الكتاب خير جليس
تفاحة قابيل
زكريا شاهين
الاهداء:
للباحثين عن العدالة..للمستهدفين بالظلم..
للمدافعين عن الانسان..
الاسمى بالكون..
المفتتح
حين يكون العذر أسوء بكثير من الجريمة، يرقى إلى ما هو أخطر منها، تفقد العدالة معناها، وتفتقد الكلمات حدود الوصف، حيث القتل يصبح اجتهادا، والكارثة تصبح تقليدا، دونما ردة فعل، حيث الصدفة لا تنطبق على العمل الممنهج، وحين الصوت، يختنق في أوراق الإدانة التي لا تزيد على الوضع إلا الحبر والأوراق واجتهادات النصوص، حين السلوك يغمض الضمير، لا شيء يمكن أن تفاخر به الإنسانية من إنجازات.
لم يعد التاريخ بحضوره الوحشي، وبحديثه عن الإنسان الذي يصفه بما قبل الحضارات، يعني شيئا، ربما علينا الآن، أن نفتش عن أعذار للأمم القديمة، التي كانت تمتهن الغزو، ذلك أنها لم تدعي الحضارة والحفاظ على حقوق الإنسان، وهي لم تجتمع على مؤسسات مشتركة، وقوانين مدروسة، ووعي يستفيد من التجربة.
ربما علينا أن نجد الأعذار للقتلة الأفراد، حين تتبنى الدول، تلك التي تدعي التقدم، قوانين القتل كمدخل للحوار مع الآخر، مدخلا يكاد يشي بأن القادم لن يستثني أحدا، ربما تصبح أشرطة الخيال العلمي، التي تنبئ بدمار الإنسان بيد الإنسان واقعا، إذ أنه حين يكون السلاح باليد وثقافة القتل في الذاكرة، تأخذ الصفة التدميرية مداها...
السلوك الإنساني، محصلة آلاف السنين من الحضارة، ونتاج الأفكار التي رسمت اختلاف الرؤى ولكن لاتفاق سيأتي، والوصايا التي رسمتها العقائد، لا تقتل،، لا،لا،، وتراكمات التجارب في حكايات الشعوب، واقتراب المسافات إلى درجة الاندماج، كل هذا.. لا شيء، فالمشهد يرسم للحظة القادمة، يؤسس لها في بدايات لم تعد تحرك الهواجس باقتراب ما يقال أنه العالم الجديد، هذا العالم-الحلم-، حيث تسود العدالة، و لا يلد الناس في العراء أطفالا مشوهين.
ثقافة القتل – الجذور
يجمع الباحثون والدارسون، على ان العالم يشهد نموذجين يكرسان ثقافة القتل، يستمدان المعطيات والأساليب من تاريخ مشترك، انهما: الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، فأمريكيا التي أبادت أكثر من 60 مليونا من الشعب الاصلي للقارة " الهنود الحمر"، تبنت إسرائيل تراثها نفسه، لتسير على نفس الوتيرة والاتجاه.
يتساءل هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية: كيف يتم احتلال الأرض بالنسبة للمجموعات المحلية، أي ماذا نفعل في مواجهة شعب فلسطين صاحب الأرض، ويجيب وفي ذهنه الطريقة الأمريكية التي تمت من خلالها ابادة السكان الأصليين "الهنود الحمر"، يجيب: في أمريكا كانت طريقة الإحتلال للأرض الجديدة المفتوحة، طريقة بدائية، حيث يتجمع المستوطنون على الحدود، وفي وقت محدد، يندفعون جميعا في وقت واحد وبعنف لاحتلال الجزء الذي يقدرون عليه، لكن هذه الوسيلة يعتبرها ساذجة، ولم تعد تصلح في عهد السلاح والاستعمار، ومن الغباء على حد تعبيره، العودة إلى المراحل الحضارية السابقة كما يريد العديد من الصهاينة أن يفعلوا، فإذا توجب علينا أن نخلي أرضا من الحيوانات المفترسة "ويقصد العرب هنا" فلن نقوم بالمهمة بنفس الطريقة التي اتبعها الأوروبيون في القرن الخامس عشر، فلا يصلح أن نأخذ رمحا وحربة، ونخرج أفرادا وراء الدببة، بل ينبغي أن ننظم مجموعة قوية من الصيادين فنسوق الحيوانات لنجمعهم معا في مكان واحد، ثم نقذف وسطهم بقنبلة مدمرة، وهكذا رسم هرتزل الطريقة التي مازال الصهاينة يتبعونها حتى اليوم في القتل وتنظيم المجازر التي لا يتسع لها المجال هنا.
لم يخرج أحفاد الصهاينة عن الإجماع، فتعاليم هرتزل، لا تختلف كثيرا عن تعاليم التوراة المكتوبة، تفوح من سطورها رائحة القتل، وآلهة تبشر بالقتل، فريضة يغرسونها في أذهان أجيالهم رغم تباعد المسافات، تمتد جذورها في الفكر الصهيوني منذ السبي الأول وحتى النظام العالمي الجديد.
الفعل المشترك
لم يكن الفعل الأمريكي تاريخيا، أو الإيحاء به، بعيداً عن ما يحدث من خلال الفعل الاسرائيلي، ففي خضم القتل اليومي في العراق وفلسطين، كان الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن ، يفتتح خطاباً له في بيت من أكبر بيوت الصهاينة (منظمة إيباك) في قول يختصر كل ما يقال عن معنى العلاقة ما بين الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني، يقول بوش "إن أمتنا أكثر قوة وأمناً، لأن إسرائيل، حليفة حقيقية ويمكن الاعتماد عليها"، هذا الكلام، لا يخرج عن رؤية شارون، الذي يجاهر بأن "إسرائيل"، أكبر وأفضل استثمار خارجي".
والقول الذي افتتح به الرئيس الأمريكي خطابه، لم يمنعه من الاعتماد على استحضار ما حدث في 11 أيلول / سبتمبر، والذي أستثمر صهيونياً إلى أقصى درجة، ليؤكد أن ما حدث في أمريكا، وما يحدث في "إسرائيل الآن"، يفرض الشراكة التي تساوت في مخططاتها وأهدافها، كما يفرض الفعل المشترك، والتحالف الذي يزيل الفوارق، مذكراً أنه وحده الذي تجاوز كل الأعراف الأمريكية السابقة، حين يطمأن برسالة ضمانات تتلائم مع الأحلام والمخططات الاسرائلية، شريكه "شارون"، وحين ظل يسخر ويخادع من ردات الفعل العربية التي لم تتجاوز العتاب في بعض حالاتها.
هذه الدراسة، ليست أكاديمية، وإنما هي دراسة اعتمدت الرصد والمتابعة، واستشراف آراء مفكرين ومحللين وكتاب، عربا وأجانب، في فترة تقع ما بين عام 2000 و 2006، وبالتالي، فهي مفتوحة للعديد من الآراء التي نشرت بالفعل، أما الإشارة إلى كتابها ومصادرها، فستأتي عبر سياق النصوص خلافا للكتب أو الدراسات الأكاديمية.
ولعله من الإنصاف التنويه، ان هنالك العديد من التحليلات والدراسات، لم تحمل توقيع كتابها، وإنما حملت أسماء المواقع، وهنا لا بد من القول، ان بعض المواقع، تم التعامل معها أكثر من غيرها، مثل مواقع شبكةالبصرة، البيادر السياسي، إضافة إلى ان الدراسة، تتضمن العديد من المقالات الأسبوعية التي نشرت في صحيفة العرب العالمية للكاتب.
القفز فوق التسويات
يشخص الكاتب / جوزيف سماحة / " السفير اللبنانية " الحالة القائمة الآن بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني بقوله:
"أن تفجيرات 11 أيلول قدمت تغطية لاحقة لوجهة أصلية يدفع في اتجاهها مكونان أساسيان من مكونات الإدارة الحالية، المحافظون الجدد والأصوليون المسيحيون.
في العقد الماضي كانت التسوية، وأسمها الكودي، "الشرق الأوسط الجديد" تمر عبر تقديم حل للصراع العربي الإسرائيلي. أما هذه الأيام، وتحت الاسم الكودي "الشرق الأوسط الكبير" فإن استتباب الأمر لأمريكا وإسرائيل لا يشترط أي تسوية وإنما يقفز فوقها من أجل إعادة صياغة المنطقة. أي أننا كنا أمام عملية جراحية بعد مخدر فبتنا أمام عمليات جراحية لا تنتهي ولا تهتم بأي تخدير. وتتظاهر، فوق ذلك، بأنها غير مهتمة، أصلاً، بأن "يستتب" الأمر.
تدرجت السياسة الأمريكية من "مدريد مقابل بغداد"، إلى "بغداد أولاً ثم القدس"، إلى "بغداد أولاً ثم نبني الشرق الأوسط الكبير". ولقد وصلت هذه الأيام إلى "بغداد والشرق الأوسط الكبير ضد فلسطين". ويعبُر ذلك عن نفسه. في خطاب بوش، بدعوته الفلسطينيين إلى أن "يستحقوا" دولة، ودعوته العرب إلى أداء دور في تنفيذ المشروع الشاروني حيال الفلسطينيين.
إن المتاعب التي تواجهها الولايات المتحدة الأمريكية في العراق هي مدعاة، في نظر الإدارة، إلى تعزيز العلاقة بإسرائيل وتجنب أي محاولة لتوتيرها. فمن الواضح أنها، أي هذه العلاقة، الرصيد الأثمن والأبقى طالما أن العرب أقفلوا عقولهم وقلوبهم دون أن تكسبها واشنطن.
لا بل يمكن السؤال: هل كانت الولايات المتحدة تجازف أصلاً باحتلال العراق لولا اطمئنانها إلى أن في المنطقة قوة بحجم إسرائيل تشكل جيش احتياط يمنع أي طرف إقليمي من التحرك؟
يكفي أن يكون هذا السؤال وجيهاً حتى تنهار نظريات عربية تزين لنفسها ما يجري وتخترع، يومياً، أسلوب التحاقها التبعي بأمريكا، ويكفي أن يكون السؤال وجيهاً حتى يكون في وسع إسرائيل أن تفرق التظاهرات بالطائرات!"
في مؤتمر "إيباك" كانت الرسالة الأمريكية وعلى لسان أعلى سلطة فيها واضحة، "أننا نتفهم بأن من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها"، أما ما كان مثيراً للسخرية، فهو الطلب من الآخرين ضبط النفس، وهل يوجد انضباط وطاعة للإدارة الأمريكية، أكثر مما يحدث عبر النظام العربي الرسمي؟
قراءة صهيونية في كتاب "أبو غريب"
وحدة الحال وليس الشراكة أو التحالف، من يجمع الأمريكيين والصهاينة، فمنذ أن أبدع الأمريكيون في وسائل القتل في العراق، حتى تلاحم المشهد مع فلسطين، تلاحم المشهد أيضاً ليس محض صدفة، فالفكر الإجرامي واحد، والسلاح واحد، والأهداف واحدة، قادة الجيش الأمريكي، لا يخفون أنهم يرسلون جنودهم للتدريب في الكيان الصهيوني، وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون"، تعتمد على ذخيرتها في العراق من المصانع الصهيونية، وهي تخطط لإقامة مصانع عسكرية استراتيجية مشتركة هناك. الزيارات الميدانية لا تنقطع، آخرها، كان لبعض القادة العسكريين الأمريكيين إلى الكيان الصهيوني، حيث تم البحث على وجه الخصوص، في ما يطلق عليه "البنتاغون" – العمليات العسكرية على الأرض المدنية"، هذه الزيارات، تحول مردودها إلى فعل في النجف وكربلاء والفالوجة والقائم، وكل زقاق في العراق، تحول مردودها ليحول ليل العراق إلى فرص للمداهمات والقتل، تحول مردودها إلى آلات تعذيب بشرية في السجون العراقية، "أبو غريب" ليس وحده الذي تمارس فيه كل وسائل التعذيب البشعة واللاإنسانية، فمعهد النفط العربي في بغداد، والذي تم تحويله إلى سجن، يشهد بشاعة في المعاملة لا تقل عن ما حدث في أبو غريب.
الحضور الصهيوني مؤكد ، فقد أشارت إحدى الصحف الصهيونية، المعروفة باستقاء معلوماتها من الرسميين الصهاينة، أشارت إلى ما يتردد من أحاديث متزايدة حول ضلوع الكيان الصهيوني في عمليات التعذيب في السجون العراقية.
مشيرة إلى ما قاله يوجين بيرد الدبلوماسي الأمريكي السابق في برنامج حول تعذيب العراقيين في شبكة التلفزة الكندية: نحن نعرف أن الإستخبارات الصهيونية قد نشطت في بغداد بعد انتهاء الحرب والسؤال الذي يتوجب طرحه هو إذا كان هناك محققون أجانب بين أولئك الذين أوصوا بإتباع هذه المعاملة السيئة جداً مع الأسرى.
وأوضحت الصحيفة أن مصدر الأنباء التي تتحدث عن أن الإسرائيليين أيضاً قد شاركوا فيها جاء من عدة معطيات وردت في تقرير الجنرال تاغوبا، هذا التقرير يذكر بعض "مواطني دول العالم الثالث" أنهم هم أيضاً كانوا في السجون إلى جانب الأمريكيين، هنالك واحد من المتهمين السبعة في القضية يسمى "جون يسرائيل" وهو ليس جندياً ولم يكن ضمن طاقم السجانين. جون هذا هو مقاول وقع على عقد مع شركة "تيتان" التي توفر الخدمات للجيش الأمريكي في العراق، أحد أعضاء مجلس إدارة هذه الشركة هو رئيس السي.آي.إيه سابقاً جيمس وولسي الذي يعتبر صديقاً قوياً لإسرائيل، إلا أن "تيتان" من ناحيتها ادعت في وسائل الإعلام إنها لا توظف "جون يسرائيل" مباشرة وإنما من خلال مقاول ثالث، ومع ذلك رفضت ذكر اسم هذا المقاول الثالث.
ما تقدم، ليس سوى صفحة واحدة من كتاب "أبو غريب"، أما الراغبون بالمزيد، ففضائح التعذيب تنشر تباعاً.
العراق.. سنة أولى احتلال!!
العشرون من آذار مارس، كان يوما أسقط القناع بالكامل عن المخططات الأمريكية للمنطقة
لم تستطع الإدارة الأمريكية وبعد مرور العام الأول على غزو العراق، أن تقنع أحدا بالتبريرات التي تحاول تسويقها منذ ما قبل الغزو وحتى الآن.
لقد كتب الحديث عن هذا الموضوع، حتى أصبح واضحا، حيث أن الإدارة الأمريكية التي بدأت بتبرير حربها بسبب أسلحة الدمار الشامل، ثم غيرت ذلك بتبرير إسقاط النظم، ثم إلى تمكين العراقيين من حريتهم وبناء الديمقراطية، لم تستطع أن تخفي أهدافها الحقيقية لهذه الحرب، وهي أهداف استراتيجية تتعلق بالتحكم بالنفط كأولوية، والتحكم بالقرار السياسي لدول المنطقة، بحيث تصبح هذه الدول، تدور فعليا في فلك القرار الأمريكي، الذي يريد التحكم في مصير العالم بشكل عام.
العشرون من آذار/مارس، كان يوما أسقط القناع بالكامل عن المخططات الأمريكية، مع إبرازه لكافة التناقضات التي تتحكم بالمجتمع الدولي من خلال الرؤى المختلفة للسياسات، إضافة إلى إيقاظه للضمير الشعبي العالمي، الذي لم يكن يريد استعادة الذاكرة التي تحمل صور الكوارث لحروب مضت، وهو لا يريد أيضا، الوقوع تحت طائلة الخوف من هتلر جديد – مّثله بوش أفضل تمثيل -، خاصة في بداية الألفية الثالثة التي وصلت بكل تقنياتها المذهلة، وتقدمها العلمي الكبير، المفترض أن يشكل أملا للعالم وليس العكس.
المظاهرات الشعبية التي تجددت في هذه الذكرى، كررت رفض المنطق الأمريكي في التعامل مع
يتشدق الأمريكيون بأن هذا اليوم، كان بداية لعملية –حرية العراق-، هذه الحرية التي أرادوها دمارا وخرابا وقتلا، وحيث أن أرض هذه الحرية كانت مسرحا لأسلحة الدمار الشامل الأمريكية، بحجة وجود أسلحة دمار شامل عراقية، ثبت أنها لم تكن موجودة إلا في أكاذيب الإدارة الأمريكية.
العراق، ورغم المبالغة الأمريكية الهادفة أصلا للذهاب إلى الغزو، فان العراق، كان
هدفا سهلا بكل المقاييس، خاصة أمام التقدم الهائل للترسانة الأمريكية، التي تمتلك
أسلحة تراكمت منذ خمسة أجيال، تصنيعا وتحديثا، استخدم الجيل الأول منها في الحرب
العالمية الأولى، ثم استخدم الثاني في الحرب العالمية الثانية، أما الثالث فقد
استخدم في حروب مختلفة، كانت تحدث بالوكالة إبان فترة الحرب الباردة، فيما استخدم
الجيل الرابع في يوغسلافيا، ومن ثم الحرب على العراق التي سميت –عاصفة الصحراء-، ثم
استخدمت جميعا
، بما في ذلك الجيل الخامس في الحرب الأخيرة التي بدأت في مثل هذا اليوم قبل عام.
العراق الذي انتهى فريسة للإحتلال الأمريكي، كان بالأساس منهكا من حربين سابقتين، ومن آثار حصار مدمر، أعاده عقودا إلى الوراء، ثم جاءت هذه الحرب الأخيرة، والتي لم تكن تحمل أي بعد أخلاقي حتى في خوض الحروب، لتحيله إلى دمار ينعش شركات الإحتكارات العالمية، حيث ستهرع تحت غطاء المشاريع المتعددة لإعمار العراق، تستنزف وعلى مدى عشرات السنين القادمة، ثرواته ومقدراته، وتحيط مستقبل أبنائه بغموض كارثي لا حدود له.
جاءت الحرب مسرعة، وبالمقابل، جاءت المقاومة بنفس السرعة، مبكرة في تصديها للإحتلال، متسلحة بحقها المشروع، أمام غزو غير مبرر، جاء خارجا عن كل القوانين الدولية، والأعراف الإنسانية والحضارية، حين رفضته الدول والشعوب معا، لكن هذا الرفض، لم يستطع أن يوقف ما حدث.
