الكتاب خير جليس

 

تفاحة قابيل

 

 

 

 

زكريا شاهين

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الاهداء:

 

للباحثين عن العدالة..للمستهدفين بالظلم..

 

للمدافعين عن الانسان..

 

الاسمى بالكون..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المفتتح

 

حين يكون العذر أسوء بكثير من الجريمة، يرقى إلى ما هو أخطر منها، تفقد العدالة معناها، وتفتقد الكلمات حدود الوصف، حيث القتل يصبح اجتهادا، والكارثة تصبح تقليدا، دونما ردة فعل، حيث الصدفة لا تنطبق على العمل الممنهج، وحين الصوت، يختنق في أوراق الإدانة التي لا تزيد على الوضع إلا الحبر والأوراق واجتهادات النصوص، حين السلوك يغمض الضمير، لا شيء يمكن أن تفاخر به الإنسانية من إنجازات.

لم يعد التاريخ بحضوره الوحشي، وبحديثه عن الإنسان الذي يصفه بما قبل الحضارات، يعني شيئا، ربما علينا الآن، أن نفتش عن أعذار للأمم القديمة، التي كانت تمتهن الغزو، ذلك أنها لم تدعي الحضارة والحفاظ على حقوق الإنسان، وهي لم تجتمع على مؤسسات مشتركة، وقوانين مدروسة، ووعي يستفيد من التجربة.

ربما علينا أن نجد الأعذار للقتلة الأفراد، حين تتبنى الدول، تلك التي تدعي التقدم، قوانين القتل كمدخل للحوار مع الآخر، مدخلا يكاد يشي بأن القادم لن يستثني أحدا، ربما تصبح أشرطة الخيال العلمي، التي تنبئ بدمار الإنسان بيد الإنسان واقعا، إذ أنه حين يكون السلاح باليد وثقافة القتل في الذاكرة، تأخذ الصفة التدميرية مداها...

السلوك الإنساني، محصلة آلاف السنين من الحضارة، ونتاج الأفكار التي رسمت اختلاف الرؤى ولكن لاتفاق سيأتي، والوصايا التي رسمتها العقائد، لا تقتل،، لا،لا،، وتراكمات التجارب في حكايات الشعوب، واقتراب المسافات إلى درجة الاندماج، كل هذا.. لا شيء، فالمشهد يرسم للحظة القادمة، يؤسس لها في بدايات لم تعد تحرك الهواجس باقتراب ما يقال أنه العالم الجديد، هذا العالم-الحلم-، حيث تسود العدالة، و لا يلد الناس في العراء أطفالا مشوهين.

ثقافة القتل – الجذور

يجمع الباحثون والدارسون، على ان العالم يشهد نموذجين يكرسان ثقافة القتل، يستمدان المعطيات والأساليب من تاريخ مشترك، انهما: الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، فأمريكيا التي أبادت أكثر من 60 مليونا من الشعب الاصلي للقارة " الهنود الحمر"، تبنت إسرائيل تراثها نفسه، لتسير على نفس الوتيرة والاتجاه.

يتساءل هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية: كيف يتم احتلال الأرض بالنسبة للمجموعات المحلية، أي ماذا نفعل في مواجهة شعب فلسطين صاحب الأرض، ويجيب وفي ذهنه الطريقة الأمريكية التي تمت من خلالها ابادة السكان الأصليين "الهنود الحمر"، يجيب: في أمريكا كانت طريقة الإحتلال للأرض الجديدة المفتوحة، طريقة بدائية، حيث يتجمع المستوطنون على الحدود، وفي وقت محدد، يندفعون جميعا في وقت واحد وبعنف لاحتلال الجزء الذي يقدرون عليه، لكن هذه الوسيلة يعتبرها ساذجة، ولم تعد تصلح في عهد السلاح والاستعمار، ومن الغباء على حد تعبيره، العودة إلى المراحل الحضارية السابقة كما يريد العديد من الصهاينة أن يفعلوا، فإذا توجب علينا أن نخلي أرضا من الحيوانات المفترسة "ويقصد العرب هنا" فلن نقوم بالمهمة بنفس الطريقة التي اتبعها الأوروبيون في القرن الخامس عشر، فلا يصلح أن نأخذ رمحا وحربة، ونخرج أفرادا وراء الدببة، بل ينبغي أن ننظم مجموعة قوية من الصيادين فنسوق الحيوانات لنجمعهم معا في مكان واحد، ثم نقذف وسطهم بقنبلة مدمرة، وهكذا رسم هرتزل الطريقة التي مازال الصهاينة يتبعونها حتى اليوم في القتل وتنظيم المجازر التي لا يتسع لها المجال هنا.

لم يخرج أحفاد الصهاينة عن الإجماع، فتعاليم هرتزل، لا تختلف كثيرا عن تعاليم التوراة المكتوبة، تفوح من سطورها رائحة القتل، وآلهة تبشر بالقتل، فريضة يغرسونها في أذهان أجيالهم رغم تباعد المسافات، تمتد جذورها في الفكر الصهيوني منذ السبي الأول وحتى النظام العالمي الجديد.

الفعل المشترك

لم يكن الفعل الأمريكي تاريخيا، أو الإيحاء به، بعيداً عن ما يحدث من خلال الفعل الاسرائيلي، ففي خضم القتل اليومي في العراق وفلسطين، كان الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن ، يفتتح خطاباً له في بيت من أكبر بيوت الصهاينة (منظمة إيباك) في قول يختصر كل ما يقال عن معنى العلاقة ما بين الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني، يقول بوش "إن أمتنا أكثر قوة وأمناً، لأن إسرائيل، حليفة حقيقية ويمكن الاعتماد عليها"، هذا الكلام، لا يخرج عن رؤية شارون، الذي يجاهر بأن "إسرائيل"، أكبر وأفضل استثمار خارجي".

والقول الذي افتتح به الرئيس الأمريكي خطابه، لم يمنعه من الاعتماد على استحضار ما حدث في 11 أيلول / سبتمبر، والذي أستثمر صهيونياً إلى أقصى درجة، ليؤكد أن ما حدث في أمريكا، وما يحدث في "إسرائيل الآن"، يفرض الشراكة التي تساوت في مخططاتها وأهدافها، كما يفرض الفعل المشترك، والتحالف الذي يزيل الفوارق، مذكراً أنه وحده الذي تجاوز كل الأعراف الأمريكية السابقة، حين يطمأن برسالة ضمانات تتلائم مع الأحلام والمخططات الاسرائلية، شريكه "شارون"، وحين ظل يسخر ويخادع من ردات الفعل العربية التي لم تتجاوز العتاب في بعض حالاتها.

هذه الدراسة، ليست أكاديمية، وإنما هي دراسة اعتمدت الرصد والمتابعة، واستشراف آراء مفكرين ومحللين وكتاب، عربا وأجانب، في فترة تقع ما بين عام 2000 و 2006، وبالتالي، فهي مفتوحة للعديد من الآراء التي نشرت بالفعل، أما الإشارة إلى كتابها ومصادرها، فستأتي عبر سياق النصوص خلافا للكتب أو الدراسات الأكاديمية.

ولعله من الإنصاف التنويه، ان هنالك العديد من التحليلات والدراسات، لم تحمل توقيع كتابها، وإنما حملت أسماء المواقع، وهنا لا بد من القول، ان بعض المواقع، تم التعامل معها أكثر من غيرها، مثل مواقع  شبكةالبصرة، البيادر السياسي، إضافة إلى ان الدراسة، تتضمن العديد من المقالات الأسبوعية التي نشرت في صحيفة العرب العالمية للكاتب.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

القفز فوق التسويات

 

يشخص الكاتب / جوزيف سماحة / " السفير اللبنانية " الحالة القائمة الآن بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني بقوله:

"أن تفجيرات 11 أيلول قدمت تغطية لاحقة لوجهة أصلية يدفع في اتجاهها مكونان أساسيان من مكونات الإدارة الحالية، المحافظون الجدد والأصوليون المسيحيون.

في العقد الماضي كانت التسوية، وأسمها الكودي، "الشرق الأوسط الجديد" تمر عبر تقديم حل للصراع العربي الإسرائيلي. أما هذه الأيام، وتحت الاسم الكودي "الشرق الأوسط الكبير" فإن استتباب الأمر لأمريكا وإسرائيل لا يشترط أي تسوية وإنما يقفز فوقها من أجل إعادة صياغة المنطقة. أي أننا كنا أمام عملية جراحية بعد مخدر فبتنا أمام عمليات جراحية لا تنتهي ولا تهتم بأي تخدير. وتتظاهر، فوق ذلك، بأنها غير مهتمة، أصلاً، بأن "يستتب" الأمر.

تدرجت السياسة الأمريكية من "مدريد مقابل بغداد"، إلى "بغداد أولاً ثم القدس"، إلى "بغداد أولاً ثم نبني الشرق الأوسط الكبير". ولقد وصلت هذه الأيام إلى "بغداد والشرق الأوسط الكبير ضد فلسطين". ويعبُر ذلك عن نفسه. في خطاب بوش، بدعوته الفلسطينيين إلى أن "يستحقوا" دولة، ودعوته العرب إلى أداء دور في تنفيذ المشروع الشاروني حيال الفلسطينيين.

إن المتاعب التي تواجهها الولايات المتحدة الأمريكية في العراق هي مدعاة، في نظر الإدارة، إلى تعزيز العلاقة بإسرائيل وتجنب أي محاولة لتوتيرها. فمن الواضح أنها، أي هذه العلاقة، الرصيد الأثمن والأبقى طالما أن العرب أقفلوا عقولهم وقلوبهم دون أن تكسبها واشنطن.

لا بل يمكن السؤال: هل كانت الولايات المتحدة تجازف أصلاً باحتلال العراق لولا اطمئنانها إلى أن في المنطقة قوة بحجم إسرائيل تشكل جيش احتياط يمنع أي طرف إقليمي من التحرك؟

يكفي أن يكون هذا السؤال وجيهاً حتى تنهار نظريات عربية تزين لنفسها ما يجري وتخترع، يومياً، أسلوب التحاقها التبعي بأمريكا، ويكفي أن يكون السؤال وجيهاً حتى يكون في وسع إسرائيل أن تفرق التظاهرات بالطائرات!"

في مؤتمر "إيباك" كانت الرسالة الأمريكية وعلى لسان أعلى سلطة فيها واضحة، "أننا نتفهم بأن من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها"، أما ما كان مثيراً للسخرية، فهو الطلب من الآخرين ضبط النفس، وهل يوجد انضباط وطاعة للإدارة الأمريكية، أكثر مما يحدث عبر النظام العربي الرسمي؟

 

قراءة صهيونية في كتاب "أبو غريب"

 

وحدة الحال وليس الشراكة أو التحالف، من يجمع الأمريكيين والصهاينة، فمنذ أن أبدع الأمريكيون في وسائل القتل في العراق، حتى تلاحم المشهد مع فلسطين، تلاحم المشهد أيضاً ليس محض صدفة، فالفكر الإجرامي واحد، والسلاح واحد، والأهداف واحدة، قادة الجيش الأمريكي، لا يخفون أنهم يرسلون جنودهم للتدريب في الكيان الصهيوني، وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون"، تعتمد على ذخيرتها في العراق من المصانع الصهيونية، وهي تخطط لإقامة مصانع عسكرية استراتيجية مشتركة هناك. الزيارات الميدانية لا تنقطع، آخرها، كان لبعض القادة العسكريين الأمريكيين إلى الكيان الصهيوني، حيث تم البحث على وجه الخصوص، في ما يطلق عليه "البنتاغون" – العمليات العسكرية على الأرض المدنية"، هذه الزيارات، تحول مردودها إلى فعل في النجف وكربلاء والفالوجة والقائم، وكل زقاق في العراق، تحول مردودها ليحول ليل العراق إلى فرص للمداهمات والقتل، تحول مردودها إلى آلات تعذيب بشرية في السجون العراقية، "أبو غريب" ليس وحده الذي تمارس فيه كل وسائل التعذيب البشعة واللاإنسانية، فمعهد النفط العربي في بغداد، والذي تم تحويله إلى سجن، يشهد بشاعة في المعاملة لا تقل عن ما حدث في أبو غريب.

الحضور الصهيوني مؤكد ، فقد أشارت إحدى الصحف الصهيونية، المعروفة باستقاء معلوماتها من الرسميين الصهاينة، أشارت إلى ما يتردد من أحاديث متزايدة حول ضلوع الكيان الصهيوني في عمليات التعذيب في السجون العراقية.

مشيرة إلى ما قاله يوجين بيرد الدبلوماسي الأمريكي السابق في برنامج حول تعذيب العراقيين في شبكة التلفزة الكندية: نحن نعرف أن الإستخبارات الصهيونية قد نشطت في بغداد بعد انتهاء الحرب والسؤال الذي يتوجب طرحه هو إذا كان هناك محققون أجانب بين أولئك الذين أوصوا بإتباع هذه المعاملة السيئة جداً مع الأسرى.

وأوضحت الصحيفة أن مصدر الأنباء التي تتحدث عن أن الإسرائيليين أيضاً قد شاركوا فيها جاء من عدة معطيات وردت في تقرير الجنرال تاغوبا، هذا التقرير يذكر بعض "مواطني دول العالم الثالث" أنهم هم أيضاً كانوا في السجون إلى جانب الأمريكيين، هنالك واحد من المتهمين السبعة في القضية يسمى "جون يسرائيل" وهو ليس جندياً ولم يكن ضمن طاقم السجانين. جون هذا هو مقاول وقع على عقد مع شركة "تيتان" التي توفر الخدمات للجيش الأمريكي في العراق، أحد أعضاء مجلس إدارة هذه الشركة هو رئيس السي.آي.إيه سابقاً جيمس وولسي الذي يعتبر صديقاً قوياً لإسرائيل، إلا أن "تيتان" من ناحيتها ادعت في وسائل الإعلام إنها لا توظف "جون يسرائيل" مباشرة وإنما من خلال مقاول ثالث، ومع ذلك رفضت ذكر اسم هذا المقاول الثالث.

ما تقدم، ليس سوى صفحة واحدة من كتاب "أبو غريب"، أما الراغبون بالمزيد، ففضائح التعذيب تنشر تباعاً.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العراق.. سنة أولى احتلال!!

 

العشرون من آذار مارس، كان يوما أسقط القناع بالكامل عن المخططات الأمريكية للمنطقة

لم تستطع الإدارة الأمريكية وبعد مرور العام الأول على غزو العراق، أن تقنع أحدا بالتبريرات التي تحاول تسويقها منذ ما قبل الغزو وحتى الآن.

لقد كتب الحديث عن هذا الموضوع، حتى أصبح واضحا، حيث أن الإدارة الأمريكية التي بدأت بتبرير حربها بسبب أسلحة الدمار الشامل، ثم غيرت ذلك بتبرير إسقاط النظم، ثم إلى تمكين العراقيين من حريتهم وبناء الديمقراطية، لم تستطع أن تخفي أهدافها الحقيقية لهذه الحرب، وهي أهداف استراتيجية تتعلق بالتحكم بالنفط كأولوية، والتحكم بالقرار السياسي لدول المنطقة، بحيث تصبح هذه الدول، تدور فعليا في فلك القرار الأمريكي، الذي يريد التحكم في مصير العالم بشكل عام.

العشرون من آذار/مارس، كان يوما أسقط القناع بالكامل عن المخططات الأمريكية، مع إبرازه لكافة التناقضات التي تتحكم بالمجتمع الدولي من خلال الرؤى المختلفة للسياسات، إضافة إلى إيقاظه للضمير الشعبي العالمي، الذي لم يكن يريد استعادة الذاكرة التي تحمل صور الكوارث لحروب مضت، وهو لا يريد أيضا، الوقوع تحت طائلة الخوف من هتلر جديد – مّثله بوش أفضل تمثيل -، خاصة في بداية الألفية الثالثة التي وصلت بكل تقنياتها المذهلة، وتقدمها العلمي الكبير، المفترض أن يشكل أملا للعالم وليس العكس.

المظاهرات الشعبية التي تجددت في هذه الذكرى، كررت رفض المنطق الأمريكي في التعامل مع

يتشدق الأمريكيون بأن هذا اليوم، كان بداية لعملية –حرية العراق-، هذه الحرية التي أرادوها دمارا وخرابا وقتلا، وحيث أن أرض هذه الحرية كانت مسرحا لأسلحة الدمار الشامل الأمريكية، بحجة وجود أسلحة دمار شامل عراقية، ثبت أنها لم تكن موجودة إلا في أكاذيب الإدارة الأمريكية.

العراق، ورغم المبالغة الأمريكية الهادفة أصلا للذهاب إلى الغزو، فان العراق، كان هدفا سهلا بكل المقاييس، خاصة أمام التقدم الهائل للترسانة الأمريكية، التي تمتلك أسلحة تراكمت منذ خمسة أجيال، تصنيعا وتحديثا، استخدم الجيل الأول منها في الحرب العالمية الأولى، ثم استخدم الثاني في الحرب العالمية الثانية، أما الثالث فقد استخدم في حروب مختلفة، كانت تحدث بالوكالة إبان فترة الحرب الباردة، فيما استخدم الجيل الرابع في يوغسلافيا، ومن ثم الحرب على العراق التي سميت –عاصفة الصحراء-، ثم استخدمت جميعا
، بما في ذلك الجيل الخامس في  الحرب الأخيرة التي بدأت في مثل هذا اليوم قبل عام.

العراق الذي انتهى فريسة للإحتلال الأمريكي، كان بالأساس منهكا من حربين سابقتين، ومن آثار حصار مدمر، أعاده عقودا إلى الوراء، ثم جاءت هذه الحرب الأخيرة، والتي لم تكن تحمل أي بعد أخلاقي حتى في خوض الحروب، لتحيله إلى دمار ينعش شركات الإحتكارات العالمية، حيث ستهرع تحت غطاء المشاريع المتعددة لإعمار العراق، تستنزف وعلى مدى عشرات السنين القادمة، ثرواته ومقدراته، وتحيط مستقبل أبنائه بغموض كارثي لا حدود له.

جاءت الحرب مسرعة، وبالمقابل، جاءت المقاومة بنفس السرعة، مبكرة في تصديها للإحتلال، متسلحة بحقها المشروع، أمام غزو غير مبرر، جاء خارجا عن كل القوانين الدولية، والأعراف الإنسانية والحضارية، حين رفضته الدول والشعوب معا، لكن هذا الرفض، لم يستطع أن يوقف ما حدث.

وعلى الرغم من ذلك، فان الحسابات الأمريكية، لم تكن بالنضج الذي يفكر في مستقبل الإحتلال، خاصة، وأن النفر العراقي الذي تمترس قبل الغزو في أروقة البنتاغون وأجهزة المخابرات التابعة له، زين الحال لأمريكا، مقنعا إياها بأن جيشها سيستقبل بالورود والفرح، وهو الجيش الذي من الواضح أنه غرق في مستنقع لا قرار له، حيث أن التوقعات التي تكن في الحسبان، شكلت صدمة وإحباطا لهذا الجيش الذي صنف نفسه بأنه " القاهر"، فيما إدارته تتخبط في سياستها، وتستجدي الآخرين لمشاركتها مهمة القتل من جهة، وتحمل الخسائر، والقتلى من جهة أخرى بسبب المقاومة.

العراق، ومستقبل الإحتلال.

مما لاشك فيه، ومن دون الدخول في تفاصيل العام بكامله، فان النتائج السياسية، لم تزل تلقي بفعلها على المشهد العراقي، دون أن تجد مخرجا لأطراف هذا المشهد، خاصة أولئك المتورطون في ملائمة أوضاعهم مع ما يتناسب من وجود أمريكي مستقبلي، يحقق لهم مطامع سلطوية واقتصادية، وجغرافية، حتى أصبح العراق أجزاء مفتتة، وأصبحت ثروته مرهونة للخارج لعقود ستأتي.

والخطط التي يتم رسمها لعراق المستقبل، تصطدم بعقبات كبيرة، خاصة مع ازدياد العمليات العسكرية ضد الإحتلال وعملائه، وتطور هذه العمليات إلى حالة نوعية، تؤكد قدرات مقاومة من الصعب التنبؤ بتحركاتها، رغم كل ما تبذله الإدارة الأمريكية وأجهزتها الإستخبارية، ورغم مشاركة مؤكدة لأجهزة الإستخبارات الصهيونية، إضافة إلى الأجهزة المحلية التي تعمل تحت إشراف أمريكي، وليس أدل من ذلك، وبمناسبة اقتراب الذكرى السنوية للغزو، تصاعدت العمليات بشكل ملفت للنظر، في معظم مناطق العراق، وليس المناطق التي اعتادت على مثل هذه العمليات فقط.

التعتيم الإعلامي، وقتل الصحفيين، واستهداف مراكزهم ومكاتبهم، لم يستطع أن يخفي حقيقة وضع الإحتلال، والحديث عن اتفاق لنقل السلطة، والذي سمي-اتفاق 15 نوفمبر، هو حديث لم يرق للغالبية العظمى من العراقيين، بل سرّع في إثارة شكوك العراقيين بنوايا الإحتلال، فالإتفاق الموقع بين مجلس الحكم الإنتقالي، والحاكم العسكري الأمريكي "بريمر"، لا يمنح العراقيين الحرية في اختيار من يمثلهم عن طريق انتخابات مباشرة، وإنما ينص على تسليم السلطة إلى جمعية وطنية مؤقتة، يتم تشكيلها بحلول 31 مايو 2004 ، وتضم شخصيات تختارهم لجنة مكونة من 15 عضوا، 5 منهم يعنهم مجلس الحكم، والبقية تختارهم جمعيات من المحافظات العراقية، على أن تختار الجمعية المؤقتة "البرلمان" بدورها حكومة مؤقتة تستمر حتى إجراء انتخابات عامة في عام 2005، وهذا ما أثار الجدل والإنتقاد واعتبر أنه اتفاق مظهره تسليم السلطة، ولكنه في حقيقة الأمر، يسلم السلطة لممثلين وعملاء للإحتلال يتم اختيارهم وتعيينهم على طريقته، وهو ما يعني في النهاية بقاء الوضع على حاله، واستمرار الإحتلال والتصرف بكل الثروات والمقدرات العراقية وعلى رأسها النفط، وهذا ما ليس خافياً للمتابعين ما يدور في أروقة البيت الأبيض الأمريكي، حيث يؤكد العديد من المسئولين هناك أن الإحتلال باق إلى سنوات قادمة وغير محددة، وأن العملية يمكن أن تتغير فقط بإعادة إنتشار الجيوش ووضعها في سبعة قواعد تم تحديدها على الجغرافيا العراقية، أما الإدعاء الأمريكي بضرورة تسليم السلطة للعراقيين، فإنه يخفي هدفاً واضحاً يرتبط بانتخابات الرئاسة الأمريكية القادمة، التي من المقرر أن تجري في الثاني من نوفمبر القادم، حيث أن إعلان بوش وبشكل رسمي على العلن، إنهاء الإحتلال، يزيد من حظوظه في نيل  أصوات الناخبين كام يرى منظموا الحملة الإنتخابية له والمشرفون عليها، مع رؤية أخرى تقول، أن أحد أهم الأسباب القوية الداعية لتسليم السلطة للعراقيين في الموعد المحدد، هو تصاعد المقاومة ضد الإحتلال، ولتجنب المزيد من الخسائر البشرية، تلك الخسائر التي ساهمت في تدني شعبية بوش إضافة إلى انكشاف خديعة المبررات الاخرى ومنها:

أسلحة الدمار الشامل

حين همس رئيس أحد أجهزة المخابرات الأمريكية، للصحافي "نيكولاس كريستوف" والذي نشر هذا الهمس في صحيفة نيويورك تايمز، من أن "وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد، تحول إلى غوريلا متوحشة تخيف المؤسسات المؤهلة لجمع المعلومات وتدقيقها سياسيا وعسكريا، وان تفاقم نفوذ مكتب الوزير "رامسفيلد" زاد عن اللازم حتى أصبح خطرا على عملية صنع القرار الأمريكي"، كان يعرف أن ما يدور بالخفاء، يحتمل الشبهة، خاصة، وأن وزير الدفاع نفسه، قام بتشكيل جهاز مخابرات خاص ملحق بمكتبه مباشرة، يكون جزءا من سكرتاريته، يقدم له مباشرة كل ما يريد، وفي نفس الوقت، أصدر وزير الدفاع الأمريكي أمرا إلى جهاز مخابرات الأمن القومي، وهو جهاز تابع لوزارة الدفاع، بأن يرسل تقاريره المتعلقة بالعراق إلى مكتبه، ولا يوزع منها شيئا، إلا وفق توجيهات يصدرها له.

كانت الدلائل جميعها تشير إلى أن العراق، لا يملك أسلحة دمار شامل، لكن الواضح، أن قرار شن الحرب، كان قد اتخذ على أعلى المستويات، والمطلوب آنذاك، البحث عن عملية إخراج تبريرية تتلائم مع المخططات الأمريكية من جهة، ومن جهة أخرى، تكون قادرة على إقناع دول أخرى بالإنضمام لهذه الحرب، لكن الأمور، ومع صدور القرار 1441 القاضي بعودة المفتشين الدوليين إلى العراق، لم تجري كما الرياح الأمريكية ، ولذلك، وبعد يومين من صدور هذا القرار، صدر إعلان الرئيس الأمريكي جورج بوش، وبالتحديد يوم 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2002، الذي جاء في نصه:

"إن الولايات المتحدة، لن تنتظر حتى يوافق مجلس الأمن على تفويضها بالعمل العسكري ضد العراق، لأن الخطر الذي تمثله أسلحة هو خطر داهم، ومهمة التفتيش  لا ينبغي لها أن تتسبب في تعطيل إجراء تراه الولايات المتحدة واقيا من هجوم مفاجئ، لأنها تعلمت الدرس من "بيرل هاربر"، ولا تزال تتذكره".

