد حيت رايس التعاون الاستثنائي الذي دشن في الخامس من يونيو من ،2004 حين جرى الاجتماع بين الرئيسين في الذكرى الستين لانزال النورماندي، وتوج بعشاء بروكسل في فبراير ،2005 وفي الوقت الذي اشارت إلى الطابع المثالي للقرار ،1559 اعتبرت انه يفتح آفاقا تذهب بعيدا. وقالت رغم هذه النجاحات يجب ان تستمر حالة اليقظة ومواصلة الضغط الدولي على سوريا ولبنان. والحت على ضرورة منع دمشق من التلاعب في عملية سحب جنودها من لبنان، وابدت سعادتها لأن عائلة الحريري اختارت الشاب سعد ليحمل الشعلة، وان الاستمرارية واضحة بالنسبة إلى جميع العالم. وقالت انه سيكون في عداد وفد الملك عبدالله بن عبد العزيز حين يزور واشنطن وسوف يستقبل على اعلى المستويات. وفي باريس كان شيراك قد استقبله، وهو اليوم الوجه الجديد لمستقبل لبنان الديمقراطي، على حد تعبير مستشار شيراك.

بدوره ابدى مونتانيو غبطته للتقدم الذي حصل والتعاون التام بين البلدين، واشار إلى انه سمح بالحصول على دعم روسيا والبلدان العربية والغالبية العظمى من المجتمع الدولي. ولكن مستشار شيراك تساءل : اين نحن اليوم، فلقد حصل الانسحاب السوري وحكومة ميقاتي مرضية، وبقي الحصول على القانون الانتخابي، وكذلك ضرورة ممارسة الضغط على حزب الله لكي يندمج بالدولة اللبنانية؟.

أما المشكلة الأخرى التي تم الوقوف امامها فهي تتعلق بالامن، حيث لا يفضل اللبنانيون اتفاق سلام منفصل مع إسرائيل، فهو يذكرهم بذلك الذي وقعه بشير الجميل في مايو ،1983 والذي كانت نتيجته استئناف الحرب. ويقول مونتانيو هنا ان ما نأمله هو ان يكون لبنان من دون عداوة مع سوريا، وليس تابعا لها، ولهذا لابد من جيش قوي بحاجة إلى تجهيزات وتدريب تقدمها فرنسا واوروبا والولايات المتحدة.

أبدت رايس موافقتها على جميع النقاط، لكنها اضافت إلى النقاش القلق الإسرائيلي من حزب الله بعد انسحاب الجيش السوري، فيما اعتبر مونتانيو ان استمرار تطور الموقف في لبنان يضعف النظام السوري، ويدفع حزب الله لترتيب مستقبله كقوة سياسية وليس عسكرية. وعرض مستشار شيراك تقريره عن اجتماع ايميه مع نصر الله والذي اقترحت رايس ان يترجم فورا إلى الانجليزية وترفع منه نسخة إلى بوش، واقترحت ان يتم ارسال مبعوث فرنسي إلى دمشق لينقل رسالة واضحة وصريحة تقول للمسؤولين هناك، اننا نمسك باعناقكم، وبوسعنا خنقكم. توقفوا عن التدخل في لبنان، ولا تزال امامكم الفرصة سانحة لاختيار استراتيجي. طبقوا القرارات التي اتخذتموها في مؤتمر حزب البعث في يونيو بصدد الاصلاح السياسي والاقتصادي، وإلا فإنكم لن تستعيدوا الجولان ابدا.

لم يكن مستشار شيراك بعيداً عن هذا الرأي، وخصوصا في ما يتعلق باستمرار الضغوط على النظام السوري، ولكن بالنسبة إلى فرنسا نستطيع ان نتحدث بصراحة مع المسؤولين السوريين، ولكن يجب ان يتم ذلك في السر. وفي العلن يجب ألا نعطي الانطباع بأننا نريد اسقاط النظام السوري. ولم يستبعد مونتانيو ان هذا النظام يمكن ان يسقط من خلال انقلاب عسكري من طرف زوج شقيقة بشار آصف شوكت الجاهز لكل شيء لازاحة العصابة العائلية. وتمتلك رايس معلومات في نفس الاتجاه، لذا على بشار ان يفهم بأن المجتمع الدولي وحده القادر على انقاذه، شريطة ان ينقل البارودة إلى الكتف الآخر، وطالبت بتحضير مشروعين أوليين مكتوبين حول هذا الامر، ووعد مستشار الرئيس الفرنسي ان يكلف من طرفه ديبلوماسيين للعمل على اللاورقة.
 