وعلى الرغم من ذلك، فان الحسابات الأمريكية، لم تكن بالنضج الذي يفكر في مستقبل الإحتلال، خاصة، وأن النفر العراقي الذي تمترس قبل الغزو في أروقة البنتاغون وأجهزة المخابرات التابعة له، زين الحال لأمريكا، مقنعا إياها بأن جيشها سيستقبل بالورود والفرح، وهو الجيش الذي من الواضح أنه غرق في مستنقع لا قرار له، حيث أن التوقعات التي تكن في الحسبان، شكلت صدمة وإحباطا لهذا الجيش الذي صنف نفسه بأنه " القاهر"، فيما إدارته تتخبط في سياستها، وتستجدي الآخرين لمشاركتها مهمة القتل من جهة، وتحمل الخسائر، والقتلى من جهة أخرى بسبب المقاومة.
العراق، ومستقبل الإحتلال.
مما لاشك فيه، ومن دون الدخول في تفاصيل العام بكامله، فان النتائج السياسية، لم تزل تلقي بفعلها على المشهد العراقي، دون أن تجد مخرجا لأطراف هذا المشهد، خاصة أولئك المتورطون في ملائمة أوضاعهم مع ما يتناسب من وجود أمريكي مستقبلي، يحقق لهم مطامع سلطوية واقتصادية، وجغرافية، حتى أصبح العراق أجزاء مفتتة، وأصبحت ثروته مرهونة للخارج لعقود ستأتي.
والخطط التي يتم رسمها لعراق المستقبل، تصطدم بعقبات كبيرة، خاصة مع ازدياد العمليات العسكرية ضد الإحتلال وعملائه، وتطور هذه العمليات إلى حالة نوعية، تؤكد قدرات مقاومة من الصعب التنبؤ بتحركاتها، رغم كل ما تبذله الإدارة الأمريكية وأجهزتها الإستخبارية، ورغم مشاركة مؤكدة لأجهزة الإستخبارات الصهيونية، إضافة إلى الأجهزة المحلية التي تعمل تحت إشراف أمريكي، وليس أدل من ذلك، وبمناسبة اقتراب الذكرى السنوية للغزو، تصاعدت العمليات بشكل ملفت للنظر، في معظم مناطق العراق، وليس المناطق التي اعتادت على مثل هذه العمليات فقط.
التعتيم الإعلامي، وقتل الصحفيين، واستهداف مراكزهم ومكاتبهم، لم يستطع أن يخفي حقيقة وضع الإحتلال، والحديث عن اتفاق لنقل السلطة، والذي سمي-اتفاق 15 نوفمبر، هو حديث لم يرق للغالبية العظمى من العراقيين، بل سرّع في إثارة شكوك العراقيين بنوايا الإحتلال، فالإتفاق الموقع بين مجلس الحكم الإنتقالي، والحاكم العسكري الأمريكي "بريمر"، لا يمنح العراقيين الحرية في اختيار من يمثلهم عن طريق انتخابات مباشرة، وإنما ينص على تسليم السلطة إلى جمعية وطنية مؤقتة، يتم تشكيلها بحلول 31 مايو 2004 ، وتضم شخصيات تختارهم لجنة مكونة من 15 عضوا، 5 منهم يعنهم مجلس الحكم، والبقية تختارهم جمعيات من المحافظات العراقية، على أن تختار الجمعية المؤقتة "البرلمان" بدورها حكومة مؤقتة تستمر حتى إجراء انتخابات عامة في عام 2005، وهذا ما أثار الجدل والإنتقاد واعتبر أنه اتفاق مظهره تسليم السلطة، ولكنه في حقيقة الأمر، يسلم السلطة لممثلين وعملاء للإحتلال يتم اختيارهم وتعيينهم على طريقته، وهو ما يعني في النهاية بقاء الوضع على حاله، واستمرار الإحتلال والتصرف بكل الثروات والمقدرات العراقية وعلى رأسها النفط، وهذا ما ليس خافياً للمتابعين ما يدور في أروقة البيت الأبيض الأمريكي، حيث يؤكد العديد من المسئولين هناك أن الإحتلال باق إلى سنوات قادمة وغير محددة، وأن العملية يمكن أن تتغير فقط بإعادة إنتشار الجيوش ووضعها في سبعة قواعد تم تحديدها على الجغرافيا العراقية، أما الإدعاء الأمريكي بضرورة تسليم السلطة للعراقيين، فإنه يخفي هدفاً واضحاً يرتبط بانتخابات الرئاسة الأمريكية القادمة، التي من المقرر أن تجري في الثاني من نوفمبر القادم، حيث أن إعلان بوش وبشكل رسمي على العلن، إنهاء الإحتلال، يزيد من حظوظه في نيل أصوات الناخبين كام يرى منظموا الحملة الإنتخابية له والمشرفون عليها، مع رؤية أخرى تقول، أن أحد أهم الأسباب القوية الداعية لتسليم السلطة للعراقيين في الموعد المحدد، هو تصاعد المقاومة ضد الإحتلال، ولتجنب المزيد من الخسائر البشرية، تلك الخسائر التي ساهمت في تدني شعبية بوش إضافة إلى انكشاف خديعة المبررات الاخرى ومنها:
أسلحة الدمار الشامل
حين همس رئيس أحد أجهزة المخابرات الأمريكية، للصحافي "نيكولاس كريستوف" والذي نشر هذا الهمس في صحيفة نيويورك تايمز، من أن "وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد، تحول إلى غوريلا متوحشة تخيف المؤسسات المؤهلة لجمع المعلومات وتدقيقها سياسيا وعسكريا، وان تفاقم نفوذ مكتب الوزير "رامسفيلد" زاد عن اللازم حتى أصبح خطرا على عملية صنع القرار الأمريكي"، كان يعرف أن ما يدور بالخفاء، يحتمل الشبهة، خاصة، وأن وزير الدفاع نفسه، قام بتشكيل جهاز مخابرات خاص ملحق بمكتبه مباشرة، يكون جزءا من سكرتاريته، يقدم له مباشرة كل ما يريد، وفي نفس الوقت، أصدر وزير الدفاع الأمريكي أمرا إلى جهاز مخابرات الأمن القومي، وهو جهاز تابع لوزارة الدفاع، بأن يرسل تقاريره المتعلقة بالعراق إلى مكتبه، ولا يوزع منها شيئا، إلا وفق توجيهات يصدرها له.
كانت الدلائل جميعها تشير إلى أن العراق، لا يملك أسلحة دمار شامل، لكن الواضح، أن قرار شن الحرب، كان قد اتخذ على أعلى المستويات، والمطلوب آنذاك، البحث عن عملية إخراج تبريرية تتلائم مع المخططات الأمريكية من جهة، ومن جهة أخرى، تكون قادرة على إقناع دول أخرى بالإنضمام لهذه الحرب، لكن الأمور، ومع صدور القرار 1441 القاضي بعودة المفتشين الدوليين إلى العراق، لم تجري كما الرياح الأمريكية ، ولذلك، وبعد يومين من صدور هذا القرار، صدر إعلان الرئيس الأمريكي جورج بوش، وبالتحديد يوم 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2002، الذي جاء في نصه:
"إن الولايات المتحدة، لن تنتظر حتى يوافق مجلس الأمن على تفويضها بالعمل العسكري ضد العراق، لأن الخطر الذي تمثله أسلحة هو خطر داهم، ومهمة التفتيش لا ينبغي لها أن تتسبب في تعطيل إجراء تراه الولايات المتحدة واقيا من هجوم مفاجئ، لأنها تعلمت الدرس من "بيرل هاربر"، ولا تزال تتذكره".
توجه المفتشون الدوليون إلى العراق يوم 27 نوفمبر / تشرين الثاني 2002، وسط تصعيد أمريكي واضح، ويروي كبير المفتشين الدوليين"هانز بليكس" أنه طلب من الأمين العام للأمم المتحدة،أن يبذل نفوذه لدى الإدارة حتى توقف الغارات على مناطق الحظر الجوي في العراق أثناء عمل فرق التفتيش هناك، وحجته "الحرص على سلامة المفتشين بالدرجة الأولى، إذ كان مطلوبا منهم أن يدخلوا فجأة دون إخطار، إلى أي موقع على طول العراق وعرضه، في أي وقت من الليل والنهار"، ومع أن كوفي عنان وعده، فإن بليكس رأى أن يتوجه بنفسه إلى واشنطن، بعد أن تلقى دعوة مقابلة مستشارة الأمن القومي للرئيس كوندوليزا رايس، وفي البيت الأبيض وجد بليكس أن الأجواء محمومة ونافذة الصبر، وحاول التهدئة بكل جدية ولم ينجح، بل إنهم أبلغوه بان كثافة الغارات سوف تزيد، وتلك خدمة لمهام التفتيش تساعد في الضغط على النظام في بغداد، وأما فيما يتعلق بسلامة المفتشين، فقد تلقى بليكس تأكيداً بأنه سوف يكون هناك تنسيق من مستوى خاص بين فريقه وبين القيادة المتقدمة في الكويت، بحيث يمكن المحافظة على سلامة المفتشين في أي كان يتوجهون إليه، وفي أي وقت!.
وانتهز بليكس الفرصة (حسب روايته) فطلب من مستشارة الأمن القومي مساعدة الولايات المتحدة لفريقه بما تستطيع تزويدهم به من معلومات، (وكرر الطلب مع كولن باول) وزير الخارجية، وطبقا لبليكس فانه تلقى وعدا أكيدا بأن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تضع تحت تصرفه معلومات كافية تقود الفريق الدولي إلى مخابئ أسلحة الدمار الشامل، وقالت كونداليزا رايس لبليكس بكل صراحة: "لك أن تثق أن لديهم أسلحة دمار شامل، وأنهم تمكنوا من تحويل ما لديهم من مواد كيماوية وبيولوجية إلى أسلحة جاهزة، بل إننا نعرف ونملك الدليل على أن لديهم برنامجاً لتطوير سلاح نووي، ثم قامت مستشاؤة الأمن القومي بتسليم كبير المفتشين تقريرا سريا وضعته إدارة مخابرات وزارة الدفاع عنوانه "المنشآت الهامة لمواقع الأسلحة العراقية"، وفي نهاية لقاءها مع هانز بليكس طرحت كوندوليزا رايس أهمية أن يقوم فريقه (على نحو عاجل) بحصر العلماء العراقيين واستجوابهم خارج العراق، مع استعداد الولايات المتحدة لقبولهم وعائلاتهم في الولايات المتحدة، ومنحهم الجنسية الأمريكية، إذا هم اعترفوا بما لديهم من أسرار، وكان بليكس مستعداً للتجاوب وان رأى الاقتراح مستفزا للنظام العراقي في اللحظة الراهنة، وفضل أن يرجئ طرحه علنا إلى مرحلة لاحقة حتى لا تعقد الأمور مبكرا جداً.
يوم 12 ديسمبر كانون الأول 2002 وانصياعا لطلب أمريكي أضيف إلى قرار مجلس الأمن 1441 سارع العراق بتقديم تقرير تفصيلي عن كل ما كان لديه من أسلحة الدمار الشامل، وكان التقرير من أحد عشر ألف صفحة بينها مئات من صور الوثائق والمستندات وفيها قوائم وحسابات وفواتير الشركات الدولية التي باعت للعراق ما حصل عليه من المواد والمعدات.
الإغارة الأمريكية على التقرير
ما لم تتناقله وسائل الإعلام في حينها، وإنما جاء من خلال معلومات نشرت لاحقا، أن الوفد العراقي الدائم لدى مجلس الأمن، حمل ثلاث نسخ من التقرير الضخم إلى مبنى الأمم المتحدة، وجرى تسليمها إلى رئيس مجلس الأمن لذلك الشهر، لكنه لم تكد تنقضي دقائق حتى جرى اقتحام مكتب رئيس مجلس الأمن بواسطة مجموعة من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، يصحبها ضابط اتصال من وزارة الخارجية الأمريكية، مطالبا بإصرار أن تسلم إليهم النسخ الثلاث التي قدمها الوفد العراقي من تقرير الأسلحة الذي ورد الآن من بغداد، وحاول رئيس مجلس الأمن أن يناقش، لكنه أبلغ بأن الموضوع لا يحتمل حلا وسطا، وأن عليه أن تسليم النسخ الثلاث، وهذا ما حدث فقد خرجت مجموعة الإغارة على مجلس الأمن من مبنى الأمم المتحدة، ومعها النسخ الثلاث من تقرير بغداد.
وحين اتصل سفراء الدول بمكتب المندوب الأمريكي الدائم السفير "نجروبونتي" كان رده أن ما وقع كان إجراء مؤقتاً وضروريا للمراجعة، وما هي إلا ساعات قليلة حتى تصل إليهم نسخ من التقرير كافية لكل أعضاء مجلس الأمن وهم خمس عشر، لأن العراقيين لم يقدموا غير ثلاث، على أن الوفود تلقت صباح اليوم التالي نسخا من التقرير ملعوبا فيها، فقد خضعت لمراقبة حذفت أجزاء كبيرة منها، ولكن الملحقين العسكريين لهذه الوفود في واشنطن ما لبثوا أن اخطروا سفراء بلادهم لدى مجلس الأمن بأن القصد الحقيقي من التلاعب بالتقرير العراقي كان إخفاء دور الشركات الأمريكية (وأهمها خمس وعشرون شركة عملاقة) باعت للعراق ما ساعده على بناء إمكانياته العسكرية، وضمنها أسلحة الدمار الشامل، (أيام الحرب مع إيران)، والغريب أن عدداً من مجالس إدارات هذه الشركات ضم رجالا من صناع السياسات الراهنة (أمثال تشيني ودونالد رامسفيلد، وجيمس بيكر، وريتشارد بيرل، وعشرات من أعضاء مجلس سياسات الدفاع وغيرهم).كانت الإدارة الأمريكية تهيأ المسرح للغزو، تسوق الأسباب والمبررات، ترفض سماع الاعتراضات، وكان الطاقم الذي يمثل البيت الأبيض، يندفع بكل تفاصيله نحو تحقيق الهدف الكبير، حيث الوسيلة الأكثر فاعلية، ألا وهي –الجيوش-..
الحشد العسكري والغزو
لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية، تحتاج إلى جهد كبير لإعداد وحشد الجيوش، فقد كانت الجيوش أصلا تحيط بالعراق من كل جانب تقريبا، فالقواعد الأمريكية موجودة في المنطقة، ومحطات التسهيلات مفتوحة دون قيد في المياه الإقليمية، البحر الأبيض والبحر الأحمر، وكان العراق وباستثناء الحدود مع إيران وسوريا، هدفاً لدخول القوات من الأطراف الأخرى، ومع ذلك، فإن قيادة الأركان المشتركة الأمريكية تلقت أمرا يوم 21 ديسمبر/كانون الأول، بتوقيع الرئيس الأمريكي، يطلب فيه تمركز خمسين ألف جندي أمريك في منطقة الخليج، ثم لاحقا جاء قرار وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد يوم 2 يناير كانون الثاني، الذي ينص ببدء تحريك مجموعات من القوات (35 ألف جندي) إلى مناطق الحشد في الكويت، وقد تزامن ذلك مع استدعاء الحكومة البريطانية رسميا استدعاء 1500 جندي من الاحتياط للخدمة، وتحريك مجموعة عمل عسكرية تقودها حاملة الطائرات (ارك رويال) تصحبها المجموعة التابعة لها، والمكونة من سبعة عشر قطعة بحرية، وأن تتوجه القوة إلى منطقة الخليج وهي تجمع ثلاثة آلاف من جنود البحرية.
ظلت الحشود في تتابع، بحيث أنه لم يبق هناك أي مجال للتشكيك في أن الولايات المتحدة ذاهبة للحرب، خاصة بعد خطاب حالة الاتحاد (29 يناير كانون الثاني) الذي ألقاه الرئيس بوش، والذي كان واضحتا من خلاله، أنه بمثابة "ضوء برتقالي" إلى القوات المسلحة الأمريكية، سوف يتغير إلى الأحمر، أي إلى حالة التنفيذ في أي لحظة، متذرعا في حينها بأنه تلقى تقريراً بريطانيا يبين أن أسلحة الدمار الشامل العراقية على اختلاف أنواعها جاهزة للتشغيل في غضون 45 دقيقة بأمر يصدر من الرئيس العراقي.
وهكذا استقر أمر الحرب، برغم أن تقرير هانز بليكس والبرادعي اللذان قدما لمجلس الأمن، كانا في حينها يشككان في وجود مثل هذه الأسلحة.
وإذا كان الحشد اقتصر في بادئ الأمر على القوات الأمريكية والبريطانية، فإن قوات أخرى (استرالية واسبانية وإيطالية) التحقت لاحقا وإن كان عددها قليل، إلا أنها كانت بمثابة الحجة لأمريكا أن هنالك تحالفا دوليا يشاركها هواجسها، ويخوض معها الحرب ضد العراق.
يوم 20 مارس آذار 2003، بدأ الغزو الفعلي للعراق، بغارات ألقت بآلاف الأطنان من المتفجرات على المدن العراقية، حيث نالت بغداد بالطبع الحصة الأكبر منها، إضافة إلى استخدام الصواريخ المتطورة التي كانت تطلق من حاملات الطائرات المتمركزة في المتوسط والأحمر، مع تقدم القوات من الكويت، بعد الرفض التركي لدخولها، وإن كان الأتراك قد ساهموا في تسهيل المهام اللوجستية لهذه القوات.
وبغض النظر عن التحليلات التي أفردتها الفضائيات عبر جنرالات استعرضوا خرائط وخطط وما إلى ذلك، وبغض النظر عن رأي هؤلاء أثناء تقدم القوات الغازية، فإن الأمر لم يطل، وسقطت بغداد، وسط ذهول العالم، ولم يستغرق الأمر سوى 20 يوماً على الأكثر، سقطت بغداد في 9 ابريل نيسان 2003، ودخلت القوات الأمريكية ليبدأ فصل جديد في تاريخ المنطقة التي لعلها لم تصحو الآن من صدمتها جراء ما حدث..
ماذا بعد؟!
لا يصعب التكهن بمصير الاحتلال، فعلى مر التاريخ، خاصة التاريخ العراقي، رحل المحتلون وبقي العراق، لكن التاريخ المنصف، سيروي ذات يوم، خبايا هذا الغزو ومبرراته، وسيتحدث عن نتائجه وتداعياته، وسيكشف أن القوة ليست مقياسا يمكن أن يقف في وجه الحق إلى الأبد، وربما ما حدث لاحقا من تداعيات لهذا الغزو، يؤكد ذلك.