توجه المفتشون الدوليون إلى العراق يوم 27 نوفمبر / تشرين الثاني 2002، وسط تصعيد أمريكي واضح، ويروي كبير المفتشين الدوليين"هانز بليكس" أنه طلب من الأمين العام للأمم المتحدة،أن يبذل نفوذه لدى الإدارة حتى توقف الغارات على مناطق الحظر الجوي في العراق أثناء عمل فرق التفتيش هناك، وحجته "الحرص على سلامة المفتشين بالدرجة الأولى، إذ كان مطلوبا منهم أن يدخلوا فجأة دون إخطار، إلى أي موقع على طول العراق وعرضه، في أي وقت من الليل والنهار"، ومع أن كوفي عنان وعده، فإن بليكس رأى أن يتوجه بنفسه إلى واشنطن، بعد أن تلقى دعوة مقابلة مستشارة الأمن القومي للرئيس كوندوليزا رايس، وفي البيت الأبيض وجد بليكس أن الأجواء محمومة ونافذة الصبر، وحاول التهدئة بكل جدية ولم ينجح، بل إنهم أبلغوه بان كثافة الغارات سوف تزيد، وتلك خدمة لمهام التفتيش تساعد في الضغط على النظام في بغداد، وأما فيما يتعلق بسلامة المفتشين، فقد تلقى بليكس تأكيداً بأنه سوف يكون هناك تنسيق من مستوى خاص بين فريقه وبين القيادة المتقدمة في الكويت، بحيث يمكن المحافظة على سلامة المفتشين في أي كان يتوجهون إليه، وفي أي وقت!.

وانتهز بليكس الفرصة (حسب روايته) فطلب من مستشارة الأمن القومي مساعدة الولايات المتحدة لفريقه بما تستطيع تزويدهم به من معلومات، (وكرر الطلب مع كولن باول) وزير الخارجية، وطبقا لبليكس فانه تلقى وعدا أكيدا بأن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تضع تحت تصرفه معلومات كافية تقود الفريق الدولي إلى مخابئ أسلحة الدمار الشامل، وقالت كونداليزا رايس لبليكس بكل صراحة: "لك أن تثق أن لديهم أسلحة دمار شامل، وأنهم تمكنوا من تحويل ما لديهم من مواد كيماوية وبيولوجية إلى أسلحة جاهزة، بل إننا نعرف ونملك الدليل على أن لديهم برنامجاً لتطوير سلاح نووي، ثم قامت مستشاؤة الأمن القومي بتسليم كبير المفتشين تقريرا سريا وضعته إدارة مخابرات وزارة الدفاع عنوانه "المنشآت الهامة لمواقع الأسلحة العراقية"، وفي نهاية لقاءها مع هانز بليكس طرحت كوندوليزا رايس أهمية أن يقوم فريقه (على نحو عاجل) بحصر العلماء العراقيين واستجوابهم خارج العراق، مع استعداد الولايات المتحدة لقبولهم وعائلاتهم في الولايات المتحدة، ومنحهم الجنسية الأمريكية، إذا هم اعترفوا بما لديهم من أسرار، وكان بليكس مستعداً للتجاوب وان رأى الاقتراح مستفزا للنظام العراقي في اللحظة الراهنة، وفضل أن يرجئ طرحه علنا إلى مرحلة لاحقة حتى لا تعقد الأمور مبكرا جداً.

يوم 12 ديسمبر كانون الأول 2002  وانصياعا لطلب أمريكي أضيف إلى قرار مجلس الأمن 1441 سارع العراق بتقديم تقرير تفصيلي عن كل ما كان لديه من أسلحة الدمار الشامل، وكان التقرير من أحد عشر ألف صفحة بينها مئات من صور الوثائق والمستندات وفيها قوائم وحسابات وفواتير الشركات الدولية التي باعت للعراق ما حصل عليه من المواد والمعدات.

الإغارة الأمريكية على التقرير

ما لم تتناقله وسائل الإعلام في حينها، وإنما جاء من خلال معلومات نشرت لاحقا، أن الوفد العراقي الدائم لدى مجلس الأمن، حمل ثلاث نسخ من التقرير الضخم إلى مبنى الأمم المتحدة، وجرى تسليمها إلى رئيس مجلس الأمن لذلك الشهر، لكنه لم تكد تنقضي دقائق حتى جرى اقتحام مكتب رئيس مجلس الأمن بواسطة مجموعة من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، يصحبها ضابط اتصال من وزارة الخارجية الأمريكية، مطالبا بإصرار أن تسلم إليهم النسخ الثلاث التي قدمها الوفد العراقي من تقرير الأسلحة الذي ورد الآن من بغداد، وحاول رئيس مجلس الأمن أن يناقش، لكنه أبلغ بأن الموضوع لا يحتمل حلا وسطا، وأن عليه أن تسليم النسخ الثلاث، وهذا ما حدث فقد خرجت مجموعة الإغارة على مجلس الأمن من مبنى الأمم المتحدة، ومعها النسخ الثلاث من تقرير بغداد.

وحين اتصل سفراء الدول بمكتب المندوب الأمريكي الدائم السفير "نجروبونتي" كان رده أن ما وقع كان إجراء مؤقتاً وضروريا للمراجعة، وما هي إلا ساعات قليلة حتى تصل إليهم نسخ من التقرير كافية لكل أعضاء مجلس الأمن وهم خمس عشر، لأن العراقيين لم يقدموا غير ثلاث، على أن الوفود تلقت صباح اليوم التالي نسخا من التقرير ملعوبا فيها، فقد خضعت لمراقبة حذفت أجزاء كبيرة منها، ولكن الملحقين العسكريين لهذه الوفود في واشنطن ما لبثوا أن اخطروا سفراء بلادهم لدى مجلس الأمن بأن القصد الحقيقي من التلاعب بالتقرير العراقي كان إخفاء دور الشركات الأمريكية (وأهمها خمس وعشرون شركة عملاقة) باعت للعراق ما ساعده على بناء إمكانياته العسكرية، وضمنها أسلحة الدمار الشامل، (أيام الحرب مع إيران)، والغريب أن عدداً من مجالس إدارات هذه الشركات ضم رجالا من صناع السياسات الراهنة (أمثال تشيني ودونالد رامسفيلد، وجيمس بيكر، وريتشارد بيرل، وعشرات من أعضاء مجلس سياسات الدفاع وغيرهم).كانت الإدارة الأمريكية تهيأ المسرح للغزو، تسوق الأسباب والمبررات، ترفض سماع الاعتراضات، وكان الطاقم الذي يمثل البيت الأبيض، يندفع بكل تفاصيله نحو تحقيق الهدف الكبير، حيث الوسيلة الأكثر فاعلية، ألا وهي –الجيوش-..

الحشد العسكري والغزو

لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية، تحتاج إلى جهد كبير لإعداد وحشد الجيوش، فقد كانت الجيوش أصلا تحيط بالعراق من كل جانب تقريبا، فالقواعد الأمريكية موجودة في المنطقة، ومحطات التسهيلات مفتوحة دون قيد في المياه الإقليمية، البحر الأبيض والبحر الأحمر، وكان العراق وباستثناء الحدود مع إيران وسوريا، هدفاً لدخول القوات من الأطراف الأخرى، ومع ذلك، فإن قيادة الأركان المشتركة الأمريكية تلقت أمرا يوم 21 ديسمبر/كانون الأول، بتوقيع الرئيس الأمريكي، يطلب فيه تمركز خمسين ألف جندي أمريك في منطقة الخليج، ثم لاحقا جاء قرار وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد يوم 2 يناير كانون الثاني، الذي ينص ببدء تحريك مجموعات من القوات (35 ألف جندي) إلى مناطق الحشد في الكويت، وقد تزامن ذلك مع استدعاء الحكومة البريطانية رسميا استدعاء 1500 جندي من الاحتياط للخدمة، وتحريك مجموعة عمل عسكرية تقودها حاملة الطائرات (ارك رويال) تصحبها المجموعة التابعة لها، والمكونة من سبعة عشر قطعة بحرية، وأن تتوجه القوة إلى منطقة الخليج وهي تجمع ثلاثة آلاف من جنود البحرية.

ظلت الحشود في تتابع، بحيث أنه لم يبق هناك أي مجال للتشكيك في أن الولايات المتحدة ذاهبة للحرب، خاصة بعد خطاب حالة الاتحاد (29 يناير كانون الثاني) الذي ألقاه الرئيس بوش، والذي كان واضحتا من خلاله، أنه بمثابة "ضوء برتقالي" إلى القوات المسلحة الأمريكية، سوف يتغير إلى الأحمر، أي إلى حالة التنفيذ في أي لحظة، متذرعا في حينها بأنه تلقى تقريراً بريطانيا يبين أن أسلحة الدمار الشامل العراقية على اختلاف أنواعها جاهزة للتشغيل في غضون 45 دقيقة بأمر يصدر من الرئيس العراقي.

وهكذا استقر أمر الحرب، برغم أن تقرير هانز بليكس والبرادعي اللذان قدما لمجلس الأمن، كانا في حينها يشككان في وجود مثل هذه الأسلحة.

وإذا كان الحشد اقتصر في بادئ الأمر على القوات الأمريكية والبريطانية، فإن قوات أخرى (استرالية واسبانية وإيطالية) التحقت لاحقا وإن كان عددها قليل، إلا أنها كانت بمثابة الحجة لأمريكا أن هنالك تحالفا دوليا يشاركها هواجسها، ويخوض معها الحرب ضد العراق.

يوم 20 مارس آذار 2003، بدأ الغزو الفعلي للعراق، بغارات ألقت بآلاف الأطنان من المتفجرات على المدن العراقية، حيث نالت بغداد بالطبع الحصة الأكبر منها، إضافة إلى استخدام الصواريخ المتطورة التي كانت تطلق من حاملات الطائرات المتمركزة في المتوسط والأحمر، مع تقدم القوات من الكويت، بعد الرفض التركي لدخولها، وإن كان الأتراك قد ساهموا في تسهيل المهام اللوجستية لهذه القوات.

وبغض النظر عن التحليلات التي أفردتها الفضائيات عبر جنرالات استعرضوا خرائط وخطط وما إلى ذلك، وبغض النظر عن رأي هؤلاء أثناء تقدم القوات الغازية، فإن الأمر لم يطل، وسقطت بغداد، وسط ذهول العالم، ولم يستغرق الأمر سوى 20 يوماً على الأكثر، سقطت بغداد في 9 ابريل نيسان 2003، ودخلت القوات الأمريكية ليبدأ فصل جديد في تاريخ المنطقة التي لعلها لم تصحو الآن من صدمتها جراء ما حدث..

ماذا بعد؟!

لا يصعب التكهن بمصير الاحتلال، فعلى مر التاريخ، خاصة التاريخ العراقي، رحل المحتلون وبقي العراق، لكن التاريخ المنصف، سيروي ذات يوم، خبايا هذا الغزو ومبرراته، وسيتحدث عن نتائجه وتداعياته، وسيكشف أن القوة ليست مقياسا يمكن أن يقف في وجه الحق إلى الأبد، وربما ما حدث لاحقا من تداعيات لهذا الغزو، يؤكد ذلك.

تداعيات الغزو، بدأت بالنيل من التحالف الذي شارك فيه، والحالة الاسبانية الجديدة بغض النظر عن القشة التي قصمت ظهر البعير!!. مثال يشي بهذه التداعيات والمأزق الذي يواجهه ما يسمى " التحالف"، يشي أيضا باستمرار هذه التداعيات وتأثيراتها، والموقف البولندي الذي اكتشف انه خدع بالانجرار إلى الحرب كما قال الرئيس البولندي، وكذلك الموقف الكوري الجنوبي الذي رفض المشاركة بمهام أمنية في مدينة كركوك العراقية بعد طلب أمريكي، والرفض الشعبي المتعاظم للسياسة الأمريكية تجاه شعوب العالم، والتي ولّدت كرهاً للولايات المتحدة، وأفرزت حالة من الغضب تجاه الإدارة الأمريكية الحالية، حتى داخل أمريكا، هذا الرفض مرشح للتطور، ولاتخاذ أشكالا أكثر تقدما وايجابية، خاصة في أوروبا، وربما سيكون البداية لفرط التحالف الذي ذهب مع أمريكيا للحرب، حيث أن كل ذلك ، سيلقي بتأثيراته على الواقع الأمريكي المرشح للتغيير، وهذا ما كان واضحا في مجلس النواب الأمريكي، الذي وجد بداخله من يعرب عن شكه في أن يكون التدخل العسكري مبررا، حين قال أحد النواب "إن الحقيقة هي أن العراق لم يكن تهديدا وشيكا لأمريكا".

 

المشروع الإمبراطوري الأمريكي

 

من الطهورية التبشيرية إلى إستراتيجية الصدمة والترويع

 

الحديث عن الحلم الإمبراطوري الأمريكي ليس وليد اللحظة، وإنما هو قائم منذ قيام الدولة الأمريكية، وفي هذا الصدد، يقول الباحث الاستراتيجي "نبيل النايلي":

إن سياسات الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة بوش الابن و من يحيط به من المحافظين الـجدد  و المسيحيين الصهاينة ليست سياسات طارئة أو منفصلة عن الخط العام الذي يسبغ السياسات الأمريكية رغم الإسراف في مشروعها الإمبراطوري و تجاوزها للأعراف و تسفيهها للمؤسسات الدولية، إذ لا ينبغي أن يغيب عن الذهن جذور البعد الإستراتيجي كخط ثابت لا يتغير منه سوى الأسلوب و الوسائل المتبعة لبلوغ الأهداف المرتقبة، فهذا التوجه الإمبراطوري ليس وليد تصور سياسي أو خيار إستراتيجي مرهون بحدث تاريخي مفصلي أو برئيس أو إدارة أمريكية دون أخرى - جمهورية كانت أو ديمقراطية - بل ان هذا النهج كان و لا يزال خطا إستراتيجيا ثابتا رغم ما عرفه من تعثر في بعض مراحله التاريخية لظروف موضوعية طارئة سرعان ما تأقلم معها، ليواصل دعاة الإمبراطورية و بناتها مشروعهم من جديد.

من الأطلسي إلى الباسيفيكي

نشأت الولايات المتحدة الأمريكية و نمت "بطبائع الجغرافيا و التاريخ و الثقافة كيانا متحركا لا يطيق التوقف عند فاصل مّا يحدّ من تقدمه و انتشاره و توسعه لأن التوقف لا يكون إلاّ استسلاما لحصار مّا أو تمهيدا لتراجع"  ، حتى أنها و منذ نشأتها الأولى وعت ضرورة "ملء المساحة من خط الماء الأطلسي إلى خط الماء الباسيفيكي و قبلت بضريبة الحرب الأهلية من أجل بــناء دولة موحدة وقوية" ، وما إن انتهت من حربها الأهلية حتى بدأت تتطلّع إلى كل من آسيا وأوروبا تغذي طموحها ادعاءات "المهمة المقدسة" و "التكليف المقدس" و "القدر المحتوم" و يحدوها أمل السيطرة على موارد الثروة وبسط نفوذها على كل ما اعتبرته "فراغا" بحق الاكتشاف و الغزو، فكان أن اتجهت نحو آسيا عبر المحيط الهادي بحكم انه الأفق المتاح ساعتها، أما أوروبا فلم تكن بعد قد أُعدت لها العدة خصوصا أنها لم تكن مصنفة داخل الفراغ الواجب ولوجه.

إن المطّلع على خطاب السيناتور ألبرت بيفردج Albert Beveridge  بعنوان : "زحف العلم" The March of the Flag الذي ألقاه خلال مناقشات الكونغرس سنة 1898، سيعي أن الحلم الإمبراطوري ليس وليد مرحلة ما بعد الحرب الباردة كما يصوره لنا بعض البحاثة،  وإنما رافق ميلاد الولايات المتحدة الأمريكية التي رأت في نفسها وريثا شرعيا لإمبراطوريات بدأت تتآكل و تأفل نجومها، يقول ألبرت بيفردج: "عليكم أن تتذكروا اليوم ما فعله آباؤنا، علينا

أن ننصب خيمة الحرية أبعد في الغرب، وأبعد في الجنوب، إن المسألة ليست مسألة أميركا، ولكنها مسألة زمن يدعونا إلى الزحف تحت العلم، حتى ننشر الحرية ونحمل البركة إلى الجميع، علينا أن نقول لأعداء التوسع الأميركي، إن الحرية تليق فقط بالشعوب التي تستطيع حكم نفسها، وأما الشعوب التي لا تستطيع ، فإن واجبنا المقدس أمام الله يدعونا لقيادتها إلى النموذج الأميركي في الحياة، لأنه نموذج الحق مع الشرف، فنحن لا نستطيع أن نتهرب من

مسؤولية وضعتها علينا العناية الإلهية لإنقاذ الحرية والحضارة، ولذلك فإن العلم الأميركي يجب أن يكون رمزا لكل الجنس البشري.

الخيار الواجب إتباعه

ساد هذا الخيار الإستراتيجي داخل المداولات حتى أن المجلس اعتبر أن "الإمبراطورية" هي الخيار الواجب إتباعه و ذلك ما ساهم في التشريع لسحق كل من حاول الوقوف في وجه غطرسة الولايات المتحدة أو تجرّأ على مقاومة مشروعها التوسعي، و مما يذكره  ستانلي كارنوف   Stanley Karnov في كتابه "الإمبراطورية الأميركية"  نقلا عن تقرير لأحد أعضاء الكونغرس بعد زيارته الفلبين ما يلي:

" إن القوات الأميركية اكتسحت كل أرض ظهرت عليها حركة مقاومة، ولم تترك هناك فلبينيا واحدا إلا قتلته، وكذلك لم يعد في هذا البلد رافضون للوجود الأميركي لأنه لم يتبق منهم أحد" !!! و يضيف نقلا عن صحفي رافق ذلك العضو ما نصه : "إن الجنود الأميركيين قتلوا كل رجل وكل امرأة وكل طفل وكل سجين أو أسير وكل مشتبه فيه ابتداءً من سن العاشرة، واعتقادهم أن الفلبيني ليس أفضل كثيرا من كلبه وخصوصا أن الأوامر الصادرة إليهم من قائدهم الجنرال "فرانكلين" كانت :"لا أريد أسرى ولا أريد سجلات مكتوبة."!!!
ظل المشروع الإمبراطوري الناشئ يقضم شيئا فشيئا ما تبقى من الإمبراطوريات الهرمة - أسـبانيا والبرتغال- يطردها من مواقعها ليحل محلها بعد أن أضحى وجود الإمبراطوريتين "تطــفّلا استعماريا و همجية" على حد تعبير تيودور روزفلت  Theodore Roosevelt و هو الذي كان يعتبر اكتشافهما لأمريكا "بعثة حضارية"، كما ظل المشروع الإمبراطوري يتحين الفرصة السانحة ليرث الإمبراطوريات الأوروبية (فرنسا وبريطانيا) المنهكتين بفعل الحربين الأوربيتين الأولى والثانية ، و حين توفرت الظروف الملائمة لم تتوان الولايات المتحدة عن استلام التركة و ملء ما سمي بالفراغ الإستراتيجي،  Strategic Vacuum  فبعد الانتصار الكاسح على ألمانيا النازية و الدمار الذي حل بأوروبا ، شرعت الولايات المتحدة في "رشوة" حلفاءها تحت غطاء "المساعدات" لإعادة إعمارها من خلال مشروع مارشال الشهير the Marshall Plan و بذلك ضمنت تبعية أوروبا و ولاءها ومصدر ابتزاز لا تزال تمارسه حتى يومنا هذا.

إن من يراجع  الوثائق الأميركية يلاحظ أن الولايات المتحدة الأمريكية وضعت المنطقة العربية في صلب المناطق الأكثر حيوية و أهمية لمصالحها الإستراتيجية و تعود هذه الأهمية الخاصة للمعطيات التالية:

·        وجود أكبر احتياطي عالمي للنفط.

·        وجود قاعدة متقدمة و حليف استراتيجي متمثل في الكيان الصهيوني المزروع في قلب الجغرافية العربية.

·   استئثار المنطقة بموقع استراتيجي مميز حيث ملتقى ثلاث قارات -آسيا و أفريقيا و أوروبا - وحيث تمر خطوط التجارة الدولية الرئيسية كما تتحكم المنطقة في أهم المضايق و الخلجان: جبل طارق، مضيق هرمز قناة السويس ، خليج العقبة و باب المندب.

 لهذه الاعتبارات و غيرها ،اعتبرت  المنطقة مصلحة حيوية للولايات المتحدة الأمريكية وجب ضمان السيطرة عليها و إن اضطرت لاستعمال القوة، فهذا تيودور روزفلت يكتب توجيهه الرئاسي لمدير العمليات الاقتصادية في الشرق الأوسط جيمس لانديس James Landis  فيقول : "إن الشرق الأوسط منطقة تمثل للولايات المتحدة مصالح حيوية" ، ممّا يوحي أن الولايات المتحدة عقدت العزم على ضمان موطئ قدم بالمنطقة أولا و الاستفراد بثرواتها ثانيا.

التكيف مع المراحل

خلال كل هذه المراحل التاريخية كان صناع القرار الأمريكي وواضعو استراتيجياتها يتكيفون مع المراحل و يستغلون الظروف الموضوعية من أجل خدمة المشروع الإمبراطوري، الحلم الذي لم يتراجعوا عنه مطلقا و إن توقفوا في مرحلة ما كفترة "العزلة"  فذلك لتحين الفرص السانحة للمضي بثبات أكثر، و هكذا تطورت الإستراتيجية الأمريكية من سياسة العزلة إلى خيار المشاركة في صياغة النظام الدولي بتأثير نظرية ملء الفراغ، أما في مواجهة الإتحاد السوفييتي فقد عمدت الولايات المتحدة إلى إستراتيجية الأحلاف و ذلك رغبة منها في حصر نفوذ هذه الإمبراطورية لتنتقل بعدها إلى ما سمي بإستراتيجية الردع و الإحتواء Deterrence and Containment ، فقد ساد طوال فترة الحرب الباردة  نظام ذو قطبين: معسكر شرقي في مواجهة معسكر غربي رغم محاولة الراحل عبد الناصر وتيتو و نهرو الخروج عن هذه الثنائية بإنشاء منظمة دول عدم الانحياز.


النظام العالمي الجديد أوالـ PAXA AMERICANA
"
نحن نشكل النقطة المركزية و يجب أن نحافظ على هذا الموقع... على الولايات المتحدة أن تقود العالم حاملة مشعل الحق و القوة أخلاقيا و سياسيا و عسكريا، كي تكون النموذج لجميع الشعوب" !!!

السيناتور جيسي هلمز Jesse Helms

بعد انهيار وتفكّك الإتحاد السوفيتي وسقوط المعسكر الاشتراكي و إثر حرب الخليج الأولى  انتهى النظام العالمي "القديم" متعدّد الأقطاب ليحلّ محلّه نظام أصطلح على تسميته بالنّظام العالمي الجديد New World Order و ساد رأي بالإدارة الأمريكية وخاصة لدى صنّاع القرار مفاده أنّ الولايات المتّحدة "حققت قيادتها المطلقة للعالم لأنّها استطاعت أن تمسك باللّحظة التاريخية الفريدة التي توفّرت لها" و عليها منذ الآن ، أن تستعمل كلّ إمكاناتها المادّية و المعنوية للحفاظ على هذا المكسب ، وأن تؤسّس له للاستئثار بريادة العالم وزعامته وإعادة صياغته وتشكيله من جديد وفق المصالح القومية الأمريكية، كيف لا وهي التي تتمتع بتفوق لم تصل إليه أعظم الإمبراطوريات منذ فجر التاريخ : "فهي تمارس سيطرة لا نظير لها على كل أنحاء العالم، و تنتشر قواتها حوله من سهول أوروبا الشمالية إلى خطوط المواجهة في شرق آسيا" و على امتداد وطننا العربي "كما تسيطر على النظام المالي العالمي وتوفر أكبر مجمع لرأس المال الاستثماري و أوسع سوق للصادرات الأجنبية" ، بحيث إذا هبطت الأسهم في وول ستريت  Wall Street تداعى لها الاقتصاد العالمي بأسره، فكان أن سيطرت على صانعي الإستراتيجية الأمريكية فكرة الفرصة التاريخية السانحة ، فصدرت في تلك الفترة كتب ودراسات تؤسس لهذه الغاية وتعمل من أجل هذا الهدف ،حتى أن الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون نفسه  أصدر كتابين أحدهما بعنوان (انتهزوا الفرصة) Seize The Moment)) و الثاني (1999 نصر بلا حرب) (Victory Without War 1999)  شدّد فيهما على نفس الأفكار المشار  إليها وحذر في الكتاب الثاني من الإسلام الذي سماه "المارد الأخضر" في إشارة إلى "المارد الأحمر" الشيوعي المتمثل بالاتحاد السوفيتي المنهار.
وإذا كانت إدارة بوش الأب الجمهورية هي التي أدارت بنجاح معركة سقوط الشيوعية وانهيار الإتّحاد السوفييتي فإن إدارة كلينتون Clinton الديمقراطية اتهمت بالعجز عن استغلال فرصـة هذا السقوط والتهاون في ضرورات التفوّق الأمريكي  وتكريسه.  حيث وُضعت إستراتيجية التفوق إلى جانب وقتيا، و ذلك لأن إدارته أولت اهتمامها لمتابعة المصالح الوطنية عبر المؤسسات المتعددة الجنسيات (الخاضعة أساسا لسيطرة الولايات المتحدة) ولتنفيذ إستراتيجية ليبرالية على المستوى الدولي تمحورت حول "مبدأ الشمولية" الذي حقق نجاحات مهمة رغم المشاكل الأخلاقية التي عصفت بفترة ولايته، فقد كان كلينتون يرى أنه من المنطقي تقديم الاقتصادي على الاستراتيجي مرحليا  لاعتبارات منها: أن المواجهة الثنائية القطب كانت تبرر سياسة الاستنفار العسكري و سباق التسلح الذي أنهك المارد السوفييتي،  أما وقد أفل المارد الأحمر فقد آن الأوان لفتح الطريق أمام قلب الأولويات، وكان على الدولة أن تغير من أشكال تدخلها لتواكب انفتاح الصين وتستفيد منه، ومن التطور اللامع في الاقتصاديات الناهضة في شرق آسيا ومن عمليات التحول الجارية في أوروبا الوسطى والشرقية. باختصار ، كان على دولة الأمن القومي أن تخلي الساحة "للدولة الشاملة" .