فنجان شاي مع جميل السيد
يقيم الكاتب نوعاً من المقاربة بين اقتحام سجن اريحا في مارس/آذار الماضي من جانب القوات الاسرائيلية، واختطاف مجموعة من الموقوفين الفلسطينيين ومنهم الامين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين احمد سعدات، وبين اللقاء مع شخصية امنية عربية أراد الاستشهاد بآرائها. وهو بذلك يضع نوعاً من مخطط لاحداث سجن اريحا. ففي 8 مارس/آذار ارسلت وزيرة الخارجية الأمريكية ونظيرها البريطاني حينذاك جاك سترو برسالة إلى الامين العام للأمم المتحدة كوفي أنان يعلمانه فيها، بقرارهما سحب مراقبيهما ال15 الموجودين في السجن منذ سنة ،2001 بناء على اتفاق رباعي فلسطيني  إسرائيلي  أمريكي  بريطاني. والعذر الذي ساقته الرسالة هو  ان المراقبين في خطر، في حين ان هؤلاء عبارة عن عناصر في الوحدات الخاصة. وتم ارسال نسخة من الرسالة إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الاسرائيلي إيهود أولمرت في نفس اليوم.وفي يوم 11 مارس/آذار لم يتفوه سترو بكلمة عن الامر خلال اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الاوروبي في سالزبورغ، لكن الوزراء اعادوا التضامن مع ابو مازن من دون التطرق للقضية، هذا في الوقت الذي وصل فيه ابو مازن إلى فيينا كأول نقطة في جولته الاوروبية التي كانت تهدف إلى تشكيل حكومة فلسطينية جديدة، والبحث في وضع المساعدات الاوروبية للفلسطينيين، على ضوء الانتصار الذي احرزته حركة حماس في شهر يناير/كانون الثاني الماضي. وفي اليوم الموالي اضطر ابومازن لقطع زيارته إلى بروكسل، رغم ضغوط المفوض الاعلى للخارجية والامن في الاتحاد الاوروبي للبقاء، وذلك في الوقت الذي اعلن فيه الملحقان العسكريان الأمريكي والبريطاني عن بدء القوات الاسرائيلية للعملية.يكمل الكاتب سرد تفاصيل هذه القضية ليصل إلى المقاربة التي يقدمها محدثه، الذي هو عبارة عن رجل امن سابق ادار اجهزة الامن في بلاده لمدة 25 سنة قبل ان يصبح مستشاراً للامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى.يصف الكاتب محدثه بأنه مثل أي رجل أمن عربي يتحدث بهدوء ويختار كلماته بعناية. وهو قرر أن يبدأ حديثه بالتعليق على احداث الامس القريب، مستنتجا من ذلك ان ذلك يقرع اجراس موسيقا تحذيرية، هي الاكثر سوداوية ليس فقط بالنسبة للشرق الاوسط، وانما ايضا للعالم ككل، للعالم ككل.ويقول الكاتب ان قضية سجن اريحا، تعكس بالنسبة لمحدثي اعراض احتقان مزمن بدأ يقسو اكثر منذ حرب العراق الثانية إن الامر يشبه قصة الرسوم الكاريكاتيرية الدنماركية، حيث بوسع رسم ان يطلق عاصفة مدمرة، وهذا يعني انه حلت في مكان السياسة التقليدية مواجهة ثقافية مزعومة، وبالتالي يصبح كل غربي في البلدان العربية الاسلامية هدفا للرد او رهينة، وبالعكس يصبح العربي والمسلم خطراً في نظر الغرب، أو ارهابياً. وسوف نصبح بعد وقت غير بعيد غير قادرين على السفر والحركة والخروج من بيوتنا. ويصل الكاتب بمعية محدثه إلى نتيجة وهي ان مزامير اريحا تقرع لترمز إلى عالم يتشظى ويبقى كل في مكانه.
تنتقل المحادثة فجأة إلى ضفاف بحيرة ليمان في جنيف، وتكون الجلسة ايضا مع رجل أمن آخر، يرى ان هناك ضرورة في استعادة التاريخ اذا أردنا ان نمسك بخيوط قوة الشرق الجديد المعقد كثيراً. ويواصل: لم نتمكن في الحقيقة من استيعاب إلى أي مدى ان ازمات الشرق الاوسط الراهن، هي نتاج تفكيك الامبراطورية العثمانية بسبب التمرد العربي سنة ،1916 ذلك بأنه منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اندلاع حرب سنة ،1967 ظل الشرق الاوسط يمثل مسرحاً استراتيجياً. وقد تم تجاوز مرحلة جديدة مع حرب سنة 1973 التي وضعت القوات النووية السوفييتية والأمريكية في حالة استنفار، ولذا اصبح الشرق الاوسط ساحة لتسابق التسلح على المستوى الاقليمي، الأمر الذي انعكس في تغييرات على مستوى البترول، وقد جاءت الصدمة البترولية بالتزامن مع المشاكل الكبرى التي يعانيها الاقتصاد الغربي، كالتضخم والانكماش والبطالة والعجز في الميزان التجاري وميزان المدفوعات.لقد بقيت النزاعات الشرق اوسطية على اجندة القوى العظمى، رغم خطورتها تأتي في المكانة الثانية، حتى نهاية  الحرب الباردة. وكانت الاولوية للمسرح الاوروبي، وتم التركيز على جدار برلين، لكن بعد نهاية هذه الحرب طرح الشرق الاوسط نفسه كمحور أساسي، ولم يعد العالم يتحدث عن الصراع العربي  الاسرائيلي وانما عن النزاع الفلسطيني  الاسرائيلي.. وقد أخذ هذا النزاع أبعاداً مهمة بسبب تطور وسائل الاعلام في السنوات الاخيرة وخصوصاً قنوات التلفزيون.ويستمر الكاتب في عرض رؤيته الخاصة، ويلاحظ انه منذ انتهاء الحرب الباردة أصبح العامل المادي يلعب دوراً كبيراً، ويتوقف عند المشروع الأمريكي لتغيير بعض الحكومات، وتفجيرات 11 سبتمبر وصراع الحضارات، ويعود إلى خطاب دوفيلبان امام الامم المتحدة وتعلق الرأي العام به، ويصل إلى عدة استنتاجات جوهرية، منها ان الامم المتحدة تبقى ضرورية رغم الانتقادات الكثيرة التي يمكن ان نسوقها ضدها. وان الولايات المتحدة غير قادرة على السيطرة على الكون رغم نهاية حلف فرصوفيا والثنائية القطبية. والاستنتاج الثالث هو خطأ مقولة صراع الحضارات، لأن خلاف الثقافات وتنوعها لاينتهي على نحو قدري إلى مواجهة، ولابد من تقديم اجابة سياسية عن الفوضى الكونية الراهنة.يختتم الكاتب الفصل الاول الذي أراده ان يكون جولة افق حول الوضع الدولي، بالتغير الذي طرأ على السياسة الفرنسية خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وينطلق في صورة اساسية من تداعيات حرب العراق التي كانت سببا في الخلاف الأمريكي  الفرنسي. ويكشف انه انطلاقا من هنا ايضا تمت المبادرة لإعادة العلاقات إلى ما كانت عليه، وفق تفاهمات جديدة لا علاقة لها بالسياسة التقليدية الفرنسية، والعنصر الاساسي في هذه التفاهمات هو تخلي باريس عن مواقفها القديمة والشروع في السير على خط السياسة الأمريكية. وكانت البداية في هذا التلاقي الجديد في لبنان من حول القرار 1559 وفي طريقه إلى بيروت يطرح الكاتب سلسلة من التساؤلات: كيف انتقلت فرنسا من رفض الحرب على العراق إلى القرار 1559؟ كيف يستطيع شيراك إخراج مسألة السيادة اللبنانية من إطارها الاقليمي، وإبعادها عن التسوية الشاملة للنزاع العربي  الاسرائيلي؟ لماذا تخلت باريس عن المطالبة بروزنامة لانسحاب القوات الأمريكية من العراق؟ لماذا وضعت الدبلوماسية الفرنسية مواقفها الشرق اوسطية تحت السجادة وهي تشارك في محادثات الترويكا الاوروبية التي تهدف إلى منع الخيار النووي الايراني؟ ويلاحظ بالاضافة إلى ذلك صمت باريس تجاه  قضية اقامة الدولة الفلسطينية وقيام إسرائيل باجتياح غزة من جديد وشن حرب الصيف على لبنان، وكذلك اقحام شيراك لاستراتيجية الردع النووي في مواجهة الدول المارقة والارهاب، والتلاقي مع العقيدة الامريكية التي سادت بعد 11 سبتمبر، باختيار طريق الحرب في مواجهة الحرب.


اسئلة كثيرة بعضها يقدم الكاتب اجابات حولها من خلال معلومات خاصة، وبعضها تخونه الاجابة حينما يصر على البقاء في طرف واحد.