تداعيات الغزو، بدأت بالنيل من التحالف الذي شارك فيه، والحالة الاسبانية الجديدة بغض النظر عن القشة التي قصمت ظهر البعير!!. مثال يشي بهذه التداعيات والمأزق الذي يواجهه ما يسمى " التحالف"، يشي أيضا باستمرار هذه التداعيات وتأثيراتها، والموقف البولندي الذي اكتشف انه خدع بالانجرار إلى الحرب كما قال الرئيس البولندي، وكذلك الموقف الكوري الجنوبي الذي رفض المشاركة بمهام أمنية في مدينة كركوك العراقية بعد طلب أمريكي، والرفض الشعبي المتعاظم للسياسة الأمريكية تجاه شعوب العالم، والتي ولّدت كرهاً للولايات المتحدة، وأفرزت حالة من الغضب تجاه الإدارة الأمريكية الحالية، حتى داخل أمريكا، هذا الرفض مرشح للتطور، ولاتخاذ أشكالا أكثر تقدما وايجابية، خاصة في أوروبا، وربما سيكون البداية لفرط التحالف الذي ذهب مع أمريكيا للحرب، حيث أن كل ذلك ، سيلقي بتأثيراته على الواقع الأمريكي المرشح للتغيير، وهذا ما كان واضحا في مجلس النواب الأمريكي، الذي وجد بداخله من يعرب عن شكه في أن يكون التدخل العسكري مبررا، حين قال أحد النواب "إن الحقيقة هي أن العراق لم يكن تهديدا وشيكا لأمريكا".
المشروع الإمبراطوري الأمريكي
من الطهورية التبشيرية إلى إستراتيجية الصدمة والترويع
الحديث عن الحلم الإمبراطوري الأمريكي ليس وليد اللحظة، وإنما هو قائم منذ قيام الدولة الأمريكية، وفي هذا الصدد، يقول الباحث الاستراتيجي "نبيل النايلي":
إن سياسات الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة بوش الابن و من يحيط به من المحافظين الـجدد و المسيحيين الصهاينة ليست سياسات طارئة أو منفصلة عن الخط العام الذي يسبغ السياسات الأمريكية رغم الإسراف في مشروعها الإمبراطوري و تجاوزها للأعراف و تسفيهها للمؤسسات الدولية، إذ لا ينبغي أن يغيب عن الذهن جذور البعد الإستراتيجي كخط ثابت لا يتغير منه سوى الأسلوب و الوسائل المتبعة لبلوغ الأهداف المرتقبة، فهذا التوجه الإمبراطوري ليس وليد تصور سياسي أو خيار إستراتيجي مرهون بحدث تاريخي مفصلي أو برئيس أو إدارة أمريكية دون أخرى - جمهورية كانت أو ديمقراطية - بل ان هذا النهج كان و لا يزال خطا إستراتيجيا ثابتا رغم ما عرفه من تعثر في بعض مراحله التاريخية لظروف موضوعية طارئة سرعان ما تأقلم معها، ليواصل دعاة الإمبراطورية و بناتها مشروعهم من جديد.
من الأطلسي إلى الباسيفيكي
نشأت الولايات المتحدة الأمريكية و نمت "بطبائع الجغرافيا و التاريخ و الثقافة كيانا متحركا لا يطيق التوقف عند فاصل مّا يحدّ من تقدمه و انتشاره و توسعه لأن التوقف لا يكون إلاّ استسلاما لحصار مّا أو تمهيدا لتراجع" ، حتى أنها و منذ نشأتها الأولى وعت ضرورة "ملء المساحة من خط الماء الأطلسي إلى خط الماء الباسيفيكي و قبلت بضريبة الحرب الأهلية من أجل بــناء دولة موحدة وقوية" ، وما إن انتهت من حربها الأهلية حتى بدأت تتطلّع إلى كل من آسيا وأوروبا تغذي طموحها ادعاءات "المهمة المقدسة" و "التكليف المقدس" و "القدر المحتوم" و يحدوها أمل السيطرة على موارد الثروة وبسط نفوذها على كل ما اعتبرته "فراغا" بحق الاكتشاف و الغزو، فكان أن اتجهت نحو آسيا عبر المحيط الهادي بحكم انه الأفق المتاح ساعتها، أما أوروبا فلم تكن بعد قد أُعدت لها العدة خصوصا أنها لم تكن مصنفة داخل الفراغ الواجب ولوجه.
إن المطّلع على خطاب السيناتور ألبرت بيفردج Albert Beveridge بعنوان : "زحف العلم" The March of the Flag الذي ألقاه خلال مناقشات الكونغرس سنة 1898، سيعي أن الحلم الإمبراطوري ليس وليد مرحلة ما بعد الحرب الباردة كما يصوره لنا بعض البحاثة، وإنما رافق ميلاد الولايات المتحدة الأمريكية التي رأت في نفسها وريثا شرعيا لإمبراطوريات بدأت تتآكل و تأفل نجومها، يقول ألبرت بيفردج: "عليكم أن تتذكروا اليوم ما فعله آباؤنا، علينا
أن ننصب خيمة الحرية أبعد في الغرب، وأبعد في الجنوب، إن المسألة ليست مسألة أميركا، ولكنها مسألة زمن يدعونا إلى الزحف تحت العلم، حتى ننشر الحرية ونحمل البركة إلى الجميع، علينا أن نقول لأعداء التوسع الأميركي، إن الحرية تليق فقط بالشعوب التي تستطيع حكم نفسها، وأما الشعوب التي لا تستطيع ، فإن واجبنا المقدس أمام الله يدعونا لقيادتها إلى النموذج الأميركي في الحياة، لأنه نموذج الحق مع الشرف، فنحن لا نستطيع أن نتهرب من
مسؤولية وضعتها علينا العناية الإلهية لإنقاذ الحرية والحضارة، ولذلك فإن العلم الأميركي يجب أن يكون رمزا لكل الجنس البشري.
الخيار الواجب إتباعه
ساد هذا الخيار الإستراتيجي داخل المداولات حتى أن المجلس اعتبر أن "الإمبراطورية" هي الخيار الواجب إتباعه و ذلك ما ساهم في التشريع لسحق كل من حاول الوقوف في وجه غطرسة الولايات المتحدة أو تجرّأ على مقاومة مشروعها التوسعي، و مما يذكره ستانلي كارنوف Stanley Karnov في كتابه "الإمبراطورية الأميركية" نقلا عن تقرير لأحد أعضاء الكونغرس بعد زيارته الفلبين ما يلي:
"
إن القوات الأميركية اكتسحت كل أرض ظهرت
عليها حركة مقاومة، ولم تترك هناك فلبينيا واحدا إلا قتلته، وكذلك لم يعد في هذا
البلد رافضون للوجود الأميركي لأنه لم يتبق منهم أحد" !!! و يضيف نقلا عن صحفي رافق
ذلك
العضو ما نصه : "إن الجنود الأميركيين قتلوا كل رجل وكل امرأة وكل طفل وكل سجين
أو
أسير وكل مشتبه فيه ابتداءً من سن العاشرة، واعتقادهم أن الفلبيني ليس أفضل
كثيرا من كلبه وخصوصا أن الأوامر الصادرة إليهم من قائدهم الجنرال "فرانكلين" كانت
:"لا
أريد أسرى ولا أريد سجلات مكتوبة."!!!
ظل
المشروع الإمبراطوري الناشئ يقضم شيئا فشيئا ما تبقى من الإمبراطوريات الهرمة
-
أسـبانيا والبرتغال- يطردها من مواقعها ليحل محلها بعد أن أضحى وجود الإمبراطوريتين
"تطــفّلا
استعماريا و همجية" على حد تعبير تيودور روزفلت
Theodore Roosevelt
و
هو
الذي كان يعتبر اكتشافهما لأمريكا "بعثة حضارية"،
كما
ظل المشروع
الإمبراطوري يتحين الفرصة السانحة ليرث الإمبراطوريات الأوروبية (فرنسا وبريطانيا)
المنهكتين بفعل الحربين الأوربيتين الأولى والثانية ، و حين توفرت الظروف الملائمة
لم
تتوان الولايات المتحدة عن استلام التركة و ملء ما سمي بالفراغ الإستراتيجي،
Strategic Vacuum فبعد
الانتصار الكاسح على ألمانيا النازية و الدمار الذي حل
بأوروبا ، شرعت الولايات المتحدة في "رشوة" حلفاءها تحت غطاء "المساعدات" لإعادة
إعمارها من خلال مشروع مارشال الشهير
the Marshall Plan
و
بذلك ضمنت تبعية أوروبا و
ولاءها ومصدر ابتزاز لا تزال تمارسه حتى يومنا هذا.
إن من يراجع الوثائق الأميركية يلاحظ أن الولايات المتحدة الأمريكية وضعت المنطقة العربية في صلب المناطق الأكثر حيوية و أهمية لمصالحها الإستراتيجية و تعود هذه الأهمية الخاصة للمعطيات التالية:
· وجود أكبر احتياطي عالمي للنفط.
· وجود قاعدة متقدمة و حليف استراتيجي متمثل في الكيان الصهيوني المزروع في قلب الجغرافية العربية.
· استئثار المنطقة بموقع استراتيجي مميز حيث ملتقى ثلاث قارات -آسيا و أفريقيا و أوروبا - وحيث تمر خطوط التجارة الدولية الرئيسية كما تتحكم المنطقة في أهم المضايق و الخلجان: جبل طارق، مضيق هرمز قناة السويس ، خليج العقبة و باب المندب.
لهذه الاعتبارات و غيرها ،اعتبرت المنطقة مصلحة حيوية للولايات المتحدة الأمريكية وجب ضمان السيطرة عليها و إن اضطرت لاستعمال القوة، فهذا تيودور روزفلت يكتب توجيهه الرئاسي لمدير العمليات الاقتصادية في الشرق الأوسط جيمس لانديس James Landis فيقول : "إن الشرق الأوسط منطقة تمثل للولايات المتحدة مصالح حيوية" ، ممّا يوحي أن الولايات المتحدة عقدت العزم على ضمان موطئ قدم بالمنطقة أولا و الاستفراد بثرواتها ثانيا.
التكيف مع المراحل
خلال كل هذه المراحل التاريخية كان صناع القرار الأمريكي وواضعو استراتيجياتها يتكيفون مع المراحل و يستغلون الظروف الموضوعية من أجل خدمة المشروع الإمبراطوري، الحلم الذي لم يتراجعوا عنه مطلقا و إن توقفوا في مرحلة ما كفترة "العزلة" فذلك لتحين الفرص السانحة للمضي بثبات أكثر، و هكذا تطورت الإستراتيجية الأمريكية من سياسة العزلة إلى خيار المشاركة في صياغة النظام الدولي بتأثير نظرية ملء الفراغ، أما في مواجهة الإتحاد السوفييتي فقد عمدت الولايات المتحدة إلى إستراتيجية الأحلاف و ذلك رغبة منها في حصر نفوذ هذه الإمبراطورية لتنتقل بعدها إلى ما سمي بإستراتيجية الردع و الإحتواء Deterrence and Containment ، فقد ساد طوال فترة الحرب الباردة نظام ذو قطبين: معسكر شرقي في مواجهة معسكر غربي رغم محاولة الراحل عبد الناصر وتيتو و نهرو الخروج عن هذه الثنائية بإنشاء منظمة دول عدم الانحياز.
النظام العالمي الجديد
أوالـ PAXA
AMERICANA
"
نحن
نشكل النقطة المركزية و يجب أن نحافظ على هذا الموقع... على
الولايات المتحدة أن تقود العالم حاملة مشعل الحق و القوة أخلاقيا و سياسيا و
عسكريا، كي تكون النموذج لجميع الشعوب"
!!!
السيناتور جيسي هلمز Jesse Helms
بعد
انهيار وتفكّك الإتحاد السوفيتي وسقوط المعسكر الاشتراكي و
إثر
حرب الخليج الأولى انتهى النظام العالمي "القديم" متعدّد الأقطاب ليحلّ محلّه
نظام أصطلح على تسميته بالنّظام العالمي الجديد
New World Order
و
ساد رأي بالإدارة
الأمريكية وخاصة لدى صنّاع القرار مفاده أنّ الولايات المتّحدة "حققت قيادتها
المطلقة للعالم لأنّها استطاعت أن تمسك باللّحظة التاريخية الفريدة التي توفّرت
لها" و عليها منذ الآن ، أن تستعمل كلّ إمكاناتها المادّية و المعنوية للحفاظ على
هذا
المكسب ، وأن تؤسّس له للاستئثار بريادة العالم وزعامته وإعادة صياغته وتشكيله من
جديد وفق المصالح القومية الأمريكية، كيف لا وهي التي تتمتع بتفوق لم تصل إليه أعظم
الإمبراطوريات منذ فجر التاريخ : "فهي تمارس سيطرة لا نظير لها على كل أنحاء
العالم،
و
تنتشر قواتها حوله من سهول أوروبا الشمالية إلى خطوط المواجهة في شرق آسيا" و على
امتداد وطننا العربي "كما تسيطر على النظام المالي العالمي وتوفر أكبر مجمع لرأس
المال الاستثماري و أوسع سوق للصادرات الأجنبية" ، بحيث إذا هبطت الأسهم في وول
ستريت Wall Street
تداعى لها الاقتصاد العالمي بأسره، فكان أن سيطرت على صانعي
الإستراتيجية الأمريكية فكرة الفرصة التاريخية السانحة ، فصدرت في تلك الفترة كتب
ودراسات تؤسس لهذه الغاية وتعمل من أجل هذا الهدف ،حتى أن الرئيس الأمريكي الأسبق
ريتشارد نيكسون نفسه أصدر كتابين أحدهما بعنوان (انتهزوا الفرصة)
Seize The Moment))
و
الثاني (1999 نصر بلا حرب)
(Victory Without War 1999) شدّد
فيهما على
نفس
الأفكار المشار إليها وحذر في الكتاب الثاني من الإسلام الذي سماه "المارد
الأخضر" في إشارة إلى "المارد الأحمر" الشيوعي المتمثل بالاتحاد السوفيتي
المنهار.
وإذا كانت إدارة بوش الأب الجمهورية هي التي أدارت بنجاح معركة سقوط
الشيوعية وانهيار الإتّحاد السوفييتي فإن إدارة كلينتون
Clinton
الديمقراطية اتهمت
بالعجز عن استغلال فرصـة هذا السقوط والتهاون في ضرورات التفوّق الأمريكي وتكريسه.
حيث
وُضعت إستراتيجية التفوق إلى جانب وقتيا، و ذلك لأن إدارته أولت اهتمامها
لمتابعة المصالح الوطنية عبر المؤسسات المتعددة الجنسيات (الخاضعة أساسا لسيطرة
الولايات المتحدة) ولتنفيذ إستراتيجية ليبرالية على المستوى الدولي تمحورت حول
"مبدأ
الشمولية" الذي حقق نجاحات مهمة رغم المشاكل الأخلاقية التي عصفت بفترة
ولايته، فقد كان كلينتون يرى أنه من المنطقي تقديم الاقتصادي على الاستراتيجي
مرحليا لاعتبارات منها: أن المواجهة الثنائية القطب كانت تبرر سياسة الاستنفار
العسكري و سباق التسلح الذي أنهك المارد السوفييتي، أما وقد أفل المارد الأحمر فقد
آن
الأوان لفتح الطريق أمام قلب الأولويات، وكان على الدولة أن تغير من أشكال
تدخلها لتواكب انفتاح الصين وتستفيد منه، ومن التطور اللامع في الاقتصاديات الناهضة
في
شرق آسيا ومن عمليات التحول الجارية في أوروبا الوسطى والشرقية. باختصار ، كان
على
دولة الأمن القومي أن تخلي الساحة "للدولة الشاملة" .
العودة لاستراتيجية التفوق
تعرض
كلينتون لحملات واسعة من الشجب و التعريض اشترك فيها البنتاغون و المركّب الصناعي
العسكري و اليمين المتطرف حتى أن كونداليسا رايس
Condoleezza Rice مستشارة
الأمن
الحالية قالت عنه أنه: "قد حول قوات الجيش الأميركي إلى عمال اجتماعيين وانحدر بهم
إلى
حال عجز شبيهة بحال عام 1940!" .
لهذا
كانت أولى أولويات الإدارة
الجديدة هي العودة لإستراتيجية التفوق التي تهتدي بتعاليم التقارير السرية كالتقرير
المسمى : "ترشيد السياسة الدفاعية"
Defense Policy Guidance
الذي أعده وولفيتز
PAUL WOLFOWITZ
و
بعض مساعديه و الذي يوصي بـ"منع أي قوة عدوة من السيطرة على مناطق
ذات
موارد قد تساعدها في احتلال موقع قوة كبرى" بل و يذهب حد الأمر بـ"إحباط أي
محاولة من الدول الصناعية المتطورة لتحدي زعامة الولايات المتحدة أو لقلب المعادلة
السياسية و الاقتصادية القائمة" ، فكان أن أعيدت برامج التسليح و تم استئناف خطط
الدّفاع الإستراتيجي كما كانت قد تصوّرتها كل من إدارتي ريغان
REAGAN
و
بـوش الأب BUSH
وأوّلها مواصلة برنامج ما يسمّى بـ« حرب النجوم
» Star War
و
خطوة إنجاز
المنظومة المضادّة للصّواريخ
(AMD)Anti Missile Defense ،
إذ أن زمن سياسة الرّدع
النّووي المتبادل قد أزف بانتهاء الحرب الباردة، فالظّروف اختلفت لأن القوى
النّووية تعدّدت وذلك يفرض على الولايات المتّحدة البحث عن إستراتيجية جديدة لا
تردع طرفا أو طرفين فحسب و إنما تواجه كلّ الأطراف بما فيها أطراف هي اليوم في
عداد الأصدقاء، خاصة مع توسّع نادي مالكي القوة النوويّة ليشمل دولا "مارقة" حسب
توصيف الإدارة الأمريكية بل إن بعضها تعتبره عضوا في ما اصطلحت على تسميته ب"محور
الشر" "Axis of
Evil" .
لقد
انتهى النظام الدولي الذي قام منذ 1945 مع نهاية
الحرب العالمية الثانية برعاية الأمم المتحدة وخلافا للوضع الذي ساد العالم طوال
عقد
من الزمن قبل سقوط جدار برلين (1989) وانهيار الاتحاد السوفيتي (1991) باتت
واشنطن تحتل موقع "القائد الشمولي". وتتصرف وفق هذا المنطق. و إذا كانت إدارة
كلينتون قد مارست هذا باحتشام فإن الصقورأصحاب النفوذ الكاسح داخل إدارة الرئيس
بوش
الحالية أضحوا يعلنون دون مواراة الصفة الإمبراطورية للولايات المتحدة بعدما
كانت هذه الصفة تعتبر اتهاما يدخل في سياق "العداء البدائي للأمريكيين".
Primitive anti-Americanism
الأسس والثوابت
قبل أن نسهب في تحليلنا لمجمل هذه التحولات الكبرى داخل الإستراتيجية الأمريكية نرى أنه من الضروري الوقوف على جملة من الأسس و الثوابت التي لم يحد عنها واضعو الإستراتيجيات الكبرى للإمبراطورية الأمريكية .