العودة لاستراتيجية التفوق

 تعرض كلينتون لحملات واسعة من الشجب و التعريض اشترك فيها البنتاغون و المركّب الصناعي العسكري و اليمين المتطرف حتى أن كونداليسا رايس Condoleezza Rice  مستشارة الأمن الحالية قالت عنه أنه: "قد حول قوات الجيش الأميركي إلى عمال اجتماعيين وانحدر بهم إلى حال عجز شبيهة بحال عام 1940!" .
  
لهذا كانت أولى أولويات الإدارة الجديدة هي العودة لإستراتيجية التفوق التي تهتدي بتعاليم التقارير السرية كالتقرير المسمى : "ترشيد السياسة الدفاعية"  Defense Policy Guidance الذي أعده وولفيتز PAUL WOLFOWITZ و بعض مساعديه و الذي يوصي بـ"منع أي قوة عدوة من السيطرة على مناطق ذات موارد قد تساعدها في احتلال موقع قوة كبرى" بل و يذهب حد الأمر بـ"إحباط أي محاولة من الدول الصناعية المتطورة لتحدي زعامة الولايات المتحدة أو لقلب المعادلة السياسية و الاقتصادية القائمة" ، فكان أن أعيدت برامج التسليح و تم استئناف خطط الدّفاع الإستراتيجي كما كانت قد تصوّرتها كل من إدارتي ريغان REAGAN و بـوش الأب  BUSH وأوّلها مواصلة برنامج ما يسمّى بـ« حرب النجوم » Star War و خطوة إنجاز المنظومة المضادّة للصّواريخ (AMD)Anti Missile Defense  ، إذ أن زمن سياسة الرّدع النّووي المتبادل قد أزف بانتهاء الحرب الباردة، فالظّروف اختلفت لأن القوى النّووية تعدّدت وذلك يفرض على الولايات المتّحدة البحث عن إستراتيجية جديدة لا تردع طرفا أو طرفين فحسب  و إنما تواجه كلّ الأطراف بما فيها أطراف هي اليوم في عداد الأصدقاء، خاصة مع توسّع نادي مالكي القوة النوويّة ليشمل دولا "مارقة"  حسب توصيف الإدارة الأمريكية بل إن بعضها تعتبره عضوا في ما اصطلحت على تسميته ب"محور الشر" "Axis of Evil" .
لقد انتهى النظام الدولي الذي قام منذ 1945 مع نهاية الحرب العالمية الثانية برعاية الأمم المتحدة وخلافا للوضع الذي ساد العالم طوال عقد من الزمن قبل سقوط جدار برلين (1989) وانهيار الاتحاد السوفيتي (1991) باتت واشنطن تحتل موقع "القائد الشمولي". وتتصرف وفق هذا المنطق. و إذا كانت إدارة كلينتون قد مارست هذا باحتشام  فإن الصقورأصحاب النفوذ الكاسح داخل إدارة الرئيس بوش الحالية أضحوا يعلنون دون مواراة الصفة الإمبراطورية للولايات المتحدة بعدما كانت هذه الصفة تعتبر اتهاما يدخل في سياق "العداء البدائي للأمريكيين". Primitive anti-Americanism
الأسس والثوابت

     قبل أن نسهب في تحليلنا لمجمل هذه التحولات الكبرى داخل الإستراتيجية الأمريكية نرى أنه من الضروري الوقوف على جملة من الأسس و الثوابت التي لم يحد عنها واضعو الإستراتيجيات الكبرى للإمبراطورية الأمريكية .


أسس الإستراتيجية الأمريكية:


بنيت هذه الإستراتيجية على أسس ومنظومة ثوابت نلخّصها في النّقاط التالية:
1-
المحورية الأمريكية : American Centrism بمعنى أن مصلحة أمريكا أوّلا و أخيرا فوق كل اعتبار سواء في انسجام أو في تناقض مع مصالح حلفائها وإن اقتضى الأمر التضحية بالحليف أو الخروج عن الإجماع الدولي كما حصل دائما مع المسألة الفلسطينية أو مع العدوان على العراق على سبيل المثال لا الحصر .

2 -   الهيمنة المطلقة :  Absolute Hygemony  و ذلك بفرض السّيطرة الأمريكية على كل نقطة استراتيجية في العالم و في أي وقت تريده و تحت أي ظرف تعتبره مناسبا. و هو ما يفسّر إصرار الولايات المتّحدة الأمريكية على إنشاء قواعد عسكرية ثابتة أو متنقّلة و نشر أساطيلها في أهمّ البحار والمحيطات و استغلالها لكلّ الفرص المتاحة من أجل زرع فرق و كتائب عسكريّة للتدخّل الّسريع كما كان الحال في الخليج أو في كوسوفو أو أفغانستان أو في المغرب و الجزائر أخيرا.

3-ضمان إستمرارية الهيمنة : و ذلك باستخدام كلّ الوسائل العسكرية و الاقتصادية  والدبلوماسية  والقانونية و الأمنية و  المخابرتية حتى الابتزاز السّياسي ، خصوصا أن كلّ الظروف الموضوعيّة باتت متوفّرة الآن في ظلّ غياب منافس ممثّلا في دولة أو في حلف قادر على منازعة الإمبراطوريّة الجديدة سيطرتها على العالم. إذ أن كلّ دولة عظمى تنظر إلى العالم كمجال حيوي لإستراتيجياتها وبالتّالي صار لزاما عليها وضع اليد على كل منطقة مركزية و محورية من أوروبّا إلى أفريقيا فالخليج العربي إلى آسيا الوسطى كما هو الحال الآن.


4-
الحق مع القوة : Might is Right  وهو ما يفسّر الهاجس المستمرّ بأنّ هناك عـــدوّ مّا  وخطر محدّق يستهدف ويتربّص بهذه الأمّة المثال أو المتميّزة. و إذا لم يتوفّر هذا العدوّ وجب اختلاقه!!! يقول جون كريستوف ريفان Jean Christophe Rufin في كتابه "الإمبراطورية والبرابرة الجدد" L'Empire et les nouveaux barbares " إن الخطر أصبح متعددا وغير متوقع ومتغير ، فقط وجهته تسمح لنا بتحديده" ، فكان التّركيز على الخطر الأحمر الشّيوعي فالخطر الأخضر الإسلامي إلى ما يصطلح عليه اليوم ببؤر التوتّر متمثّلة في دول تعتبرها الولايات المتحدة دولا مارقة-Rogue States  - أو في تعبيرة أقلّ حدّة : دول تعيش توتّرا- States of concern - إلى الإرهاب هذا المصطلح الذي يصر منظّروا الإمبراطورية على أن يظلّ هلاميا ضبابيا  وبمعايير تتغيّر بتغيّر المصالح الأمريكية و في أحيان كثيرة بمعيار الكيل بمكيالين كما هو الحال مع الكيان الصّهيوني.
الجغرافية الجديدة للصّراع

    في هذا الإطار كتب المفكّر الأمريكي مايكل كلار Michael Klare في مقال عنونه بـ: «الجغرافية الجديدة للصراع» New Geography of Conflicts - بــشؤون خارجية  Foreign Affairs  ، في إشارة صغيرة للعسكرية الأمريكية أكّدت على ضرورة بسط النّفوذ على آسيا الوسطى و هذا الخيار بذاته يمثل تحوّلا إستراتيجيا هامّا .        
هذه المنطقة التي تمتد من جبال الأورال حتى حدود الصين الغربية أصبحت الآن على غاية من الأهمّية نظرا لموقعها الجيوستراتيجي المهمّ و لثروات متعدّدة : بترول بحر قزوين ، غاز تركمانستان،  قطن أوزباكستان و ذهب قيرغيزستان. و بما أن الـ Centcom يضع يـده عـلى منطقة الخليج وثرواتها بات من الضّروري بسط النّفوذ على منطقة يقدّر مخزونها بثلاث مرات ما يخزنه الخليج العربي.

إن من يطّّلع على أدبيات الفكر الإستراتيجي الأمريكي بدءا بما خطّه المنظّرون الأوائل حول المصير الجليّ أو القدر المحتوم « Manifest  Destiny »  ، إلى آخر التّقارير التي يتمّ على أساسها بناء الإستراتيجيات ، يلاحظ بما لا يدع للشكّ ملامح حلم توراتي يشبّه أمريكا دائما بالمنقذة للإنسانية صاحبة الرّسالة الحضارية  للبشرية! و يشرّع لها ما يحرّم على غيرها من الأمم.


أولويات السياسة الأمريكية الخمس

وفقا لتقارير الرئاسة الأمريكية الأخيرة التي تعالج خيارات القرار الأمريكي و التي تقدّم لرئيس الولايات المتحدة لالتزامها في برامجه و مخططاته فإن المناطق التّالية هي ما حُدّد لبوش الابن ليعتبرها المسرح الجيو إستراتيجي الأهمّ:
1.    
شرقي آسيا: الصين و اليابان

2.     أوروبا ممثلة في الحلف الأطلنطي و السوق الأوروبية المشتركة
3.    
شبه القارة الهندية : الهند ، باكستان و ما حولهما
4.    
الخليج العربي: مواقع الّنفط، العراق و إيران و شمالا حتى القوقاز
5.    
الشرق الأوسط و الحليف الإستراتيجي ممثلا في الكيان الصهيوني "إسرائيل"
إلا أن هذا التقسيم الجغرافي تلازمه قراءة جيوسياسية تقسم العالم إلى أربعة مناطق حسب ما ورد في تقرير للمؤسسة القومية للدراسات الإستراتيجية Institute of National Strategic Studies يظهر جليّا التمييز بين :
*      
الحلفاء المركزيون  Core partners    
*       
الامم في حالة انتقالية Transition States
*      
الدول المارقة Rogue States
*      
الدول المتداعية للسقوط Failing States
وفق هذه القراءة الجيوسياسية انكب صنّاع القرار الأمريكي في مجلس الأمن القومي والبيت الأبيض ووزارتا الدفاع و الخارجية وهيئة أركان الحرب المشتركة ووكالات المخابرات العسكرية  والعامّة إلى جانب إدارة التخطيط الإستراتيجي للدّولة القائدة للنّظام الدّولي على صياغة تقرير كتب عنه الكاتب والصّحفي العربي محمد حسنين هيكل بإسهاب .
إن التقرير المذكور قدّر و خطّط و رسم شكل التّحدي القادم على أمن و مصلحة الإمبراطورية الجديدة و توصّل في تحديد ذلك الخطر إلى درجة اختيار اسم يطلقونه عليه وهو: الحرب غير المتوازية Asymmetrical War .
هذه الدّراسة بدأت منذ 1995 لتتمخض عن إستراتيجية عُرضت على كلينتون Clinton وانتهت بين يدي بوش الابن. قدّمت هذه الإستراتيجية  بينما كانت قيد الدرس لوليام كوهين Cohen وزير الدفاع الأسبق كإستراتيجية أمن أطلق عليها اسم : "التوجيه الرئاسي"  ،
ويخلص هذا التوجيه  إلى أنّ الولايات المتّحدة لم تعد تواجه أيّ تهديد لأنّه  ليست هناك قوة ، و لا في الأفق قوة تستطيع أن تشنّ حربا تقليدية  و لا غير تقليدية  على أمريكا ، ليخلص إلى تحديد المخاطر المحتملة على الولايات المتّحدة  و أمنها و مصالحها لها مصادر محدّدة و معروفة:
1-
دول مارقة وعت دروس حرب الخليج وأصبح جهدها موجّها إلى العثور على نقاط ضعف أمريكية تستطيع أن تنفذ منها و تضرب.
2. 
دول صديقة وهنت قواها و أوشكت على الإفلاس مما يعرّضها للسّقوط  والمعضلة أنّ الولايات المتّحدة لا تسمح بهذا السّقوط و في الوقت نفسه لا ترى وسيلة للمساعدة على منعه. فانهيارها سيخلق فراغا جيوإستراتيجيا قد يخلط الأوراق و يضرّ بالإستراتيجية و المصالح الأمريكية. . إرهاب معولم : وصل إلى مرحلة العولمة في نفس وقت وصول مجتمعات الدول على مرحلة اللاعودة في منظومة العولمة الاقتصادية و العسكريـة  و الأمنية تحت مظلّة الإمبراطورية الأمريكية.
الحرب غير المتوازية

من المفارقات ، أنّ الذي وردت بالتّقرير الرّئاسي الذي المشار إليه في الحلقة السابقة، يشبه إلى درجة الريبة ذلك الذي حدث يوم 11  أيلول سبتمبر ، يقول الجنرال هنري شيلتون Chilton Henry و هو يعرّف ما أصطلح عليه باسم الحرب غير المتوازية   Asymmetrical War: إن«الحرب غير المتوازية هي محاولة طرف يعادي الولايات المتّحدة أن يلتفّ من حول قوّتها و يستغلّ نقط ضعفها معتمدا في ذلك على وسائل تختلف بطريقة كاملة عن نوع العمليات التي يمكن توقّعها ! و عدم التّوازي يعني أن يستعمل العدوّ  طاقة  الحرب النّفسية وما يصاحبها من شحنات الصّدمة و العجز لكي ينتزع من يده زمام المبادرة و حرّية الحركة و الإرادة بأسلوب يستخدم وسائل مستحدثة و تكتيكات غير تقليدية وأسلحة و تكنولوجيات جرى التّوصّل إليها بالتّفكير في غير المتوقّع و غير المعقول !!! »
هذا ما كانت تقدّره الإدارة الأمريكية وهذا ما انتهت إليه توقّعات صنّاع القرار الأمريكي ومهندسو إستراتيجياتها.


11
سبتمبر والمنعطف الإستراتيجي الأهم:

 

تعاملت الولايات المتّحدة مع ذلك الحدث و لا تزال على أنّه كان وسيظلّ تاريخا فاصلا بين ما سبقه و ما سوف سيعقبه في شؤون التّعاطي السّياسي والإستراتيجي والاقتصادي والقانوني، صار على جميع أمم المعمورة أن يعوه و يتعاملوا وفقه. و لا يزال صدى خطاب الرئيس بوش يرن في آذان الجميع حين صرح عقب تفجيرات برجي التجارة قائلا: « سنستخدم كلّ الوسائل المتاحة لنا ، كلّ الأشكال الدّبلوماسية و كلّ الأساليب المخابراتية  وكلّ الطّرق القانونية و الضّغوط الاقتصادية  و كلّ أسلحة الحرب الممكنة... سيشمل ذلك ضربات عسكرية مروّعة تشاهدونها على التّلفاز و أخرى سرّية حتّى في نجاحاتها ! على كلّ أمّة في كلّ مكان من العالم أن تتّخذ قرارها: إمّـــا معنا أو مع الإرهاب !!!»
وفي سرعة ضوئية لاستكمال الدّائرة أو الدّوائر الإستراتيجية التي رسمتها و لا تزال الولايات المتّحدة الأمريكية من النّظام العالمي الجديد إلى العولمة الاقتصادية فالعولمة الأمنية و من إستراتيجية الإحتواء فالاحتواء المزدوج فالتدخل العسكري الوقائيWar  Preventive لا استباقي  Pre-emptiveكما يسميه بعض المحللين.  

و هذا الاستشعار للتحوّلات الجذرية أمريكيا و عالميا لم يكن وقفا على شعوب دون أخرى - و إن كان المسلمون و العرب هم أوّل من دفعوا فواتيره بأفغانستان و العراق -  و لا تزال ملامحه وإشاراته الواضحة تلوح في معظم التّحليلات و الدّراسات لا بل و القرارات الدّولية و الأوروبية بشكل بارز.

 و في الوثيقة التي نشرها البيت الأبيض بعنوان "إستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة" The National security Strategy تأسيس لجملة من المبادئ والمرتكزات الرئيسية التي نلخصها كالتالي:  


*   
القناعة اليقينية بقوة الولايات المتحدة التي لا تنازع، هذه القوة التي تنهض على ثلاثة مقومات رئيسية: القوة العسكرية الطاغية، القوة الاقتصادية الليبرالية الجامحة، المشروع السياسي والثقافي الذي يتخذ عنواناً رئيسياً له: الديمقراطية والحرية.
*
ضرورة العمل على منع قيام أي دولة منافسة.
*
ضرورة توجيه ضربة وقائية لأي قوة مهددة مهما كانت طبيعتها.
*  
العمل على نشر قيمها و نموذج عيشها "The American Way of Life" تحت مسميات "الديمقراطية والحرية".

الابن الشرعي للعولمة

تجدر الإشارة أنّ الحادي عشر كان ابنا شرعيا للعولمة من رحمها ولد وعبرها أسّس لميلاد مجموعة من الظواهر نذكر منها:

        ظاهرة جديدة يمكن أن نسمّيها « الفرد-الدّولة»Individual-State، بمعنى أنّ شخصا كالشّيخ أسامة بن لادن ينطلق من فراغ داخل هياكل ومؤسسات دولة مّا متداعية للسّقوط أو خارجة عن النّمط العادي للدّول - كأفغانستان مثلا - للانطلاق منها كقاعدة .
·       
الظاهرة الثّانية التي يجب الوقوف أو التّوقّف عندها هي ما يسمّى بالعولمة الأمنية ، فالحرب الخفيّة التي تدور رحاها في صمت شهدت و لا تزال مشاركة أكثر من 50 دولة وضعت مخابراتها و مؤسسات تجسّسها على ذمّة وكالة المخابرات الأمريكيةCIA  و مكتب التّحقيقات الفدرالي FBI في سابقة لا مثيل لها في التّاريخ الحديث ممّا مكّن الأمريكان من القبض على أكثر من 360 شخص في أنحاء المعمورة.

        أمّا الظاهرة الثّالثة و التي يجدر الانتباه إليها فهي تواري كلّ ما كانت تتغنّى به الدّيمقراطيات من حرّيات ليبرالية للتّضحية بها قربانا على مذابح "الأمن" و باسم محاربة الإرهاب. فكان أن دمّرت أفغانستان و استعملت كلّ أنواع الأسلحة ذات التدمير الشّامل وضُرب عرض الحائط بكلّ المواثيق الدّولية و المعاهدات التي تضمن الحدّ الأدنى من حقوق الإنسان ، و سيق من بقي على قيد الحياة من عناصر طالبان وأعضاء تنظيم القاعدة مخدّرا و مقيّدا و معصوب العينين إلى جزيرة غوانتنامو الكوبية Guantanamo ليودعوا في أقفاص. تبعته الولايات المتحدة بعدوان غاشم على العراق لتحتله و تقوض أركان دولة عربية بمسوغات واهية و أباطيل واستخفاف بكل المواثيق و العهود.
احتلال العراق:


"
لم يكن أمامنا أي خيار في العراق، فالبلد يسبح على بحر من البترول"
هكذا قال نائب وزير الدفاع الأمريكي ولفوفتيز.

لن نطنب كثيرا في الحديث عن الحرب و دوافعها فقد تناولها الكثيرون بالدرس و من أراد الخوض في تفاصيلها و معرفة كيفية الإعداد لها فليعد لكتابي بوب وودوورد Bob Woodword  الأخيرين: "بوش محاربا"  Bush At War و "خطة هجوم" Plan of Attack و لكن وجب التأكيد على أن هذه الحرب قد خّطط  لها منذ سنوات سبقت بكثير أحداث أيلول سبتمبر و ساهم في هذا التخطيط  غلاة المشروع الإمبراطوري من أمثال دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الحالي، وريتشارد بيرل مدير التخطيط الاستراتيجي في وزارة الدفاع  -الذي اضطر لتقديم استقالته ق بسبب فضائح مالية ثبت فيها استغلاله لمنصبه- وبول وولفويتز نائب وزير الدفاع الحالي وكلهم من أقطاب إدارة بوش الأب وأركانها ونجومها، وهؤلاء هم من دعوا و لا يزالون إلى إحكام السيطرة السياسية والعسكرية على منطقة الشرق الأوسط لاعتقادهم أن  الكيان الصهيوني هو الدعامة الرئيسية لخططهم و مشاريعهم و ما من سبيل لضمان وجوده إلا بتدمير العراق و احتلاله.

الفيتو النفطي الكوني

بغزوها للعراق و احتلاله تعتزم الولايات المتحدة الأمريكية تحقيق الأهداف التالية:
1-   
وضع اليد الأمريكية على ثروة العراق النفطية المقدرة بـ  112 مليار برميل أي ما يعادل ربع احتياطي النفط العالمي مضافا إلى نفط باقي دول الخليج العربي و نفط قزوين و ذلك تحسبا لنقص في موارد الطاقة قد يعرقل المشروع الإمبراطوري ، خصوصا أن أحد التقارير قدّر الارتهان الأميركي للسوق النفطية الخارجية لمجمل الحاجة الاستهلاكية  سيرتفع من 52 في المئة عام 2001 إلى 66 في المئة عام 2020 كما أن الاستهلاك الإجمالي سيزداد هو بدوره ، مما سيحتم على الولايات المتحدة أن تستورد 60 في المئة من النفط في العام 2020 زيادة عما تستورده اليوم ليرتفع بذلك من 10.4 ملايين برميل يومياً إلى حوالى 16.7 مليون برميل.

والوسيلة الوحيدة لتحقيق ذلك تقوم على إقناع الموردين الأجانب بزيادة إنتاجهم وأن يبيعوا أكثر من الولايات المتحدة.


2-   
حماية خطوط نقل البترول والغاز إلى الأسواق الغربية بأسعار معقولة وما يعزز هذه الفرضية هو إيفاد مدربين عسكريين أميركيين إلى جورجيا وهي المحطة الأساسية في خط أنابيب النفط الذي يصل بحر قزوين بالبحر الأسود وبالمتوسط، إضافة إلى القرار الأميركي إعادة تشغيل قاعدة عسكرية في كازاخستان على ساحل بحر قزوين.
3-     
الرغبة في الاستئثار  بورقة ضغط اقتصادية و سياسية مصيرية يطلق عليها جوستن بودر تسمية "الفيتو النفطي الكوني!" هذا الحلم القديم الذي يوشك أن يتحقق وهو الذي ظل هدف صناع القرار الأميركي منذ السبعينات.
4-   
ضمان أمن الكيان الصهيوني و التمهيد لخطة ما تسميه اليوم ب"مشروع الشرق الأوسط الكبير" الرامي لدمج "اسرائيل" و جعلها "سنغافورة الشرق الأوسط" أو الفلك الذي تدور حوله كل دول الشرق الأوسط و القاعدة المتقدمة للإمبراطورية الزاحفة.
5-   
تأسيس أول قاعدة عسكرية آمنة في دولة تابعة غير مستقلة في قلب منطقة حيوية وفي ذلك تطويق كامل لمنطقة الشرق الأوسط من الشمال‏.‏ أما الجنوب فيتولاه الكيان الصهيوني بما قام به من جهود موازية في هذا الإطار وذلك من خلال تعاونه مع اريتريا وأثيوبيا وبلدان افريقية أخرى في تطبيق لعقيدة الأمن "الصهيونية" وينتظر أن يلتحم هذا الحلف مع أحلاف أمنية أخرى جرى الإعداد لها خاصة في مناطق آسيا الوسطى وبحر قزوين وشبه القارة الهندية حيث شاركت أطراف إقليمية أخرى مثل الهند والحكومة الأفغانية المؤقتة وعدد من حكومات دول وسط آسيا .
6-   
إجهاض المشروع النهضوي العربي و العمل على مزيد من التقسيم والتبعية والوصاية والتهديد بالتدخل العسكري لتغيير نظم الحكم والسياسات المتبعة ومناهج التعليم أيضا إذا لم يتم تطبيق تعليمات الولايات المتحدة رغم ما تدعيه الإدارة الأمريكية من نوايا حسنة ووعود كاذبة كتلك التي أطلقتها كونداليزا رايس بقولها: "مع (تحرير) العراق، توجد فرصة خاصة لتطبيق رزنامة ايجابية في الشرق الأوسط تدعم الأمن في المنطقة وعبر العالم."!
من الحليف إلى التابع

 
"
يجب أن نتوقف عن الإدعاء بأن للأمريكيين و الأوروبيين رؤية موحدة للعالم، حتى لا نقول يعيشون على نفس الكوكب ! بخصوص مسألة الهيمنة، هذه المسألة المصيرية فإن وجهات النظر على طرفي نقيض.. " إنني ارفض المعاهدات المتعددة الأطراف التي تتبناها أوروبا الضعيفة لتقيد بها واشنطن مفتولة العضلات، التي تنوي بقوتها فرض نظام عالمي سوف يستفيد منه الأوروبيون أنفسهم." روبرت كاغان".

إلى زمن غير بعيد كانت الشراكة الأطلسية تمثل بالنسبة للولايات المتحدة دعامة أساسية للنظام الدولي، و كانت دول شمال الأطلسي و لا تزال تحاول تطوير شبكة هذه العلاقات بندّية ورغبة في تعاون جدي للتأكيد على مصير سياسي مشترك وتحقيقه، رغم ما حدث في السنوات الأخيرة من خلافات اقتصادية بين أميركا وحلفائها الأوروبيين حول استيراد اللحم والموز والفولاذ، والضريبة الأميركية على السلع المصدرة إليها، وسياسة الطاقة، ومنظمة التجارة العالمية، إلا أن العلاقة الإستراتيجية بدأت تنحرف عن مسارها الذي التزمته  منذ عقود طويلة، وكان من أسباب ذلك تغيرات أساسية، أولها تفكك الاتحاد السوفيتي وبالتالي فقدان أوروبا لدورها كعازل في إطار نظرية الأمن الأمريكية. ثانيا توحد الألمانيتين والاتجاه المتنامي للتعامل مع السياسة الخارجية كأداة للسياسة المحلية، وأخيرا تبلور الإتحاد الأوروبي بشكل جديد أخذ ينمو و يتسع في إطاره رغم افتقاره لمخالب الكيان السياسي الفاعل و المؤثر.
و بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عادت العلاقات الأوروبية الأمريكية لتنتعش من جديد إلا أن حملات التضامن الشعبي والرسمي مع الحليف الإستراتيجي لم تدم طويلا ، إذ أن التباينات والخلافات في المواقف والرؤى والسياسات المُتبعة في السلم والحرب خصوصا في أفـغانستان والعراق وما تصطلح الإدارة الأمريكية على تسميته بالإرهاب و حربها على دول تصفها بالمارقة وإتباعها أسلوب الإلزام القسري و لوي الذراع للمجتمع الدولي مُؤثرة مصلحتها القومية فحسب على جميع الاعتبارات ، و مُضيها في التعنت والاستخفاف بالمواثيق كانسحابها من محكمة الجزاء الدولية ، ودعمها الكامل وغير المشروط للكيان الصهيوني واعتبارها حركات المقاومة حركات إرهابية ، كل هذا جعل أوروبا تتوجس خيفة و تحاول ما استطاعت عرقلة هذا المارد الإمبراطوري المفزع. وبعد العدوان غير القانوني على العراق واحتلاله و افتضاح كل المسوغات الكاذبة أيقن الأوروبيون أنه ليس للإمبراطورية حلفاء بل أتباع فقط! كما أدركوا خطورة ما ترمي إليه الإمبراطورية من غايات ، إذ لم "تعد أفغنة المشرق العربي بدءا من عراقه إلى جزيرته جنوبا و إلى عمقه الإيراني شرقا مجرد محظور استراتيجي ارتكبته الأمركة عن طيش مجنون وغطرسة عمياء عن رؤية النتائج المهولة التي ستطيح بأبسط مقومات الاستقرار العالمي و ستحس به أوروبا قبل سواها، إذ سوف يتم حجزها و حصارها في شمالها البارد بعد أن تحرق نيران النفط عتبات آسيا و أفريقيا حتى أعماقها فالشرق الأوسط هو مركزي للمستقبل الكوني و من يسيطر عليه يحلم بسيادة الكون دائما.