شاي مع جميل السيد


اختار الكاتب أن يبدأ الكتاب بفصل عنوانه الدائرة اللبنانية يتفرع عنه عنوان شاي مع جميل السيد، حيث يصف الكاتب رحلته إلى بيروت في 29 أغسطس/آب ،2005 وبعد ذلك يدخل إلى الموضوع الرئيسي وهو اللقاء مع المدير السابق للامن اللبناني العام جميل السيد، الذي تشاء المصادفات ان يتم ايقافه من قبل لجنة التحقيق الدولية في فجر الليلة نفسها، ومن هنا اهمية هذا اللقاء الذي يعتبر الأخير للسيد مع الاعلام من جهة، ومن جهة ثانية فهو يعكس حالته الذهنية في تلك اللحظة.يقول الكاتب قرأت في الطائرة حلقات الحوار التسع الذي اجرته معه صحيفة الحياة، وذلك في الوقت الذي كانت توجه إليه اصابع الاتهام في ما يتعلق بعملية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري.وقبل ان يدخل في التفاصيل يرسم صورة قلمية للسيد الذي يبلغ 64 سنة، تنطلق من ولادته في عائلة شيعية من البقاع ودراسته في بيروت وتطوعه في الجيش اللبناني في سلاح المدرعات، حيث خدم في الفرقة الاولى، التي كانت متمركزة في بيروت سنة 1967 وبعد ذلك يتولى مسؤولية مخابرات الفرقة الاولى، ومن ثم يصبح في 1982 مساعداً لمسؤول مخابرات الجيش في البقاع العقيد ميشيل رحباني، وفي نفس الفترة يتبع فترة تدريب (ستاج) في الولايات المتحدة (مخابرات عسكرية) في اريزونا، لمدة اربعة اشهر ضمن برنامج التعاون المشترك بين البلدين، وبعد عودته تعرض لعملية اغتيال قتل خلالها سائقه. ومنذ هذه اللحظة اصبح يبدأ التقرب من رئيس جهاز المخابرات السورية في لبنان غازي كنعان، وفي عام 1984 اصبح مسؤول امن البقاع بعد ان نقل الرحباني إلى بيروت، لكنه عين في سنة 1989 بالاتفاق مع دمشق مسؤولا لأمن الرئيس الياس الهراوي. وفي هذه المرحلة بدأ باعادة بناء جهاز مخابرات الجيش اللبناني بالتعاون مع سوريا، وتعين في هذه الفترة نائبا من جديد للرحباني. وفي ديسمبر/كانون الاول سنة 1998 عينه الرئيس اميل لحود مسؤولا للامن العام اللبناني. ويقول الكاتب ان السيد بدا في هذه الفترة على صلة بالمشهد السياسي اللبناني، حيث كان المسؤول الوحيد الذي رافق الرئيس لحود في زيارته الرسمية الأولى إلى دمشق. وهو بذلك اصبح مفتاح العلاقات بين بعبدا ودمشق، وبين الرئيس لحود وبعض معارضيه مثل الحريري ووليد جنبلاط.


ينتقل الكاتب ليصف لقاءه بالسيد في صالون كبير مطل على البحر زينت جدرانه صور السيد مع البابا يوحنا بولس الثاني خلال زيارته إلى لبنان ومع شيراك وحافظ الاسد ونجله بشار. هو رجل مربوع بعينين وقادتين. شاي أم عصير برتقال؟


جلس وهو يعقد يديه من حول ركبته في جلسة تعكس توتره في ذلك الوقت: استمزجت بعض الآراء قبل أن التقي بك، لانكم كما ترون فالموقف في لبنان في طور التحول إلى  حالة من الهستيريا في الوقت الراهن. هناك من يبحث عن أكباش فداء، ويبدو ان جهاز مخابرات هذا البلد في طور ان يوضع في هذا الموقع. ويضيف الكاتب نقلاً عن السيد: لاشك انكم كنتم على اطلاع على الوضع الذي ساد في لبنان قبل اغتيال الحريري، حيث كان الجو متوترا بين الرئيس لحود ورئيس الوزراء المستقيل الحريري: الرئيس لحود مباع إلى دمشق وجميع مساعديه من دون تمييز وضعوا في نفس السلة، في وجه معارضة ديمقراطية يجسدها رئيس الوزراء السابق وحلفاؤه. ومع ذلك فإن ردود الفعل الأولى التي تلت عملية الاغتيال كانت كاريكاتيرية، ولم تساهم الا في تضخيم اجواء عدم الاستقرار التي سادت لاكثر من سنة.


ويواصل السيد حديثه: وللاجابة عن الاتهامات التي وجهت لي بالمسؤولية وافقت على اجراء الحوار مع صحيفة الحياة، ولهذا السبب استقبلك اليوم.


كان السؤال يتعلق بمسرح الجريمة والحديث الذي جرى عن احداث تغيير فيه من خلال التلاعب بالادلة واخفاء بعضها؟


يجيب السيد: نمتلك في لبنان اربعة اجهزة مخابرات، قوى الامن الداخلي، مخابرات الجيش، أمن الدولة والامن العام. ولاصلة للجهازين الاخيرين بما يتعلق بمسرح الجريمة، وفي حال حصول جريمة كبيرة يعود للسلطات القضائية اتخاذ القرارات الاولى، وفي العادة تكلف قوى الأمن الداخلي القيام بالتحقيق، وهذا ما حصل. وفي العادة يجري التحقيق بمهنية، ولكن إزاء جريمة بهذا الحجم ليس من المستبعد حصول ارتباك نتيجة للسرعة. ولدي شعور انه لم تكن هناك نية مسبقة للتخريب على التحقيق، بقدر ما كانت هناك اخطاء أو اهمال يمكن تفسيره من خلال التسرع، وفي بعض الاحيان بسبب نقص التأهيل لدى الاشخاص الذين تولوا العملية. وباختصار إن عملية اغتيال الحريري قضية كبيرة بالنسبة لبلدنا الصغير، والاخطاء التي ارتكبت في بداية التحقيق تمت بسبب ضعف الامكانيات. ويستطرد السيد: في اليوم الثاني لحصول الجريمة قرأت في الصحف ان الآلية تمت ازالتها من مسرح الجريمة ليلاً، ولهذا اتصلت باللواء علي الحاج مسؤول قوى الامن الداخلي والى الضباط المسؤولين عن حراسة محيط الجريمة، وكانت الاجابات من الطرفين متناسقة، لقد اعطيت الاولوية للبحث عن المصابين، على امل العثور على بعض الاحياء. وقمت مباشرة بمهاتفة وزير الداخلية واخطرته بالاهمية القصوى لهذه الجريمة على المستوى الدولي، وطلبت منه ضرورة الاهتمام الشديد بحفظ مكان الجريمة بعيداً عن اي تدخل او تغيير. وللعلم فإني قمت بذلك من باب اسداء النصيحة لأنه لا صلة مباشرة لي في التحقيق القضائي. وقد كان الوزير فرنجية منشغلا بالأمر وطمأنني، بأنه سيتصرف ويتخذ الاجراءات الضرورية حالاً.ومن الذي اعطى الاوامر إلى اللواء علي الحاج ليقوم باخلاء الآليات من مسرح الجريمة؟