أسس
الإستراتيجية الأمريكية:
بنيت هذه الإستراتيجية على أسس ومنظومة ثوابت
نلخّصها في النّقاط التالية:
1-
المحورية الأمريكية
: American Centrism
بمعنى أن مصلحة أمريكا أوّلا و أخيرا فوق كل اعتبار سواء في
انسجام أو في تناقض مع مصالح حلفائها وإن اقتضى الأمر التضحية بالحليف أو الخروج عن
الإجماع الدولي كما حصل دائما مع المسألة الفلسطينية أو مع العدوان على العراق على
سبيل المثال لا الحصر
.
2 - الهيمنة المطلقة : Absolute Hygemony و ذلك بفرض السّيطرة الأمريكية على كل نقطة استراتيجية في العالم و في أي وقت تريده و تحت أي ظرف تعتبره مناسبا. و هو ما يفسّر إصرار الولايات المتّحدة الأمريكية على إنشاء قواعد عسكرية ثابتة أو متنقّلة و نشر أساطيلها في أهمّ البحار والمحيطات و استغلالها لكلّ الفرص المتاحة من أجل زرع فرق و كتائب عسكريّة للتدخّل الّسريع كما كان الحال في الخليج أو في كوسوفو أو أفغانستان أو في المغرب و الجزائر أخيرا.
3-ضمان إستمرارية الهيمنة : و ذلك باستخدام كلّ الوسائل العسكرية و الاقتصادية والدبلوماسية والقانونية و الأمنية و المخابرتية حتى الابتزاز السّياسي ، خصوصا أن كلّ الظروف الموضوعيّة باتت متوفّرة الآن في ظلّ غياب منافس ممثّلا في دولة أو في حلف قادر على منازعة الإمبراطوريّة الجديدة سيطرتها على العالم. إذ أن كلّ دولة عظمى تنظر إلى العالم كمجال حيوي لإستراتيجياتها وبالتّالي صار لزاما عليها وضع اليد على كل منطقة مركزية و محورية من أوروبّا إلى أفريقيا فالخليج العربي إلى آسيا الوسطى كما هو الحال الآن.
4-
الحق مع القوة :
Might is Right
وهو
ما يفسّر الهاجس المستمرّ
بأنّ هناك عـــدوّ مّا وخطر محدّق يستهدف ويتربّص بهذه الأمّة المثال أو
المتميّزة. و إذا لم يتوفّر هذا العدوّ وجب اختلاقه!!! يقول جون كريستوف ريفان
Jean Christophe Rufin
في
كتابه "الإمبراطورية والبرابرة الجدد"
L'Empire et les nouveaux barbares "
إن
الخطر أصبح متعددا وغير متوقع ومتغير ، فقط وجهته تسمح لنا
بتحديده" ، فكان التّركيز على الخطر الأحمر الشّيوعي فالخطر الأخضر الإسلامي إلى
ما
يصطلح عليه اليوم ببؤر التوتّر متمثّلة في دول تعتبرها الولايات المتحدة دولا
مارقة-Rogue
States -
أو
في تعبيرة أقلّ حدّة : دول تعيش توتّرا-
States of concern -
إلى
الإرهاب هذا المصطلح الذي يصر منظّروا الإمبراطورية على أن يظلّ
هلاميا ضبابيا وبمعايير تتغيّر بتغيّر المصالح الأمريكية و في أحيان كثيرة بمعيار
الكيل بمكيالين كما هو الحال مع الكيان الصّهيوني.
الجغرافية الجديدة
للصّراع
في
هذا الإطار كتب المفكّر الأمريكي
مايكل كلار Michael
Klare
في
مقال عنونه بـ: «الجغرافية الجديدة للصراع»
New Geography of Conflicts -
بــشؤون خارجية
Foreign Affairs
،
في إشارة صغيرة للعسكرية الأمريكية أكّدت على ضرورة بسط النّفوذ على آسيا الوسطى و
هذا الخيار
بذاته يمثل تحوّلا إستراتيجيا هامّا
.
هذه
المنطقة التي تمتد من جبال
الأورال حتى حدود الصين الغربية أصبحت الآن على غاية من الأهمّية نظرا لموقعها
الجيوستراتيجي المهمّ و لثروات متعدّدة : بترول بحر قزوين ، غاز تركمانستان، قطن
أوزباكستان و ذهب قيرغيزستان. و بما أن الـ
Centcom
يضع
يـده عـلى منطقة الخليج
وثرواتها بات من الضّروري بسط النّفوذ على منطقة يقدّر مخزونها بثلاث مرات ما يخزنه
الخليج العربي.
إن من يطّّلع على أدبيات الفكر الإستراتيجي الأمريكي بدءا بما خطّه المنظّرون الأوائل حول المصير الجليّ أو القدر المحتوم « Manifest Destiny » ، إلى آخر التّقارير التي يتمّ على أساسها بناء الإستراتيجيات ، يلاحظ بما لا يدع للشكّ ملامح حلم توراتي يشبّه أمريكا دائما بالمنقذة للإنسانية صاحبة الرّسالة الحضارية للبشرية! و يشرّع لها ما يحرّم على غيرها من الأمم.
أولويات السياسة الأمريكية الخمس
وفقا
لتقارير الرئاسة الأمريكية الأخيرة التي تعالج خيارات القرار الأمريكي و التي تقدّم
لرئيس الولايات المتحدة لالتزامها في برامجه و مخططاته فإن المناطق التّالية هي ما
حُدّد لبوش الابن ليعتبرها المسرح الجيو إستراتيجي الأهمّ:
1.
شرقي
آسيا: الصين و اليابان
2.
أوروبا ممثلة في الحلف الأطلنطي و السوق
الأوروبية المشتركة
3.
شبه
القارة الهندية : الهند ، باكستان و ما حولهما
4.
الخليج العربي: مواقع الّنفط، العراق و إيران و شمالا حتى القوقاز
5.
الشرق الأوسط و الحليف الإستراتيجي ممثلا في الكيان الصهيوني "إسرائيل"
إلا
أن هذا التقسيم الجغرافي تلازمه قراءة جيوسياسية تقسم العالم إلى أربعة
مناطق حسب ما ورد في تقرير للمؤسسة القومية للدراسات الإستراتيجية
Institute of National Strategic Studies
يظهر جليّا التمييز بين :
*
الحلفاء
المركزيون Core
partners
*
الامم في حالة انتقالية
Transition States
*
الدول المارقة
Rogue States
*
الدول المتداعية للسقوط
Failing States
وفق
هذه القراءة الجيوسياسية انكب صنّاع القرار الأمريكي في
مجلس الأمن القومي والبيت الأبيض ووزارتا الدفاع و الخارجية وهيئة أركان الحرب
المشتركة ووكالات المخابرات العسكرية والعامّة إلى جانب إدارة التخطيط الإستراتيجي
للدّولة القائدة للنّظام الدّولي على صياغة تقرير كتب عنه الكاتب والصّحفي العربي
محمد حسنين هيكل بإسهاب
.
إن
التقرير المذكور قدّر و خطّط و رسم شكل
التّحدي القادم على أمن و مصلحة الإمبراطورية الجديدة و توصّل في تحديد ذلك الخطر
إلى
درجة اختيار اسم يطلقونه عليه وهو: الحرب غير المتوازية
Asymmetrical War .
هذه
الدّراسة بدأت منذ 1995 لتتمخض عن إستراتيجية عُرضت على كلينتون
Clinton
وانتهت بين يدي بوش الابن. قدّمت هذه الإستراتيجية بينما كانت قيد الدرس
لوليام كوهين Cohen
وزير الدفاع الأسبق كإستراتيجية أمن أطلق عليها اسم : "التوجيه
الرئاسي" ،
ويخلص هذا التوجيه إلى أنّ الولايات المتّحدة لم تعد تواجه أيّ
تهديد لأنّه ليست هناك قوة ، و لا في الأفق قوة تستطيع أن تشنّ حربا تقليدية و لا
غير
تقليدية على أمريكا ، ليخلص إلى تحديد المخاطر المحتملة على الولايات
المتّحدة و أمنها و مصالحها لها مصادر محدّدة و معروفة:
1-
دول
مارقة :
وعت
دروس حرب الخليج وأصبح جهدها موجّها إلى العثور على نقاط ضعف
أمريكية تستطيع أن تنفذ منها و تضرب.
2.
دول
صديقة :
وهنت
قواها و أوشكت على الإفلاس مما يعرّضها للسّقوط والمعضلة أنّ الولايات المتّحدة لا
تسمح بهذا السّقوط و في الوقت نفسه لا ترى وسيلة للمساعدة على منعه. فانهيارها
سيخلق فراغا جيوإستراتيجيا قد يخلط الأوراق و يضرّ بالإستراتيجية و المصالح
الأمريكية. .
إرهاب معولم :
وصل
إلى مرحلة العولمة في نفس
وقت
وصول مجتمعات الدول على مرحلة اللاعودة في منظومة العولمة الاقتصادية و
العسكريـة و الأمنية تحت مظلّة الإمبراطورية الأمريكية.
الحرب غير المتوازية
من
المفارقات ، أنّ
الذي وردت بالتّقرير الرّئاسي الذي المشار إليه في الحلقة السابقة، يشبه إلى درجة
الريبة ذلك الذي حدث
يوم
11 أيلول سبتمبر ، يقول الجنرال هنري شيلتون
Chilton Henry
و
هو يعرّف ما
أصطلح عليه باسم الحرب غير المتوازية
Asymmetrical War:
إن«الحرب غير المتوازية
هي
محاولة طرف يعادي الولايات المتّحدة أن يلتفّ من حول قوّتها و يستغلّ نقط ضعفها
معتمدا في ذلك على وسائل تختلف بطريقة كاملة عن نوع العمليات التي يمكن توقّعها ! و
عدم
التّوازي يعني أن يستعمل العدوّ طاقة الحرب النّفسية وما يصاحبها من شحنات
الصّدمة و العجز لكي ينتزع من يده زمام المبادرة و حرّية الحركة و الإرادة بأسلوب
يستخدم وسائل مستحدثة و تكتيكات غير تقليدية وأسلحة و تكنولوجيات جرى التّوصّل
إليها بالتّفكير في غير المتوقّع و غير المعقول !!! »
هذا
ما كانت تقدّره
الإدارة الأمريكية وهذا ما انتهت إليه توقّعات صنّاع القرار الأمريكي ومهندسو
إستراتيجياتها.
11
سبتمبر والمنعطف الإستراتيجي
الأهم:
تعاملت الولايات المتّحدة مع ذلك الحدث و لا تزال على أنّه كان
وسيظلّ تاريخا فاصلا بين ما سبقه و ما سوف سيعقبه في شؤون التّعاطي السّياسي
والإستراتيجي والاقتصادي والقانوني، صار على جميع أمم المعمورة أن يعوه و يتعاملوا
وفقه. و لا يزال صدى خطاب الرئيس بوش يرن في آذان الجميع حين صرح عقب تفجيرات برجي
التجارة قائلا: « سنستخدم كلّ الوسائل المتاحة لنا ، كلّ الأشكال الدّبلوماسية و
كلّ
الأساليب المخابراتية وكلّ الطّرق القانونية و الضّغوط الاقتصادية و كلّ
أسلحة الحرب الممكنة... سيشمل ذلك ضربات عسكرية مروّعة تشاهدونها على التّلفاز و
أخرى سرّية حتّى في نجاحاتها
!
على
كلّ أمّة في كلّ مكان من العالم أن تتّخذ
قرارها: إمّـــا معنا أو مع الإرهاب
!!!»
وفي
سرعة ضوئية
لاستكمال الدّائرة أو الدّوائر الإستراتيجية التي رسمتها و لا تزال الولايات
المتّحدة الأمريكية من النّظام العالمي الجديد إلى العولمة الاقتصادية فالعولمة
الأمنية و من إستراتيجية الإحتواء فالاحتواء المزدوج فالتدخل العسكري الوقائيWar
Preventive
لا
استباقي
Pre-emptiveكما
يسميه بعض المحللين.
و هذا الاستشعار للتحوّلات الجذرية أمريكيا و عالميا لم يكن وقفا على شعوب دون أخرى - و إن كان المسلمون و العرب هم أوّل من دفعوا فواتيره بأفغانستان و العراق - و لا تزال ملامحه وإشاراته الواضحة تلوح في معظم التّحليلات و الدّراسات لا بل و القرارات الدّولية و الأوروبية بشكل بارز.
و في الوثيقة التي نشرها البيت الأبيض بعنوان "إستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة" The National security Strategy تأسيس لجملة من المبادئ والمرتكزات الرئيسية التي نلخصها كالتالي:
* القناعة
اليقينية بقوة الولايات المتحدة التي لا تنازع، هذه القوة التي تنهض على ثلاثة
مقومات رئيسية: القوة العسكرية الطاغية، القوة الاقتصادية الليبرالية الجامحة،
المشروع السياسي والثقافي الذي يتخذ عنواناً رئيسياً له: الديمقراطية والحرية.
*
ضرورة العمل على منع قيام أي دولة منافسة.
*
ضرورة توجيه ضربة وقائية لأي
قوة
مهددة مهما كانت طبيعتها.
* العمل
على نشر قيمها و نموذج عيشها
"The American Way of Life"
تحت
مسميات "الديمقراطية والحرية".
الابن الشرعي للعولمة
تجدر الإشارة أنّ الحادي عشر كان ابنا شرعيا للعولمة من رحمها ولد وعبرها أسّس لميلاد مجموعة من الظواهر نذكر منها:
ظاهرة جديدة يمكن أن نسمّيها
«
الفرد-الدّولة»Individual-State،
بمعنى أنّ شخصا كالشّيخ أسامة بن لادن ينطلق من
فراغ داخل هياكل ومؤسسات دولة مّا متداعية للسّقوط أو خارجة عن النّمط العادي
للدّول - كأفغانستان مثلا - للانطلاق منها كقاعدة
.
·
الظاهرة الثّانية
التي يجب الوقوف أو التّوقّف عندها هي ما يسمّى بالعولمة الأمنية ، فالحرب الخفيّة
التي تدور رحاها في صمت شهدت و لا تزال مشاركة أكثر من 50 دولة وضعت مخابراتها و
مؤسسات تجسّسها على ذمّة وكالة المخابرات الأمريكيةCIA
و
مكتب التّحقيقات الفدرالي
FBI
في
سابقة لا مثيل لها في التّاريخ الحديث ممّا مكّن الأمريكان من القبض على
أكثر من 360 شخص في أنحاء المعمورة.
أمّا الظاهرة الثّالثة و التي يجدر
الانتباه إليها فهي تواري كلّ ما كانت تتغنّى به الدّيمقراطيات من حرّيات ليبرالية
للتّضحية بها قربانا على مذابح "الأمن" و باسم محاربة الإرهاب. فكان أن دمّرت
أفغانستان و استعملت كلّ أنواع الأسلحة ذات التدمير الشّامل وضُرب عرض الحائط بكلّ
المواثيق الدّولية و المعاهدات التي تضمن الحدّ الأدنى من حقوق الإنسان ، و سيق من
بقي
على قيد الحياة من عناصر طالبان وأعضاء تنظيم القاعدة مخدّرا و مقيّدا و معصوب
العينين إلى جزيرة غوانتنامو الكوبية
Guantanamo
ليودعوا في أقفاص. تبعته الولايات
المتحدة بعدوان غاشم على العراق لتحتله و تقوض أركان دولة عربية بمسوغات واهية و
أباطيل واستخفاف بكل المواثيق و العهود.
احتلال العراق:
"لم
يكن
أمامنا أي خيار في العراق، فالبلد يسبح على بحر من البترول"
هكذا قال نائب وزير
الدفاع الأمريكي ولفوفتيز.
لن نطنب كثيرا في الحديث عن الحرب و دوافعها فقد تناولها الكثيرون بالدرس و من أراد الخوض في تفاصيلها و معرفة كيفية الإعداد لها فليعد لكتابي بوب وودوورد Bob Woodword الأخيرين: "بوش محاربا" Bush At War و "خطة هجوم" Plan of Attack و لكن وجب التأكيد على أن هذه الحرب قد خّطط لها منذ سنوات سبقت بكثير أحداث أيلول سبتمبر و ساهم في هذا التخطيط غلاة المشروع الإمبراطوري من أمثال دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الحالي، وريتشارد بيرل مدير التخطيط الاستراتيجي في وزارة الدفاع -الذي اضطر لتقديم استقالته ق بسبب فضائح مالية ثبت فيها استغلاله لمنصبه- وبول وولفويتز نائب وزير الدفاع الحالي وكلهم من أقطاب إدارة بوش الأب وأركانها ونجومها، وهؤلاء هم من دعوا و لا يزالون إلى إحكام السيطرة السياسية والعسكرية على منطقة الشرق الأوسط لاعتقادهم أن الكيان الصهيوني هو الدعامة الرئيسية لخططهم و مشاريعهم و ما من سبيل لضمان وجوده إلا بتدمير العراق و احتلاله.
الفيتو النفطي الكوني
بغزوها للعراق و احتلاله تعتزم الولايات المتحدة الأمريكية تحقيق
الأهداف التالية:
1-
وضع
اليد الأمريكية على ثروة العراق النفطية المقدرة بـ
112
مليار برميل أي ما يعادل ربع احتياطي النفط العالمي مضافا إلى نفط باقي دول
الخليج العربي و نفط قزوين و ذلك تحسبا لنقص في موارد الطاقة قد يعرقل المشروع
الإمبراطوري ، خصوصا أن أحد التقارير قدّر الارتهان الأميركي للسوق النفطية
الخارجية
لمجمل الحاجة الاستهلاكية سيرتفع من 52 في المئة عام 2001 إلى 66 في المئة عام
2020
كما
أن الاستهلاك الإجمالي سيزداد هو بدوره ، مما سيحتم على الولايات المتحدة أن
تستورد 60 في المئة من النفط في العام 2020 زيادة عما تستورده اليوم ليرتفع بذلك من
10.4
ملايين برميل يومياً إلى حوالى 16.7 مليون برميل.
والوسيلة الوحيدة لتحقيق ذلك تقوم على إقناع الموردين الأجانب بزيادة إنتاجهم وأن يبيعوا أكثر من الولايات المتحدة.
2-
حماية خطوط نقل البترول والغاز إلى الأسواق الغربية بأسعار
معقولة وما يعزز هذه الفرضية هو إيفاد مدربين عسكريين أميركيين إلى جورجيا وهي
المحطة الأساسية في خط أنابيب النفط الذي يصل بحر قزوين بالبحر الأسود وبالمتوسط،
إضافة إلى القرار الأميركي إعادة تشغيل قاعدة عسكرية في كازاخستان على ساحل بحر
قزوين.