أسلوب يؤدي إلى التصدع

ورغم محاولات أوروبا الوقوف في وجه هذا المشروع،  إلا أن الولايات المتحدة الأميركية ظلت مصممة على مشروعها، غير عابئة مصرة على تغيير نظم الحكم بالقوة، كما فعلت مع أفغانستان والعراق ، و ظلت تعطي نفسها حقاً مطلقا و طبيعيا فيً إدارة العالم بأسلوب يعتقد الأوروبيون أنه قد يؤدي إلى  تصدع و من ثمة انهيار النظام الدولي والدخول في ما يسميه آلان جوكس  Alain Joxe"إمبراطورية الفوضى" حيث "لا قانون يحمي الضعفاء"  بل يلغي سيادات الأمم ويحمي "سيادة الشركات العملاقة متعددة الجنسيات بدل المواطنين" .
الشرخ بين أوروبا و الولايات المتحدة في اتساع و غلاة الفكر الإمبراطوري الأمريكي يعيشون لحظة زهو خصوصا بعد غزو أفغانستان و احتلال العراق و تراجع دور المنظمات الدولية  و ما الخلاف الأخير حول القرار 1546 المتعلق بمستقبل العراق  المحتل إلا عنوان مزيد من التناقضات التي ستطبع العلاقات المستقبلية بينهما.خصوصا أن فحوى آخر تقرير للإستراتيجية القومية يؤكد على حقيقة " أن الولايات المتحدة سوف تحكم العالم بالقوة، التي هي البُعد ـ والبُعد الوحيد ـ الذي تتفوق فيه تفوقا هائلا. و سوف تفعل ذلك في المستقبل لأجل غير مسمى، لأنه إذا ظهر أي احتمال لتحدي هيمنتها، فإن الولايات المتحدة سوف تدمره." و هكذا يظهر جليا أن الخلاف عميق و جوهري وهو ما لا يخفيه صاحب نظرية نهاية التاريخ نفسه فرانسيس فوكوياما Francis Fukuyama فهو يؤكد في أحد مقالاته الأخيرة أن " الخلاف الأمريكي الأوروبي ليس ذا طابع مؤقت نابع من "طريقة" بوش في إدارة دفة الحكم أو متأثر بتبعات أحداث 11 سبتمبر، بل يعكس خلافا في النظرة إلى شرعية الديمقراطية داخل وعاء الحضارة الغربية نفسها."

و يذهب إلى أبعد من ذلك استشرافا فيرى أن أحادية التوجه الأمريكي التي أفرزتها أحداث 11 سبتمبر ستفضي إلى تقسيم العالم ليس على أساس الغرب في مواجهة بقية العالم ، بل على أساس الولايات المتحدة في مواجهة بقية العالم!

سذاجة أيديولوجية

و ينظر إليه في هذه النظرة المتعالية و الفوقية روبرت كاغان Robert Kagan  الذي يقول بخصوص إصرار أوروبا على التمسك بالقانون و المؤسسات الدولية: إن "التجربة التاريخية تفيد بأن القوي الجبار يمكن أن ينتهي إلى الضعف والاستكانة لذا فعليه أن يتمسك بوجود قوانين دولية تحمي حقوق الضعيف. إن "سيكولوجية الضعف"، مضافة إلى تجربة أوروبا الفريدة في التعاون في فترة ما بعد الحرب، قد أكسبت أوروبا سذاجة أيديولوجية وحملتها إلى حالة من الرضى المطلق عن الذات. فالأوروبيون الذين يعيشون في جنة "ما بعد التاريخ" تحت الحماية الأميركية، لم يعودوا على استعداد للاعتراف بأن القوة الغاشمة ما تزال نافذة في العالم الذي يمتد خارج حدودهم. وقد استراحوا للعيش الهانئ، منصرفين إلى تجميع الثروات، ومهملين قدراتهم العسكرية، ومقتنعين بأن بوسع بقية العالم أن يحصل، عن طريق الإجماع وحكم القانون، على ما تسنى لهم الحصول عليه من خلال تلك الطريق. ".
مثل هذه الأطروحات المبالغة في الغلو والمهددة للمشروع نفسه جعلت أبناء المدرسة الواقعية والحريصين على بلوغ نفس الأهداف بإتباع أساليب أكثر حنكة ودهاء من أمثال هنري كيسنجر Henry Kissinger  و زبغنيو  بريجنسكي Zbigniew Brzezinski يقرعون نواقيس الخطر ويدعون لأسلوب مغاير بعض الشيء لما تتبعه إدارة بوش.
فكيسنجر مثلا لا يخفي بأن أميركا لا تملك "سياسة خارجية عاقلة مبنية على معرفة بطبيعة وبنية دول العالم وشعوبه، وخصائصها، بل هي تتصرف بلا دراسة وبارتجال، وتستعدي الجميع، ولا تأخذ بعين الاعتبار مصالح الآخرين والمشكلات المعقّدة التي تعيشها المجتمعات مشيرا إلى اتسام السياسات المتعجلة بالاضطراب والارتباك، والمراوحة بين الالتزام الأيديولوجي، و البراغماتية، فمرة وبلا مقدمات تتقدم المصالح القومية الآنية على مصلحة بناء دور أميركي قائد للعالم مستقر وثابت بدون أن تأخذ بخلفية القيم الأيديولوجية، وأخرى تتصرف باستحضار تلك القيم بعيدا عن البراغماتية."  

 

السياسة الخارجية والعجرفة

كما يرى أن العجرفة في سياساتها الخارجية ستقودها حتما إلى عزلة، وان التورط العسكري المستعجل سيجرها إلى مستنقعات استنزاف لن تخرج منها بسلامة. لذلك يوصي بضرورة إتباع سياسة خارجية تهدف إلى تعزيز الديمقراطية وإلى التكيف مع الوقائع الإقليمية و المحلية وإلا فإن الولايات المتحدة ستفشل.
أما زبيغنيو بريجنسكي وخاصة في كتابه الأخير الخيار الحقيقي     The Choice : Domination or Leadership  لا يبدو أقل حرصا من هنري كيسنجر على المشروع الإمبراطوري الذي تكاد تعصف به عنجهية إدارة بوش فيحذر هو الآخر قائلا : "الأمن العالمي لا يعتمد فقط على القوة العسكرية ولكن أيضا على مناخ موات للرأي العالمي، وتعريفا سياسيا للمشاعر الاجتماعية، ولمصادر الحقد المتطرف، وذلك مع عصر تلازمه صحوة عالمية وقابلية -عالمية أيضا- في تلقي الأذى." ويذهب أبعد من ذلك بقوله : " فمن الأهمية بمكان أن تشرع واشنطن، وعلى الفور في استرداد موقعها، وإذا لم يحدث، فالوتيرة الحالية للتدهور المصاحب لمكانتها سيقلل من تلك المكانة من جهة، وسيقحم كل العالم في فوضى كارثية!" و يحمل المسؤولية لمختطفي السياسة الخارجية دون أن يحددهم، فهؤلاء حسب رأيه قد حولوا وجهة الدبلوماسية الأميركية إلى مجاهل لا يمكن الخروج منها بسلام فيقول: "إن على أميركا أن تستيقظ على حقيقة أن أمرا محوريا قد حدث مع صدمة 11 سبتمبر، وقد صدمنا جميعا بما حدث، ولكن في غضون ذلك، تمكنت مجموعة منا متطرفة من استغلال الصدمة واختطاف السياسة الخارجية الأميركية، بل أن تلك المجموعة، وبغرور ضخم وازدراء للآخرين، أرسوا سفنهم على سياسة عزلتنا عن العالم بصورة لم تحدث من قبل."

لقد تم احتلال العراق رغم انكشاف كل المزاعم والأكاذيب والمسوغات المفبركة التي كانت الولايات المتحدة تحاول تسويقها لتضفي شيئا من الشرعية على عدوانها وخبت تلك الجعجعة التي تكفلت بها ترسانة الإعلام المضلل (الذي تحول في ذروة الإعداد للحرب إلى جهاز بروباجندا عسكري)  والدعاية الكاذبة حول أسلحة الدمار الشامل و العلاقة مع الإرهاب و تهديد الأمن القومي الأمريكي و العالمي من طرف بلد خاض حربا و حوصر ما يزيد عن 12 سنة ليظهر المشروع الإمبراطوري على دمامته : الاستيلاء على منابع النفط بالعراق و الخليج عموما بعد نفط بحر قزوين لتشكيل معادلات قوى جديدة بآسيا الوسطى ثم إعادة تشكيل المنطقة في مشهد جيوسياسي مرتهن بالكامل للولايات المتحدة الأمريكية.
الفكر الإمبراطوري الأمريكي المعاصر لا يختلف كثيرا عن بداياته فقط أساليبه وأدواته تطورت في مواكبة طبيعية للتطور التقني و ثورة المعلومات التي فتحت آفاقا جديدة للحلم الإمبراطوري الذي بدأ يدق أبواب المريخ!!. وهو لا يزال يثبت دعائمه و يشكل منظومته الأيديولوجية و الإعلامية تحت شعارات يبدو أنها مع فضائح الجيش الإمبراطوري الأخيرة قد بدأت تفقد بريقها: الديمقراطية و حقوق الإنسان و الحرية.
إن هذا الفكر الذي ولد ولا يزال ينمو في أحضان مناخ تبشيري "طهوري" يسعى لتشكيل العالم في لوحة سريالية وفقا للصورة أو النمط الذي يعتبره الأمريكيون أساس الحضارة والحق. و هكذا يتم إقصاء الآخر وسحقه ما لم يخضع لما يمكننا أن نسميه  بـبرنامج "الاستنساخ الحضاري" Cloning وهو المبدأ الذي طُبّق منذ البدايات وكان الهنود الحمر أول من اكتوى بناره فلا يزال صدى  خطاب السيناتور ألبرت بيفردج "زحف العلم" المفعم بما يسميه "الواجب المقدس أمام الله" يتناغم مع يقوله بوش لرئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباس في عودة مهزلية إلى ما قبل الثورة الفرنسية ومرحلة الحكم بحق إلهي على طريقة لويس الرابع عشر: "لقد أمرني الرب أن أضرب القاعدة و قد ضربتهم ثم أمرني أن أضرب العراق فضربته و الآن أنا مصمم على حل المشكلة في الشرق الأوسط"!!!

 

قراءة في تاريخيّة تطوّر العلاقة بين الإمبريالية والشعوب

 * أوروبا نهبت الثروات وأمريكا تصدّرت لائحة الشرف الحربيّة

 * قوانين تمجيد الاستعمار والهجرة ومحاكمة المفكّرين، نموذجا

 

قليلا عن الصمت وأن نلامس بعض الأسئلة التي ظلّت لزمن في حالة كمون . بعض الأشياء فقط، قد تكشف للأذهان الحقيقة أو جزءا منها، فالحقيقة هي في نهاية التحليل ممكنة ونحن نبنيها فنجعلها موجودة منفصلة عنّا لا قدرة للآخرين على قتلها حتّى وإن سعوا إلى تشويهها.

هكذا يقول الاستاذ الكاتب منجي ألخضراوي مضيفا: لا نستطيع أن ننسى إدانة محكمة الاستئناف في فرساي المفكّر والفيلسوف الفرنسي ادغار موران وباحثين آخرين هما سامي نايير ودانيال ساليناف بسبب نشرهما مقالا بجريدة " لوموند "Le Monde تحت عنوان « إسرائيل-فلسطين: السرطان »، وتمّ اتّهامهم باللاساميّة..ولم تنس المحكمة ذاتها إدانة جان مار كولومباني مدير الصحيفة، وتمّت المحاكمة في شهر سبتمبر من السنة الماضية...

نفس المحكمة أدانت في ماي الفائت المفكّرة والباحثة حنّة أرندت، التي اتّهمت سابقا بعلاقتها "بالنازي" مارتن هايدقر. وكان حكم محكمة الاستئناف بفرساي ضدّ أرندت على خلفيّة إصدارها لكتاب «ايخمان في القدس» ( الصادر عن دار غاليمار سنة 1991) وأدينت من أجل التشهير العنصري و اللاساميّة...

إنّ فرنسا هي الدولة الوحيدة التي انتصبت فيها محكمة لمحاكمة نورمان فيلكنشطاين وكتابه «صناعة الهولوكوست » إضافة إلى ناشره وصحيفة " ليبيراسيون Libération " التي نشرت مقتطفات منه!!

نفس المحاكم الفرنسيّة أدانت بعض الباحثين ، لتحليلهم بعض مقالات المفكّر روجي غارودي حول الأساطير المؤسّسة لإسرائيل... ولا داعي هنا للتذكير بمحاكمة غارودي.. على اعتبار أنّ موران وأرندت وفيلكنشطاين ... كلّهم يهود... وقد وصفهم احد أبرز ممثّلي "محامون بلا حدود" الأستاذ جيل وليام غولندايل بأنّهم « ناقصون في حبّهم للشعب اليهودي »، والغريب أنّ مثل هذه المنظّمة مختصّة في رفع دعاوى ضدّ كلّ من ينتقد ما يسمّى بإسرائيل أو يشكّك في بعض أفكار زعمائها، وهي منظّمة مرتبطة ماليّا ودعائيّا بجمعيّة " فرنسا-إسرائيل " الأكثر تطرّفا في مطاردة من يشتبه "بلا ساميته"

هل أصبحت فرنسا، بلاد جان جاك روسو وفولتير وديدرو وموباسان... عنوانا من عناوين الدفاع عن العنصرية؟ وهل ضاقت صدور قادتها بالاختلاف؟ وما الذي يجعلهم يقطعون بث قناة المنار ( بما لها وما عليها ) ويدعّمون قناة " تي-أف-جي" TFJ اليهوديّة المتصهينة؟ والتي لا تتردّد في الاعتداء على الشعور الوطني والقومي للعرب والألمان؟

لم يبق لفرنسا اليوم غير تمجيد الاستعمار ومطاردة المهاجرين وانتقائهم..وليس ذلك بغريب، فحكامها رفضوا الاستماع إلى نداءات الشعوب والمثقفين وغيرهم للتراجع عمّا يسمّى بقانون 23 فبراير –فيفري 2005 الذي مرّت عليه أكثر من سنة خلال هذه الأيام، وقانون ساركوزي، رغم كلام شيراك بمراجعة الفصل الرابع من القانون الأوّل.

القانون  -158 2005 المتعلّق باعتراف الأمّة الفرنسيّة بفرنسيي العودة والمساهمة الوطنيّة في مساعدتهم والذي تضمّن 13 فصلا، أثارت جلّها النقاش الذي بلغ حدّ الاستياء والتظاهر – الجزائر خاصة – والدعوات إلى المقاطعة... وخاصّة الفص الرابع من هذا القانون الذي ينصص على أن « تولي برامج البحوث الجامعيّة لتاريخ الحضور الفرنسي ما وراء البحار وخاصة شمال إفريقيا (تونس-الجزائر-المغرب ) المكانة التي يستحقّها » ويضيف نفس الفصل « تعترف البرامج المدرسيّة بصفة خاصّة بالدور الايجابي للحضور الفرنسي ما وراء البحار وخاصة في شمال إفريقيا، وتولي لهذا التاريخ وللتضحيات التي قدّمها المحاربون بالجيش الفرنسي أصيلي هذه المناطق المكانة المتميّزة التي يستحقونها...»

الفصل الرابع من هذا القانون إذن يدعو بصريح العبارة إلى الاعتراف بالدور الايجابي للحضور الفرنسي ما وراء البحار، وطبعا هنا كلمة حضور (Présence ) جاءت من زاوية المشرّع وهو النظام الفرنسي، لتعوّض الكلمة الأكثر دقّة وهي الاستعمار ( Colonialisme )، لأنّ الحضور أكثر حضاريّة من الاستعمار. فلماذا إذن لا تريد فرنسا الاعتراف بماضيها الاستعماري؟ هل خوفا من استتباعات هذا الاعتراف بما يعني من بشاعة فاعتذار؟

أمران مطروحان لمحاولة الإجابة في رأينا، فإما أنّ النظام الفرنسي لا يرى فيما صدر عنه في الماضي - ومازال حاضرا بشكل غير مباشر أو مباشر خاصّة في أمريكا الوسطى- استعمارا وأنّ الرجل الأوروبي البيض اتجه جنوبا لتطعيم تلك الشعوب بالثقافة والحضارة والتقدّم... وهي قضيّة المركزيّة الأوروبيّة (Eurocentrisme) ، وإما الأمر الثاني وهو إدراك النظام الفرنسي ثقل وصعوبة تحمّل مسؤوليّة الاعتراف بماضيه الاستعماري وبالتالي حاضره، وما يترتّب عن ذلك من تعويضات ماديّة وخاصّة المعنويّة التاريخيّة. لا يمكننا أن نلامس المقاربتين بأكثر دقّة دون ملامسة طبيعة هذا النظام الفرنسي.

لقد عبّرت بعض النخب العربيّة عن دهشتها وصدمتها بسبب ما سمّي بقانون 23 فبراير-  كذلك بسبب قانون الهجرة المعروف بقانون ساركوزي، لأنّها تعتبر أنّ منشأ المبادئ السامية كالديمقراطيّة والحريّة وحقوق الإنسان... تتحوّل إلى بؤرة لتمجيد نقيض هذه المبادئ وكلّ المبادئ الإنسانية، ألا وهو الاستعمار. وهي في الحقيقة نظرة ستاتيكيّة ثابتة للتاريخ، فالبرجوازيّة لم تعد اليوم هي الحامل للواء الديمقراطيّة وحقوق الإنسان.

نعم لقد كانت البرجوازيّة في القرنين 17 و 18 طبقة تقدّميّة خلّصت الإنسانية من سلطة الإقطاع وجاءت بمبادئ كونيّة جديدة مازالت الشعوب تسعى إليها، إلا أنّها تحوّلت عبر التاريخ، بعد احتكارها، للدولة، إلى طبقة أحاديّة الرؤية، وقمعت كلّ الطبقات والفئات الأخرى، واستطاعت ترسيخ وتطوير النظام الرأسمالي، فضاءها التاريخي، فالبرجوازيّة هي طبقة مالكي وسائل الإنتاج في ظلّ نمط الإنتاج الرأسمالي وقد بلغت الرأسماليّة مرحلة من مراحل تطوّرها فأصبحنا تاريخيّا بإزاء الامبرياليّة.

لقد خرجت الدول التي نادت إليها البرجوازيّة وحكمتها خاصّة في القرنين 19 و 20 للتوسّع في كلّ الاتّجاهات واحتلّت دولا أخرى واستعمرت واستعبدت شعوبا تحت عناوين الحماية والتحضّر والحريّة...وشرّعت لنهب خيرات هذه الشعوب وقتل أبنائها والسعي إلى طمس تاريخها، وتمّ إنتاج ثنائيّة العقل والحضارة في مواجهة اللاّعقل والبربريّة...

وقد امتصّت أوروبا الحديثة ثروات البلدان الواقعة تحت الاستعمار وركّزت التخلّف في مقابل تواصل تقدّم الدول المستعمِرة ( بكسر الميم ) وهو ماجعل مثلا الكاتب الأمريكي بول باران يعتبر أنّ التقدّم والتخلّف وجهان لعملة واحدة (راجع كتاب مفهوم الامبرياليّة، من عصر الاستعمار العسكري إلى العولمة للدكتور الهادي التيمومي – دار محمّد علي الحامي تونس 2005 ) وطبعا هذا لا يعني أحاديّة الاتّجاه إذ للتخلّف عوامل عديدة بما فيها الثقافيّة والحضاريّة والعوامل الذاتيّة.

إنّ النظام السياسي الأوروبي هو نظام رأسمالي يستند أساسا على مقولة تطوّر رأس المال، مع مراعاة خصوصيات بعض الدول خاصّة الاسكندينافية التي لا تخرج في نهاية التحليل عن هذا النظام، ومن طبيعة رأس المال التوسّع وتحقيق الربح الأقصى، وطبعا تمّ هذا في التاريخ على حساب نهضة العديد من الشعوب خاصّة في إفريقيا التي عانت من جرائم الاستعمار الفرنسي ومازالت استتباعاته متواصلة حتّى أنّ الدخل الوطني الخام لفرنسا يساوي أكثر من ثلاث مرّات الدخل الوطني الخام لكلّ قارّة إفريقيا، باستثناء جنوب إفريقيا، أي أنّ 800 مليون نسمة لهم دخل وطني خام أقلّ بثلاث مرّات لـ 60 مليون نسمة لا غير.(راجع نفس المصدر السابق)

لازالت إفريقيا تعاني الأميّة والجوع والأمراض والأوبئة وبطش العسكريين المدعومين من فرنسا وبعض الدول الأوروبيّة... في الوقت الذي تشحن فيه مياهها وكنوزها وبترولها ومعادنها وثرواتها وخاماتها إلى أوروبا وأمريكا... والدول الاستعماريّة.لقد اختار الاستعمار منتصف القرن العشرين أسلوبا آخر في إدارة عمليّة النهب باعتماد وكلاء وعملاء من عسكر ومثقّفين لفصل تلك الشعوب عن تاريخها ومواصلة سرقة ثرواتها « وتقطيع صلات الشعوب بتراثها وتشويه الجوانب النيّرة من هذا التراث وتشجيع الأفكار والسلوكيات المعادية للعلم والتقدّم » مثلما يقول الدكتور الهادي التيمومي ( نفس المرجع) واعتمدت الدول الغربيّة استعمارا غير مباشر توسّطت في إدارته البرجوازيّة الكمبرادوريّة في ماسمّي بدولة الاستقلال التي رهنت ثروات شعوبها لدى الرأس مال الاستعماري.

إنّ الدولة البرجوازيّة، فالنظام الرأسمالي لا يمكنهما احترام الإنسان وتاريخ الشعوب ولا حقوقهما ومعاداتهما للشعوب نابع من طبيعة هذا النظام الاقتصادي المبني أساسا على إلغاء الآخر، فالغنيّ يزداد غنى والفقير يزداد فقرا، وإنّ الدول الاستعماريّة « تتحمّل منذ القرن السادس عشر (ثمّ الدول الامبرياليّة في فترة لاحقة) المسؤوليّة الرئيسيّة للمآسي التي يعيشها أغلب الأفارقة اليوم الذين يمكن اعتبارهم بحقّ يتامى الرأسماليّة العالميّة وأبرز ضحاياها. لا ننسى أنّ الغربيين مارسوا تجارة العبيد قرونا، ثمّ استعمروا القارّة السمراء مدّة طويلة واستنزفوا طاقاتها، فلا غرابة أن تكون إفريقيا السوداء اليوم فريسة الفساد السياسي والحروب الأهليّة ومرض السيدا والمجاعات... » والكلام أيضا للدكتور الهادي التيمومي في نفس المرجع.

حالة التفقير التي خلّفتها أوروبا في إفريقيا خاصّة، واعتماد الديكتاتوريات لإدارة عمليّة النهب، أدّى إلى إلغاء عمليّة التنمية في بلدان إفريقيا وتحوّل أموالها إلى وقود لماكينة الفساد، فانتشرت الأميّة والأمراض والبطالة، وتفاقمت الأزمة حتّى طالت الكوادر وأصحاب الشهادات العليا، وهو ماجعل أبناء هذه الدول يختارون قوارب الموت والانقراض بين أسنان أسماك المتوسّط... على البقاء في حالة لا حياة ولا موت وفي وضعيّة من الذلّ والهوان والقهر...

إنّ أوروبا الاستعماريّة نهبت ثروات شعوب الجنوب، وهاهي اليوم، فئات من هذه الشعوب تسعى للحياة لدى من استغلّ ثرواتهم، لعلّهم يقتاتون منها، فلا يقدرون حتّى على ذلك، وأصبحت إفريقيا تعني "الحرقة" أو السفر خلسة، ويقبع من نجا منهم من الموت في معتقلات لمبادوزا الايطاليّة أو ما يعرف بغوانتانامو أوروبا حيث الاهانة والتعذيب والتعرّض لبشع وأشنع الممارسات اللاانسانيّة أمام صمت مثير وغريب... وحتّى من تمكّن من هؤلاء المهاجرين من وصول أرض "الميعاد" فانّه إما سيجد نفسه مجبرا على الانخراط في عصابات المخدّرات والمافيات أو منقادا وراء مجموعة اسلامويّة تنهي رحلته في أفغانستان أو في سجون أوروبا العنصريّة المكافحة للإرهاب باطلا، وطبعا لا ننفي وجود حالات استثنائيّة لمن تمكّن من إيجاد عمل في أوروبا من هؤلاء الحارقين، والاستثناء يحفظ ولا يقاس عليه.