يقول السيد: لا أعلم شيئاً. لم اتلق اي نوع من التوضيح حول هذه النقطة لا من الرئاسة ولا من اي شخص آخر. من الطبيعي أن يعود اتخاذ قرار من هذا القبيل إلى وزير العدل. وهناك قاض عسكري يبحث الآن في ايجاد اجابة عن هذا السؤال. ومنذ الاستقلال في سنة 1943 فإن الامن العام لايتدخل في شؤون الجرائم، وعمله يتركز على الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ولكن كوني عسكرياً وبحكم مهنتي كرجل امن اهتممت بالانفجار وبمسرح الجريمة. وينتقل السيد للحديث بعد ذلك عن طبيعة التفجير فيورد الاحتمالات التي تم تداولها في ذلك الوقت، والتي غلب بعضها ان تكون المتفجرة وضعت في نفق تحت الارض، ويكشف انه استعان بخبراء عسكريين أمريكيين تربطه بهم صلات شخصية، كانوا في طريقهم إلى بغداد، فأكد تقريرهم بنسبة 90 في المائة ان المتفجرة وضعت فوق سطح الارض، وهذا ما اكده خبراء سويسريون والمحقق فيتزجيرالد والقاضي ميليس، الذي قال في تقريره ان المتفجرة كانت موضوعة في سيارة.يصل السيد من عرض هذه المعلومات إلى استنتاج مفاده، ان الجو العام، من دون أية إثباتات، كان حافلا بالشائعات والتقديرات المختلفة والمتضاربة، والهدف من ذلك هو التلاعب بالتحقيق. في الوقت الذي يشكل فيه مسرح الجريمة ونوعية القنبلة عنصرا ثالثا لتضارب التفسيرات. ويتوقف السيد امام الشريط الذي بثته قناة الجزيرة الفضائية  للمدعو ابو عدس، ويقول لا يمكن لأي ضابط تحقيق إلا ان يأخذ هذا في عين الاعتبار، وكل اعلانات التبني يجب ان تخضع لتحقيق خاص. إن الذي يقول بضرورة اخذ هذه الوثيقة في عين الاعتبار دون التأكد منها يخطئ، بقدر الذي يدعو إلى رفضها مباشرة. ان هذا يعكس ايضا جوا من محاولات التلاعب بالتحقيق في الجريمة من اجل تحميل المسؤولية لجهاز الامن اللبناني الذي ينسبون له التبعية لدمشق.ويستعرض السيد حكاية شريط الكاسيت منذ وصوله إلى مكتب قناة الجزيرة في بيروت، ويتوقف عند قصة الشاحنة، وهوية الشخص الذي كان يقودها. ويصل بذلك إلى الاستنتاج الذي ساقه في جريدة الحياة، وهو ان الذي يقف وراء الجريمة اما حمار او انشتاين. فإذا كان حمارا فهذا يعني انه الاجهزة اللبنانية والسورية، وإذا كان انشتاين فإن ذلك يستدعي عدم استبعاد أي احتمال بما في ذلك المعقد جدا والمثير للاستغراب.وفي رد على سؤال يتعلق بإفادات بعض الشهود والادلة المنسوبة إلى بطاقات الهاتف، يجيب السيد: مثلما اشرت  هناك اتجاه لتسييس التحقيق منذ البداية. ومنذ 14 فبراير بين البحر الذي يتفجر، والقلم الذي سجل المحادثة الاخيرة بين الحريري والرئيس السوري، والشاحنة المشتبه بها التي جاءت من الضاحية الجنوبية. كل ذلك عبارة عن شائعات اخذت طريقها إلى الصحافة والمحققين، وسنرى كيف سيتعامل معها تقرير لجنة التحقيق.ويطرح الصحافي سؤالاً يتعلق بما اكتشفه المحققون من فساد يتعلق ببنك المدينة، وصلته بعملية الاغتيال؟ ويجيب السيد بقوله: هذا سؤال يخص البنك المركزي، ولجنة الرقابة على البنوك. وهما يمتلكان كل التفاصيل ويعلم جميع الناس في بيروت ان لا علاقة لي بهذين الامرين. ان اتهامات الفساد في لبنان شائعة وهي تتبع حركة النشاط التجاري، فمرة ترمى التهمة على وزير الكهرباء ومرة اخرى على وزير الصحة أو الاتصالات وهكذا دواليك... وكثيراً ما تم اتهام شخصيات لبنانية وسورية، لكن ذلك لا علاقة له لا بالسياسة اللبنانية ولا السورية، وانما هو عبارة عن استغلال بعض الاشخاص لمراكزهم في السلطة اللبنانية والسورية، السياسية والاقتصادية، او من خلال العلاقات الخاصة.ويطرح الصحافي السؤال بطريقة مختلفة: ألا ينعكس الاتهام بالفساد على السلطة السياسية في لبنان وسوريا المتهمتين بالاغتيال. ويرد السيد لاتوجد في لبنان سلطة سياسية، وانما سلطة سياسيين، وسوف اتكلم لاحقا عن ذلك. لكن دعنا نبق قليلا في السياق اللبناني، لأنه من خلال ذلك يمكن فهم عملية اغتيال الحريري. وهنا يشرح السيد ان الطوائف اللبنانية تتنازع الدولة وتسيطر عليها، وهذا ما يفسر انعدام التوازن على مستوى سير هذه الدولة. ويؤكد السيد ان الامر لايقتصر على زعيم طائفة وحدها، بل يشارك فيه جميع زعماء الطوائف. ولكن مجرد الاصطدام بين الدولة وهذا الزعيم نراه يستنفر طائفته التي تقوم بالانتصار له، وتتحول المسألة إلى خصومة بين الدولة وهذه الطائفة. ويضيف السيد بأن اتفاق الطائف 1989 وزع البلد بين الطوائف، الامر الذي خلق مصاعب كبيرة على مستوى ادارة الدولة، وهذا ما يفسر التضارب على مستويات كثيرة. ويضيف لقد انسحبت سوريا اليوم من لبنان، ولكن منطق التقسيم مستمر، من الاجهزة وحتى الطبقة السياسية. وقد ترتب على هذا المنطق انعكاسات خطيرة على مستوى الامن الداخلي والخارجي. وينفي السيد ان يكون الرئيس لحود استغل الوجود السوري من اجل تركيب الجيش على هواه، كما ينفي عن نفسه الامر ذاته في ما يتعلق بالامن الداخلي. ويقول السيد ان الضغوط ازدادت على الاجهزة الامنية بعد الانسحاب السوري، وذلك بسبب محاولات البعض استخدام هذه الاجهزة لمصالحه الشخصية، في حين ان هذه الاجهزة هي في خدمة الدولة والنظام العام والشعب، ويضيف من الطبيعي ان تبقى الاجهزة في خدمة السلطة السياسية، ولكن هل الهدف من ذلك الحفاظ على مصالح الدولة، أو بعض السياسيين الذين تحركهم مصالحهم الخاصة؟ إن العاملين في الاجهزة الامنية، كما هي حالتي يتصرفون امام أي جريمة بنفس رد الفعل، وهم لايفرقون بين جريمة وأخرى، وبالنسبة لهم لاتوجد جريمة ونصف جريمة وربع جريمة. هناك جريمة فقط. وحين يتم الابتعاد عن هذا المبدأ يضيع كل شيء. ولسوء الحظ فإن لبنان سار في هذا الاتجاه البشع، حيث يرى كل فرد المؤامرة في كل مكان، في وسط من الشائعات الذي يصل حتى قلب الدولة وغالبية الفاعلين الاساسيين. الكل ينتهي لأن يخاف من كل شيء، ويردد اي كلام في أي لحظة وفي اي مكان كان، وتصبح الحقيقة بالتالي أمراً صعباً، ويصير الناس يخافون حتى من لون السماء. ويضرب مثالا على هذا الانحراف، المتفجرة التي استهدفت السفارة الايطالية في بيروت في اكتوبر/تشرين الأول 2004. وقد قام البعض بحملة اعلامية هدفها التعريض بأجهزة الأمن. ويقول ان هذه القضية بدأت في ايطاليا في صيف 2004 حينما حضر إلى بيروت وفد امني ايطالي، ليتبادل معنا معلومات حول عملية تفجير محتملة سوف تستهدف السفارة الايطالية بنحو 330 كلغ من الديناميت. كان الايطاليون يمتلكون صورا التقطتها كاميرا المراقبة المثبتة على باب السفارة للشخص الذي تحوم حوله الشبهات، وقد تبين لنا ان اسمه احمد سليم ميقاتي.لم يكن الايطاليون متأكدين من الامر وهم لايعرفون شيئا عن هوية هذا الشخص الذي يحملون صورته، نعرفه نحن وملفه لدينا حيث شارك في احداث الضنية في نهاية سنة ،1999 التي سقط فيه جرحى وقتلى من المهاجمين الذين نصبوا كمينا لقوات الجيش الذي خسر كذلك بعض القتلى والجرحى. وهو ينتمي إلى مجموعة سلفية قامت باختطاف مجموعة من العسكريين والنساء وقامت بإعدامهم. وحسب معلوماتنا فإن الشخص المعني فر وتحصن في مخيم عين الحلوة بالقرب من صيدا، لكن مع حضور الوفد الايطالي وتحريك القضية اكتشفنا انه موجود في بيروت فقمنا باعتقاله قبل  48 ساعة من عودة الوفد الايطالي. وعادة ما تتم عمليات من هذا النوع بالتعاون مع القضاء، لكن بسبب الطابع الخاص للعملية لم يعلم بها إلا بعد 48 ساعة. وفي هذه الاثناء صادف ان الجيش قام بمداهمات في البقاع لمصادرة متفجرات واسلحة وحصلت اشتباكات أدت إلى مصرع شخص يدعى اسماعيل الخطيب، فقام البعض بتصوير العمليتين على انهما عملية واحدة، وبدأت حملة للتنديد بأجهزة الامن التي تمارس التعذيب. وجرى الحديث عن قضية السفارة الايطالية كمناورة سياسية. وبالنسبة للايطاليين فإن التعاون حال دون تفجير سفارتهم حتى ان وزير الدفاع الايطالي اصدر بياناً رسمياً، يشكر فيه السلطات اللبنانية والسورية لتعاونهما في هذا الامر. هذه الحادثة حقيقية، ولكن هناك في بيروت من اعتبرها من تركيب واختراع الرئيس لحود. ويتساءل السيد عن كيفية اجراء تحقيق جاد في قضية اغتيال الحريري وسط اجواء من التشكيك والشائعات، وحتى لجنة التحقيق لم تسلم من الوقوع في البازار اللبناني، على حد تعبير جميل السيد.وينتقل السيد في ختام اللقاء إلى الحديث عن انتشار التنظيمات الاصولية في لبنان منذ 1998 على اطراف ثلاث مدن كبيرة هي بيروت وصيدا وطرابلس، وقد اتخذت من المخيمات الفلسطينية المحيطة قواعد لها. ويقول انه بعد تفجيرات 11 سبتمبر/أيلول، وسقوط نظام طالبان في افغانستان حصلت هجرة كبيرة من التنظيمات الجهادية باتجاه لبنان. ويؤكد ان عدة مناطق من لبنان اصبحت اليوم أراضي ملائمة لتطور الحركة السلفية. وينقل الكاتب عن نائب لبناني بقاعي سابق قوله ان هذا التيار بعيدا عن الحضور السوري، والمراقبة الدقيقة لاجهزة الامن اللبنانية، تمكن من انتزاع مواقع له وقام بإغلاقها. ويضيف الصحافي لقد تمكنا من معاينة حجم هذه الظاهرة بعد ان قمنا بجولة في منطقة مجدل عنجر.يقول الكاتب في ختام هذا الفصل الذي لم يأت بجديد على صعيد قضية جميل السيد، إنه في طريقه إلى الاشرفية ليلا حاول ان يضع النقاط على الحروف، فجميل السيد ليس اول مسؤول كبير ألتقيه، لكنه رجل على قدر كبير من الذكاء والجاذبية، بحيث يصعب على المرء ان يصدق مثلما شاع من اوساط التحقيق، ان يكون رجلا على هذا القدر من الاحتراف يمكن ان يشارك في ترتيب عملية اغتيال من هذا النوع.