3- الرغبة
في الاستئثار بورقة ضغط اقتصادية و سياسية مصيرية يطلق
عليها جوستن بودر تسمية "الفيتو النفطي الكوني!" هذا الحلم القديم الذي يوشك
أن
يتحقق وهو الذي ظل هدف صناع القرار الأميركي منذ السبعينات.
4-
ضمان
أمن
الكيان الصهيوني و التمهيد لخطة ما تسميه اليوم ب"مشروع الشرق الأوسط الكبير"
الرامي لدمج "اسرائيل" و جعلها "سنغافورة الشرق الأوسط" أو الفلك الذي تدور حوله كل
دول
الشرق الأوسط و القاعدة المتقدمة للإمبراطورية الزاحفة.
5-
تأسيس أول
قاعدة عسكرية آمنة في دولة تابعة غير مستقلة في قلب منطقة حيوية وفي ذلك تطويق كامل
لمنطقة الشرق الأوسط من الشمال. أما الجنوب فيتولاه الكيان الصهيوني بما قام به
من
جهود موازية في هذا الإطار وذلك من خلال تعاونه مع اريتريا وأثيوبيا وبلدان
افريقية أخرى في تطبيق لعقيدة الأمن "الصهيونية" وينتظر أن يلتحم هذا الحلف مع
أحلاف أمنية أخرى جرى الإعداد لها خاصة في مناطق آسيا الوسطى وبحر قزوين وشبه
القارة الهندية حيث شاركت أطراف إقليمية أخرى مثل الهند والحكومة الأفغانية المؤقتة
وعدد من حكومات دول وسط آسيا
.
6-
إجهاض المشروع النهضوي العربي و العمل على
مزيد من التقسيم والتبعية والوصاية والتهديد بالتدخل العسكري لتغيير نظم الحكم
والسياسات المتبعة ومناهج التعليم أيضا إذا لم يتم تطبيق تعليمات الولايات المتحدة
رغم
ما تدعيه الإدارة الأمريكية من نوايا حسنة ووعود كاذبة كتلك التي أطلقتها
كونداليزا رايس بقولها: "مع (تحرير) العراق، توجد فرصة خاصة لتطبيق رزنامة ايجابية
في
الشرق الأوسط تدعم الأمن في المنطقة وعبر العالم."!
من
الحليف إلى التابع
"يجب
أن نتوقف عن
الإدعاء بأن للأمريكيين و الأوروبيين رؤية موحدة للعالم، حتى لا نقول يعيشون على
نفس
الكوكب ! بخصوص مسألة الهيمنة، هذه المسألة المصيرية فإن وجهات النظر على طرفي
نقيض.. " إنني ارفض المعاهدات المتعددة الأطراف التي تتبناها أوروبا الضعيفة لتقيد
بها
واشنطن مفتولة العضلات، التي تنوي بقوتها فرض نظام عالمي سوف يستفيد منه
الأوروبيون أنفسهم." روبرت كاغان".
إلى
زمن غير بعيد كانت الشراكة
الأطلسية تمثل بالنسبة للولايات المتحدة دعامة أساسية للنظام الدولي، و كانت دول
شمال الأطلسي و لا تزال تحاول تطوير شبكة هذه العلاقات بندّية ورغبة في تعاون جدي
للتأكيد على مصير سياسي مشترك وتحقيقه، رغم ما حدث في السنوات الأخيرة من خلافات
اقتصادية بين أميركا وحلفائها الأوروبيين حول استيراد اللحم والموز والفولاذ،
والضريبة الأميركية على السلع المصدرة إليها، وسياسة الطاقة، ومنظمة التجارة
العالمية، إلا أن العلاقة الإستراتيجية بدأت تنحرف عن مسارها الذي التزمته منذ
عقود طويلة، وكان من أسباب ذلك تغيرات أساسية، أولها تفكك الاتحاد السوفيتي
وبالتالي فقدان أوروبا لدورها كعازل في إطار نظرية الأمن الأمريكية. ثانيا توحد
الألمانيتين والاتجاه المتنامي للتعامل مع السياسة الخارجية كأداة للسياسة المحلية،
وأخيرا تبلور الإتحاد الأوروبي بشكل جديد أخذ ينمو و يتسع في إطاره رغم افتقاره
لمخالب الكيان السياسي الفاعل و المؤثر.
و
بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عادت
العلاقات الأوروبية الأمريكية لتنتعش من جديد إلا أن حملات التضامن الشعبي والرسمي
مع
الحليف الإستراتيجي لم تدم طويلا ، إذ أن التباينات والخلافات في المواقف والرؤى
والسياسات المُتبعة في السلم والحرب خصوصا في أفـغانستان والعراق وما تصطلح الإدارة
الأمريكية على تسميته بالإرهاب و حربها على دول تصفها بالمارقة وإتباعها أسلوب
الإلزام القسري و لوي الذراع للمجتمع الدولي مُؤثرة مصلحتها القومية فحسب على جميع
الاعتبارات ، و مُضيها في التعنت والاستخفاف بالمواثيق كانسحابها من محكمة الجزاء
الدولية ، ودعمها الكامل وغير المشروط للكيان الصهيوني واعتبارها حركات المقاومة
حركات إرهابية ، كل هذا جعل أوروبا تتوجس خيفة و تحاول ما استطاعت عرقلة هذا المارد
الإمبراطوري المفزع. وبعد العدوان غير القانوني على العراق واحتلاله و افتضاح كل
المسوغات الكاذبة أيقن الأوروبيون أنه ليس للإمبراطورية حلفاء بل أتباع فقط! كما
أدركوا خطورة ما ترمي إليه الإمبراطورية من غايات ، إذ لم "تعد أفغنة المشرق العربي
بدءا من عراقه إلى جزيرته جنوبا و إلى عمقه الإيراني شرقا مجرد محظور استراتيجي
ارتكبته الأمركة عن طيش مجنون وغطرسة عمياء عن رؤية النتائج المهولة التي ستطيح
بأبسط مقومات الاستقرار العالمي و ستحس به أوروبا قبل سواها، إذ سوف يتم حجزها و
حصارها في شمالها البارد بعد أن تحرق نيران النفط عتبات آسيا و أفريقيا حتى أعماقها
فالشرق الأوسط هو مركزي للمستقبل الكوني و من يسيطر عليه يحلم بسيادة الكون دائما.
أسلوب يؤدي إلى التصدع
ورغم محاولات أوروبا الوقوف في وجه هذا المشروع، إلا أن الولايات المتحدة
الأميركية ظلت مصممة على مشروعها، غير عابئة مصرة على تغيير نظم الحكم بالقوة، كما
فعلت مع أفغانستان والعراق ، و ظلت تعطي نفسها حقاً مطلقا و طبيعيا فيً إدارة
العالم
بأسلوب يعتقد الأوروبيون أنه قد يؤدي إلى تصدع و من ثمة انهيار النظام الدولي
والدخول في ما يسميه آلان جوكس
Alain Joxe"إمبراطورية
الفوضى" حيث "لا قانون يحمي
الضعفاء" بل يلغي سيادات الأمم ويحمي "سيادة الشركات العملاقة متعددة الجنسيات بدل
المواطنين" .
الشرخ بين أوروبا و الولايات المتحدة في اتساع و غلاة الفكر
الإمبراطوري الأمريكي يعيشون لحظة زهو خصوصا بعد غزو أفغانستان و احتلال العراق و
تراجع دور المنظمات الدولية و ما الخلاف الأخير حول القرار 1546 المتعلق بمستقبل
العراق المحتل إلا عنوان مزيد من التناقضات التي ستطبع العلاقات المستقبلية
بينهما.خصوصا أن فحوى آخر تقرير للإستراتيجية القومية يؤكد على حقيقة " أن الولايات
المتحدة سوف تحكم العالم بالقوة، التي هي البُعد ـ والبُعد الوحيد ـ الذي تتفوق فيه
تفوقا هائلا. و سوف تفعل ذلك في المستقبل لأجل غير مسمى، لأنه إذا ظهر أي احتمال
لتحدي هيمنتها، فإن الولايات المتحدة سوف تدمره." و هكذا يظهر جليا أن
الخلاف عميق و جوهري وهو ما لا يخفيه صاحب نظرية نهاية التاريخ نفسه فرانسيس
فوكوياما Francis
Fukuyama
فهو
يؤكد في أحد مقالاته الأخيرة أن " الخلاف الأمريكي
الأوروبي ليس ذا طابع مؤقت نابع من "طريقة" بوش في إدارة دفة الحكم أو متأثر بتبعات
أحداث 11 سبتمبر، بل يعكس خلافا في النظرة إلى شرعية الديمقراطية داخل وعاء الحضارة
الغربية نفسها."
و يذهب إلى أبعد من ذلك استشرافا فيرى أن أحادية التوجه الأمريكي التي أفرزتها أحداث 11 سبتمبر ستفضي إلى تقسيم العالم ليس على أساس الغرب في مواجهة بقية العالم ، بل على أساس الولايات المتحدة في مواجهة بقية العالم!
سذاجة أيديولوجية
و
ينظر إليه في هذه النظرة المتعالية و الفوقية روبرت كاغان
Robert Kagan الذي
يقول
بخصوص إصرار أوروبا على التمسك بالقانون و المؤسسات الدولية: إن "التجربة التاريخية
تفيد بأن القوي الجبار يمكن أن ينتهي إلى الضعف والاستكانة لذا فعليه أن يتمسك
بوجود قوانين دولية تحمي حقوق الضعيف. إن "سيكولوجية الضعف"، مضافة إلى تجربة
أوروبا الفريدة في التعاون في فترة ما بعد الحرب، قد أكسبت أوروبا سذاجة أيديولوجية
وحملتها إلى حالة من الرضى المطلق عن الذات. فالأوروبيون الذين يعيشون في جنة "ما
بعد
التاريخ" تحت الحماية الأميركية، لم يعودوا على استعداد للاعتراف بأن القوة
الغاشمة ما تزال نافذة في العالم الذي يمتد خارج حدودهم. وقد استراحوا للعيش
الهانئ، منصرفين إلى تجميع الثروات، ومهملين قدراتهم العسكرية، ومقتنعين بأن بوسع
بقية العالم أن يحصل، عن طريق الإجماع وحكم القانون، على ما تسنى لهم الحصول عليه
من
خلال تلك الطريق. ".
مثل
هذه الأطروحات المبالغة في الغلو والمهددة
للمشروع نفسه جعلت أبناء المدرسة الواقعية والحريصين على بلوغ نفس الأهداف بإتباع
أساليب أكثر حنكة ودهاء من أمثال هنري كيسنجر
Henry Kissinger
و
زبغنيو بريجنسكي
Zbigniew Brzezinski
يقرعون نواقيس الخطر ويدعون لأسلوب مغاير بعض الشيء لما تتبعه
إدارة بوش.
فكيسنجر مثلا لا يخفي بأن أميركا لا تملك "سياسة خارجية عاقلة مبنية
على
معرفة بطبيعة وبنية دول العالم وشعوبه، وخصائصها، بل هي تتصرف بلا دراسة
وبارتجال، وتستعدي الجميع، ولا تأخذ بعين الاعتبار مصالح الآخرين والمشكلات
المعقّدة التي تعيشها المجتمعات مشيرا إلى اتسام السياسات المتعجلة بالاضطراب
والارتباك، والمراوحة بين الالتزام الأيديولوجي، و البراغماتية، فمرة وبلا مقدمات
تتقدم المصالح القومية الآنية على مصلحة بناء دور أميركي قائد للعالم مستقر وثابت
بدون أن تأخذ بخلفية القيم الأيديولوجية، وأخرى تتصرف باستحضار تلك القيم بعيدا عن
البراغماتية."
السياسة الخارجية والعجرفة
كما
يرى أن العجرفة في سياساتها الخارجية ستقودها حتما إلى
عزلة، وان التورط العسكري المستعجل سيجرها إلى مستنقعات استنزاف لن تخرج منها
بسلامة. لذلك يوصي بضرورة إتباع سياسة خارجية تهدف إلى تعزيز الديمقراطية وإلى
التكيف مع الوقائع الإقليمية و المحلية وإلا فإن الولايات المتحدة ستفشل.
أما
زبيغنيو بريجنسكي وخاصة في كتابه الأخير الخيار الحقيقي
The Choice : Domination or Leadership لا
يبدو أقل حرصا من هنري كيسنجر على المشروع
الإمبراطوري الذي تكاد تعصف به عنجهية إدارة بوش فيحذر هو الآخر قائلا : "الأمن
العالمي لا يعتمد فقط على القوة العسكرية ولكن أيضا على مناخ موات للرأي العالمي،
وتعريفا سياسيا للمشاعر الاجتماعية، ولمصادر الحقد المتطرف، وذلك مع عصر تلازمه
صحوة عالمية وقابلية -عالمية أيضا- في تلقي الأذى." ويذهب أبعد من ذلك بقوله
: "
فمن
الأهمية بمكان أن تشرع واشنطن، وعلى الفور في استرداد موقعها، وإذا لم يحدث،
فالوتيرة الحالية للتدهور المصاحب لمكانتها سيقلل من تلك المكانة من جهة، وسيقحم كل
العالم في فوضى كارثية!" و يحمل المسؤولية لمختطفي السياسة الخارجية دون أن يحددهم،
فهؤلاء حسب رأيه قد حولوا وجهة الدبلوماسية الأميركية إلى مجاهل لا يمكن الخروج
منها بسلام فيقول: "إن على أميركا أن تستيقظ على حقيقة أن أمرا محوريا قد حدث مع
صدمة 11 سبتمبر، وقد صدمنا جميعا بما حدث، ولكن في غضون ذلك، تمكنت مجموعة منا
متطرفة من استغلال الصدمة واختطاف السياسة الخارجية الأميركية، بل أن تلك المجموعة،
وبغرور ضخم وازدراء للآخرين، أرسوا سفنهم على سياسة عزلتنا عن العالم بصورة لم تحدث
من
قبل."
لقد
تم احتلال العراق رغم انكشاف كل
المزاعم والأكاذيب والمسوغات المفبركة التي كانت الولايات المتحدة تحاول تسويقها
لتضفي شيئا من الشرعية على عدوانها وخبت تلك الجعجعة التي تكفلت بها ترسانة الإعلام
المضلل (الذي تحول في ذروة الإعداد للحرب إلى جهاز بروباجندا عسكري) والدعاية
الكاذبة حول أسلحة الدمار الشامل و العلاقة مع الإرهاب و تهديد الأمن القومي
الأمريكي و العالمي من طرف بلد خاض حربا و حوصر ما يزيد عن 12 سنة ليظهر المشروع
الإمبراطوري على دمامته : الاستيلاء على منابع النفط بالعراق و الخليج عموما بعد
نفط
بحر قزوين لتشكيل معادلات قوى جديدة بآسيا الوسطى ثم إعادة تشكيل المنطقة في
مشهد جيوسياسي مرتهن بالكامل للولايات المتحدة الأمريكية.
الفكر الإمبراطوري
الأمريكي المعاصر لا يختلف كثيرا عن بداياته فقط أساليبه وأدواته تطورت في مواكبة
طبيعية للتطور التقني و ثورة المعلومات التي فتحت آفاقا جديدة للحلم الإمبراطوري
الذي بدأ يدق أبواب المريخ!!. وهو لا يزال يثبت دعائمه و يشكل منظومته الأيديولوجية
و
الإعلامية تحت شعارات يبدو أنها مع فضائح الجيش الإمبراطوري الأخيرة قد بدأت تفقد
بريقها: الديمقراطية و حقوق الإنسان و الحرية.
إن
هذا الفكر الذي ولد ولا يزال
ينمو في أحضان مناخ تبشيري "طهوري" يسعى لتشكيل العالم في لوحة سريالية وفقا للصورة
أو
النمط الذي يعتبره الأمريكيون أساس الحضارة والحق. و هكذا يتم إقصاء الآخر وسحقه
ما
لم يخضع لما يمكننا أن نسميه بـبرنامج "الاستنساخ الحضاري"
Cloning
وهو
المبدأ
الذي طُبّق منذ البدايات وكان الهنود الحمر أول من اكتوى بناره فلا يزال صدى خطاب
السيناتور ألبرت بيفردج "زحف العلم" المفعم بما يسميه "الواجب المقدس أمام الله"
يتناغم مع يقوله بوش لرئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباس في عودة مهزلية إلى ما قبل
الثورة الفرنسية ومرحلة الحكم بحق إلهي على طريقة لويس الرابع عشر: "لقد أمرني الرب
أن
أضرب القاعدة و قد ضربتهم ثم أمرني أن أضرب العراق فضربته و الآن أنا مصمم على
حل
المشكلة في الشرق الأوسط"!!!
قراءة في تاريخيّة تطوّر العلاقة بين الإمبريالية والشعوب
* أوروبا نهبت الثروات وأمريكا تصدّرت لائحة الشرف الحربيّة
* قوانين تمجيد الاستعمار والهجرة ومحاكمة المفكّرين، نموذجا
قليلا عن الصمت وأن نلامس بعض الأسئلة التي ظلّت لزمن في حالة كمون . بعض الأشياء فقط، قد تكشف للأذهان الحقيقة أو جزءا منها، فالحقيقة هي في نهاية التحليل ممكنة ونحن نبنيها فنجعلها موجودة منفصلة عنّا لا قدرة للآخرين على قتلها حتّى وإن سعوا إلى تشويهها.
هكذا يقول الاستاذ الكاتب منجي ألخضراوي مضيفا: لا نستطيع أن ننسى إدانة محكمة الاستئناف في فرساي المفكّر والفيلسوف الفرنسي ادغار موران وباحثين آخرين هما سامي نايير ودانيال ساليناف بسبب نشرهما مقالا بجريدة " لوموند "Le Monde تحت عنوان « إسرائيل-فلسطين: السرطان »، وتمّ اتّهامهم باللاساميّة..ولم تنس المحكمة ذاتها إدانة جان مار كولومباني مدير الصحيفة، وتمّت المحاكمة في شهر سبتمبر من السنة الماضية...
نفس المحكمة أدانت في ماي الفائت المفكّرة والباحثة حنّة أرندت، التي اتّهمت سابقا بعلاقتها "بالنازي" مارتن هايدقر. وكان حكم محكمة الاستئناف بفرساي ضدّ أرندت على خلفيّة إصدارها لكتاب «ايخمان في القدس» ( الصادر عن دار غاليمار سنة 1991) وأدينت من أجل التشهير العنصري و اللاساميّة...
إنّ فرنسا هي الدولة الوحيدة التي انتصبت فيها محكمة لمحاكمة نورمان فيلكنشطاين وكتابه «صناعة الهولوكوست » إضافة إلى ناشره وصحيفة " ليبيراسيون Libération " التي نشرت مقتطفات منه!!