إنّ انسداد الأفق أمام أبناء دول إفريقيا خلّف ظواهر جديدة مثل الجريمة وخاصّة السرقة والسلب والاحتيال والعنف أو العزوف عن التعليم بمقولة عدم الفائدة من ذلك، فمن حصل على شهائد مات غرقا في مياه المتوسّط أثناء محاولته الفاشلة بلوغ أرض أوروبا أو ازدهار الشعوذة والعرافة وانتشار ظاهرة الهجرة السريّة أو ما يعرف في تونس " الحرقة"

لقد أغلقت أوروبا الاستعماريّة أمام هذه الشعوب بلدانها وأوطانها وهاهي اليوم، مشاريع سجنهم في بلدانهم، جارية ولعلّ آخرها مشروع ساركوزي وزير الداخليّة الفرنسي، من خلال قانونه المعروف باسم "قانون الهجرة المنتخبة" المبني على القوّة والقدرة، أي قوّة عمل ما لا يقدر عليه الفرنسيون وقدرة الكفاءات على الإضافة، وقد تعدّى هذا القانون نهب الثروات الماديّة للشعوب ( التي فرّطت فيها الأنظمة في ما يسمّى بالدولة الحديثة) إلى نهب كوادرها وعلمائها وتفريغ بلدان الجنوب من خيرة أبنائها الذين فرّ جزءا منهم هربا من القمع والبطش وغياب فضاءات الحريّة والإبداع والخلق والابتكار...

إنّ ممارسات الدول الاستعماريّة ليست ممارسات معزولة ولا مرتبطة بحكومة دون غيرها... بل هي نتاج لطبيعة النظام الاقتصادي والسياسي الذي يحكمها، فالدولة الرأسماليّة لا يمكن أن تكون غير استعمارية نهّابَة معادية للإنسان والحريّة ومعادية للاستقرار والسلام، فالحديث عن السلام في ظلّ الانصياع لموازين القوى الراهنة والتي تتميّز مؤقّتا بالغلبة النسبيّة لقوى الاضطهاد والظلام، فالدولة الرأسماليّة لا يمكن أن تناضل من أجل الحريّة والإصلاح والسلام، وانّ المنادين بدور الأمم المتّحدة وإعطائها دور راعي السلام والدعوة لإمكانية التفاهم مع الدول الامبرياليّة، يحاولون حسب ما يقوله الدكتور التيمومي إحياء نظريّة"ما بعد الامبرياليّة" التي طرحها كارل كاوتسكي في بداية القرن العشرين. فما بالك بالولايات المتّحدة الأمريكيّة التي تتصدّر لائحة الشرف الحربيّة الحديثة فقد قصفت خلال 60 سنة 22 بلدا اليابان سنة 1945 والصين: 1945-1946 1950-1953 ، كوريا: 1950-1953 ، غواتيمالا: 1954، 1960، 1967، 1969 ، اندونيسيا 1958، كوريا: 1959-1961 ، الكونغو: 1964، البيرو: 1965، لاووس:1964-1973، فياتنام: 1961-1970، كمبوديا: 1969-1970 لبنان:1983-1984 ، جزيرة غرينادا: 1983-، ليبيا: 1986 ، سلفادور: 1980-1989، نيكاراغوا: 1983-1989، بانما: 1989، البوسنة: 1985، السودان: 1998، يوغسلافيا: 1999، أفغانستان:1998، 2001... العراق: 1991-2003 ...

ويبقى....بلدا على لائحة الانتظار، أو هكذا أنشد روجيه عسّاف في مسرحيته " مآآآرش" (مع

تصرّفنا) بعد كلّ هذا وكلّ ذلك... ما العمل؟

إنّ طرح السؤال الحقيقي مباشرة، ودون وساطات وعدم الهروب من تحمّل مسؤوليّته يجعلنا أمام حقبة لمحاولة الفهم بأنّنا فعلا أبناء دول الجنوب والشرق وخاصّة أبناء الجغرافيا العربيّة واقعون في مرمى الاستهداف الاستعماري في أبشع أشكاله وهو الشكل الذي يميّز الاحتلال الأمريكي والصهيوني للعراق وفلسطين وتسابق الدول الامبرياليّة على اقتسام مقدّراتنا ومواصلة نهب ثروات بلداننا بتآمر ووكالة رسميين ، وانّ السؤال الحقيقي لهذه المرحلة، هو كيف يمكننا العمل على جعل الإجابة تظهر عبر نوافذ مختلفة أبرزها المقاومة في العراق وفلسطين وفي أمريكا اللاتينيّة وآسيا، فعصر غلبة الامبرياليين اليوم هو في وجهه الأبرز عصر للمقاومة التي تنجز ضمن المشروع الوطني الديمقراطي المتجاوز للأنظمة العميلة والرجعيّة والكابح للعمالة المنظّمة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المشهد العراقي بعد عامين من الاحتلال

 

الأمريكيون..يشاهدون الحقيقة بأسرع مما شاهدوها في فيتنام

 

ما حدث في العراق، يجب أن يكون درسا للمنطقة الممتدة من طهران وحتى بيروت، بهذه الكلمات، أفصح الرئيس الأمريكي عن الرؤية الأمريكية للتعامل مع المنطقة، بعد مضي عامان على احتلال العراق.

في التاسع من أبريل/نيسان 2005 ، اكتملت دورة العامين على احتلال العراق، في الحرب التي كانت محسومة النتائج سلفا، والتي لم تستمر أكثر من ثلاثة أسابيع، بدأت بالقصف الأميركي صباح يوم 20 مارس/آذار 2003، وانتهت باحتلال بغداد،

وفي الأول من مايو/أيار من العام نفسه أعلن الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش انتهاء العمليات الحربية الأساسية في العراق، لكن الحرب، لم تنتهي فعليا، حين انطلقت المقاومة المبكرة للغزو الأجنبي، والتي تزداد تصاعدا دون أي أفق منظور لإنهائها، حيث أنها ووفقا لمعطيات الحالة العراقية التي أصبح من المبكر التنبؤ بتطوراتها، باقية ما بقي الاحتلال، وربما إلى ما بعد ذلك.

 في تصريح خاص للرئيس الأميركي في 8 مايو/أيار تمهيدا لصدور القرار 1483، اعترفت قوات الاحتلال بمسؤولياتها كقوة احتلال، وفي 22 من الشهر نفسه عام 2003 صدر القرار 1483 الذي "شرع" الاحتلال عندما اعترف بكون القوات التي قيل إنها جاءت "لتحرير" العراق أصبحت بموجب هذا القرار قوات احتلال تنطبق عليها اتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقاتها لعام 1977.

عامان على وجود القوات الأمريكية والبريطانية ومن ساندهما في العراق، هذا الوجود الذي جاء عبر الكذبة القائلة بامتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، ثم تحول بعد انفضاح الأمر إلى كذبة اكبر، تقول بان كل ما حدث، إنما حدث لتكريس الديمقراطية، خاصة بعد تأكيد البحوث والتقارير الأمريكية والغربية عموماً على أن ادعاءات امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، لا تمت لحقيقة الواقع بصلة، وهذا ما أكد عليه قبل أيام التقرير المقدم من اللجنة الرئاسية الأمريكية لجورج بوش بصفحاته الأربعمائة، والذي أدان بشدة المعلومات الإستخباراتية الكاذبة "كانت مفعمة بشكل عميق بالأخطاء القاتلة"، وهو ما صرح به قبل أسابيع "سكوت ريتر" الرئيس السابق لفرق التفتيش الدولية، في مقاله المنشور بصحيفة (الغارديان) تحت عنوان (جميعنا مجرمون) "إن عملية البحث عن أسلحة العراق كانت أكبر عملية خداع دولي بالزمن الحديث" لكن بوش وبلير، وفي المقدمة منهما شارون، عملوا على أن يكون احتلال العراق، بتدمير دولته، خطوة ضرورية وحتمية كمقدمة لتفكيك بنية المجتمعات بالمنطقة، من أجل إعادة تركيب كياناتها السياسية بما يخدم مصالح الدول الاستعمارية "نهب ثرواتها وخاصة النفط بهدف تحديد كمياته المنتجة كعامل هام للتحكم بأسعاره" وفي ضمان وسلامة أمن الكيان الصهيوني.

 الوجه الآخر للمسالة!!

ما قاله الرئيس الأمريكي أمام حشد من قواته بإحدى القواعد البعيدة عن ميدان المعارك، لم يكن سوى وجه واحد للجدل القائم حول جدوى استمرار بقاء القوات الأمريكية قي العراق، الذي بدا وانه لا يستقيم"أي الجدل" إلا وظلال الوجه الآخر تلاحقه، الوجه المتمثل بالمقاومة التي تكبد الاحتلال خسائر يومية لم تكن في حسابات المخططين للغزو، إضافة إلى أنها تقود الولايات المتحدة إلى السقوط تحت اكبر عجز للميزانية في تاريخها.

" النفط" لا يستحق أن يقتل أولادنا من اجله، شعار تتبناه اسر القتلى الأمريكيين العائدين في النعوش، يدفع بذاكرة الأمريكيين إلى فيتنام، يزيد احتدام الجدل احتداما، ويؤسس لفهم اكبر لدى الرأي العام الأمريكي المخدوع، الذي تسيره وسائل الإعلام المرتهنة لخداع التبريرات، بعد أن أصبح من غير الممكن إخفاء حقيقة ما يجري على الأرض.

يقول "ستيوارت نوسباومر"، من المنظمة الأمريكية لمناهضي الحرب على العراق وأحد المحاربين القدماء، بأن "المقاومة الوطنية العراقية تقوم بعمل متين وفعال، حيث أن الأمن في العراق يسير من سئ إلى أسوأ، وأن مناهضة الإحتلال تزداد يوماً بعد آخر، وأن ذلك يشجع ويزيد الفعل المقاوم، ويعطي المقاومة الدعم المستمر الذي تحتاجه لتطورها وزيادة فعالياتها القتالية، وهذا يشبه ما حدث في فيتنام كما أراه على الأرض العراقية"، ويضيف ، "إن العراق يبدو مختلفاً لما حدث في فيتنام من ناحيتين رئيسيتين ألا وهما: أن الوضع في العراق يسوء بسرعة بالنسبة لقوات الإحتلال وأن الأمريكان يشاهدون الحقيقة أسرع مما شاهدوها في فيتنام عام 1960".

أما راي ماك غوفرن، المحلل العسكري الأسبق في المخابرات المركزية الأمريكية فيقول ، "أن القائمين على الإستراتيجية العسكرية والمحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية بشكل عام، لم يتعلموا من تاريخنا في فيتنام، خصوصاً بتشجيعهم للرئيس بوش بعدم الرحيل عن العراق وعن انتصارهم المزعوم في الحرب على العراق، إلا أن الكثير من الذين لديهم قليلاً من الخبرة بحرب العصابات ومنطقة الشرق الأوسط مقتنعون بأن هذه الحرب لا يمكن الفوز بها، وأنها مسألة وقت لا أكثر، إلى أن تعلن القوات المحتلة انسحابها من العراق"، ويضيف قائلاً: "إن وجود القوات الأمريكية في العراق هو المشكلة وليس الحل، إذ أن أعداء هذه القوات في العراق هي المقاومة العراقية بشكل خاص والشعب العراقي بشكل عام،  والذين سيستمرون بجعل قوات الإحتلال تعاني وتعاني بشدة، فطالما يستمر الإحتلال سيستمر قتل أفراد القوات الأمريكية والقوات المتحالفة معها"، أما إصرار الإدارة الأمريكية على الاستمرار بالمنهج الذي تتّبعهه وعدم "الهروب" من العراق، فلم يماثله إلا ما انتهت إليه الإدارة الأمريكية عام 1975 بعد مقتل 58.000 جندي أمريكي ، وهو جر أذيال الخيبة والهروب من فيتنام.

تشابه الأهداف والنتائج

في الجدل القائم حول الحرب على العراق، يسخر المحللون من الطريقة التي يتباهى الرئيس الأمريكي بها حين يعرف انه يكذب ويكذب، ولا لوم على رئيس مشكوك بأمر خدمته لبلاده، خاصة فيما يتعلق بالخدمة العسكرية، ولا لوم على رئيس ينفذ ما تمليه عليه ثلة تخندقت خلف أحلام السيطرة، مع وجود الامكانات التي كان من الأجدر إنفاقها على المشاكل الاجتماعية التي تعصف بتكوين وبقاء الولايات المتحدة، بالرغم من كل هذا التقدم العلمي. هكذا يدور الجدل الذي تحول من جدل هامس إلى مسموع، بعد الوصول إلى المأزق، وتطل التجربة الفيتنامية من خلاله، من حيث تشابه الأهداف وقراءة النتائج، إذ يخلص الجدل القائم بين أوساط الفكر الأمريكي، خاصة من عايش التجربة الفيتنامية منهم، يخلص الجدل إلى  أن العمق في معنى حروب أمريكا على فيتنام والعراق، يتمثل بالجانب الإستراتيجي لهما، فكلا الحربين تم الذهاب اليهما كمقدمة وطليعة للإستراتيجية الأمريكية الكبرى، ففي فيتنام كانت الحرب من أجل احتواء والحد من توسع الإتحاد السوفيتي، ومحاولة احتواء المد الأحمر، أما في العراق، فإن الإستراتيجية الأمريكية الكبرى هي من أجل "خلق " أنظمة شرق أوسطية تحت السيطرة الأمريكية من ناحية، ومن ناحية أخرى، تكون أداة طيعة بيد الكيان الصهيوني، الذي انفلت في خططه القديمة الجديدة، لإحكام السيطرة على المنطقة بالهيمنة الخاصة وبالوكالة معا.

الولايات المتحدة تتطلع إلى السيطرة الأحادية على العالم، ولا مانع لديها" إن سمحت الامكانات بذلك" استخدام القوة العسكرية لتحقيق هذه السيطرة، والعراق، كان الخطوة الثانية بعد أفغانستان في المنظور التوسعي الأمريكي، الذي يرى في "قوس الثروات" الممتد على المساحات النفطية، وأخرى الممرات الاستراتيجية، هدفا من الضرورة إبقاءه تحت السيطرة،هدفا يخطط أيضاً للسيطرة على جميع المناطق الغنية بالبترول في الشرق الأوسط، بحسب التسمية الجغرافية الأمريكية التي تصل بالتسمية إلى العمق الآسيوي، ومن ثم التغلب على المنافسين الإستراتيجيين للولايات المتحدة. ولتفعيل ذلك، فإن البنتاغون قد خطط قبل وبعد الحرب لبناء 14 قاعدة عسكرية دائمة في العراق.

 التشابه، له ما يعكس من نتائج أيضا، وهي نتائج تقترب من بعضها بنسبة كبيرة، إذ عندما بدأت حرب المقاومة الفيتنامية في آذار من عام 1965 تأخذ طابعاً تأكد منه قادة البنتاغون أن الاندحار لقواتهم أصبح قريبا، قرروا أن عليهم الخروج،  وبسرعة.

المستشارون العسكريون للرئيس الأمريكي جونسون، قدموا "بعد فوات الأوان"، صورة حقيقية عما يجري على الأرض وعما ستؤول إليه الأوضاع بالنسبة لقواتهم حين أخبروه بصريح العبارة، أن هدفهم في فيتنام كان 70% منه هو تجنب اندحار مذل لقواتهم، و 20% هو لإبعاد فيتنام الجنوبية عن أيدي الصينيين، وأن 10% كان من أجل تقديم حياة حرة للفيتناميين!! وهذه كذبة قديمة متجددة،، وتلك جميعاً كانت الأسباب المذلة لخروجهم من فيتنام.

وبسبب الإستراتيجية الأمريكية ، فإن الولايات المتحدة لم تستطع الابتعاد عن فيتنام، ولكن بسبب طبيعة المقاومة الفيتنامية وخرافة الديمقراطية الأمريكية وأكاذيب الإدارات الأمريكية، فإن المغامرة الأمريكية في فيتنام لم تستطع النجاح، وهنا يتركز الجدل على التشابه في الحالتين، فما عانته أمريكا في فيتنام بدأ يتحقق في العراق، بل بدأت معاناتها مباشرة بعد احتلال العراق، فالقوات الأمريكية والقوات المتحالفة معها تشعر الآن وأكثر من أي وقت مضى أنها تواجه اندحارا مذلاً شبيهاً لما حدث في فيتنام، ولذلك، فان ما يسمع من بعض الدول المشاركة في الاحتلال، عن رغبتها في سحب قواتها من العراق، وان كان التلاعب على الوقت يندرج تحت خانة عدم إغضاب الولايات المتحدة، يؤكد عمق الأزمة التي انعكست من التواجد بالعراق، لتصبح أزمة داخلية تهدد الحكومات، خاصة بعد الانكشاف الفضح للتبريرات التي أقنعت بها جمهورها للمشاركة في الغزو والاحتلال.

 ومع ذلك، يلقن الإستراتيجيون العسكريون الرئيس الأمريكي ما يجب عليه قوله، إذ أنهم يفكرون في حسابات أخرى  هي غاية في الأهمية لاستمرار وضع أمريكا كقوة عسكرية مهيمنة عالمياً، وتلك "أنه إذا انسحبت قواتها من العراق الآن بفعل المقاومة العراقية، فإن أمريكا ستفقد هيبتها عالمياً، وأن قوتها العالمية ستتضرر بشكل لا يمكن معه إصلاحه، بل وأكثر بكثير من خسارتها في فيتنام. ولهذا السبب فإن العراق أصبح بالنسبة لأمريكا أسوأ من فيتنام.

في مواجهة الحقائق!!

إذا كانت البوابة العراقية هي الدخل للمنطقة، لتنفيذ ما تسميه المصادر الأمريكية بـ" الفوضى الخلاقة"، فان العراق أيضا، هو مدخل لهزيمة المشروع الأمريكي برمته، هذا ما تؤكده معظم البحوث والدراسات الأمريكية المتحررة من ولائها لخداع السلطة، والتي ترى أن الادعاءات بان ذهاب العسكر الأمريكي إلى العراق ، كان لتحقيق الديمقراطية، ومن ثم تعميمها على دول المنطقة، هو مجرد خداع، فالهدف الحقيقي، يتمثل في نقطتين، حماية الكيان الصهيوني، والسيطرة على النفط.

القوات الأمريكية التي وبحسب التقديرات الرسمية، يبلغ تعدادها بين 135 و 145 ألف جندي، قوات أصبحت منهكة، والأرقام التي تتحدث عن قتلاها، لا تنقل الحقيقة، إضافة إلى عدم ذكر الجرحى الذين يخرجون من الخدمة دون عودة، إضافة إلى المرضى بأمراض اقلها الاكتئاب الذي دفع بالعشرات منهم إلى الانتحار، وأيضا، انعكاس ذلك على المجتمع الأمريكي الذي بدا شبانه برفض الالتحاق بالجيش، فيما تتنامى ظاهرة الهروب وطلب اللجوء السياسي من دول الجوار، وعلى الأخص، كندا، مما اضطر الحكومة الأمريكية إلى التوسل للحكومة الكندية برفض اللاجئين السياسيين الأمريكيين الفارين من الالتحاق بالجيش.

تأثيرات الحرب العراقية، فجرت جدلا آخر، يقول بضرورة عودة الجنود إلى الديار، ليس من العراق وحسب، وإنما من كل الأماكن التي يتواجد فيها الجيش الأمريكي بصورة أو بأخرى، ويستند هذا الجدل، إلى التأكيد بان الكراهية التي أصبحت موجهة ضد الولايات المتحدة، انتشرت في العالم كله، وليس في الدول المستهدفة بهذا التواجد.

بعد عامين، يتزايد الحديث العلني عن تأثير البقاء في العراق على الجيش الأميركي بصفة عامة سواء العامل داخل الأراضي العراقية أو المنتشر في أماكن أخرى من العالم.

هذا التأثير يمكن اختصاره كما جاءت على لسان الجنرال ستيفن بلوم قائد الحرس الوطني الأميركي أمام جلسة استماع للجنة الشؤون العسكرية بالكونغرس في فبراير/ شباط الماضي في النقاط التالية:

-   ضعف الكفاءة التدريبية لقوات جهزت لمواجهة جيوش دول عظمى فإذا هي وعلى مدى عامين تواجه مجموعات مسلحة من "المتمردين والإرهابيين!!".

-   - لم يعد بإمكان الجيش الأميركي ضمان حسم سريع قليل التكلفة إذا ما دخل في مواجهات مسلحة شاملة على جبهات حساسة أخرى كإيران وكوريا الشمالية، حيث لا يمكنه سحب قواته من العراق ليضمن نجاحه في مثل هذه المواجهات، ولا يمكنه في الوقت نفسه زيادة أعداد جنود الاحتياط حيث أنها قد جاوزت المسموح به ولم يعد هناك المزيد لتحقيق ذلك.

-   يعيش حوالي 70% من الجنود الأميركيين في العراق حالة من التراخي والكسل المصحوب بنوبات من الاكتئاب لطول فترة بقائهم في العراق في ظل بيئة عمل قاسية من ناحية الظروف المناخية والحياتية مما أدى إلى هروب حوالي ستة آلاف جندي من الخدمة.

-   تأثر بهذه الحالة قرابة 70% أيضا من الشباب الأميركي الذين هم في سن التجنيد فأصبحوا زاهدين في الالتحاق بالمؤسسة العسكرية وباتوا ينظرون إليها على أنها ليست المكان الأمثل لتحقيق أحلامهم، وهي حالة مشابهة لما ساد قبل عقود أثناء الحرب على فيتنام.

-   تزايد حجم الخسائر الأميركية البشرية والمادية خلال العامين الماضيين، حيث بلغ عدد القتلى بين صفوف الجنود الأميركيين منذ إعلان الرئيس بوش انتهاء العمليات العسكرية في مايو/ أيار 2003 حتى الآن -حسب المصادر الأميركية- 1520 جنديا إلى جانب أكثر من عشرة آلاف جريح.

-   أما التكاليف المادية فبلغت حصيلتها أرقاما ضخمة تجاوزت منذ بدء الحرب في مارس/ آذار 2003 حتى الآن 270 مليار دولارمنها (150 مليار دولار) تكلفة مباشرة للحرب، والباقي تكلفة غير مباشرة تأخذ في عين الاعتبار حساب تأثير الحرب وتداعياتها على النمو الاقتصادي (3.7% سنويا بدلا من 4.7% لو لم تقم الحرب).

ورغم ذلك فإن واشنطن لم تأت حتى الآن على الحديث عن عزمها الخروج من العراق، وإنما ما جاء على لسان الرئيس الأمريكي في كلمته قبل أيام، كان بمثابة الصدمة للعديد من الأمريكيين الذين انتظروا أن يسمعوا كلاما مختلفا، فإذا بالرئيس الأمريكي يبلغهم "بان ليس هناك استراتيجية أمريكية للخروج من العراق"، بينما كان وزير دفاعه دونالد رامسفيلد، الذي كان يقوم بزيارة للشمال العراقي يقول، إن قواتنا لن تبقى إلى الأبد، وستخرج بعد تشكيل الجيش العراقي، والسؤال هنا، متى سيتم ذلك وكيف؟

يقول القادة العسكريين الأميركيين : أن أعداد القوات الأميركية في العراق يمكن تخفيضها بدءا من العام المقبل وبشكل تدريجي يتناسب وتطور عملية إعداد قوات الأمن العراقية.

الجيوش المساندة للاحتلال الأمريكي

تمثل القوات غير الأميركية العاملة ضمن القوة المتعددة الجنسيات في العراق منذ بداية الحرب في 20 مارس/ آذار 2003 حتى مارس/ آذار الماضي حوالي 20% من مجموع القوات الأجنبية الموجودة هناك (بحساب الحد الأعلى لعدد القوات الأميركية وهو 145 ألف جندي). هذه النسبة تتجاوز بقليل 28 ألف جندي يمثلون نحو 25 دولة بعد انسحاب قوات إحدى عشرة دولة خلال العام الثاني من الغزو، ومن بين الخمس والعشرين دولة هذه تأتي خمس دول على رأس قائمة القوات غير الأميركية العاملة في العراق التي يزيد عدد قواتها العاملة هناك عن الألف، هذه الدول هي: بريطانيا، كوريا الجنوبية، إيطاليا، بولندا، أوكرانيا، يضاف إلى ذلك، قوات يزيد تعدادها عن 30 ألف جندي وعنصر امني، تتواجد من خلال شركات تتعاقد مع الولايات المتحدة، تجلب خليطا من جنسيات مختلفة من العالم يسمون"المرتزقة"، وهذا ليس سرا، ففي الرابع من مايو/ أيار الماضي ذكر وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد أمام لجنة استماع في مجلس الشيوخ "أن بالعراق قوات عسكرية تابعة لشركات خاصة يبلغ تعداد أفرادها ثلاثين ألفا"، وان هذه القوات،  تقدم للجيش الأميركي في العراق خدمات كثيرة بدءا من العمليات القتالية المباشرة والدعم الأمني والاستخباري مرورا بتجهيز البنية التحتية للقواعد العسكرية وانتهاء بتوفير الخدمات الإدارية والتموينية.

باستثناء شركات قليلة تعاقدت معها مباشرة وزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون" فإن البقية لا تخضع للمساءلة القانونية، سواء وفقا للقانون العراقي أو للقانون العسكري الأميركي، وقد ساعدها على ذلك البيان الذي أصدره الحاكم الأميركي الأسبق في العراق بول بريمر في يونيو/ حزيران 2003 والذي مدد العمل به في 27 يونيو/ حزيران 2004 والمعروف بـ "الأمر رقم 17" حيث نص على أن "يعفى أفراد هذه الشركات من المساءلة القانونية عن أي مخالفات يرتكبونها أثناء عملهم في العراق، ويسري العمل بهذا الأمر إلى حين تشكيل حكومة عراقية جديدة بعد انتخابات يناير/ كانون الثاني 2005".

وفي هذا الأمر، استغل قادة الجيش الأمريكي في العراق هذه المسالة، ليحملوا تلك الجيوش الخاصة، المسؤولية عن العديد من جرائم الحرب التي أثارتها منظمات حقوقية بما في ذلك جزءا من فضائح التعذيب في السجون العراقية بوجه عام، وفضائح سجن أبو غريب بوجه خاص.