 

 

الحكاية السرية للقرار 1559

 

يستعرض الكاتب في هذا الفصل مسيرة القرار ،1559 و يعتبر انه جاء نتيجة صفقة بادل فيها الرئيس جاك شيراك بمناسبة انعقاد قمة الدول الثماني في يونيو/حزيران من العام 2003 في ايفيان الفرنسية، تكريس الوجود الأمريكي في العراق، مقابل قبول الرئيس الامريكي جورج بوش بنصائح الرئيس الفرنسي في قضايا الشرق الأوسط. وخلال المؤتمر قال بوش في مؤتمره الصحافي: هذا الصباح تطرقنا الى تمنياتنا المشتركة للنمو الاقتصادي في بلدينا. ووجدت ان اجتماعنا كان خارقاً، وفي غاية الأهمية. والآن سأطلب نصيحة جاك بشأن ملف الشرق الأوسط. فهو لديه اطلاع واسع ويعرف أشياء كثيرة عن الشرق الأوسط. وأحكامه جيدة حول الشرق الأوسط. أعرف أن كثيرين في بلدينا يتساءلون ان كان بوسعنا أن نجلس جنباً الى جنب والتحدث بشكل لائق. وجوابي هو نعم بكل تأكيد. أنا مسرور جداً لمجيئي الى هنا. وأؤكد ان هذا الاجتماع كان ايجابياً ومفيداً.وعند سؤال الرئيس شيراك كيف سيعملان معاً أجاب، أن هناك قاعدة صلبة اسمها القرار 1483. وهي كما يقول الكاتب قاعدة أرست الوجود الأمريكي- البريطاني في العراق، ونزعت عنه صفة الاحتلال، وهنا لم يتردد بوش عن شكر الرئيس الفرنسي لمساندته القرار الأخير بشأن العراق. ويعتبر الكاتب ان قمة ايفيان اتاحت الفرصة لكسر الجليد الذي أدى الى فتور العلاقات بين البلدين وأن فرنسا دفعت ثمناً باهظاً لمعارضتها الحرب ضد العراق، وموقف وزير الخارجية دومينيك دو فيلبان في الأمم المتحدة. ويتابع الكاتب، بأن استعادة الحوار بين الرئيسين اكتسبت أهمية خاصة نظراً لانعقاد قمة الثماني برئاسة الولايات المتحدة في جورجيا الأمريكية في السنة التالية. وتلا هذا اللقاء لقاء آخر في في سبتمبر/ايلول من العام 2003 في اروقة الأمم المتحدة على هامش الجمعية العمومية للأمم المتحدة. حيث اعتبر شيراك بحسب أحد مستشاريه ان عليه الآن اتخاذ المبادرة لقلب الصفحة العراقية، ولدفع العلاقات الأطلسية. وبناء على طلب الرئيس شيراك الى سفير فرنسا في واشنطن جان دافيد لفيت جرى العمل لتجسيد المصالحة بين البلدين، ويتابع الكاتب أنه الى جانب متابعة القوات الفرنسية انخراطها في عمليات مكافحة الارهاب في أفغانستان الى جانب القوات الأمريكية، والى جانب المساعدة في تهدئة الأوضاع في هايتي، جان دافيد لفيت كان على اقتناع أن فرنسا يمكنها ان تلعب ورقة لبنان. ضربة مزدوجة حيث يمكن للرئيس شيراك ان يساعد صديقه الشخصي رفيق الحريري على مواجهة متطلبات دمشق، والمساهمة بدمقرطة الشرق الأوسط، وهي مهمة غالية على قلب الرئيس الأمريكي. ويشير الكاتب الى ان تحضير مشروع القرار تم اسناده الى مستشاره الدبلوماسي موريس غوردو مونتانيو، ومدير قسم الشرق الاوسط- افريقيا الشمالية في وزارة الخارجية آنذاك برنار ايميه، الذي عينه شيراك في العام 2004 سفيراً في بيروت، بالاضافة الى جان دافيد لفيت. وبعد فشل مهمة غوردو مونتانيو في دمشق لتنبيه السوريين، الى الأخذ بعين الاعتبار الانتصار الأمريكي والتهيؤ للأمر الواقع وافهام الجانب السوري أن معارضة فرنسا للحرب على العراق، لا تعني بأي شكل من الأشكال ترؤس فرنسا لحلف مضاد للولايات المتحدة، وهو أمر صعب على دمشق أن تفهمه اذ اعتبرت أن فرنسا التي طالبت دمشق بمساندتها في الأمم المتحدة لمعارضة الحرب على العراق، قد غيرت مسارها بشكل مفاجئ، زد على ذلك سعي الرئيس الحريري لدى صديقه شيراك لفعل ما بوسعه لفك الطوق السوري عنه، فدخلت العلاقات السورية الفرنسية في حالة الجليد. ويستعرض الكاتب في هذا الفصل مراحل تدهور العلاقات السورية - الفرنسية، منذ ان تمكنت فرنسا من مساعدة لبنان عند انعقاد مؤتمر باريس 2 في نوفمبر/تشرين الثاني ،2002 حيث نجحت باريس في اقناع المانحين والبنك الدولي وصندوق النقد بتقديم 4 مليارات دولار الى جانب قروض بفوائد مخفضة، وفي المقابل تعهد الحريري بتطبيق اصلاحات، وكيف أن سوريا أفشلت مساعي الحريري بتحقيق هذه الاصلاحات، وكيف كانت تستدعي الحريري وتعطيه الأوامر كأنه خادم صغير. الى جانب ذلك شعر الرئيس الفرنسي بأن كل محاولاته باستمالة الرئيس السوري بشار الأسد باءت بالفشل، حيث كان الرئيس الوحيد الذي حضر مأتم الأب، ودعا الابن لزيارة باريس وفتح أمامه أبواب العواصم الأوروبية. لكن كل ذلك بقي دون رد جميل، بل على العكس قامت دمشق بسحب عقد النفط من يد شركة توتال الفرنسية لاعطائه الى الأمريكيين، رغم اتصال شيراك للتأكيد على الأهمية التي تعلقها فرنسا على هذا العقد. تزامن هذا التدهور مع تبني عقوبات اقتصادية امريكية ضد دمشق في اطار قانون محاسبة سوريا. عندها ايقنت سوريا ان توافقاً امريكياً - فرنسياً يصب في نفس الاتجاه. ويؤكد الكاتب أن الانتهاء من صياغة نص القرار 1559 تزامن مع انعقاد قمة الثماني في 10 يونيو 2004 في جورجيا الأمريكية، وان لبنان مثل قاعدة المصالحة الفرنسية الأمريكية. ويستعرض الكاتب مراحل التعاون الأمريكي الفرنسي للحصول على تبني القرار من قبل مجلس الأمن. ولكن ذلك لم يردع دمشق التي جددت للرئيس لحود ثلاث سنوات، مما يعني استبعاد الرئيس الحريري وكان ذلك النقطة التي افاضت الكأس.


القرار 1559


ويجزم الكاتب ان صياغة القرار تمت في منزل الحريري في سردينيا، ويؤكد ان هذا التاريخ يمكن اعتباره تاريخ انقطاع العلاقة بين باريس ودمشق، اي ما بين نهاية يوليو/تموز وبداية أغسطس/آب من العام 2004.