نفس المحاكم الفرنسيّة أدانت بعض الباحثين ، لتحليلهم بعض مقالات المفكّر روجي غارودي حول الأساطير المؤسّسة لإسرائيل... ولا داعي هنا للتذكير بمحاكمة غارودي.. على اعتبار أنّ موران وأرندت وفيلكنشطاين ... كلّهم يهود... وقد وصفهم احد أبرز ممثّلي "محامون بلا حدود" الأستاذ جيل وليام غولندايل بأنّهم « ناقصون في حبّهم للشعب اليهودي »، والغريب أنّ مثل هذه المنظّمة مختصّة في رفع دعاوى ضدّ كلّ من ينتقد ما يسمّى بإسرائيل أو يشكّك في بعض أفكار زعمائها، وهي منظّمة مرتبطة ماليّا ودعائيّا بجمعيّة " فرنسا-إسرائيل " الأكثر تطرّفا في مطاردة من يشتبه "بلا ساميته"
هل أصبحت فرنسا، بلاد جان جاك روسو وفولتير وديدرو وموباسان... عنوانا من عناوين الدفاع عن العنصرية؟ وهل ضاقت صدور قادتها بالاختلاف؟ وما الذي يجعلهم يقطعون بث قناة المنار ( بما لها وما عليها ) ويدعّمون قناة " تي-أف-جي" TFJ اليهوديّة المتصهينة؟ والتي لا تتردّد في الاعتداء على الشعور الوطني والقومي للعرب والألمان؟
لم يبق لفرنسا اليوم غير تمجيد الاستعمار ومطاردة المهاجرين وانتقائهم..وليس ذلك بغريب، فحكامها رفضوا الاستماع إلى نداءات الشعوب والمثقفين وغيرهم للتراجع عمّا يسمّى بقانون 23 فبراير –فيفري 2005 الذي مرّت عليه أكثر من سنة خلال هذه الأيام، وقانون ساركوزي، رغم كلام شيراك بمراجعة الفصل الرابع من القانون الأوّل.
القانون -158 2005 المتعلّق باعتراف الأمّة الفرنسيّة بفرنسيي العودة والمساهمة الوطنيّة في مساعدتهم والذي تضمّن 13 فصلا، أثارت جلّها النقاش الذي بلغ حدّ الاستياء والتظاهر – الجزائر خاصة – والدعوات إلى المقاطعة... وخاصّة الفص الرابع من هذا القانون الذي ينصص على أن « تولي برامج البحوث الجامعيّة لتاريخ الحضور الفرنسي ما وراء البحار وخاصة شمال إفريقيا (تونس-الجزائر-المغرب ) المكانة التي يستحقّها » ويضيف نفس الفصل « تعترف البرامج المدرسيّة بصفة خاصّة بالدور الايجابي للحضور الفرنسي ما وراء البحار وخاصة في شمال إفريقيا، وتولي لهذا التاريخ وللتضحيات التي قدّمها المحاربون بالجيش الفرنسي أصيلي هذه المناطق المكانة المتميّزة التي يستحقونها...»
الفصل الرابع من هذا القانون إذن يدعو بصريح العبارة إلى الاعتراف بالدور الايجابي للحضور الفرنسي ما وراء البحار، وطبعا هنا كلمة حضور (Présence ) جاءت من زاوية المشرّع وهو النظام الفرنسي، لتعوّض الكلمة الأكثر دقّة وهي الاستعمار ( Colonialisme )، لأنّ الحضور أكثر حضاريّة من الاستعمار. فلماذا إذن لا تريد فرنسا الاعتراف بماضيها الاستعماري؟ هل خوفا من استتباعات هذا الاعتراف بما يعني من بشاعة فاعتذار؟
أمران مطروحان لمحاولة الإجابة في رأينا، فإما أنّ النظام الفرنسي لا يرى فيما صدر عنه في الماضي - ومازال حاضرا بشكل غير مباشر أو مباشر خاصّة في أمريكا الوسطى- استعمارا وأنّ الرجل الأوروبي البيض اتجه جنوبا لتطعيم تلك الشعوب بالثقافة والحضارة والتقدّم... وهي قضيّة المركزيّة الأوروبيّة (Eurocentrisme) ، وإما الأمر الثاني وهو إدراك النظام الفرنسي ثقل وصعوبة تحمّل مسؤوليّة الاعتراف بماضيه الاستعماري وبالتالي حاضره، وما يترتّب عن ذلك من تعويضات ماديّة وخاصّة المعنويّة التاريخيّة. لا يمكننا أن نلامس المقاربتين بأكثر دقّة دون ملامسة طبيعة هذا النظام الفرنسي.
لقد عبّرت بعض النخب العربيّة عن دهشتها وصدمتها بسبب ما سمّي بقانون 23 فبراير- كذلك بسبب قانون الهجرة المعروف بقانون ساركوزي، لأنّها تعتبر أنّ منشأ المبادئ السامية كالديمقراطيّة والحريّة وحقوق الإنسان... تتحوّل إلى بؤرة لتمجيد نقيض هذه المبادئ وكلّ المبادئ الإنسانية، ألا وهو الاستعمار. وهي في الحقيقة نظرة ستاتيكيّة ثابتة للتاريخ، فالبرجوازيّة لم تعد اليوم هي الحامل للواء الديمقراطيّة وحقوق الإنسان.
نعم لقد كانت البرجوازيّة في القرنين 17 و 18 طبقة تقدّميّة خلّصت الإنسانية من سلطة الإقطاع وجاءت بمبادئ كونيّة جديدة مازالت الشعوب تسعى إليها، إلا أنّها تحوّلت عبر التاريخ، بعد احتكارها، للدولة، إلى طبقة أحاديّة الرؤية، وقمعت كلّ الطبقات والفئات الأخرى، واستطاعت ترسيخ وتطوير النظام الرأسمالي، فضاءها التاريخي، فالبرجوازيّة هي طبقة مالكي وسائل الإنتاج في ظلّ نمط الإنتاج الرأسمالي وقد بلغت الرأسماليّة مرحلة من مراحل تطوّرها فأصبحنا تاريخيّا بإزاء الامبرياليّة.
لقد خرجت الدول التي نادت إليها البرجوازيّة وحكمتها خاصّة في القرنين 19 و 20 للتوسّع في كلّ الاتّجاهات واحتلّت دولا أخرى واستعمرت واستعبدت شعوبا تحت عناوين الحماية والتحضّر والحريّة...وشرّعت لنهب خيرات هذه الشعوب وقتل أبنائها والسعي إلى طمس تاريخها، وتمّ إنتاج ثنائيّة العقل والحضارة في مواجهة اللاّعقل والبربريّة...
وقد امتصّت أوروبا الحديثة ثروات البلدان الواقعة تحت الاستعمار وركّزت التخلّف في مقابل تواصل تقدّم الدول المستعمِرة ( بكسر الميم ) وهو ماجعل مثلا الكاتب الأمريكي بول باران يعتبر أنّ التقدّم والتخلّف وجهان لعملة واحدة (راجع كتاب مفهوم الامبرياليّة، من عصر الاستعمار العسكري إلى العولمة للدكتور الهادي التيمومي – دار محمّد علي الحامي تونس 2005 ) وطبعا هذا لا يعني أحاديّة الاتّجاه إذ للتخلّف عوامل عديدة بما فيها الثقافيّة والحضاريّة والعوامل الذاتيّة.
إنّ النظام السياسي الأوروبي هو نظام رأسمالي يستند أساسا على مقولة تطوّر رأس المال، مع مراعاة خصوصيات بعض الدول خاصّة الاسكندينافية التي لا تخرج في نهاية التحليل عن هذا النظام، ومن طبيعة رأس المال التوسّع وتحقيق الربح الأقصى، وطبعا تمّ هذا في التاريخ على حساب نهضة العديد من الشعوب خاصّة في إفريقيا التي عانت من جرائم الاستعمار الفرنسي ومازالت استتباعاته متواصلة حتّى أنّ الدخل الوطني الخام لفرنسا يساوي أكثر من ثلاث مرّات الدخل الوطني الخام لكلّ قارّة إفريقيا، باستثناء جنوب إفريقيا، أي أنّ 800 مليون نسمة لهم دخل وطني خام أقلّ بثلاث مرّات لـ 60 مليون نسمة لا غير.(راجع نفس المصدر السابق)
لازالت إفريقيا تعاني الأميّة والجوع والأمراض والأوبئة وبطش العسكريين المدعومين من فرنسا وبعض الدول الأوروبيّة... في الوقت الذي تشحن فيه مياهها وكنوزها وبترولها ومعادنها وثرواتها وخاماتها إلى أوروبا وأمريكا... والدول الاستعماريّة.لقد اختار الاستعمار منتصف القرن العشرين أسلوبا آخر في إدارة عمليّة النهب باعتماد وكلاء وعملاء من عسكر ومثقّفين لفصل تلك الشعوب عن تاريخها ومواصلة سرقة ثرواتها « وتقطيع صلات الشعوب بتراثها وتشويه الجوانب النيّرة من هذا التراث وتشجيع الأفكار والسلوكيات المعادية للعلم والتقدّم » مثلما يقول الدكتور الهادي التيمومي ( نفس المرجع) واعتمدت الدول الغربيّة استعمارا غير مباشر توسّطت في إدارته البرجوازيّة الكمبرادوريّة في ماسمّي بدولة الاستقلال التي رهنت ثروات شعوبها لدى الرأس مال الاستعماري.
إنّ الدولة البرجوازيّة، فالنظام الرأسمالي لا يمكنهما احترام الإنسان وتاريخ الشعوب ولا حقوقهما ومعاداتهما للشعوب نابع من طبيعة هذا النظام الاقتصادي المبني أساسا على إلغاء الآخر، فالغنيّ يزداد غنى والفقير يزداد فقرا، وإنّ الدول الاستعماريّة « تتحمّل منذ القرن السادس عشر (ثمّ الدول الامبرياليّة في فترة لاحقة) المسؤوليّة الرئيسيّة للمآسي التي يعيشها أغلب الأفارقة اليوم الذين يمكن اعتبارهم بحقّ يتامى الرأسماليّة العالميّة وأبرز ضحاياها. لا ننسى أنّ الغربيين مارسوا تجارة العبيد قرونا، ثمّ استعمروا القارّة السمراء مدّة طويلة واستنزفوا طاقاتها، فلا غرابة أن تكون إفريقيا السوداء اليوم فريسة الفساد السياسي والحروب الأهليّة ومرض السيدا والمجاعات... » والكلام أيضا للدكتور الهادي التيمومي في نفس المرجع.
حالة التفقير التي خلّفتها أوروبا في إفريقيا خاصّة، واعتماد الديكتاتوريات لإدارة عمليّة النهب، أدّى إلى إلغاء عمليّة التنمية في بلدان إفريقيا وتحوّل أموالها إلى وقود لماكينة الفساد، فانتشرت الأميّة والأمراض والبطالة، وتفاقمت الأزمة حتّى طالت الكوادر وأصحاب الشهادات العليا، وهو ماجعل أبناء هذه الدول يختارون قوارب الموت والانقراض بين أسنان أسماك المتوسّط... على البقاء في حالة لا حياة ولا موت وفي وضعيّة من الذلّ والهوان والقهر...
إنّ أوروبا الاستعماريّة نهبت ثروات شعوب الجنوب، وهاهي اليوم، فئات من هذه الشعوب تسعى للحياة لدى من استغلّ ثرواتهم، لعلّهم يقتاتون منها، فلا يقدرون حتّى على ذلك، وأصبحت إفريقيا تعني "الحرقة" أو السفر خلسة، ويقبع من نجا منهم من الموت في معتقلات لمبادوزا الايطاليّة أو ما يعرف بغوانتانامو أوروبا حيث الاهانة والتعذيب والتعرّض لبشع وأشنع الممارسات اللاانسانيّة أمام صمت مثير وغريب... وحتّى من تمكّن من هؤلاء المهاجرين من وصول أرض "الميعاد" فانّه إما سيجد نفسه مجبرا على الانخراط في عصابات المخدّرات والمافيات أو منقادا وراء مجموعة اسلامويّة تنهي رحلته في أفغانستان أو في سجون أوروبا العنصريّة المكافحة للإرهاب باطلا، وطبعا لا ننفي وجود حالات استثنائيّة لمن تمكّن من إيجاد عمل في أوروبا من هؤلاء الحارقين، والاستثناء يحفظ ولا يقاس عليه.
إنّ انسداد الأفق أمام أبناء دول إفريقيا خلّف ظواهر جديدة مثل الجريمة وخاصّة السرقة والسلب والاحتيال والعنف أو العزوف عن التعليم بمقولة عدم الفائدة من ذلك، فمن حصل على شهائد مات غرقا في مياه المتوسّط أثناء محاولته الفاشلة بلوغ أرض أوروبا أو ازدهار الشعوذة والعرافة وانتشار ظاهرة الهجرة السريّة أو ما يعرف في تونس " الحرقة"
لقد أغلقت أوروبا الاستعماريّة أمام هذه الشعوب بلدانها وأوطانها وهاهي اليوم، مشاريع سجنهم في بلدانهم، جارية ولعلّ آخرها مشروع ساركوزي وزير الداخليّة الفرنسي، من خلال قانونه المعروف باسم "قانون الهجرة المنتخبة" المبني على القوّة والقدرة، أي قوّة عمل ما لا يقدر عليه الفرنسيون وقدرة الكفاءات على الإضافة، وقد تعدّى هذا القانون نهب الثروات الماديّة للشعوب ( التي فرّطت فيها الأنظمة في ما يسمّى بالدولة الحديثة) إلى نهب كوادرها وعلمائها وتفريغ بلدان الجنوب من خيرة أبنائها الذين فرّ جزءا منهم هربا من القمع والبطش وغياب فضاءات الحريّة والإبداع والخلق والابتكار...
إنّ ممارسات الدول الاستعماريّة ليست ممارسات معزولة ولا مرتبطة بحكومة دون غيرها... بل هي نتاج لطبيعة النظام الاقتصادي والسياسي الذي يحكمها، فالدولة الرأسماليّة لا يمكن أن تكون غير استعمارية نهّابَة معادية للإنسان والحريّة ومعادية للاستقرار والسلام، فالحديث عن السلام في ظلّ الانصياع لموازين القوى الراهنة والتي تتميّز مؤقّتا بالغلبة النسبيّة لقوى الاضطهاد والظلام، فالدولة الرأسماليّة لا يمكن أن تناضل من أجل الحريّة والإصلاح والسلام، وانّ المنادين بدور الأمم المتّحدة وإعطائها دور راعي السلام والدعوة لإمكانية التفاهم مع الدول الامبرياليّة، يحاولون حسب ما يقوله الدكتور التيمومي إحياء نظريّة"ما بعد الامبرياليّة" التي طرحها كارل كاوتسكي في بداية القرن العشرين. فما بالك بالولايات المتّحدة الأمريكيّة التي تتصدّر لائحة الشرف الحربيّة الحديثة فقد قصفت خلال 60 سنة 22 بلدا اليابان سنة 1945 والصين: 1945-1946 1950-1953 ، كوريا: 1950-1953 ، غواتيمالا: 1954، 1960، 1967، 1969 ، اندونيسيا 1958، كوريا: 1959-1961 ، الكونغو: 1964، البيرو: 1965، لاووس:1964-1973، فياتنام: 1961-1970، كمبوديا: 1969-1970 لبنان:1983-1984 ، جزيرة غرينادا: 1983-، ليبيا: 1986 ، سلفادور: 1980-1989، نيكاراغوا: 1983-1989، بانما: 1989، البوسنة: 1985، السودان: 1998، يوغسلافيا: 1999، أفغانستان:1998، 2001... العراق: 1991-2003 ...
ويبقى....بلدا على لائحة الانتظار، أو هكذا أنشد روجيه عسّاف في مسرحيته " مآآآرش" (مع
تصرّفنا) بعد كلّ هذا وكلّ ذلك... ما العمل؟
إنّ طرح السؤال الحقيقي مباشرة، ودون وساطات وعدم الهروب من تحمّل مسؤوليّته يجعلنا أمام حقبة لمحاولة الفهم بأنّنا فعلا أبناء دول الجنوب والشرق وخاصّة أبناء الجغرافيا العربيّة واقعون في مرمى الاستهداف الاستعماري في أبشع أشكاله وهو الشكل الذي يميّز الاحتلال الأمريكي والصهيوني للعراق وفلسطين وتسابق الدول الامبرياليّة على اقتسام مقدّراتنا ومواصلة نهب ثروات بلداننا بتآمر ووكالة رسميين ، وانّ السؤال الحقيقي لهذه المرحلة، هو كيف يمكننا العمل على جعل الإجابة تظهر عبر نوافذ مختلفة أبرزها المقاومة في العراق وفلسطين وفي أمريكا اللاتينيّة وآسيا، فعصر غلبة الامبرياليين اليوم هو في وجهه الأبرز عصر للمقاومة التي تنجز ضمن المشروع الوطني الديمقراطي المتجاوز للأنظمة العميلة والرجعيّة والكابح للعمالة المنظّمة.
المشهد العراقي بعد عامين من الاحتلال
الأمريكيون..يشاهدون الحقيقة بأسرع مما شاهدوها في فيتنام
ما حدث في العراق، يجب أن يكون درسا للمنطقة الممتدة من طهران وحتى بيروت، بهذه الكلمات، أفصح الرئيس الأمريكي عن الرؤية الأمريكية للتعامل مع المنطقة، بعد مضي عامان على احتلال العراق.
في التاسع من أبريل/نيسان 2005 ، اكتملت دورة العامين على احتلال العراق، في الحرب التي كانت محسومة النتائج سلفا، والتي لم تستمر أكثر من ثلاثة أسابيع، بدأت بالقصف الأميركي صباح يوم 20 مارس/آذار 2003، وانتهت باحتلال بغداد،
وفي الأول من مايو/أيار من العام نفسه أعلن الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش انتهاء العمليات الحربية الأساسية في العراق، لكن الحرب، لم تنتهي فعليا، حين انطلقت المقاومة المبكرة للغزو الأجنبي، والتي تزداد تصاعدا دون أي أفق منظور لإنهائها، حيث أنها ووفقا لمعطيات الحالة العراقية التي أصبح من المبكر التنبؤ بتطوراتها، باقية ما بقي الاحتلال، وربما إلى ما بعد ذلك.
في تصريح خاص للرئيس الأميركي في 8 مايو/أيار تمهيدا لصدور القرار 1483، اعترفت قوات الاحتلال بمسؤولياتها كقوة احتلال، وفي 22 من الشهر نفسه عام 2003 صدر القرار 1483 الذي "شرع" الاحتلال عندما اعترف بكون القوات التي قيل إنها جاءت "لتحرير" العراق أصبحت بموجب هذا القرار قوات احتلال تنطبق عليها اتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقاتها لعام 1977.