المستقبل العسكري في العراق

يصف المحلل العسكري العراقي"لقاء مكي" المشهد ألاحتلالي من الناحية العسكرية  بالقول،" مع بداية العام الثالث لاحتلال العراق، ارتفعت وتيرة الجدل بشأن الوجود العسكري الأميركي هناك، وانقسمت آراء السياسيين والعسكريين والمفكرين الإستراتيجيين حيال هذه القضية، فبعضهم طالب صراحة بوضع حد لهذا الوجود واتخاذ قرار حاسم بالانسحاب وتسليم مقاليد الأمور للعراقيين، وهذا ما يتبناه معظم المفكرين والسياسيين الأميركيين المعارضين لشن الحرب على العراق منذ البداية من أمثال المفكر وعالم اللغويات الشهير نعوم تشومسكي وعضو الكونغرس المعارض الأسبق ديفد ديوك ووزير العدل الأسبق رمزي كلارك، حيث يقود هؤلاء الدعوة إلى سحب القوات الأميركية من العراق فورا أو على الأقل وضع جدول زمني معلن لذلك، وتسليم مقاليد الأمور إلى العراقيين.

يبرر هؤلاء دعوتهم هذه، بأن الحرب منذ البداية لم تكن شرعية، وبأنها قد زادت من كراهية الشعوب للولايات المتحدة، ويقولون إن استنزاف القوات المسلحة الأميركية في العراق على يد المقاومة يستلزم اتخاذ قرار حاسم وسريع بسحب هذه القوات، وبأن الميزانيات المرصودة للتعليم والصحة والخدمات الاجتماعية أحق بالبلايين التي أنفقت ولا تزال تنفق على وجود هذه القوات هناك.

بالمقابل، هناك اتجاه يعتقد بصحة وأهمية الوجود العسكري الأميركي في العراق، بل ويطالب بزيادة أعداد هذه القوات، وبالاهتمام بتسليحها وتدريبها، لكنه في الوقت نفسه يعارض أسلوب عمل هذه القوات كما ظهر خلال العامين الماضيين، ويبنى اعتراضه على فكرة جوهرية مفادها أن الوجود الكبير لهذه القوات في مناطق الكثافة السكانية يعرضها للهجمات ويكبدها المزيد من الخسائر.

ويقترح أصحاب هذا الاتجاه بديلا يعتمد على الانسحاب إلى قواعد عسكرية مجهزة تقع بعيدا عن هذه التجمعات، يفضل أن تكون في مناطق صحراوية، مع الإبقاء على قوة ردع سريعة الحركة قادرة على الوصول إلى أهدافها بحيوية، والتعامل عسكريا معها بخفة وكفاءة.

ويتزعم هذا الاتجاه العديد من العسكريين الأميركيين ومعظم الخبراء والمتخصصين في شؤون الأمن والدفاع بالمراكز البحثية الأميركية الكبيرة، من أمثال الجنرال بيتر شوماخر رئيس أركان القوات البرية وكيث ماينز الضابط السابق في القوات الخاصة الذي كان ممثلا لسلطة الاحتلال في محافظة الأنبار بغرب العراق والذي يعمل حاليا دبلوماسيا في وزارة الخارجية، والميجور ألبري كريستوفر فارهولا الذي كان حتى بداية هذا العام يعمل ضمن وحدات الاحتياط في العراق قبل أن ينتقل إلى الحقل الأكاديمي محللا للشؤون العسكرية".

هل نحن أسوا أعداء أنفسنا؟

في منتصف يوليو/تموز من العام الماضي وأمام لجنة القوات المسلحة التابعة لمجلس النواب قال شوماخر في معرض إقناعه أعضاء اللجنة بأهمية تغيير أسلوب عمل القوات الأميركية في العراق "أحيانا تكون الطريقة المثلى والأسلوب الذكي للتعامل مع حرب العصابات -التي تدور رحاها في العراق حاليا- هي في حضور عسكري أقل وتركيز أكثر لنقاط تجمع القوات ومحاولات إخفائها عن العيون، وهو ما بدأنا نعمل عليه حاليا من خلال آمري الوحدات الموجودين في الميدان".

وقد عضد كيث ماينز هذا الرأي وكتب في مقالة نشرها معهد بحوث السياسة الخارجية داعيا إلى أن تتوارى القوات الأميركية في العراق عن أعين المقاومة وقال "إن وجود القوات الأجنبية يحرض على أعمال العنف وعدم الاستقرار".

أما ألبري فارهولا فقد أبدى موافقته على هذا الرأي ودعا من خلال دراسة تحمل عنوان "الوجود العسكري الأميركي في العراق: هل نحن أسوأ أعداء لأنفسنا؟" إلى تخفيف الوجود العسكري الأميركي المكثف هناك، وإبعاده عن التجمعات السكانية حيث أن ذلك على حد قوله "يستفزها ويؤدي إلى نفور بعض شرائح المجتمع العراقي".

وبتحفظ وافق الجنرال مارك هرتلينغ آمر الفرقة المدرعة الأولى التي شاركت في احتلال بغداد على الخطوط العريضة ،،، "البقاء مع تغيير أسلوب العمل" لكنه بادر إلى القول "إن هذا السيناريو يميل أكثر إلى اعتبار ما شاهده ماينز في محافظة الأنبار هو مقياس ينطبق بالضرورة على بقية المحافظات العراقية"، لكن هرتلينغ أكد عموما على أن عمل القوات الأميركية في العراق يتجه بالفعل إلى الأخذ بهذا الاتجاه مستدلا على ذلك بقوله "إنه تم تقليص عدد النقاط الأمامية لتجمع القوات الأميركية الواقعة في العاصمة العراقية من 60 نقطة عام 2003 إلى 8 نقاط نهاية 2004".

وغير بعيد عن ذلك ما قاله الجنرال تشارلز سوناك الذي قاد الفرقة الثانية والثمانين المحمولة جوا في غرب العراق معظم أشهر السنة الماضية إذ قال إنه يؤيد "وضع قوات الأمن العراقية في المقدمة بينما تتحرك الوحدات الأميركية من الخلف" وقال إن هذا الأسلوب سوف يقلل خسائر القوات الأميركية ويعزز من وجودها العسكري في العراق دون مزيد من التضحيات، ولذلك فقد شدد على ضرورة الإسراع في برنامج المساعدات الأميركية للجيش ولقوات الأمن وأجهزة الاستخبارات العراقية الوليدة، وقد وصف هذا البرنامج بأنه "يسير ببطء شديد مما يحول دون تحويل كل هذه الآراء النظرية إلى واقع ملموس على الأرض".

الغالب إذن على سيناريوهات الوجود العسكري الأميركي في العراق هو البقاء مع تغيير أساليب العمل، وهو ما استخلصه القادة الميدانيون بعد خبرة عامين من وجودهم هناك.

أما كل ما يتعلق بزيادة أعداد هذه القوات لترتفع من 138 ألفا في الوقت الحالي إلى 150 ألفا أو تقليلها لتصبح 70 ألفا، وما يتعلق كذلك بالتوسع في عمليات إعادة الانتشار أو حتى حركات الإحلال والتبديل مع وحدات يتم استدعاؤها من أماكن أخرى من العالم لتخفيف الضغط النفسي على الجنود الموجودين في العراق فهي كلها أساليب تكتيكية تخدم إستراتيجية البقاء العسكري التي لم يعلن عن تغيرات جوهرية فيها حتى الآن.

اتساع موجة الرفض

بالرغم من العملية السياسية التي يحاول الاحتلال إعطائها صفة الحراك الديمقراطي، وبالرغم من أن قوى عراقية تشارك بها لهدف أو لآخر، إلا أن الرفض الشعبي لوجود الاحتلال في تنام متزايد، فمع دخول احتلال العراق عامه الثالث ، شهد الشارع العراقي موجة عارمة من التظاهرات التي غالبا ما جمعت غالبية ألوان الطيف العراقي، المطالبة برحيل الاحتلال، كما شهد السجال بين الاحتلال وبين المقاومة المسلحة ، تصاعدا واضحا أيضا، تمثل ليس فقط بزيادة حجم العمليات المقاومة، وإنما بنوعية هذه العمليات، ورغم التعتيم الإعلامي، والحصار المفروض على وكالات الأنباء والصحفيين، فان أنباء ذا مصداقية، تحدثت عن استخدام المقاومة لأساليب جديدة وكبيرة، كما حدث في الهجوم الكبير على منطقة أبو غريب، وكما حدث على مناطق أخرى، مع استخدام وسائل قتالية ذا مفعول كبير مثل القصف الصاروخي وبأجهزة لا يمكن إخفائها مثل راجمات الصواريخ، حيث يدلل هذا الاستخدام، بان هناك إمكانية لحرية الحركة والتنقل، بعد انكفاء جيش الاحتلال إلى الثكنات، كما هو الحال مع غالبية الجيوش التي تشارك من دول أخرى، ونسبة كبيرة من الجيش الأمريكي، خاصة في المناطق التي تمثل لهم"مثلث الموت"، أو ما يدعونها "طائفيا" بمناطق السنة.

لا تدعي معظم القوى السياسية في العراق تأييدها للاحتلال، وكثير منها يتحدث عن ضرورة خروج القوات الأجنبية من البلاد الآن أو في المستقبل، لكن هذه الإرادة العلنية لا تخفي حقيقة أن العامين الماضيين منذ الغزو شهدا تعاطي قوى سياسية عديدة مع الاحتلال ولاسيما من خلال المشاركة في عملية سياسية قام برسمها بمساهمة عراقيين، وفي الاتجاه الآخر يمكن أن نلحظ قوى أخرى اتسعت بانتظام تعاملت مع الغزو ونتائجه برفض واضح شمل مقاطعة العملية السياسية بما في ذلك المشاركة في السلطة أو في الانتخابات العامة التي أجريت في الثلاثين من يناير الماضي بسبب ما تصفه بعدم شرعية الاحتلال أو الخطوات السياسية التي تجري في وجوده التي لن تخدم في النهاية غير مصالحه.

وفي كل الأحوال، فان الاحتلال راحل في نهاية الامر، وأيضا، فهو لن يستطيع البقاء متعايشا مع خسائره اليومية، ومع تنامي رفض الشارع الأمريكي للبقاء في العراق، وهذه ليست أحجية، فقراءة مشهد بحجم المشهد العراقي، تخضع دائما لمتغيرات تمليها معطيات محلية وإقليمية وعالمية، فالأمر لا يتعلق باحتلال دولة هامشية، وإنما باحتلال دولة مفصلية في المشاريع الأمريكية للمنطقة، وهي مفصلية في انعكاس المعطيات سلبا أو إيجابا، وربما تساهم في الحلم الإمبراطوري الأمريكي الجديد، أو تقوم بدفنه إلى الأبد.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المخططات الأمريكية للعراق: نماذج غير قابلة للتطبيق

 

عملية" مصارعة الثيران التي انتهت على أبواب القائم، إلى عملية " البرق" ، وكلتاهما من فعل الاحتلال الأمريكي للعراق ، يقابلها ازدياد العمليات العسكرية التي استهدفت أفراد الشرطة والجيش العراقي، حيث الخسائر العالية، إضافة إلى استهداف الدوريات الأمريكية وسقوط الأعداد الكبيرة من الجنود الأمريكيين ، مع ملاحظة هامة ونوعية، تتعلق باستهداف خطوط التموين والإمداد الأمريكية، حيث سجلت الخسائر، مقتل العشرات من سائقي الشاحنات العاملة لصالح القوات الأمريكية إضافة إلى تدمير تلك الشاحنات.

الخطط الأمريكية التي استهدفت تقليل الخسائر الأمريكية بزج هذا العدد الكبير من قوات الجيش العراقي إلى الواجهة، لم تفلح في إسكات الأصوات المتصاعدة حتى داخل مؤسسات الإدارة الأمريكية الرسمية، للمطالبة بالانسحاب من العراق، أو جدولة هذا الانسحاب على الأقل في الوقت الراهن، لا بل ان الأنباء تحدثت عن محاولات أمريكية لإعادة إحياء طلب قديم يتعلق بمشاركة عربية في ما يقال أنها لحفظ السلام وتحقيق الاستقرار، في وقت لا تجد فيه تجاوبا في هذه المسالة حتى مع بعض الذين ما زالت تعتبرهم حلفائها في المنطقة.

العمليات العسكرية توسعت بحيث لم تعد هناك منطقة عراقية بمنأى عنها، فيما عادت جبهات قديمة للواجهة مثل الفالوجة والرمادي وغيرها، إضافة إلى التوسع بالمواجهات في الشمال العراقي.

في مواجهة الرئيس

منذ ذهاب الإدارة الأمريكية باتجاه غزو العراق، لم يواجه الرئيس الأمريكي معارضة كما يحدث في العام الثاني من ولايته الثانية، سواء على الصعيد الرسمي، أو على الصعيد الشعبي، وبعيدا عن استطلاعات الرأي العام الأمريكي الذي تراجع تأييده بنسبة كبيرة بما يخص بقاء القوات الأمريكية في العراق، طالبت مجموعة من أعضاء مجلس النواب الأميركي تضم ديمقراطيين وجمهوريين، الرئيس الأميركي جورج بوش بالشروع في سحب القوات الأميركية من العراق بدءا من أكتوبر/تشرين الأول 2006.

وتعتبر هذه المرة الأولى التي يقدم فيها ديمقراطيون وجمهوريون مشروع قانون مشتركا بشأن التواجد الأميركي في العراق, رغم أن أغلبية ديمقراطية وستة من الجمهوريين رفضوا عام 2002 إرسال قوات إلى العراق, لكنهم لم ينسقوا أبدا من أجل مشروع قرار يدعو إلى عودتها.

المفارقة التي قيل بأنها صدمت الرئيس بوش، كانت حين علم ان من بين مقدمي المشروع، الجمهوري وولتر جونس من نورث كارولينا، الذي كان أحد أكبر المؤيدين للحرب على العراق، هذا السيناتور وبعد أن كان من أكبر مناصري الحرب ، تراجع جونس ليقول إن أسلحة الدمار الشامل التي برر بها البيت الأبيض الاجتياح لا وجود لها, معتبرا أن واشنطن قامت بما تستطيع القيام به في العراق, وأنه أزف وقت الرحيل.

غير أن الإدارة الأميركية تصر على أن سحب القوات الأميركية في الوقت الراهن سيقوي شوكة المقاومة العراقية, معتبرة أن قوات الأمن العراقية ما زالت في حاجة للمزيد من الدعم لتنفيذ عملياتها، هذا الكلام، تتبناه وزارة الدفاع "البنتاغون"، ويردده الوزير رامسفيلد، بالرغم من ان عسكريين في وزارته ، يرون ان الاستمرار ضمن هذه الحالة، سيقود الجيش الأمريكي إلى حالة كارثية.

مشروع القرار المشترك بين النواب الجمهوريين والديمقراطيين،  يأتي في وقت ارتفعت فيه حصيلة القتلى الأميركيين في العراق, وتواصل هذا النزف بحيث لم يعد يمر يوما إلا ويسقط معه المزيد من القتلى الأمريكيين، حيث تشير الحصيلة الرسمية، والتي تشكك بها حتى وسائل الإعلام الأمريكية، إلى ان  عدد القتلى في صفوف القوات الأميركية الشهر الماضي بـ 80 قتيلا, وان العدد الإجمالي من القتلى الأميركيين منذ بدء الحرب وصل إلى 1700.

 بالمقابل، أظهر استطلاع للرأي أجراه معهد غالوب ونشرته صحيفة يو إس أي توداي قبل بضعة أيام أن 60% من الأميركيين يؤيدون إما سحبا كاملا وإما جزئيا للقوات الأميركية في العراق.

 إنهم لا يريدون الذهاب إلى الحرب!!

وزارة الدفاع الأميركية ، تواجه صعوبات في اجتذاب المجندين للخدمة في القوات الأميركية، ويعزو الخبراء هذا الوضع إلى تزايد القتلى الأميركيين في العراق وتحسن الأوضاع الاقتصادية.

يوضح الجنرال مايكل روشيل رئيس قسم التجنيد في وزارة الدفاع أن من بين أسباب تدني الإقبال على الخدمة نصائح الأهل والعائلات والمربين لأبنائهم بعدم الانخراط في الجيش.

يعترف بأن مسؤولي التجنيد في الولايات يواجهون مناخا متوترا لم يشهد مثيلا له خلال 33 عاما من عمله العسكري.

يعرب روشيل عن أسفه لبعض الممارسات التي يتسبب فيها مسؤولو شعب التجنيد في الولايات، مشيرا إلى أن هناك تحقيقا يجري الآن في سبع وقائع تعكس سوء سلوك هؤلاء المسؤولين، لكنه لم يذكر أي مثال من تلك الوقائع، بالرغم من ان الصحف الأميركية كانت قد أشارت إلى انتهاكات قام بها مسؤولو التجنيد، وتنظر إدارة التجنيد بالبنتاغون في 7500 حالة، منها حادثة وقعت في مدينة هيوستن (تكساس جنوب البلاد) حيث ترك أحد المسؤولين رسالة هاتفية لشاب متطوع يهدده فيها إن تخلف عن الموعد الذي حدده له.

يشار إلى أن الجيش الأميركي ألغى طلبات التجنيد الإجباري عام 1973 أواخر الحرب الفيتنامية الأميركية، ومنذ ذلك الوقت وهو يعتمد على المتطوعين، فيما انه في الحالة العراقية، اتجه إلى الاستعانة بالمرتزقة، الذين ازدهرت التجارة فيهم وبهم، حيث تعد الشركات التي تجتذبهم إلى العراق بالعشرات.

هذه الحالة، تجد مناخا خصبا لها في وسائل الإعلام، حتى خارج الولايات المتحدة، فجديد ما كشفت عنه الصحافة، ما جاء عن وثيقة سرية للجيش الأميركي تفيد بتحديد ديسمبر/كانون الأول المقبل موعدا لانسحاب القوات الأميركية من العراق، فقد
كشفت صحيفة "ديلي تلغراف" عن وثيقة سرية تم توزيعها على مسؤولين عسكريين أميركيين رفيعي المستوى تفيد بأن الجيش الأميركي حدد ديسمبر/كانون الأول المقبل موعدا لتسليم المسؤولية الأمنية للجيش العراقي والوحدات الأمنية.

وقالت الصحيفة إنها المرة الأولى التي يتم فيها تحديد موعد زمني لإنهاء تولي القوات الأميركية السيطرة على ما وصفته بالتمرد في العراق.

ويظهر هذا الاقتراح -كما تقول الصحيفة- أن الجيش الأميركي سيبدأ في الانسحاب من الحراسة ومن ثم الانسحاب التدريجي من البلاد ككل.

وأشارت ديلي تلغراف إلى أن بريطانيا والولايات المتحدة رفضتا الإفصاح عن أي خطة لإستراتيجية الخروج خشية تشجيع من أسمتهم المتمردين!! على أن يروا في ذلك فرارا.

ونقلت عن ضابط أميركي تأكيده لتوزيع خطة الانسحاب، واصفا إياها بأنها "تخطيط حكيم".

هذا من الناحية الرسمية، لكن صحيفة "ديلي تليجراف" نشرت تقريرا على صفحة كاملة حول مخاوف الآباء الأمريكيين الآن من إرسال أبنائهم إلى العراق.

بعد عودة النعوش

يقول التقرير الذي أعده الصحفي البريطاني "أليك راسل"، ان موقف الآباء الأمريكيين تغير كثيرا الآن عن بداية الحرب خاصة بعد عودة أعداد كبيرة من الجنود الأمريكيين من العراق في نعوش.

في التقرير ، يعرب رينيه وهو أب لأحد الجنود الأمريكيين،  انه الآن يخشى من رؤية ابنه ذاهبا إلى العراق، انه الآن يرى الحرب في العراق بصورة مختلفة، موضحا انه بعد ان كان يراها عادلة ويتمنى ان يذهب ابنه للخدمة العسكرية هناك يراها الآن غير مبررة.

ويقول كاتب التقرير، ان رأي رينيه يشاركه فيه آلاف الآباء من جميع أنحاء الولايات المتحدة.

مضيفا: ان موقف الآباء هذا هو أهم عائق أمام البنتاجون لسد الفراغ في المواقع العسكرية المختلفة في صفوف القوات الأمريكية بالعراق.

موضحا: ان وزارة الدفاع الأمريكية أنتجت إعلانات تليفزيونية بلغت قيمتها ملايين الدولارات، شاهد الأمريكيون أربعة منها خلال الأسبوع الماضي تحث الآباء على تشجيع أبنائهم على الانضمام إلى الجيش الأمريكي.

كما ترسل الوزارة أيضا إعلانات عن طريق البريد تحمل نفس المعنى إلى آباء طلاب المدارس الثانوية.

يقدم البنتاجون الوعود للآباء والأبناء بدفع 14 ألف دولار من المصروفات الجامعية وكذلك الرعاية الصحية المجانية لمن ينضمون إلى الجيش الأمريكي.

المدارس نفسها طلبت من وزارة الدفاع عدم الإصرار على عمل دعاية من هذا النوع في المدارس.

تنقل صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية عن إحصاء حديث أجراه البنتاجون، ان 25 بالمئة فقط من الآباء الآن لا يعارضون انضمام أبنائهم إلى الخدمة العسكرية مقارنة بحوالي 42 بالمئة في عام 2003.

وتقول الأمهات الأمريكيات، انه من الجنون الانضمام إلى الجيش والذهاب إلى الموت بالعراق في حرب لا مغزى لها.

يختتم التقرير بكلمة تقول : انه يعتقد ان من الخطأ لعب دور شرطي العالم.

التقارير هذه، ترى انعكاساتها على شريك بوش الرئيسي "توني بلير"، اذ تحذر "ذي إندبندنت" بلير بأن تاريخه سيبقى أسير العراق إثر الأدلة الدامغة التي كشف عنها أخيرا عن نيته الانضمام إلى الحرب مع الولايات المتحدة قبل شنها بثمانية أشهر.

تقول بأن الوثائق التي كشفت عنها الحكومة ، تثبت المغالطات التي كان يصرح بها للعلن وهي أنه يمكن تجنب الحرب إذا ما التزم صدام بقرارات الأمم المتحدة.

تضيف: أن تلك الوثائق تدعم اتهامات معارضي الحرب التي تنطوي على موافقة بلير على إسناد التدخل العسكري الأميركي أثناء لقائه مع الرئيس الأميركي جورج بوش في أبريل/نيسان 2002، وهي ما سبق أن نفتها الحكومة.

يقترب قاض بريطاني من السياق نفسه، حين يتهم كل من واشنطن ولندن باستغلال الذعر العام من الإرهاب لتعديل القانون الدولي ليخدم مصالح الدولتين طبقا للأجندة الخاصة بهما.

يقول اللورد ستين الذي يعد الأقدم بين القضاة في بريطانيا وعضو مجلس اللوردات، ان الولايات المتحدة وبريطانيا تستغلان الهجوم الإرهابي الذي وقع بالولايات المتحدة في 11 سبتمبر 2001 لإعادة تشكيل القانون الدولي بحيث يخدم مصالحهما.

تساؤلات لم تكن تطرح سابقا

تعنون صحيفة "ديلي تلغراف" مقالا لها بسؤال مفاده "لماذا لم يودع القائد العسكري وراء القضبان" تقول فيه إن الرجل الذي قاد الجيوش العسكرية البريطانية في العراق توقع أن ينضم إليه بلير والنائب العام غولد سميث في السجن إذا ما خضع لمحاكمة بجرائم الحرب.

تنقل الصحيفة عن القائد العسكري لورد بويس قوله "إذا ما ذهبت وجنودي إلى السجن فإن آخرين سينضمون إلينا"، في إشارة إلى بلير وغيره من الساسة.

تقول إن التحليلات بشأن الموقف القانوني تظهر عدم ضرورة الخشية من المحاكمة، وفق نصيحة النائب العام التي تسربت حديثا، وتفيد أن المحكمة الجنائية الدولية لا تملك حق محاكمة جرائم العدوان، لذلك فإنها لا تنظر في قضية حول قانونية العمل العسكري.

يفضح الصحفي سيمور هيرش الحائز على جائزة بوليتزر - بعد فضحه لمذبحة قرية ماي لاي التي قامت بها القوات الأمريكية في فيتنام والتي راح ضحيتها أكثر من 530 من نساء وأطفال وشيوخ أبرياء، ومن بعدها في العام الماضي فضح جرائم الحرب التي قامت بها القوات الأمريكية وعملائها في سجن أبو غريب ، يفضح الإدارة الأمريكية بقوله، أن العراق متوجه نحو حرب أهلية مفتوحة تخطط لها إدارة بوش المجرمة.

في مؤتمر في جامعة إيلينوي  (10/5/2005) يتحدث عن الفضائح الأمريكية في العراق خصوصا في سجن أبو غريب وعن عصابة بوش وأكاذيبها الملفقة التي طرحتها قبل وبعد الحرب لتبرير جرائمها اللاأخلاقية والغير شرعية في عملية غزو العراق واحتلاله.

يشرح كيف ان الولايات المتحدة تدعم مجموعة عسكرية تم الحديث عنها في قسم المجلة في النيويورك تايمز قبل أسبوع تحت عنوان"سيلفدرزة العراق" (نسبة إلى حرب السلفادور الأهلية التي أشعلها نيجروبونتي في ذلك البلد الأمريكي .

 أحد القادة الأمريكان الذي كان يورط ويدعم ويساعد فرق الصياد-القاتل السيلفادورية قبل عقدين، مسؤولية، هو مستشار لهذه المجموعة --  هذه مجموعة التي، في قصة النيويورك تايمز، ارتكبت انتهاكات هامة لاتفاقية جنيف، وهي تقريبا مدحت بواسطتها.