في 17 اغسطس، اتصل موريس غوردو مونتانيو، بالرئيس شيراك ليوافيه بنتائج انتهاء الفصل الأول من مهمته. مسودة القرار 1559 باتت جاهزة، ويبقى الآن الحصول على شراكة واشنطن في تبني هذا القرار لطرحه أمام مجلس الأمن. لذا اتصل مستشار شيراك بوزيرة الخارجية الامريكية كوندوليزا رايس مقترحاً عليها حضوره الى واشنطن لوضع اللمسات الاخيرة على المشروع. فدعته الى الغداء دون ان تخفي حماسها للفكرة. هكذا استقل المستشار الدبلوماسي أول رحلة الى واشنطن متأبطاً مشروع القرار.
الغداء كان في البيت الأبيض في 20 أغسطس 2004. بدأ مستشار الرئيس الفرنسي يفسر للمستشارة في شؤون الأمن أن الأمور تتسارع، فدمشق تضاعف مبادراتها بهدف الحصول على ولاية ثانية للحود، ورئيس الوزراء رفيق الحريري سيستدعى قريباً الى دمشق لوضعه امام الأمر الواقع. ومع التجديد للحود الذي ينعم بحماية سورية فان هذه الأخيرة ستبقي قبضتها على لبنان للسنوات الست المقبلة.. لبنان سيبقى فريسة الممارسات المافيوية نفسها، يقول غوردو مونتانيو الى كوندوليزا رايس، مما يعني ان آفاق الاصلاحات البنيوية التي فتحها مؤتمر باريس 2 ستطمر نهائياً. ثم يتابع الكاتب ان المحادثات تطرقت الى نيات مشروع القرار، خاصة نزع سلاح حزب الله والميليشيات، انسحاب الجيش السوري من لبنان وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب على طول الخط الأزرق شمال اسرائيل. ويعتبر ان شيراك الذي كان سيلتقي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سوتشي في 30 و31 اغسطس، حصل دون شك على موافقة الرئيس السوفييتي كون الأخير كان له ردة فعل ايجابية، عندما تم استعراض الملف بشكل عام خلال قمة الثماني الأخيرة. الدول الأخرى في مجلس الأمن بما فيها الجزائر، لن تعارض، مبدئياً. اسبانيا ومصر وباكستان تولت فرنسا الاتصال بها. لكن يبقى اقناع الصين التي تتحسس من مشروع القرار كونه يمس سيادة احد بلدان الدول الأعضاء. لكن مهما يكن يجب الاسراع قبل ان تصدق دمشق على التجديد للحود، اي قبل 15 سبتمبر.ويشير الكاتب الى ان متابعة مشروع القرار تمت فيما بعد، بين السفير الفرنسي في واشنطن دافيد لفيت، مع مساعد رايس اليوت ابرامز الذي لديه قراءة مختلفة لآفاق السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. بحيث ان هذا الأخير يعتبر ان اتفاق اوسلو ومحادثات السلام، كانت ستؤدي الى ارساء دكتاتورية عربية جديدة وأن مصلحة الولايات المتحدة، التي انتصرت في الحرب الباردة وفي حربها ضد العراق، باتت تتطلب منها اعادة قراءة خارطة المنطقة بشكل أوسع. ويرى اليوت ابرامز ان مصلحة الولايات المتحدة تتجسد بتأمين الحدود بين سوريا والعراق، أي يمكن الآن رسم شرق اوسط جديد يتم فيه اضعاف سوريا وابعادها عن ايران. مع ايجاد قوة استراتيجية في المنطقة ترتكز على المحور التركي- الاسرائيلي، وان تنفيذ استراتيجية كهذه يعتمد أكثر على ميزان القوى في المنطقة منه على البراعة في المفاوضات. هكذا تواصلت التحضيرات لهذا القرار بين السفير الفرنسي في واشنطن واليوت ابرامز، وسط غبطة واشنطن. ويفيد الكاتب بأن الجانبين لم يطلعا امين عام الأمم المتحدة على اية تفاصيل، بل ان كوفي انان اكتشف نص القرار قبل أربعة ايام من التصويت عليه. كذلك في وزارة الخارجية الأمريكية والبنتاجون لم يكن الخبراء على علم بأي شيء من هذا القبيل. تم تبني القرار في مجلس الأمن في 2 سبتمبر 2004 بحصوله على تسعة أصوات، وامتناع ستة. في اليوم التالي مدد مجلس النواب اللبناني ولاية لحود لمدة ثلاث سنوات. وبالنسبة الى جاك شيراك كانت هذه النقطة هي الشعرة التي قصمت ظهر البعير. لأن هذا التمديد يعني استبعاد صديقه رفيق الحريري. ولم يكذب حدسه لأن هذا الإقصاء حصل في الواقع في 21 اكتوبر 2004. في فصل آخر من الكتاب يعود الكاتب الى الحديث عن سلسلة الفضائح بين الرئيس الفرنسي و الحريري. ومن بين هذه الملفات ملف تمويل الحريري لحملات شيراك الانتخابية. ويعود الى تاريخ الصداقة بين الرجلين حيث يصفها بصداقة مصلحة تعود الى بداية الثمانينات، حين بدأ رفيق الحريري اعادة تنظيم أعماله بين السعودية وباريس، ويعود الى سطوع نجم الحريري في الوسط السياسي الذي بدأ في العام 1979 مع الاعتداء الارهابي في مكة المكرمة على يد جماعة اسلامية، والتي ادت الى احتجاز رهائن تبنى الحريري دوراً بحل الأزمة التي انتهت بالقضاء على الارهابيين. وكيف استطاع الحريري الانتقال من العقارات والمشاريع الى السياسة، كانت بدايتها مع انعقاد مؤتمر الطائف لحل الأزمة اللبنانية في قصر المؤتمرات الذي كان من أحد مشاريعه. وفي تفصيله لمساهمة الحريري بتمويل حملات شيراك وتقديم الهدايا عن طريق دفع فاتورة سفر واقامة في سلطنة عمان، ادت في المرحلة الأخيرة كدين من شيراك نحو الحريري، مساعدته بمعارضة اختيار لحود كرئيس وتمديد ولايته. ويستشهد الكاتب بحملات مجلة الشرق التي أشارت الى تمويل الحريري لحملات شيراك الانتخابية. ويتوقف عند تفاصيل يوميات حياة شيراك السياسية. وينتهي بتحليل لشخصية شيراك النفسية حيث وصفه بأنه عاطفي، يبحث عن محبة الآخر ويبني تقي
يمه للشخص الآخر على قياس كيف بلغت العلاقة الشخصية بين الرئيسين الحريري وشيراك الى أن تلبنن هذا الأخير كلياً، في حين ان الأول اصبح يتصرف كرجل دولة فرنسي. ويتوقف عند وصف شيراك للرئيس الحريري خلال مقابلة مع تلفزيون المستقبل بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني حيث شبهه بديجول. وينتهي الى اقامة علاقة بين القرار 1559 واغتيال الحريري.