عامان على وجود القوات الأمريكية والبريطانية ومن ساندهما في العراق، هذا الوجود الذي جاء عبر الكذبة القائلة بامتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، ثم تحول بعد انفضاح الأمر إلى كذبة اكبر، تقول بان كل ما حدث، إنما حدث لتكريس الديمقراطية، خاصة بعد تأكيد البحوث والتقارير الأمريكية والغربية عموماً على أن ادعاءات امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، لا تمت لحقيقة الواقع بصلة، وهذا ما أكد عليه قبل أيام التقرير المقدم من اللجنة الرئاسية الأمريكية لجورج بوش بصفحاته الأربعمائة، والذي أدان بشدة المعلومات الإستخباراتية الكاذبة "كانت مفعمة بشكل عميق بالأخطاء القاتلة"، وهو ما صرح به قبل أسابيع "سكوت ريتر" الرئيس السابق لفرق التفتيش الدولية، في مقاله المنشور بصحيفة (الغارديان) تحت عنوان (جميعنا مجرمون) "إن عملية البحث عن أسلحة العراق كانت أكبر عملية خداع دولي بالزمن الحديث" لكن بوش وبلير، وفي المقدمة منهما شارون، عملوا على أن يكون احتلال العراق، بتدمير دولته، خطوة ضرورية وحتمية كمقدمة لتفكيك بنية المجتمعات بالمنطقة، من أجل إعادة تركيب كياناتها السياسية بما يخدم مصالح الدول الاستعمارية "نهب ثرواتها وخاصة النفط بهدف تحديد كمياته المنتجة كعامل هام للتحكم بأسعاره" وفي ضمان وسلامة أمن الكيان الصهيوني.
الوجه الآخر للمسالة!!
ما قاله الرئيس الأمريكي أمام حشد من قواته بإحدى القواعد البعيدة عن ميدان المعارك، لم يكن سوى وجه واحد للجدل القائم حول جدوى استمرار بقاء القوات الأمريكية قي العراق، الذي بدا وانه لا يستقيم"أي الجدل" إلا وظلال الوجه الآخر تلاحقه، الوجه المتمثل بالمقاومة التي تكبد الاحتلال خسائر يومية لم تكن في حسابات المخططين للغزو، إضافة إلى أنها تقود الولايات المتحدة إلى السقوط تحت اكبر عجز للميزانية في تاريخها.
" النفط" لا يستحق أن يقتل أولادنا من اجله، شعار تتبناه اسر القتلى الأمريكيين العائدين في النعوش، يدفع بذاكرة الأمريكيين إلى فيتنام، يزيد احتدام الجدل احتداما، ويؤسس لفهم اكبر لدى الرأي العام الأمريكي المخدوع، الذي تسيره وسائل الإعلام المرتهنة لخداع التبريرات، بعد أن أصبح من غير الممكن إخفاء حقيقة ما يجري على الأرض.
يقول "ستيوارت نوسباومر"، من المنظمة الأمريكية لمناهضي الحرب على العراق وأحد المحاربين القدماء، بأن "المقاومة الوطنية العراقية تقوم بعمل متين وفعال، حيث أن الأمن في العراق يسير من سئ إلى أسوأ، وأن مناهضة الإحتلال تزداد يوماً بعد آخر، وأن ذلك يشجع ويزيد الفعل المقاوم، ويعطي المقاومة الدعم المستمر الذي تحتاجه لتطورها وزيادة فعالياتها القتالية، وهذا يشبه ما حدث في فيتنام كما أراه على الأرض العراقية"، ويضيف ، "إن العراق يبدو مختلفاً لما حدث في فيتنام من ناحيتين رئيسيتين ألا وهما: أن الوضع في العراق يسوء بسرعة بالنسبة لقوات الإحتلال وأن الأمريكان يشاهدون الحقيقة أسرع مما شاهدوها في فيتنام عام 1960".
أما راي ماك غوفرن، المحلل العسكري الأسبق في المخابرات المركزية الأمريكية فيقول ، "أن القائمين على الإستراتيجية العسكرية والمحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية بشكل عام، لم يتعلموا من تاريخنا في فيتنام، خصوصاً بتشجيعهم للرئيس بوش بعدم الرحيل عن العراق وعن انتصارهم المزعوم في الحرب على العراق، إلا أن الكثير من الذين لديهم قليلاً من الخبرة بحرب العصابات ومنطقة الشرق الأوسط مقتنعون بأن هذه الحرب لا يمكن الفوز بها، وأنها مسألة وقت لا أكثر، إلى أن تعلن القوات المحتلة انسحابها من العراق"، ويضيف قائلاً: "إن وجود القوات الأمريكية في العراق هو المشكلة وليس الحل، إذ أن أعداء هذه القوات في العراق هي المقاومة العراقية بشكل خاص والشعب العراقي بشكل عام، والذين سيستمرون بجعل قوات الإحتلال تعاني وتعاني بشدة، فطالما يستمر الإحتلال سيستمر قتل أفراد القوات الأمريكية والقوات المتحالفة معها"، أما إصرار الإدارة الأمريكية على الاستمرار بالمنهج الذي تتّبعهه وعدم "الهروب" من العراق، فلم يماثله إلا ما انتهت إليه الإدارة الأمريكية عام 1975 بعد مقتل 58.000 جندي أمريكي ، وهو جر أذيال الخيبة والهروب من فيتنام.
تشابه الأهداف والنتائج
في الجدل القائم حول الحرب على العراق، يسخر المحللون من الطريقة التي يتباهى الرئيس الأمريكي بها حين يعرف انه يكذب ويكذب، ولا لوم على رئيس مشكوك بأمر خدمته لبلاده، خاصة فيما يتعلق بالخدمة العسكرية، ولا لوم على رئيس ينفذ ما تمليه عليه ثلة تخندقت خلف أحلام السيطرة، مع وجود الامكانات التي كان من الأجدر إنفاقها على المشاكل الاجتماعية التي تعصف بتكوين وبقاء الولايات المتحدة، بالرغم من كل هذا التقدم العلمي. هكذا يدور الجدل الذي تحول من جدل هامس إلى مسموع، بعد الوصول إلى المأزق، وتطل التجربة الفيتنامية من خلاله، من حيث تشابه الأهداف وقراءة النتائج، إذ يخلص الجدل القائم بين أوساط الفكر الأمريكي، خاصة من عايش التجربة الفيتنامية منهم، يخلص الجدل إلى أن العمق في معنى حروب أمريكا على فيتنام والعراق، يتمثل بالجانب الإستراتيجي لهما، فكلا الحربين تم الذهاب اليهما كمقدمة وطليعة للإستراتيجية الأمريكية الكبرى، ففي فيتنام كانت الحرب من أجل احتواء والحد من توسع الإتحاد السوفيتي، ومحاولة احتواء المد الأحمر، أما في العراق، فإن الإستراتيجية الأمريكية الكبرى هي من أجل "خلق " أنظمة شرق أوسطية تحت السيطرة الأمريكية من ناحية، ومن ناحية أخرى، تكون أداة طيعة بيد الكيان الصهيوني، الذي انفلت في خططه القديمة الجديدة، لإحكام السيطرة على المنطقة بالهيمنة الخاصة وبالوكالة معا.
الولايات المتحدة تتطلع إلى السيطرة الأحادية على العالم، ولا مانع لديها" إن سمحت الامكانات بذلك" استخدام القوة العسكرية لتحقيق هذه السيطرة، والعراق، كان الخطوة الثانية بعد أفغانستان في المنظور التوسعي الأمريكي، الذي يرى في "قوس الثروات" الممتد على المساحات النفطية، وأخرى الممرات الاستراتيجية، هدفا من الضرورة إبقاءه تحت السيطرة،هدفا يخطط أيضاً للسيطرة على جميع المناطق الغنية بالبترول في الشرق الأوسط، بحسب التسمية الجغرافية الأمريكية التي تصل بالتسمية إلى العمق الآسيوي، ومن ثم التغلب على المنافسين الإستراتيجيين للولايات المتحدة. ولتفعيل ذلك، فإن البنتاغون قد خطط قبل وبعد الحرب لبناء 14 قاعدة عسكرية دائمة في العراق.
التشابه، له ما يعكس من نتائج أيضا، وهي نتائج تقترب من بعضها بنسبة كبيرة، إذ عندما بدأت حرب المقاومة الفيتنامية في آذار من عام 1965 تأخذ طابعاً تأكد منه قادة البنتاغون أن الاندحار لقواتهم أصبح قريبا، قرروا أن عليهم الخروج، وبسرعة.
المستشارون العسكريون للرئيس الأمريكي جونسون، قدموا "بعد فوات الأوان"، صورة حقيقية عما يجري على الأرض وعما ستؤول إليه الأوضاع بالنسبة لقواتهم حين أخبروه بصريح العبارة، أن هدفهم في فيتنام كان 70% منه هو تجنب اندحار مذل لقواتهم، و 20% هو لإبعاد فيتنام الجنوبية عن أيدي الصينيين، وأن 10% كان من أجل تقديم حياة حرة للفيتناميين!! وهذه كذبة قديمة متجددة،، وتلك جميعاً كانت الأسباب المذلة لخروجهم من فيتنام.
وبسبب الإستراتيجية الأمريكية ، فإن الولايات المتحدة لم تستطع الابتعاد عن فيتنام، ولكن بسبب طبيعة المقاومة الفيتنامية وخرافة الديمقراطية الأمريكية وأكاذيب الإدارات الأمريكية، فإن المغامرة الأمريكية في فيتنام لم تستطع النجاح، وهنا يتركز الجدل على التشابه في الحالتين، فما عانته أمريكا في فيتنام بدأ يتحقق في العراق، بل بدأت معاناتها مباشرة بعد احتلال العراق، فالقوات الأمريكية والقوات المتحالفة معها تشعر الآن وأكثر من أي وقت مضى أنها تواجه اندحارا مذلاً شبيهاً لما حدث في فيتنام، ولذلك، فان ما يسمع من بعض الدول المشاركة في الاحتلال، عن رغبتها في سحب قواتها من العراق، وان كان التلاعب على الوقت يندرج تحت خانة عدم إغضاب الولايات المتحدة، يؤكد عمق الأزمة التي انعكست من التواجد بالعراق، لتصبح أزمة داخلية تهدد الحكومات، خاصة بعد الانكشاف الفضح للتبريرات التي أقنعت بها جمهورها للمشاركة في الغزو والاحتلال.
ومع ذلك، يلقن الإستراتيجيون العسكريون الرئيس الأمريكي ما يجب عليه قوله، إذ أنهم يفكرون في حسابات أخرى هي غاية في الأهمية لاستمرار وضع أمريكا كقوة عسكرية مهيمنة عالمياً، وتلك "أنه إذا انسحبت قواتها من العراق الآن بفعل المقاومة العراقية، فإن أمريكا ستفقد هيبتها عالمياً، وأن قوتها العالمية ستتضرر بشكل لا يمكن معه إصلاحه، بل وأكثر بكثير من خسارتها في فيتنام. ولهذا السبب فإن العراق أصبح بالنسبة لأمريكا أسوأ من فيتنام.
في مواجهة الحقائق!!
إذا كانت البوابة العراقية هي الدخل للمنطقة، لتنفيذ ما تسميه المصادر الأمريكية بـ" الفوضى الخلاقة"، فان العراق أيضا، هو مدخل لهزيمة المشروع الأمريكي برمته، هذا ما تؤكده معظم البحوث والدراسات الأمريكية المتحررة من ولائها لخداع السلطة، والتي ترى أن الادعاءات بان ذهاب العسكر الأمريكي إلى العراق ، كان لتحقيق الديمقراطية، ومن ثم تعميمها على دول المنطقة، هو مجرد خداع، فالهدف الحقيقي، يتمثل في نقطتين، حماية الكيان الصهيوني، والسيطرة على النفط.
القوات الأمريكية التي وبحسب التقديرات الرسمية، يبلغ تعدادها بين 135 و 145 ألف جندي، قوات أصبحت منهكة، والأرقام التي تتحدث عن قتلاها، لا تنقل الحقيقة، إضافة إلى عدم ذكر الجرحى الذين يخرجون من الخدمة دون عودة، إضافة إلى المرضى بأمراض اقلها الاكتئاب الذي دفع بالعشرات منهم إلى الانتحار، وأيضا، انعكاس ذلك على المجتمع الأمريكي الذي بدا شبانه برفض الالتحاق بالجيش، فيما تتنامى ظاهرة الهروب وطلب اللجوء السياسي من دول الجوار، وعلى الأخص، كندا، مما اضطر الحكومة الأمريكية إلى التوسل للحكومة الكندية برفض اللاجئين السياسيين الأمريكيين الفارين من الالتحاق بالجيش.
تأثيرات الحرب العراقية، فجرت جدلا آخر، يقول بضرورة عودة الجنود إلى الديار، ليس من العراق وحسب، وإنما من كل الأماكن التي يتواجد فيها الجيش الأمريكي بصورة أو بأخرى، ويستند هذا الجدل، إلى التأكيد بان الكراهية التي أصبحت موجهة ضد الولايات المتحدة، انتشرت في العالم كله، وليس في الدول المستهدفة بهذا التواجد.
بعد عامين، يتزايد الحديث العلني عن تأثير البقاء في العراق على الجيش الأميركي بصفة عامة سواء العامل داخل الأراضي العراقية أو المنتشر في أماكن أخرى من العالم.
هذا التأثير يمكن اختصاره كما جاءت على لسان الجنرال ستيفن بلوم قائد الحرس الوطني الأميركي أمام جلسة استماع للجنة الشؤون العسكرية بالكونغرس في فبراير/ شباط الماضي في النقاط التالية:
- ضعف الكفاءة التدريبية لقوات جهزت لمواجهة جيوش دول عظمى فإذا هي وعلى مدى عامين تواجه مجموعات مسلحة من "المتمردين والإرهابيين!!".
- - لم يعد بإمكان الجيش الأميركي ضمان حسم سريع قليل التكلفة إذا ما دخل في مواجهات مسلحة شاملة على جبهات حساسة أخرى كإيران وكوريا الشمالية، حيث لا يمكنه سحب قواته من العراق ليضمن نجاحه في مثل هذه المواجهات، ولا يمكنه في الوقت نفسه زيادة أعداد جنود الاحتياط حيث أنها قد جاوزت المسموح به ولم يعد هناك المزيد لتحقيق ذلك.
- يعيش حوالي 70% من الجنود الأميركيين في العراق حالة من التراخي والكسل المصحوب بنوبات من الاكتئاب لطول فترة بقائهم في العراق في ظل بيئة عمل قاسية من ناحية الظروف المناخية والحياتية مما أدى إلى هروب حوالي ستة آلاف جندي من الخدمة.
- تأثر بهذه الحالة قرابة 70% أيضا من الشباب الأميركي الذين هم في سن التجنيد فأصبحوا زاهدين في الالتحاق بالمؤسسة العسكرية وباتوا ينظرون إليها على أنها ليست المكان الأمثل لتحقيق أحلامهم، وهي حالة مشابهة لما ساد قبل عقود أثناء الحرب على فيتنام.
- تزايد حجم الخسائر الأميركية البشرية والمادية خلال العامين الماضيين، حيث بلغ عدد القتلى بين صفوف الجنود الأميركيين منذ إعلان الرئيس بوش انتهاء العمليات العسكرية في مايو/ أيار 2003 حتى الآن -حسب المصادر الأميركية- 1520 جنديا إلى جانب أكثر من عشرة آلاف جريح.
- أما التكاليف المادية فبلغت حصيلتها أرقاما ضخمة تجاوزت منذ بدء الحرب في مارس/ آذار 2003 حتى الآن 270 مليار دولارمنها (150 مليار دولار) تكلفة مباشرة للحرب، والباقي تكلفة غير مباشرة تأخذ في عين الاعتبار حساب تأثير الحرب وتداعياتها على النمو الاقتصادي (3.7% سنويا بدلا من 4.7% لو لم تقم الحرب).
ورغم ذلك فإن واشنطن لم تأت حتى الآن على الحديث عن عزمها الخروج من العراق، وإنما ما جاء على لسان الرئيس الأمريكي في كلمته قبل أيام، كان بمثابة الصدمة للعديد من الأمريكيين الذين انتظروا أن يسمعوا كلاما مختلفا، فإذا بالرئيس الأمريكي يبلغهم "بان ليس هناك استراتيجية أمريكية للخروج من العراق"، بينما كان وزير دفاعه دونالد رامسفيلد، الذي كان يقوم بزيارة للشمال العراقي يقول، إن قواتنا لن تبقى إلى الأبد، وستخرج بعد تشكيل الجيش العراقي، والسؤال هنا، متى سيتم ذلك وكيف؟
يقول القادة العسكريين الأميركيين : أن أعداد القوات الأميركية في العراق يمكن
تخفيضها بدءا من العام المقبل وبشكل تدريجي يتناسب وتطور عملية إعداد قوات الأمن
العراقية.![]()
الجيوش المساندة للاحتلال الأمريكي
تمثل القوات غير الأميركية العاملة ضمن القوة المتعددة الجنسيات في العراق منذ بداية الحرب في 20 مارس/ آذار 2003 حتى مارس/ آذار الماضي حوالي 20% من مجموع القوات الأجنبية الموجودة هناك (بحساب الحد الأعلى لعدد القوات الأميركية وهو 145 ألف جندي). هذه النسبة تتجاوز بقليل 28 ألف جندي يمثلون نحو 25 دولة بعد انسحاب قوات إحدى عشرة دولة خلال العام الثاني من الغزو، ومن بين الخمس والعشرين دولة هذه تأتي خمس دول على رأس قائمة القوات غير الأميركية العاملة في العراق التي يزيد عدد قواتها العاملة هناك عن الألف، هذه الدول هي: بريطانيا، كوريا الجنوبية، إيطاليا، بولندا، أوكرانيا، يضاف إلى ذلك، قوات يزيد تعدادها عن 30 ألف جندي وعنصر امني، تتواجد من خلال شركات تتعاقد مع الولايات المتحدة، تجلب خليطا من جنسيات مختلفة من العالم يسمون"المرتزقة"، وهذا ليس سرا، ففي الرابع من مايو/ أيار الماضي ذكر وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد أمام لجنة استماع في مجلس الشيوخ "أن بالعراق قوات عسكرية تابعة لشركات خاصة يبلغ تعداد أفرادها ثلاثين ألفا"، وان هذه القوات، تقدم للجيش الأميركي في العراق خدمات كثيرة بدءا من العمليات القتالية المباشرة والدعم الأمني والاستخباري مرورا بتجهيز البنية التحتية للقواعد العسكرية وانتهاء بتوفير الخدمات الإدارية والتموينية.