جون نيجروبونتي كان السفير الأمريكي – بالطبع، هو الآن رئيس الإستخبارات الوطنية – سابقا، في أوائل الثمانينات، كان سفيرا إلى هندوراس، أرضية المسرح لحرب عصابات الكونترا، هناك ربط بين الناس التي جلبت الآن من الذين عملوا في السيلفادور، قبل عقدين، وعملهم مع المجاميع الشبه عسكرية الان في العراق؟    

فريق"الصياد القاتل"

هذا هو عمله الآن كرئيس الإستخبارات، وأعتقد أن الذي عمله من ناحية العمليات السرية، أجهزة وفرق إغتيالات سرية،  فريق صياد-قاتل، ذلك الذي عندنا الآن، نحن نهبط – الفكرة هي، أعتقد أنها شريرة بطريقة ما، حقا، الشيئ الذي عمله،  إن الفكرة الآن في العراق، الهدف الذي يمتلكونه الآن هو أنهم يريدون دخول المدن الرئيسية المختلفة في الوسط السني، المحافظات الأربعة في العراق ، والتي يسكن فيها 40% من نفوس العراق، حول بغداد. الفكرة هو احتلال المدن الرئيسية. إحتلوا الفلوجة، والآن يحاولون إحتلال مدن اخرى، إسقاطها، جعل الناس القاطنة في قلب الأراضي السنية  خائفين من المخابرات الأمريكية/العراقية أكثر من خوفهم من المقاومة، هذه هي الفكرة، وأبي زيد، وهكذا أخبرت، جعلها واضحة بأنه يعتقد أن بإمكانه، خلال سنة واحدة، بإمكانه إسقاط أربعة أو خمسة من المعاقل الرئيسية، وأعتقد أن الخطة هي الذهاب من الرمادي الى مدينة رئيسية أخرى يسكنها 300000-400000 نسمة والبدأ بنفس النوع من العمليات، سوف لن يكون هناك صحفيين (ملازميين) مع القوات المحاربة، فقط في مناسبات نادرة، نحن لسنا هناك مثل ما كنا عليه في الفلوجة، في الحقيقة نحن لا نعلم عن ما يجري في أماكن اخرى يبدو أنها مثل جحيم مقدسة هناك، لكننا لا نعرف، وأعتقد أنها خطة اللعبة، هي نوع من خطة لعبة يائسة، من الواضح، سوف لن يكتب لها النجاح، محتلون، إرهاب ، وهذه التقنيات لا تعمل.

 الهروب إلى مشاريع أخرى

لا ترحب الإدارة الأمريكية بما يطلب منها، وهي تغرق بكل غطرستها في المستنقع العراقي، لكنها في نفس الوقت، تفتش عن حلول أخرى، حلول غبية ربما، لكنها تأمل ان تؤدي إلى انفراج في أزمتها، وان تساهم في إيجاد حلول لها.

تلجا إلى أهل الدراسة والفكر، الذين عادة ما تكون أفكارهم خارج إطار الصراع الميداني بتفاصيله المعقدة، يقترح تقرير جديد وضعه أكاديمي أمريكي تقسيم العراق إلى خمس أو ست ولايات اتحادية تخضع لحكومة وطنية واحدة، يزعم ان اقتراحه يهدف لمنح العراقيين حرية أكبر في إدارة شؤونهم.  

يقول التقرير الذي وضعه باحث في المجلس الأمريكي للعلاقات الخارجية وهو مركز بحث مستقل، ان التقسيم يجب أن يقوم على أساس جغرافي لا عرقي وان بغداد لابد أن تكون من بين تلك الولايات.

التقرير يحمل عنوان ، "تقاسم السلطة في العراق" وهو تحليل من 50 صفحة كتبه ديفيد فيليبس الخبير في شؤون الشرق الأوسط والعراق " يقول فيه: كانت الانتخابات العراقية في 30 يناير 2005 حدا فاصلا في تاريخ البلاد، ولكن الديمقراطية تتعلق بما هو أكثر من مجرد الانتخابات".

إنها تتعلق بتوزيع السلطة السياسية عبر المؤسسات.. والقوانين التي تضمن الحكم القابل للمحاسبة".. "في العراق الجديد لابد أن تسيطر الولايات العراقية الاتحادية على كل الشؤون غير المنوطة صراحة بالحكومة الاتحادية".

ويقترح فيليبس وهو مستشار سابق للحكومة الأمريكية تشكيل ولايتين أو ثلاثا من  تسع محافظات بجنوب ووسط البلاد ، حيث يتركز السكان الشيعة وتشكيل ولاية أخرى من أربع محافظات بوسط وغرب العراق التي يغلب عليها السنة، كما تشكل ولاية أخرى من المحافظات الثلاث في شمال غرب العراق التي تسكنها أغلبية من الأكراد إلى جانب ولاية مستقلة لبغداد.

يضيف: "تمشيا مع مبدأ اللامركزية ، لابد أن تكون للولاية العراقية الاتحادية والسلطات المحلية القدرة على إقرار القوانين التي تتوافق مع العادات المحلية، "من المقرر ترجمة تقريره إلى اللغة العربية وتوزيعه على الحكومة العراقية  والجمعية الوطنية قريبا".

التقرير الجديد، لم يكن جديدا بكل معنى الكلمة، فقد سبق وان طرح اقتراح بتقسيم العراق إلى ولايات ، ولكن هذا الاقتراح أثار تساؤلات بشأن الفصل العرقي والطائفي وترك قضية كيفية توزيع ثروة النفط في البلاد معلقة.

توزيع السلطة، وماذا بشان الثروة؟

يوجد في العراق أكبر ثالث احتياطي للنفط في العالم ، ولكن الإنتاج يتركز في أقصى الجنوب وحول مدينة كركوك بشمال البلاد، والتي يطالب بالسيطرة عليها كل من العرب والأكراد والتركمان، ولا توجد في وسط البلاد موارد طبيعية أو نفطية.

رد فعل زعماء العراق، كان فاترا إزاء اقتراحات سابقة بإقامة كيان اتحادي ، كما أن الزعماء العرب لا يرغبون في منح الأكراد الذين تمتعوا بقدر كبير من الحكم الذاتي في المنطقة الشمالية لمدة أكثر من عشر سنوات قدرا من الاستقلال أكبر مما يتمتعون به بالفعل.

يقترح فيليبس أن تحتفظ الحكومة الوطنية بجزء من عائدات النفط لعملياتها، ولكن لابد من تحقيق التوازن بين الولايات الاتحادية على أساس السكان كما يقول "ان الحكومة الوطنية لابد أن تتولى مسؤولية الشؤون الخارجية والتجارة الخارجية والرقابة على الحدود والجمارك والضرائب والسياسة النقدية وإصدار العملة وتنمية البنية الأساسية والقوات المسلحة.

يتابع: "حتى يحدث هذا لابد من اتخاذ قرارات صعبة.. يتعين على العرب من الشيعة أن يتخلوا عن مطالب بجعل الشريعة مصدر التشريع الوحيد!! ولابد أن يقبل العرب من السنة أن التحكم في المؤسسات العراقية لم يعد في أيديهم".

ولابد أن يتخلى الأكراد العراقيون عن حلم الاستقلال وسيطرتهم دون غيرهم على كركوك ،ولابد أن يدرك التركمان والكلدانيون والاشوريون العراقيون أنهم يعيشون في ولايات عراقية اتحادية يمثل فيها العرب والأكراد الأغلبية".

المقترح هذا أيضا لا ينظر إليه بشكل جدي، فيما يستمر التخبط الأمريكي دون أي أفق لحل منظور.

تطرح المسالة الفيدرالية، لكن الموقف الأمريكي تجاه المسألة الفيدرالية، الذي بدا متجاوبا مع التطلعات الكردية قبل وأثناء الحرب على العراق، تغيرت لغته وغدا أكثر ضبابية بعد سقوط بغداد، فقد تحاشى الحاكم الأميركي المؤقت السابق للعراق جي غارنر الإجابة بصيغة واضحة على أسئلة كثيرة طرحت عليه في مؤتمرات صحفية حول الفيدرالية، وكانت إجاباته تدور حول فكرة واحدة " النظام العراقي الجديد سيكون له رئيس واحد وجيش واحد وحكومة واحدة تمثل كل الشعب العراقي".

وقد فسرت التصريحات في حينها، أنها تراجعا عن الوعد بإقامة نظام فيدرالي إكراما للأكراد

فالجانب الأميركي لا يريد أن يفتح على نفسه أبواب استقلال الشعوب ذات القوميات الخاصة، إذ سيواجه أزمة المصداقية تجاه قضايا عديدة مماثلة في روسيا والصين والهند وتركيا.

كما أن العلاقة الإستراتيجية الأميركية مع تركيا تبقى هي الراجحة على العلاقة مع الأكراد في حسابات المصالح الآنية والمستقبلية، وهو ما عبر عنه أكثر من مسئول كردي في أحاديث غير مسجلة، من أن الولايات المتحدة لن تضحي بعلاقتها بأنقرة من أجل عيون الأكراد، ويستحضر القادة الأكراد سجل الخذلان الأميركي للأكراد على مدى أكثر من نصف قرن، ولا يستبعدون تكراره في المرحلة الراهنة، ومع ذلك، لا زالوا يتمسكون بحلم الدولة، وربما كانت احتفالات تنصيب البرزاني رئيسا لإقليم كردستان، الطريق إلى هذا الحلم، وهو حدث طغت عليه أصوات القذائف، فهل حقا يشكل هذا الحدث بداية التقسيم أو تمرير مشاريع تقترب منه؟

 العراق في المشروع الكردي

كان البرلمان الكردي الذي يضم أعضاء الحزبين ( الاتحاد والحزب) قد أقر في 8-11-2002 مشروعي قانوني الفيدرالية لـ "الإقليم الكردي" ودستور العراق الفيدرالي اللذان قدماهما الحزبان، ويقسم مشروع القانون العراق إلى منطقتين كردية وأخرى عربية، وتلمح مواده إلى أن الطرح الفيدرالي يقوم على أساس الاستقلال شبه التام للمنطقة الكردية شمال العراق، مع تعيين مدينة كركوك عاصمة للإقليم." وهذا يفسر لماذا يتعرض العرب والأقليات الأخرى في كركوك للاضطهاد وللتطهير العرقي"،

وتوحي مواد القانونين بأن المطروح هو أقرب إلى الكونفيدرالية منها إلى الفيدرالية، إذ تنص المواد على أن لإقليم كردستان علما خاصا به، وهو علم جمهورية مهاباد - وهي الدولة الكردية المستقلة الوحيدة في تاريخ الأكراد ولم تدم طويلا- وشعارا ونشيدا خاصين، بل يستطرد المشروع إن لهذا الإقليم قوات مسلحة دفاعية خاصة به، وهو ما لا ينطبق على الدول الاتحادية الفيدرالية، وبالمناسبة، العلم العراقي لم يرفع أثناء عملية التنصيب، بالرغم من وجود مسؤولين من الحكومة العراقية".

لكن التطلع الكردي لتأسيس الكيان الخاص من خلال الطرح الفيدرالي يصطدم بعقبات كثيرة، إقليمية في الأساس، وعراقية داخلية بالدرجة الثانية، فعلى المستوى الإقليمي، يعني تمتع الأكراد بفيدرالية وكيان شبه مستقل تجاوزا لخطوط حمراء كثيرة رسمتها دول الجوار ذات العلاقة بالمسألة الكردية وهي تركيا بالدرجة الأولى ثم إيران وسوريا.

وكانت ولا تزال تركيا تلمّع هذه الخطوط الحمراء، لتكون واضحة لكل ذي بصيرة، بأن الكيان الكردي الخاص في العراق يعني تدخلا عسكريا من طرفها، فالمعادلة في نظرها بسيطة ولا تحتاج إلى كثير جدل، لأن الفيدرالية الكردية في العراق ستثير شهية أكراد تركيا بتحقيق كيان مماثل، وهي حالة تثير التعقيد والحساسية بالنسبة للحكومة التركية، والتخوف ذاته يتردد صداه في طهران ودمشق تجاه الأقليات الكردية وان بنسب مختلفة.

العراق لا ينقسم إلى قوميتين كردية وعربية حتى تحل المسألة بخط سياسي يرسم بين مناطق الأكراد شماله والعرب في الجنوب منه، فهناك أقليات عرقية متعددة مثل التركمان والآثوريين والكلدان والسريان والأرمن وغيرهم.

الأكراد والأقليات الأخرى

وإذا كانت القومية الكردية أكبر من غيرها من الأقليات الثانوية، فإنه بمنطق العدد لا تقارن القومية الكردية بالعربية، فالأكراد لا يشكلون أكثر من 15% من سكان العراق.

تشغل مدينة كركوك جزءا كبيرا من تطلعات وآمال الأكراد المستقبلية، ويضفون عليها قدرا كبيرا من القداسة، ويعتبرونها رمزا للكيان الكردي، إذ يشدد البرزاني على أن الأكراد لن يساوموا على الهوية "الكردستانية" لكركوك، وأنهم سيستردون المدينة في أي لحظة يستطيعون استردادها، هذا الإصرار على اعتبار كركوك عاصمة الكيان الكردي المستقبلي، فيه قدر كبير من الاستفزاز للأتراك أولا، ولعرب العراق ثانيا، فتركيا تتذرع بالدفاع عن حقوق الأقلية التركمانية، التي تدعي أنها تشكل أغلبية سكان المدينة، للعب دور ما في السيطرة على مقدرات هذه المدينة الغنية بالنفط، فحقل كركوك النفطي هو أول حقل عراقي اكتشف في العشرينيات من قبل شركة نفط العراق.

كما أنه أكبر حقل حتى الآن، باحتياطي يبلغ 11 مليار برميل، أي أكثر من مجموع الاحتياطيات النفطية في مصر وسوريا وقطر، وتثير هذه الأهمية الاقتصادية الاستراتيجية لكركوك مخاوف العرب من السيطرة الكردية على المدينة وهو ما سيزيد من نفور عرب العراق من مشروع الفيدرالية بصيغته الكردية المطروحة.

الصراع الكردي - الكردي

التحدي الحقيقي الذي يواجهه تأسيس كيان سياسي كردي له خصوصيته، لا ينبغ من الشمال الكردي أو الجنوب العربي العراقي، بقدر ما تفرضه العلاقة الكردية - الكردية، التي اتسمت بالصراع الدموي بين الفصيلين الكبيرين الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي، وقدرة الزعيمين وقيادات الحزبين على تجاوز ارث الصراع الطويل بينهما لتشكيل ادارة موحدة منسجمة لاقليم كردستان بمجموعه، ام سيتم الابقاء على التقسيم الطولي للاقليم بين ادارتين ( او حكومتين) منفصلتين لمدينتي السليمانية منذ عام 1991، واربيل وما اذا سيُحتفظ ببرلمان واحد للمنطقتين، ام ستكتمل الفرقة والانفصال الداخلي بتأسيس برلمان لكل منطقة.

فقد اقتتل الحزبان الكبيران في سنة 1994، ثم تجدد في 1995 ثم 1996 وفي1991،فأصبحت كردستان بعد ذلك ساحة ملائمة لصراع مشاريع الدول الإقليمية في المنطقة، سواء مشاريع ظاهرة باسم السلام بين الطرفين، أو مشاريع في الخفاء لديمومة الصراع الكردي الكردي.

ويعد أهم هذه المشاريع كان المشروع الأمريكي، ثم التركي، فالإيراني، فكانت اتفاقيات عدة بين الطرفين منها اتفاق دروكيدا، واتفاق طهران، واتفاق أنقرة، وأخيرا كانت اتفاقات واشنطن في أيلول 1998، الذي بموجبه تم وقف الحرب بينهما، واستأنف البرلمان الموحد ،الذي كان تأسس عام 1992 وتعطل عام 1996، عمله في اكتوبر 2001، وهو البقعة السياسية المشتركة الوحيدة التي تجمع الطرفين الكرديين، والتحدي الذي يواجه زعيمي الحزبين، هو في توسيع هذه البقعة إلى حدودها القصوى، أو تلاشيها بفعل الرغبة في الانتصار لإرث الصراع التاريخي، ولا يمكن حسم المعركة مع الأطراف الخارجية ما دامت العلاقة الداخلية مبهمة ومفتوحة على احتمالات غير مطمئنة.

في أعقاب حرب الخليج زالت سيطرة بغداد عن المنطقة الشمالية التي تقع فوق ما يسمى بخط العرض 36، وهو في الحقيقة خط متعرج تم تحديده من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا بشكل يضم مناطق كردية تحت هذا الخط بكثير مثل السليمانية وكفري، أي كان الغرض آنذاك هو رسم المنطقة التي تقطنها كثافة سكانية كردية.

ومنذ ذلك الحين انفردت الأحزاب الكردية وخاصة حزبا الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البرزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني بإدارة المنطقة الشمالية، وثارت بينهما منافسة حادة على تقاسم السلطة ووقعت حروب دموية بينهما أدت إلى مصرع الكثيرين من الطرفين وانقسام الشمال إلى منطقتي نفوذ بينهما، ولم تضع هذه الحرب أوزارها إلا بتدخل جدي من الإدارة الأميركية التي قامت باستدعاء الزعيمين إلى واشنطن وأجبرتهما على التفاهم تمهيدا لمخططات مستقبلية، وتوصل الحزبان الكرديان إلى اتفاق لتوحيد النشاطات وإعداد دستور فدرالي للمنطقة، وفي النهاية انعقد البرلمان الكردي في الرابع من أكتوبر الماضي في مدينة أربيل، ثم تم الاتفاق على زعامة البرزاني للمنطقة بعد تولي الطالباني رئاسة الجمهورية العراقية.

النموذج غير القابل للتطبيق

ما حدث في الشمال العراقي غير قابل للتطبيق، والمشاريع التي تطرح هنا وهناك، تندرج في معظمها في خانة البحث عن حلول للمأزق الأمريكي، والأمر لم يطول، فالتحرك الكردي الأخير، والذي يؤسس لتصعيد الحملة ضد كل ما هو غير كردي في كركوك، سيفتح جبهة جديدة لا يعرف إلى أي اتجاه ستؤدي، لكنها بالقطع ليست لصالح المخططات الأمريكية لا في العراق، ولا في المنطقة التي تتفرج على السقوط الأمريكي القادم..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خفايا وأسرار الغزو الأمريكي للعراق

 

يؤسفنا القول ان خبرا مهما منذ غزو بوش الابن وتابعه بلير للعراق يتم تقديمه في الصحافة من قبل بعض الصحافيين السذج بنفس الصياغة التي وضعها له البيت الأبيض دون وضعه في إطاره الصحيح والمناسب، هكذا يفتتح الكاتب وليم اولتمان مقالته هذه، التي ترجمها واعدها الأستاذ نديم علاوي، ونشرت على موقع البصرة نت:

مثلا:  فأن جريدة الفينانشيال تايمز نشرت الخبر بأحرف عريضة على صفحتها الأولى بعنوان كبير  ”Baker to seek Iraq debt deal”. , بينما لم تجد جريدة NRC (جريدة هولندية كبيرة) مكانا أفضل لخبر مهم كخبر إرسال بوش لجيمس بيكر المفاجئ إلى العراق غير الصفحة الخامسة ولتدسه بصورة عرضية في طيات خبر حول تشكيل محكمة لمحاكمة القادة العراقيين , وهي محكمة كناغر على النمط الأمريكي هدفها التخلص من الأعداء بمسرحية سمجة ومعروفة بطلتها ماما عدالة ! 

أن دخول بيكر إلى الحلبة وبهذه الطريقة جاء ليميط اللثام عن الكثير مما هو مخفي , وليوضح أخيرا حقيقة أسباب الغزو الأمريكي للعراق.

يا ترى ما السبب الذي يجعل من خبر إرسال بيكر إلى العراق مثيرا  وعلى هذه القدر من الأهمية؟

ليس بخاف من ان جيمس هو العراب القذر لعائلة بوش, صحيح انه لم ينجح في تحقيق فوز لبوش الأب بولاية رئاسية ثانية ولكن عندما وصلت مقادير الابن " الحبوب" إلى حافة الحضيض في فلوريدا  تم الاستعانة بيبكر, وباشر حال وصوله بالتقطيع في جسد أل غور إلى أن أعترف الأخير في 13 ديسمبر عام 2000 بهزيمته رغم كونه الفائز الحقيقي في الانتخابات وبفارق 300,000 صوت !

وزير الخارجية الأسبق وارن كريستوفر ( حليف آل جور) لم يكن محصنا بما فيه الكفاية ضد العنف المعنوي الذي مارسه المحامي الماكر القادم من هيوستن (ويقصد حيمس بيكرـ المترجم ) في الحملة من أجل فوز بوش الابن.

أن يقرر بوش إرسال بيكر إلى بغداد في اللحظة الأخيرة يعني بمنتهى البساطة ان العائلة  في وضع حرج ومتأزم للغاية .

الرسالة الرسمية الموجهة للجميع تتلخص في ان  بيكر سيريكم كيف ان أمريكا تعمل كل ما بوسعها من أجل مساعدة العراق في ترتيب ديونه التي بلغت ما يربو على 123 مليار دولار.

أما الرسالة الموجهة للعراقيين فهي بهذا الشكل : انظروا أيها العراقيون كيف ان صديقكم بوش يعمل كل ما بوسعه من أجلكم و ها هو يستعين برجل مهماته الخاصة من أجل مساعدتكم في ساعة الضيق التي تمرون بها.

أما ما هي الدوافع و الأسباب الحقيقية ( وهي مثيرة حقا) التي تكمن وراء الاستعانة ببيكر في هذه اللحظة بالذات  فهو بالضبط ما لم توضحه لا الفينانشيال تايمز و لا ال NRC وذلك بإغفالهم ذكر الاسم Carlyle عندما دار الحديث عن تكليف بيكر بمهمة قذرة لمساعده العائلة بوش بغرض تسوية الأمور بسرعة وإنقاذ  ما يمكن إنقاذه.

في عام 1987 وفي فندق Carlyle في مانهاتن في نيويورك تم تأسيس أهم وأخطر شركة خاصة في العالم تحت أسم  مجموعة Carlyle , وقد بلغ عدد مكاتب الشركة في عام 2003 اكثر من 20 مكتب بأرصدة تقدر بمليارات الدولارات في أكثر من 55 دولة .

تتخصص مجموعة Carlyle في الأساس بالنفط والحرب ( عقود وزارة الدفاع) .

ولنتفحص الآن أسماء المساهمين في هذه المجموعة:

1ـ بوش الأب.

2ـ بوش الابن.

3ـ رئيس الوزراء البريطاني الأسبق جون ميجر.

4ـ دونالد رامسفيلد.

5ـ كولين باول.

6ـ بول ولفوفيتز.

7ـ مجموعة من الأمراء السعوديين ( بظمنهم أعضاء من عائلة بن لادن).

8ـ وزراء دفاع سابقين : كاسبر واينبرغر وفرانك كارلوشي

çـ جورج سورس

باختصار فأن حكومة بوش الابن تتكون في قسمها الأكبر من  أفندية Carlyle .

وما على المتشوق لمعرفة المزيد عن هذه المجموعة العمياء التي تتحرك فوق أكوام من الجثث  إلا أن يطلع على كتاب “The Iron Triangle”  لمؤلفيه (Dan Briody, John Wiley, New- Jersey, 2003). .

قلة هم الكتاب أو الصحفيون الذين يجرِئون على تسمية هؤلاء اللصوص الأوغاد بأسمائهم الحقيقية. وسأعود لاحقا للحديث عن هذا الموضوع بالتفصيل.

التطور المهم هو ما كشفته نيويورك تايمز في 2001 في حديث لـ تشارلز لويس مدير مركز النزاهة العامة ولنستمع لما قاله:

(تتعامل مجموعة  Carlyle مع حكومة بوش الحالية كما تتعامل مع البنت المدللة , للحد الذي يسمح  لبوش الأب في التحايل وتوظيف الأسهم الخاصة في مشاريع مختلفة مستغلا وجود أبنه في السلطة, بكلمات أخرى فأن بوش الابن سيجني ثروة هائلة في المستقبل من خلال القرارات التي ستتخذها حكومته  في دعمها للاستثمارات الواسعة الانتشار التي يديرها ويشرف عليها والده ,الرئيس الأسبق . من العسير على المواطن الأمريكي البسيط أن يفهم ما يجري بالضبط, أما بالنسبة لي (تشارلز لويس) فأن ما يحدث مخزي بكل معنى الكلمة)

اما لماذا أطلقت لفظ سذج على بعض الصحافيين الهولنديين المعروفين فيعود إلى ما يمارسه هؤلاء كإمطار قرائهم في أغلب الأحيان بإخبار مختلفة ومهمة مثل ( بيكر إلى بغداد) دون أن يجهدوا أنفسهم بوضع هذه الأخبار ضمن سياقها الصحيح والمناسب , وهذا مرده ليس للجهل بهذه الأمور فحسب بل وجهل أيضا في كيفية وضعها في الإطار اللائق بها.

أصبحت عملية غزو العراق والإطاحة بصدام منذ 11 سبتمبر هدفا محوريا وقضية منتهية بالنسبة لبوش. هذه الفكرة زُرعت في رأس بوش من قبل أريل شارون الذي لم يخف عزمه على الثأر من العراق بسبب من صواريخ سكود التي دكت إسرائيل في عام 1991 حين أرسل بوش الأب إثنائها بيكر الى إسرائيل لحثها على عدم الرد على الهجوم العراقي .

الحادي عشر من سبتمبر كان لحظة الثأر المناسبة من العراق بالنسبة لإسرائيل  , والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل كان لإسرائيل دور في عملية الطيارين السعوديين الانتحاريين المنسوبة لأبن لادن؟

كل المعطيات تشير إلى ان إسرائيل الشارونية  هي أول المستفيدين من حرب ضد ما يسمى بالإرهاب بقيادة رئيس مغامر غبي وجاهل يتربع على سدة البيت الأبيض وخاصة إذا كانت هذه الحرب موجهة ضد المسلمين في العراق مثلما تفعل إسرائيل بحربها ضد المسلمين في فلسطين , ومعروف ان بوش بدأ حملة شرسة وبعد أحداث سبتمبر مباشرة لتحميل صدام مسؤولية ما حدث  ولحد اللحظة فان سبعة من كل عشرة أمريكيين يعتقدون بان صدام هو المسبب لأحداث سبتمبر ولك على ضوء ذلك ان تتخيل مدى حجم سفالة بارونات الأعلام المهيمنين على وسائل الأعلام والصحافة الأمريكية !

أمريكا لم تكن آنذاك جاهزة لشن حرب على بغداد , لذا تقرر البدء أولا بسحق أفغانستان والتخلص من أسامة بن لادن , وكلنا يتذكر كيف نجح بوش في تأسيس حلف مساند له في ذلك الوقت. وكنا نحن الهولنديين كالعادة في مقدمة من تقافزوا لنجدة وإسعاف واشنطن في كابول!

وبينما كانت الحرب مستعرة ضد أفغانستان كان العمل يجري على قدم وساق للتحضير لعدوان على العراق. وتقارير المخابرات تنهمر كالمطر , تلك التقارير المزعومة التي لم يسمح لأحد بالإطلاع عليها تحت ذرائع السرية والخطر على الأمن القومي ! وقد رأينا كيف ظهر كولين باول في مجلس الأمن ليقٍرأ علينا "بوجه حديدي" مقاطع من بحث مدرسي كتبه أحد الطلاب وكأنه يعلن لأول مرة أكبر وأخطر سر عرفته البشرية!