 أسباب اغتيال الحريري


(واشنطن - 27 يناير/ كانون الثاني 2006) الشعب الأمريكي يبكي فقدانكم والدكم/ من المهم جداً ان تتقدم التحقيقات حول اغتياله. نحن نأمل ان يأتي التحقيق كاملاً وحازماً، وان يحاسب المسؤولون عن موته. هذا ما أدلى به جورج بوش خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض بعد لقائه سعد الحريري. ودون الاشارة بشكل واضح الى سوريا واحتمال تورطها في مقتل الحريري، جدد الرئيس الأمريكي موقفه حول لبنان، الذي يجب ان يكون حراً من كل تأثير أجنبي، ومتحرراً من سياسة الترهيب السورية، وحراً بتحديد طريقه. في ذلك اليوم تناول المستشار القانوني في الأمم المتحدة، نيكولا ميشال، مع سفير لبنان في نيويورك مسألة انشاء محكمة دولية تتولى محاكمة الأشخاص المتورطين. ويشير الكاتب الى قضية التحقيق التي لم تتقدم، منذ ان اتهم المحقق ديتليف ميليس سوريا. . وكيف ان هذا الأخير ترك منصبه في ديسمبر/ كانون الأول 2005 رغم قرار الأمم المتحدة بتمديد مهمته. فتقرير ميليس خلص الى ان القنبلة التي تسببت بمقتل الحريري و22 شخصاً آخرين، قد تكون وضعت في شاحنة ميتسوبيشي، يقودها انتحاري. كما انه لم يتم التعرف إلى هوية السائق لكن فريقاً يابانياً تمكن من التعرف إلى الشاحنة. ولائحة مالكي الشاحنة المتتالية كانت عنصراً جوهرياً، للتعرف الى المجرمين لكن أبحاث اللجنة الدولية في هذا المجال لم تسجل اي تقدم.  ويتابع الكاتب سرد قصة ملف التحقيق كما نعرفها، وكما نقلتها الصحف من دون تقديم اي جديد يذكر، اذ يبدأ بالتساؤل عن الخلل في جهاز الحماية الذي كان متوفراً لرئيس الوزراء اللبناني، معتبراً ان الحريري كان محمياً تماماً كرئيس الولايات المتحدة، إذاً كيف يمكن الاعتداء عليه بهذه البساطة، وان يعطل جهاز حماية بتلك الدقة، جهازا يعمل من خلال الساتلايت يستخدم تقنية الجي بي اس. (غلوبال بوزيشن سيستم)، حيث انه قبل اي تنقل، يتم نقل نقطة الانطلاق ونقطة الوصول مع الطريق التي سيتم اتباعها للوصول الى المكان، تنقل عبر الانترنت بواسطة رمز سري محمي الى مركز في قبرص. وهذا المركز يقوم بنقل المعلومات الى ساتلايت المراقبة للمنطقة التي سيقطعها الموكب، وذلك عبر متابعة الموكب بالوقت الحقيقي، مما يمكن مراقبة المكان بمساحة 2000 متر بشكل مصور. إذاً فان المحققين يملكون صور الساتلايت لموقع الجريمة التي تؤكد ان الأمر يتعلق بشاحنة هاجمت الموكب وليس بعبوة وضعت تحت الأرض. أما عن اخفاقات جهاز الحماية، وعدم ردة فعل المرافقين فلا تزال الأسئلة من دون أجوبة.  ويستعرض الكاتب بالتفصيل حكاية الشهود، الشاهد هسام طاهر هسام الذي تراجع عن شهادته، مؤكداً انه أدلى بها تحت الضغوط، وان الحريري أغراه بالمال وتم تلقينه الشهادة التي سيدلي بها امام المحكمة. ويستعرض كذلك قصة الشاهد الثاني زهير الصديق. ولا يستبعد ان يكون تخلي ميليس عن مهمته قبل انتهاء المهلة التي منحته اياها الأمم المتحدة كان بسبب هاتين القنبلتين.  ويستفيض الكاتب بالاشادة بالمحقق سيرج برامرتز الذي خلف ميليس واصفاً عمله بالمهني، والمحترف كونه ابتعد عن كل تسريبات وتصريحات للصحافة حول تقدم عمله.  ويلقي الضوء على الخلايا الأصولية في لبنان.. في يناير من العام ،2006 قامت السلطات اللبنانية بتفكيك خلية جهادية في لبنان. وخلال التحقيقات، أثار الناشطون، من بينهم فلسطينيون، ولبنانيون، وسعوديون، وسوداني، ومصري، اسمه خالد طه، الذي جاء اسمه في تقرير ميليس. فهذا الشخص قد يكون مرتبطاً بأحمد أبو عدس، الناشط الشاب الذي اختفى والذي كان تبنى عملية اغتيال رفيق الحريري باسم جماعة اسلامية مجهولة. وعدم استبعاد الخلية الاسلامية يظهر منذ بداية التحقيق بشكل متكرر، دون ان يتم تقصيها بشكل جدي. وان كان ذلك لا يؤدي حتماً الى التعرف الى أسماء الأشخاص الذين أصدروا الأوامر بتنفيذ العملية، فان ذلك قد يسمح بدرس الأسباب المختلفة التي قد تكون شكلت الدافع لارتكابها. وهذه الأسباب تعيدنا الى اعتبارات جيوسياسية بالاضافة الى دوافع شخصية تتعلق بعائلة الحريري. وهذه جوانب لم يشملها تحقيق ديتليف ميليس لكن خلفه اخذها بعين الاعتبار..


ويربط الكاتب بين صعود السلفيين في لبنان منذ اتفاق الطائف وحرب الخليج، ويفسر نقمة هؤلاء على الحريري بسبب ارتباطه بالمملكة العربية السعودية التي اوكلت امرها الى الولايات المتحدة ووضعت نفسها تحت حماية الصليبيين واليهود، ألد أعداء السلفيين، وهؤلاء الذين يريدون تدمير العراق حتى لا يعود للمسلمين اية قوة تمكنهم من حماية الدين الحقيقي. فهؤلاء الذين يتصرفون بهذا الشكل يخونون الله ورسوله ويستحقون بالتالي العقاب الأكبر. وسلسلة الاعتداءات التي هزت استقرار المملكة، من ايار/ مايو 2003 تصب بهذا التحول الذي اصاب كافة البلدان السنية. بحسب تحليل الكاتب.


ويذهب الكاتب بتحليله الى ان الأئمة الذين يعظون في المخيمات الفلسطينية في لبنان، يمثل رفيق الحريري بالنسبة لهم الشخص الذي يجمع كافة ادلة الكفر ناقد العقيدة، ومنهج حياته يشكل تجسيداً للكفر الذي يجب محاربته. ولا ينسى الكاتب ان يشير الى قضية بنك المدينة، وبعد تفصيل المشهد السياسي اللبناني، وهو مشهد كان على الدوام منقسماً، ويعتبر الكاتب ان الحريري الذي مارس السياسة من الأعمال والأعمال من السياسة ايضاً قد يكون رجل أعمال قتلته أعماله. رفيق الحريري قد يكون ضحية جانبية لحالة المواجهة التي يصعب تحسسها بين عائلتي الاسلام، (السنة والشيعة) التي اجج شرارتها التدخل الأمريكي البريطاني في العراق. حسب دبلوماسي اوروبي في بيروت.  كما يشير الى ان اسم الحريري كان على لائحة الشخصيات التي يجب التخلص منها، على موقع الانترنت للوبي اللبناني في واشنطن والمعروف ان هذا اللوبي مقرب من اوساط المحافظين الجدد. اما التحليل الثاني الذي يصب في الاتجاه نفسه، فأخذه الكاتب عن الصحافي اللبناني رينيه نبعة، ان نزع سلاح حزب الله الذي تطالب به واشنطن هو فقط لارضاء متطلبات اسرائيل الأمنية؟ هل هدفه غير معلن هو اعطاء قضية الدين العام اللبناني، الذي بلغ رقماً قياسياً بسبب السياسة الفاسدة التي اتبعها الحريري، بعداً ثانوياً من خلال ربطه بشرط تقويم الاقتصاد اللبناني بنزع سلاح حزب الله الشيعي؟ وبذلك تعويض خسارة السنة في العراق عن طريق تدعيم السنة في لبنان، بهدف ارضاء بعض دول المنطقة الحليفة مع الغرب، وعبر إعادة تنشيط تحالف سني - ماروني تحت رعاية غربية، وخنق سوريا؟


ويعتبر ان القرار 1559 سلاح يد قاتل الحريري. ويرى ان عدم تسوية ازمات الشرق الأوسط، وسوء ادارتها غير العادلة وعودة الصراعات المذهبية: تراكم اسباب هذه الجريمة تعود بنا الى عدم استكمال سلام الطائف، وعدم استكمال عملية السلام الفلسطينية  الاسرائيلية، الى الفوضى التي تعم الساحة الاقليمية كلها عوارض أكثر دليلاً على هذا المرض.

 الخليج

www.safsaf.org