وفي لندن كان على مفتش الأسلحة دافيد كيلي ان يَقدم على عملية انتحار مأساوية لأن الأولوية الأولى هي تجنيب بوش وبلير الفضيحة و التستر على كذبهم وتضليلهم بخصوص أسلحة صدام السرية.

باختصار فأن قرار غزو العراق كان قد أتخذ في عام 2001 ونُفذ في عام 2003 بدون دعم الأمم المتحدة أو موافقة المجتمع الدولي . لان بوش وبلير فشلوا في بيع أكاذيبهم المفبركة على الصين وروسيا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا لشن حرب ضد العراق بعد حربهم التجريبية ضد أفغانستان.

ولكن صدام بقي يمثل أهمية قصوى لمجموعة Carlyle التي أنشأت في عام 1987 وشكلت مثلثا حديديا “Iron Triangle” أطرافه الحكومة الأمريكية وعالم رجال الأعمال والمجمع الصناعي العسكري .

وكم حذر الرئيس أيزنهاور من الخطر الجهنمي الذي سيتهدد أمريكا والعالم في حالة نشوء مثل هذا المثلث الوحشي الذي أصبح اليوم حقيقة قائمة بفضل جهود قبيلة بوش.

بوش الأب جلس لمدة 8 سنوات إلى جانب رونالد ريغان كنائب للرئيس وبعد ذلك قضى أربعة أعوام في البيت الأبيض ,والآن يجلس ابنه هناك, وحتما سيأتي اليوم الذي ستدخل فيه انتخابات 2000 " لفضل المنقذ في ساعات الشدة جيمس بيكر!" كتب التاريخ كانقلاب للسيطرة على السلطة  مشابه للانقلاب الذي بدأ بعملية اغتيال كندي عام 1963 " والتي لم تفك طلاسمها لحد الآن" هذا الانقلاب الذي فتح الباب على مصراعيه للبنتاغون ليصبح صاحب اليد الطولي في الحرب ضد فيتنام.

بابا بوش يجوب العالم عرضا وطولا دون توقف بصحبة أشخاص كديفيد روبنشتاين (كبير مدراء  Carlyle) يقص عليهم ذكرياته عندما كان في الرئاسة , وحالما يتوقف بوش عن الكلام  ينتقل روبنشتاين للعمل تحت آمرة بابا بوش لتنفيذ العقود العملاقة لصالح Carlyle وفتح الأبواب أمام المليارات التي ستدخل في حسابات شركتهم .

الملياردير اليهودي جورج سورس رأي فرصة في 16 سبتمبر عام 1992 للتسبب بأربعاء اسود في لندن فضخ عشرة مليارات دولار في عملية مضاربة مقابل الجنيه الإسترليني بغرض عرقلة مساعي رئيس الوزراء آنذاك جون ميجر في المحافظة على استقرار العملة البريطانية مما أدى إلى اهتزاز الجنيه وتدهوره, وهكذا بطريقة " المضاربة " تمكن سورس من التحكم بسوق المال البريطاني لوحده.

المضاربة تعني تأجير أسهم أو أموال للمستثمرين  ومن ثم بيع الصفقة كاملة من أجل شرائها لاحقا عندما تكون قيمتها قد وصلت إلى أدنى المستويات, ويطلق على هذه الستراتيجية في الأوساط المالية أسم الاتجار القذر  “dirty business” بسبب ما يصاحبها من أخطار ومجازفات كبيرة.

ولكن سورس خرج من المجازفة منتصرا وربح مبلغ 950 مليون دولار في يوم واحد!.

وبعد كل الذي حدث يضع سورس يده في يد جون ميجر ويلتحقان معا بمجموعة Carlyle وكأن ما حدث مجرد مزحة!, وهكذا تسقط الأعراف دائما عندما يتعلق الأمر بالمال , فكل ما عدا ذلك يمكن تجاوزه والصفح عنه وتناسيه !

وقبل فترة قصيرة وبانحراف  180 درجة خصص سورس 15 مليون دولار بهدف هزيمة بوش ( شريكه في  Carlyle) في الانتخابات المقبلة!

لا يوجد شيء غريب أبدا في أعراف عصابات  Carlyle.

تحكم حاشية بوش سيطرتها على شركات Carlyle و Halliburton و Bechtel وتضمن لها خطوطا مفتوحة مع البنتاغون والمجمع الصناعي العسكري , هذه الشركات تتقاتل الآن في سباق مع الزمن لمص دماء العراق حتى أخر قطرة ,  وهناك آخرون يقومون بالشيء نفسه, فبوش في عجلة من أمره , لان الاحتلال يعاني من مأزق متصاعد والانتخابات الرئاسية على الأبواب والقتلى من الأمريكيين تتصاعد أعدادهم بانتظام, وفي كل يوم يمر تتعرض سيطرته على موارد هذا البلد الغني للتآكل وربما تحتم عليه في الفترة القادمة تقاسم الكعكة التي تنعم بها الآن   Carlyle  لوحدها مع الفرنسيين والألمان والروس, انه يريد وضع نهاية لقوائم القتلى الأمريكيين في العراق لكي يضمن الفوز بولاية رئاسية ثانية. وهذا ما يفسر إرساله لجيمس بيكر الى العراق, فبيكر " المحامي " ذهب إلى هناك في مهمة عاجلة لإبرام العقود الكبيرة سواء في مجال النفط أو الصناعات الحربية لاسيما وانه سيعهد للعملاء العراقيين بإنشاء جيش جديد وتجهيزه بمعدات أمريكية متطورة و باهظة الثمن ستُدفع أثمانها من صفقات النفط العراقي. ليس ثمة صحيفة واحدة كتبت عن الأسباب الحقيقية التي تكمن وراء مهمة بيكر في العراق , شيء مخزي أن يتطوع بعض الصحافيين للعمل كأجهزة استنساخ للإعلام الأمريكي ووكالات الأنباء التي يديرها في أغلب الحالات أناس جبناء وجهلة وأفاقون و عديمي الضمائر..

أرى من المفيد جدا أن أعرج على أفعال وزير الدفاع الأسبق فرانك كارلوشي ( Frank Carlucci) الدنيئة , كم من السياسيين الهولنديين وقفوا ببذلاتهم الأنيقة على عتبة مكتبه في البنتاغون طوال هذه السنيين دون أن يكتشفوا أي لص محترف بحق السماء هو هذا الرجل !

لا يخالجني شك في أن يوريس فرهوفه " وزير الدفاع الهولندي السابق " يعرف فرانك كارلوشي جيدا , فكارلوشي بدأ مسيرته السياسية كدبلوماسي شاب في الكونغو ــ المستعمرة البلجيكية سابقا ــ حتى وصل إلى قمة البنتاغون و مجموعة Carlyle التابعة لعصابة ال Bushites . وفي ذلك الأثناء تم انتخاب باتريس لومومبا رئيسا للوزراء وكان أول رئيس وزراء منتخب ديمقراطيا لهذه المستعمرة البلجيكية السابقة. ولكن واشنطن وبروكسل كانتا منزعجتين من هذا الرجل القومي.

لجنة مجلس الشيوخ برئاسة  Senator Frank Church توصلت بشكل قاطع في عقد السبعينات إلى ان الرئيس " المهذب " أيزنهاور هو الذي أصدر الأمر باغتيال رئيس الوزراء المنتخب باتريس لومومبا .

يمكن الإطلاع على تفاصيل الدور الذي لعبته الولايات المتحدة في أحداث الكونغو المأساوية ( التي لازالت انعكاساتها ظاهرة إلى اليوم ) في كتاب ( أغتيال لومومبو ) لكاتبه ليدو دي وايت والصادر من مطبعة هاليوايك في لوفن عام 1999.

ويحلو لي هنا ان أتسائل فيما إذا كان رئيس وزرائنا بالكيينندة  وشخيفر ( وزير الخارجية السابق وسكرتير حلف الناتو حاليا ) وزالم وكامب ( وزراء في الحكومة الحالية) قد قرءوا هذا الكتاب وأطلعوا على الحقائق والوقائع الواردة فيه بصفتهم الآمرين والناهيين في لاهاي؟

السفير الأمريكي     Clare Timberlakeكان موجودا في الكونغو عندما اغتيل لومومبا , وقد كتب Carlucci ( اليد اليمنى ل Clare Timberlake عن تلك الأحداث يقول " ان بلادي لا تحشر أنفها في الشؤون الداخلية لدولة مستقلة " (The Iron triangle, p.p. 25) . ألا يثبت ذلك بأن هذا الرجل يانكي متمرس وبامتياز؟

في عام 1964 يظهر Carlucci في البرازيل في نفس الوقت الذي تم فيه عزل الرئيس Joao Goulart , وحسب التايمز اللندنية كان Carlucci في تشيلي عام 1973 عندما قتل الرئيس سلفادور الليندي بمباركة من هنري كسينجر وزير الخارجية آنذاك.

في عام 1969 يصبح Carlucci من الأصدقاء المقربين لرامسفيلد " عفريت البنتاغون الحالي". 

وفي عام 1978 يصبح Carlucci نائبا لمدير المخابرات الأمريكية CIA في حكومة جيمي كارتر " صاحب مزارع الفستق من جورجيا الذي بُعث على هيئة السيد المسيح! " وفي عام 1981 يشغل منصب الرجل الثاني بعد كاسبر واينبرغر في البنتاغون.

في عام 1986 يستقيل الأدميرال John Poindexter من منصبه كرئيس لمجلس الأمن القومي إثر تورط الرئيس رونالد ريغان بفضيحة أيران غيت , Carlucci يحل محله ويختار كولين باول " الجنرال الشاب " كساعد أيمن له.

وفي عام 1987 يحل محل واينبرغر كوزير للدفاع.

 والآن لنرى إلى أين ذهب Carlucci بعد تغير الحكومة ؟؟؟

هل هناك من داع للإجابة على هذا السؤال؟ إلى مجموعة Carlyle بالطبع.

 المثلث الجهنمي الذي يتألف من الحكومة و الطغمة المالية ووزارة الدفاع ( الذي حذر منه المنافق أيزنهاور) تكتمل أضلاعه بدخول Carlucci إلى مجموعة Carlyle . فهذا الرجل يعرف كيف يتم تغيير الحكومات وكيف يتم اغتيال القادة في ما وراء البحار فهو الخبير في ما يدور داخل وخارج البنتاغون وأثناء عمله في البيت الأبيض تَعلم “how to win friends in Congress”. , بأختصار فأن فرانك لا يقل أهمية عن جيمس بيكر بالنسبة لعائلة بوش في لعب دور مخلب القط في إدارة الأعمال القذرة. ففي Carlyle يشرف Carlucci على جميع شؤون العائلة بتخويل من بابا بوش " مدير هيئة مخابرات القتلة  CIA السابق  "

بينما كنت في حفل غداء في ديسمبر عام 2000 بادرني فان أرتسن " وزير الخارجية السابق " وانا في نقاش محتدم على الغذاء حول حلفائنا !الأمريكيين  الأوغاد في حكومة بوش الثاني بالقول :

( سيد أولتمان , آلا تتفق معي بان جورج بوش رجل يستحق الاحترام؟ ).

في نفس الأسبوع ذهب هذا الوزير إلى واشنطن للقاء تعارف مع كولين باول " وهذا الرجل من اكتشاف وصناعة    Carlucci )!

ولكن ما بأيدينا ؟  فهذا هو حال عالمنا اليوم !!!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في قفص الاتهام

 

إذا كان العالم، الذي يدعي الحضارة والتقدم قد أصيب بالصمم، يقف موقف المتفرج على الجرائم التي ارتكبت بحق الإنسانية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية على وجه التحديد، ومن خلفائها وعلى رأسهم بريطانيا طوني بلير، فان الرأي العام، لم يكن أبدا ليقف نفس هذا الموقف، من هنا، كان لا بد من محاكمة كل من ارتكب جرائم الحرب التي سبق وان تم ذكرها، وكذلك تلك التي سيرد ذكرها من خلال المحاكم نفسها، في السياق، يرصد الدكتور سليمان الدقي، رئيس جمعية النداء العربي – باريس ، العديد من التحركات التي تصب في محاكمة مجرمي الحرب، وفي سلسلة من المقالات، نشرت في صحيفة البيادر السياسي الالكترونية، لها علاقة بما نحن بصدده، اخترنا ثلاثا منها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التظاهرة الدولية لمنتدى مؤسسات المجتمع المدني في برشلونة

 

التحركات الدولية التي شهدتها العديد من مدن العالم وتضمنت محاكمة بوش وبلير على الجرائم التي ارتكباها في العراق تميّزت بطابع خاص ومختلف في مدينة برشلونة باسبانيا. فهي لم تشمل مجرّد اجراء محاكمة كما حدث في نيويورك واستانبول، بل تمثلت في تحرّك شعبي جاء على شكل تظاهرة دولية للتضامن الاجتماعي المدني أُطلق عليها اسم "منتدى البحر الأبيض المتوسط".

في هذا المنتدى لم تتمثل الاحزاب ولا التنظيمات العسكرية كحركات المقاومة والتحرير، كما لم تتمثل الحكومات، وانما الجمعيات الأهلية التي عكست بحضورها تمثيل المجتمع المدني في بلدانها، وقد تدارست كل ما يهّم شعوب العالم من قضايا هامة وملحّة، كقضية الحرب ضد العراق واستمرار احتلاله، والوضع في فلسطين، والعلاقة بين دول الشمال والجنوب، والشرق والغرب، وظاهرة العولمة وسيطرة الليبراليين الجدد، وصولاً الى قضايا البيئة والمياه.. الخ.
وترجع فكرة هذا التحرك الشعبي الدولي الى ما قبل ثلاث سنوات من الآن، حيث انعقد في مدينة بورتاليغرو بالبرازيل أول مؤتمر للتضامن الاجتماعي الدولي خُصّص لتبادل الأفكار ودراسة مشاكل العالم المستجدة في ظل الحروب والاحتلالات، ثم التأم نفس المؤتمر في مدينة بومباي بالهند قبل عامين، وعاد في العام الماضي للانعقاد ثانية في بورتاليغرو، وكان من توصيات المؤتمرين فيه ضرورة أن يتوسع هذا المنتدى ليشمل مختلف قارات الأرض.
وبناء عليه، وفي ضوء استفحال الهجمة الامبريالية على شعوب العالم كشعوب، انعقد منتدى برشلونة الأخير بحضور عدد كبير من الاختصاصيين واساتذة القانون والجامعات والعلماء والمحامين، وقد تمثل العرب بوفود كبيرة شاركت في مختلف اللجان التي انبثقت عنه. وكان للوفود المغاربية بشكل خاص حضور أكثر ثقلاً من سواه، فضلاً عن مشاركة وفد فلسطيني مميّز، حظي بتأييد الاسبان المضيفين، وسائر الحاضرين من عرب وأجانب. كما شاركت في أعماله العديد من القوى اليسارية المناهضة للعولمة والغطرسة الأميركية، وساهمت بفعالية كبيرة في لجان المنتدى ونقاشاته، وقدّمت العديد من أوراق العمل اليه. وإلى جانب ذلك كان منتدى برشلونة فرصة لاطلاع المشاركين فيه على ملخص نتيجة المحاكمة الشعبية التي جرت في وقت سابق باسبانيا لمحاكمة بوش وبلير.
ولما كان موضوع البحر الأبيض المتوسط مركز اهتمام هذا المنتدى بدءاً من عنوانه وانتهاء بكل ما يتعلق بقضايا شعوبه، فقد كان من الطبيعي تركيز سائر المشاركين فيه على "منطقة المتوسط" كمركز للحضارات، والديانات الثلاث، وكونها مركز اتصالات مع القارات، وانها كانت دائماً منطقة مشهود لها بتبادل المعرفة وعكس الوفاق الحضاري الشعبي نفسه باستمرار بين ضفتي المتوسط الشمالية والجنوبية.

وقد جاء هذا التركيز منسجماً مع التوجه الاسباني الجديد الذي تبلور بعد غياب الجنرال فرانكو، وبعد سنوات طويلة من التعتيم الرسمي على العلاقة التاريخية بين الاسبان والعرب طوال سنوات حكمه إلى درجة محاولة إلغاء الحقبة الاندلسية من تاريخ هذا البلد. غير أن الوضع تغيّر بمجيء الملك خوان كارلوس الذي اهتم بدراسة التراث الاسلامي، وعمل على اعادة لحمة الماضي بالحاضر، كما عمل على انشاء مركز اسلامي. ومما يتردّد في هذا المجال أن المفكّر الاسلامي الفرنسي رجاء غارودي قد لعب دوراً في تقريب الصورة العربية الاندلسية الى العاهل الاسباني الجديد وشجعّه على استحضارها بدل التعتيم السابق عليها.
ومن حسن الحظ أن أُتيحت لي فرصة الحديث عن هذا الجانب من التاريخ الاسباني في نقاشات المنتدى، فأشرت في مداخلة لي إلى الصفحات الأندلسية من هذا التاريخ وبكل ما حملته من ثقافة وتراث وانفتاح على الآخرين، موضحاً كيف انه عندما كانت هناك العديد من المساجد في سائر بلاد الأندلس، كان التواصل مستمراً بين الديانات السماوية الثلاث، ولمعت أسماء كبيرة من العلماء والمفكرين في ذلك العصر، وكيف أنه حتى داخل المسجد الواحد، وفي المراكز الدينية الاسلامية أيام حكم العرب للاندلس كان الناس يمارسون شعاراتهم الدينية المختلفة بحرية كاملة جنباً الى جنب. هكذا كان الوضع في أيام عرب الاندلس، فأين تلك الأيام مما نعيشه الآن؟

لقد كانت المعرفة في تلك الأيام للجميع، وعمل العرب المسلمون على تعميم الثقافة على جميع مكوّنات المجتمع باختلاف انتماءاتهم الدينية، ونظموا الحياة الاقتصادية والاجتماعية بما يحقق الطمأنينة والتعايش بين الجميع، وكان من الطبيعي في ظل هذا الجوّ أن تنتشر مراكز الاشعاع الثقافي والعلمي كالفِطْر في بلاد الأندلس، خاصة في قرطبة واشبيلية وغرناطة.

تفاعل الحضارات في المتوسط

وبالعودة الى النقطة المركزية في المنتدى وهي البحر الأبيض المتوسط باعتباره "الساحة الاقليمية لهجمات الليبرالية الجديدة"، كما وصفَ في أوراق المؤتمر ونقاشاته، ركّز المشاركون في كلماتهم على حقيقة ان المتوسط ليس فضاءً جغرافياً محدوداً، بل فضاءً للتبادل الثقافي والاختلاط الحضاري بين الشعوب، أي أن حدوده لا تقتصر على الدول الواقعة جنوب البحر (أي الافريقية الشمالية)، بالاضافة الى أوروبا، بل تشمل الامتداد العربي في العمق أيضاً، وهو بهذا لا يمكن أن يعني دمج "اسرائيل" مثلاً، واستثناء بعض البلدان العربية الأخرى حسبما تقتضي السياسة الليبرالية الجديدة.

وفي استعراضها لاسباب استهداف المتوسط أو ما يسمى بالشرق الأوسط، أشارت أوراق لمنتدى الى أن السيطرة على احتياطات النفط والطاقة تشكّل سبباً مركزياً فيما تشهده هذه المنطقة من صراعات وحروب، كما تشكل سبباً رئيسياً للمشاريع الاميركية للهيمنة فيما يُعرف بمشروع الشرق الأوسط الكبير، وتأتي السياسة العدوانية التوسعية لدولة اسرائيل حلقة من حلقات المشروع الأميركي.

انطلاقاً من هذه الحقيقة أكّد ممثلو القوى المشاركة في المنتدى أن مسيرة برشلونة الرسمية التي انطلقت في العام 1995 لا تعني الحاضرين لأنها وإن كانت تتحدث عن فضاء من الاستقرار والحوار والرفاه المشترك إلاّ أن هذه الاتفاقية الرسمية مختلّة من حيث الأساس والجوهر، فهي من جهة تضم الاتحاد الاوروبي بمجموعة، ومن جهة ثانية نرى أمام كل بلد من بلدان الضفة الأخرى يجري التعامل معه بشكل منعزل عن الآخر، بينما الأوروبيون وحدهم هم الذين يحتكرون وضع البرامج والخطط بشكل يسمح بالقول أن أوروبا تفرض شروطها. أما المساعدات الأوروبية فهي موضوعة أصلاً رهن إشارة تحرير الاقتصاد، أي أن العلاقات الحضارية والشعبية وحوار الثقافات وتبادل الخبرات بين المجتمعات المدنية، كلها أمور لا وجود لها، كما أن التقارب في ظل هذه الأوضاع والشروط ضرب من الوهم، خاصة وان امكانية حصول الشباب والمثقفين والمبدعين على تأشيرة دخول لهذا البلد الأوروبي أو ذاك أصبحت تزداد صعوبة مع الأيام.

لذلك، ارتأى ممثلو القوى المشاركة في المنتدى أن البديل الحقيقي لمسيرة برشلونة الرسمية يتمثل في فضاء الحركات الاجتماعية الأهلية التي تناضل ضد الحرب والليبراليين الجدد، فضاء النضالات المشتركة من أجل الحقوق السياسية والاقتصادية. فضاء يخدم الانسان وبيئته بشكل حقيقي وعادل ودون أي وهم، ويدللون على حالة الوهم الحاصل بأن كل اتفاقات الشراكة "الأورو متوسطية" تتضمن بنداً ينص على احترام حقوق الانسان والديمقراطية، إلاّ أن عدداً من الدول لايلتزم ولا يُسأل، فعلى سبيل المثال، عندما ارتأى البرلمان الأوروبي وضع حدّ للاتفاقات مع اسرائيل في أعقاب اجتياح مدينة جنين وتدمير مخيمها في ربيع العام 2002، وهو ما شكّل قمة الاستهتار بحقوق الانسان وحريته، فإن المفوضية الأوروبية لم تُعر هذا الموضوع أي اهتمام، وهذا دليل على أن الهدف من الشراكة هو الجانب الاقتصادي والأمني ليس إلاّ.

أما على الصعيد الفلسطيني العام فقد ارتأى المشاركون في المنتدى تجاه استمرار تدهور الأوضاع وعدم مبالاة العالم، ان اتفاقات أوسلو التي أبرمت في العام 1993 أصبحت تحتضر في هذه الأيام رغم المراوغة الكلامية حولها، نظراً لأن الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة منذ التوقيع على هذه الاتفاقات لم تتوان عن نقضها، فقد استمرت في الاحتلال والمصادرة واقتلاع الاشجار.. الخ، وأصبح تدمير فلسطين ومعها اقتصادها (كما دمّر العراق) لا يهدف فقط الى وضعها تحت رحمة الاقتصاديات الاجنبية، بل يتعدّى ذلك الى تحقيق أهداف نفعية عن طريق اعتبارها مصدر ربح من خلال ما يسمى بمشاريع إعادة الاعمار لاحقاً!

أميركا "تختار" أعداءها!

ومع أن الحكم على احتضار أوسلو قد جاء قبل الانسحاب الاسرائيلي من قطاع غزة، إلاّ أن شيئاً لم يتغيّر في جوهر الموقف الاسرائيلي الاستراتيجي، ولا في الأهداف الاستراتيجية الأميركية داخل فضاء المتوسط التي يعكس جانباً منها مشروع الشرق الأوسط الكبير، ذلك لأن المتوسط يشكّل موقعاً حساساً للتنافس بين أوروبا والولايات المتحدة، فهو الطريق البحرية بامتياز نحو النفط، وهو أسرع ممر نحو الشرق الأوسط، لذلك أصبح من الضروري بالنسبة لأميركا وأمام المستجدات السياسية إعادة ترتيب منطقة الشرق الأوسط، وهو هدف ليس مستحدثاً ولا طارئاً بالنسبة لها، فقد كان من بين الأهداف التي حدّدتها الادارة الأميركية نفسها قبل أحداث 11 سبتمبر، وقبل احتلال العراق بالطبع. فمنذ نهاية الحرب الباردة ارتأت واشنطن أن تعيد النظر تدريجياً في تحديد دورها بالعالم. وهكذا رأينا كيف ظهر فور انهيار الاتحاد السوفياتي عدوّ جديد يحمل اسم "الارهاب الدولي". وهو اصطلاح يتّسع لكل شيء، ويؤشر الى عدو متعدّد الأوجه والمواقع، كما يؤذن بامكانية انطلاق حرب كونية في أي وقت، وهو ما نرى تداعياته بوضوح بعد احتلال العراق وتحويل أنظار العالم من قضية أسلحة الدمار وتحقيق الديمقراطية الى مواجهة "الارهاب"!
أمام هذا الواقع الكارثي أعلن المنتدى أنه من الواجب، سواء في شمال أم جنوب المتوسط، أن ترتفع وتيرة التعبئة داخل المجتمع المدني، وتستنفر سائر القوى الديمقراطية على ساحة النضال المشترك، حتى يتحقق فضاءً متوسطي أكثر عدلاً وتضامناً في المجالات العديدة والمتشعبة كالبيئة والمياه وتصفية القطاع العام والخصخصة، والأوضاع الهشّة للعمال.
والمهم أن يتم ذلك كله من زاوية نظرة المجتمع المدني، وبعيداً عن ألاعيب القوى السياسية المتحكمة بمصائر الشعوب، أي من زاوية الموقف الرافض لهيمنة العولمة التي يريد ساسة الدول الكبرى من خلالها سحق الانسان الأكثر فقراً، مهما ارتفعت نسبة البطالة بين الكادحين، ومهما ترتّب على ذلك من تدمير للبيئة وتفريغ للريف الزراعي، وكل ذلك لمصلحة سيطرتهم الكاملة ولمصلحة المؤسسات المالية العالمية، ومنظمة التجارة الدولية.. وما شابه!
ولأن قضايا الشعوب واحدة وهي المستهدفة من الهجمات التي يشهدها العالم ي هذه الأيام فقد اعتبر المنتدى في نهاية أعماله أن النضال ضد الحرب، وضد الاحتلال الأميركي للعراق، وضد التوسع الاستعماري لدولة اسرائيل معركة مركزية وأساسية بالنسبة للحركة المن