باستثناء شركات قليلة تعاقدت معها مباشرة وزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون" فإن البقية لا تخضع للمساءلة القانونية، سواء وفقا للقانون العراقي أو للقانون العسكري الأميركي، وقد ساعدها على ذلك البيان الذي أصدره الحاكم الأميركي الأسبق في العراق بول بريمر في يونيو/ حزيران 2003 والذي مدد العمل به في 27 يونيو/ حزيران 2004 والمعروف بـ "الأمر رقم 17" حيث نص على أن "يعفى أفراد هذه الشركات من المساءلة القانونية عن أي مخالفات يرتكبونها أثناء عملهم في العراق، ويسري العمل بهذا الأمر إلى حين تشكيل حكومة عراقية جديدة بعد انتخابات يناير/ كانون الثاني 2005".
وفي هذا الأمر، استغل قادة الجيش الأمريكي في العراق هذه المسالة، ليحملوا تلك الجيوش الخاصة، المسؤولية عن العديد من جرائم الحرب التي أثارتها منظمات حقوقية بما في ذلك جزءا من فضائح التعذيب في السجون العراقية بوجه عام، وفضائح سجن أبو غريب بوجه خاص.
المستقبل العسكري في العراق
يصف المحلل العسكري العراقي"لقاء مكي" المشهد ألاحتلالي من الناحية العسكرية بالقول،" مع بداية العام الثالث لاحتلال العراق، ارتفعت وتيرة الجدل بشأن الوجود العسكري الأميركي هناك، وانقسمت آراء السياسيين والعسكريين والمفكرين الإستراتيجيين حيال هذه القضية، فبعضهم طالب صراحة بوضع حد لهذا الوجود واتخاذ قرار حاسم بالانسحاب وتسليم مقاليد الأمور للعراقيين، وهذا ما يتبناه معظم المفكرين والسياسيين الأميركيين المعارضين لشن الحرب على العراق منذ البداية من أمثال المفكر وعالم اللغويات الشهير نعوم تشومسكي وعضو الكونغرس المعارض الأسبق ديفد ديوك ووزير العدل الأسبق رمزي كلارك، حيث يقود هؤلاء الدعوة إلى سحب القوات الأميركية من العراق فورا أو على الأقل وضع جدول زمني معلن لذلك، وتسليم مقاليد الأمور إلى العراقيين.
يبرر هؤلاء دعوتهم هذه، بأن الحرب منذ البداية لم تكن شرعية، وبأنها قد زادت من كراهية الشعوب للولايات المتحدة، ويقولون إن استنزاف القوات المسلحة الأميركية في العراق على يد المقاومة يستلزم اتخاذ قرار حاسم وسريع بسحب هذه القوات، وبأن الميزانيات المرصودة للتعليم والصحة والخدمات الاجتماعية أحق بالبلايين التي أنفقت ولا تزال تنفق على وجود هذه القوات هناك.
بالمقابل، هناك اتجاه يعتقد بصحة وأهمية الوجود العسكري الأميركي في العراق، بل ويطالب بزيادة أعداد هذه القوات، وبالاهتمام بتسليحها وتدريبها، لكنه في الوقت نفسه يعارض أسلوب عمل هذه القوات كما ظهر خلال العامين الماضيين، ويبنى اعتراضه على فكرة جوهرية مفادها أن الوجود الكبير لهذه القوات في مناطق الكثافة السكانية يعرضها للهجمات ويكبدها المزيد من الخسائر.
ويقترح أصحاب هذا الاتجاه بديلا يعتمد على الانسحاب إلى قواعد عسكرية مجهزة تقع بعيدا عن هذه التجمعات، يفضل أن تكون في مناطق صحراوية، مع الإبقاء على قوة ردع سريعة الحركة قادرة على الوصول إلى أهدافها بحيوية، والتعامل عسكريا معها بخفة وكفاءة.
ويتزعم هذا الاتجاه العديد من العسكريين الأميركيين ومعظم الخبراء والمتخصصين في شؤون الأمن والدفاع بالمراكز البحثية الأميركية الكبيرة، من أمثال الجنرال بيتر شوماخر رئيس أركان القوات البرية وكيث ماينز الضابط السابق في القوات الخاصة الذي كان ممثلا لسلطة الاحتلال في محافظة الأنبار بغرب العراق والذي يعمل حاليا دبلوماسيا في وزارة الخارجية، والميجور ألبري كريستوفر فارهولا الذي كان حتى بداية هذا العام يعمل ضمن وحدات الاحتياط في العراق قبل أن ينتقل إلى الحقل الأكاديمي محللا للشؤون العسكرية".
هل نحن أسوا أعداء أنفسنا؟
في منتصف يوليو/تموز من العام الماضي وأمام لجنة القوات المسلحة التابعة لمجلس النواب قال شوماخر في معرض إقناعه أعضاء اللجنة بأهمية تغيير أسلوب عمل القوات الأميركية في العراق "أحيانا تكون الطريقة المثلى والأسلوب الذكي للتعامل مع حرب العصابات -التي تدور رحاها في العراق حاليا- هي في حضور عسكري أقل وتركيز أكثر لنقاط تجمع القوات ومحاولات إخفائها عن العيون، وهو ما بدأنا نعمل عليه حاليا من خلال آمري الوحدات الموجودين في الميدان".
وقد عضد كيث ماينز هذا الرأي وكتب في مقالة نشرها معهد بحوث السياسة الخارجية داعيا إلى أن تتوارى القوات الأميركية في العراق عن أعين المقاومة وقال "إن وجود القوات الأجنبية يحرض على أعمال العنف وعدم الاستقرار".
أما ألبري فارهولا فقد أبدى موافقته على هذا الرأي ودعا من خلال دراسة تحمل عنوان "الوجود العسكري الأميركي في العراق: هل نحن أسوأ أعداء لأنفسنا؟" إلى تخفيف الوجود العسكري الأميركي المكثف هناك، وإبعاده عن التجمعات السكانية حيث أن ذلك على حد قوله "يستفزها ويؤدي إلى نفور بعض شرائح المجتمع العراقي".
وبتحفظ وافق الجنرال مارك هرتلينغ آمر الفرقة المدرعة الأولى التي شاركت في احتلال بغداد على الخطوط العريضة ،،، "البقاء مع تغيير أسلوب العمل" لكنه بادر إلى القول "إن هذا السيناريو يميل أكثر إلى اعتبار ما شاهده ماينز في محافظة الأنبار هو مقياس ينطبق بالضرورة على بقية المحافظات العراقية"، لكن هرتلينغ أكد عموما على أن عمل القوات الأميركية في العراق يتجه بالفعل إلى الأخذ بهذا الاتجاه مستدلا على ذلك بقوله "إنه تم تقليص عدد النقاط الأمامية لتجمع القوات الأميركية الواقعة في العاصمة العراقية من 60 نقطة عام 2003 إلى 8 نقاط نهاية 2004".
وغير بعيد عن ذلك ما قاله الجنرال تشارلز سوناك الذي قاد الفرقة الثانية والثمانين المحمولة جوا في غرب العراق معظم أشهر السنة الماضية إذ قال إنه يؤيد "وضع قوات الأمن العراقية في المقدمة بينما تتحرك الوحدات الأميركية من الخلف" وقال إن هذا الأسلوب سوف يقلل خسائر القوات الأميركية ويعزز من وجودها العسكري في العراق دون مزيد من التضحيات، ولذلك فقد شدد على ضرورة الإسراع في برنامج المساعدات الأميركية للجيش ولقوات الأمن وأجهزة الاستخبارات العراقية الوليدة، وقد وصف هذا البرنامج بأنه "يسير ببطء شديد مما يحول دون تحويل كل هذه الآراء النظرية إلى واقع ملموس على الأرض".
الغالب إذن على سيناريوهات الوجود العسكري الأميركي في العراق هو البقاء مع تغيير أساليب العمل، وهو ما استخلصه القادة الميدانيون بعد خبرة عامين من وجودهم هناك.
أما كل ما يتعلق بزيادة أعداد هذه القوات لترتفع من 138 ألفا في الوقت الحالي إلى 150 ألفا أو تقليلها لتصبح 70 ألفا، وما يتعلق كذلك بالتوسع في عمليات إعادة الانتشار أو حتى حركات الإحلال والتبديل مع وحدات يتم استدعاؤها من أماكن أخرى من العالم لتخفيف الضغط النفسي على الجنود الموجودين في العراق فهي كلها أساليب تكتيكية تخدم إستراتيجية البقاء العسكري التي لم يعلن عن تغيرات جوهرية فيها حتى الآن.
اتساع موجة الرفض
بالرغم من العملية السياسية التي يحاول الاحتلال إعطائها صفة الحراك الديمقراطي، وبالرغم من أن قوى عراقية تشارك بها لهدف أو لآخر، إلا أن الرفض الشعبي لوجود الاحتلال في تنام متزايد، فمع دخول احتلال العراق عامه الثالث ، شهد الشارع العراقي موجة عارمة من التظاهرات التي غالبا ما جمعت غالبية ألوان الطيف العراقي، المطالبة برحيل الاحتلال، كما شهد السجال بين الاحتلال وبين المقاومة المسلحة ، تصاعدا واضحا أيضا، تمثل ليس فقط بزيادة حجم العمليات المقاومة، وإنما بنوعية هذه العمليات، ورغم التعتيم الإعلامي، والحصار المفروض على وكالات الأنباء والصحفيين، فان أنباء ذا مصداقية، تحدثت عن استخدام المقاومة لأساليب جديدة وكبيرة، كما حدث في الهجوم الكبير على منطقة أبو غريب، وكما حدث على مناطق أخرى، مع استخدام وسائل قتالية ذا مفعول كبير مثل القصف الصاروخي وبأجهزة لا يمكن إخفائها مثل راجمات الصواريخ، حيث يدلل هذا الاستخدام، بان هناك إمكانية لحرية الحركة والتنقل، بعد انكفاء جيش الاحتلال إلى الثكنات، كما هو الحال مع غالبية الجيوش التي تشارك من دول أخرى، ونسبة كبيرة من الجيش الأمريكي، خاصة في المناطق التي تمثل لهم"مثلث الموت"، أو ما يدعونها "طائفيا" بمناطق السنة.
لا تدعي معظم القوى السياسية في العراق تأييدها للاحتلال، وكثير منها يتحدث عن ضرورة خروج القوات الأجنبية من البلاد الآن أو في المستقبل، لكن هذه الإرادة العلنية لا تخفي حقيقة أن العامين الماضيين منذ الغزو شهدا تعاطي قوى سياسية عديدة مع الاحتلال ولاسيما من خلال المشاركة في عملية سياسية قام برسمها بمساهمة عراقيين، وفي الاتجاه الآخر يمكن أن نلحظ قوى أخرى اتسعت بانتظام تعاملت مع الغزو ونتائجه برفض واضح شمل مقاطعة العملية السياسية بما في ذلك المشاركة في السلطة أو في الانتخابات العامة التي أجريت في الثلاثين من يناير الماضي بسبب ما تصفه بعدم شرعية الاحتلال أو الخطوات السياسية التي تجري في وجوده التي لن تخدم في النهاية غير مصالحه.
وفي كل الأحوال، فان الاحتلال راحل في نهاية الامر، وأيضا، فهو لن يستطيع البقاء متعايشا مع خسائره اليومية، ومع تنامي رفض الشارع الأمريكي للبقاء في العراق، وهذه ليست أحجية، فقراءة مشهد بحجم المشهد العراقي، تخضع دائما لمتغيرات تمليها معطيات محلية وإقليمية وعالمية، فالأمر لا يتعلق باحتلال دولة هامشية، وإنما باحتلال دولة مفصلية في المشاريع الأمريكية للمنطقة، وهي مفصلية في انعكاس المعطيات سلبا أو إيجابا، وربما تساهم في الحلم الإمبراطوري الأمريكي الجديد، أو تقوم بدفنه إلى الأبد.
المخططات الأمريكية للعراق: نماذج غير قابلة للتطبيق
عملية" مصارعة الثيران التي انتهت على أبواب القائم، إلى عملية " البرق" ، وكلتاهما من فعل الاحتلال الأمريكي للعراق ، يقابلها ازدياد العمليات العسكرية التي استهدفت أفراد الشرطة والجيش العراقي، حيث الخسائر العالية، إضافة إلى استهداف الدوريات الأمريكية وسقوط الأعداد الكبيرة من الجنود الأمريكيين ، مع ملاحظة هامة ونوعية، تتعلق باستهداف خطوط التموين والإمداد الأمريكية، حيث سجلت الخسائر، مقتل العشرات من سائقي الشاحنات العاملة لصالح القوات الأمريكية إضافة إلى تدمير تلك الشاحنات.
الخطط الأمريكية التي استهدفت تقليل الخسائر الأمريكية بزج هذا العدد الكبير من قوات الجيش العراقي إلى الواجهة، لم تفلح في إسكات الأصوات المتصاعدة حتى داخل مؤسسات الإدارة الأمريكية الرسمية، للمطالبة بالانسحاب من العراق، أو جدولة هذا الانسحاب على الأقل في الوقت الراهن، لا بل ان الأنباء تحدثت عن محاولات أمريكية لإعادة إحياء طلب قديم يتعلق بمشاركة عربية في ما يقال أنها لحفظ السلام وتحقيق الاستقرار، في وقت لا تجد فيه تجاوبا في هذه المسالة حتى مع بعض الذين ما زالت تعتبرهم حلفائها في المنطقة.
العمليات العسكرية توسعت بحيث لم تعد هناك منطقة عراقية بمنأى عنها، فيما عادت جبهات قديمة للواجهة مثل الفالوجة والرمادي وغيرها، إضافة إلى التوسع بالمواجهات في الشمال العراقي.
في مواجهة الرئيس
منذ ذهاب الإدارة الأمريكية باتجاه غزو العراق، لم يواجه الرئيس الأمريكي معارضة كما يحدث في العام الثاني من ولايته الثانية، سواء على الصعيد الرسمي، أو على الصعيد الشعبي، وبعيدا عن استطلاعات الرأي العام الأمريكي الذي تراجع تأييده بنسبة كبيرة بما يخص بقاء القوات الأمريكية في العراق، طالبت مجموعة من أعضاء مجلس النواب الأميركي تضم ديمقراطيين وجمهوريين، الرئيس الأميركي جورج بوش بالشروع في سحب القوات الأميركية من العراق بدءا من أكتوبر/تشرين الأول 2006.
وتعتبر هذه المرة الأولى التي يقدم فيها ديمقراطيون وجمهوريون مشروع قانون مشتركا بشأن التواجد الأميركي في العراق, رغم أن أغلبية ديمقراطية وستة من الجمهوريين رفضوا عام 2002 إرسال قوات إلى العراق, لكنهم لم ينسقوا أبدا من أجل مشروع قرار يدعو إلى عودتها.
المفارقة التي قيل بأنها صدمت الرئيس بوش، كانت حين علم ان من بين مقدمي المشروع، الجمهوري وولتر جونس من نورث كارولينا، الذي كان أحد أكبر المؤيدين للحرب على العراق، هذا السيناتور وبعد أن كان من أكبر مناصري الحرب ، تراجع جونس ليقول إن أسلحة الدمار الشامل التي برر بها البيت الأبيض الاجتياح لا وجود لها, معتبرا أن واشنطن قامت بما تستطيع القيام به في العراق, وأنه أزف وقت الرحيل.
غير أن الإدارة الأميركية تصر على أن سحب القوات الأميركية في الوقت الراهن سيقوي شوكة المقاومة العراقية, معتبرة أن قوات الأمن العراقية ما زالت في حاجة للمزيد من الدعم لتنفيذ عملياتها، هذا الكلام، تتبناه وزارة الدفاع "البنتاغون"، ويردده الوزير رامسفيلد، بالرغم من ان عسكريين في وزارته ، يرون ان الاستمرار ضمن هذه الحالة، سيقود الجيش الأمريكي إلى حالة كارثية.
مشروع القرار المشترك بين النواب الجمهوريين والديمقراطيين، يأتي في وقت ارتفعت فيه حصيلة القتلى الأميركيين في العراق, وتواصل هذا النزف بحيث لم يعد يمر يوما إلا ويسقط معه المزيد من القتلى الأمريكيين، حيث تشير الحصيلة الرسمية، والتي تشكك بها حتى وسائل الإعلام الأمريكية، إلى ان عدد القتلى في صفوف القوات الأميركية الشهر الماضي بـ 80 قتيلا, وان العدد الإجمالي من القتلى الأميركيين منذ بدء الحرب وصل إلى 1700.
بالمقابل، أظهر استطلاع للرأي أجراه معهد غالوب ونشرته صحيفة يو إس أي توداي قبل بضعة أيام أن 60% من الأميركيين يؤيدون إما سحبا كاملا وإما جزئيا للقوات الأميركية في العراق.
إنهم لا يريدون الذهاب إلى الحرب!!
وزارة الدفاع الأميركية ، تواجه صعوبات في اجتذاب المجندين للخدمة في القوات الأميركية، ويعزو الخبراء هذا الوضع إلى تزايد القتلى الأميركيين في العراق وتحسن الأوضاع الاقتصادية.
يوضح الجنرال مايكل روشيل رئيس قسم التجنيد في وزارة الدفاع أن من بين أسباب تدني الإقبال على الخدمة نصائح الأهل والعائلات والمربين لأبنائهم بعدم الانخراط في الجيش.
يعترف بأن مسؤولي التجنيد في الولايات يواجهون مناخا متوترا لم يشهد مثيلا له خلال 33 عاما من عمله العسكري.
يعرب روشيل عن أسفه لبعض الممارسات التي يتسبب فيها مسؤولو شعب التجنيد في الولايات، مشيرا إلى أن هناك تحقيقا يجري الآن في سبع وقائع تعكس سوء سلوك هؤلاء المسؤولين، لكنه لم يذكر أي مثال من تلك الوقائع، بالرغم من ان الصحف الأميركية كانت قد أشارت إلى انتهاكات قام بها مسؤولو التجنيد، وتنظر إدارة التجنيد بالبنتاغون في 7500 حالة، منها حادثة وقعت في مدينة هيوستن (تكساس جنوب البلاد) حيث ترك أحد المسؤولين رسالة هاتفية لشاب متطوع يهدده فيها إن تخلف عن الموعد الذي حدده له.
يشار إلى أن الجيش الأميركي ألغى طلبات التجنيد الإجباري عام 1973 أواخر الحرب الفيتنامية الأميركية، ومنذ ذلك الوقت وهو يعتمد على المتطوعين، فيما انه في الحالة العراقية، اتجه إلى الاستعانة بالمرتزقة، الذين ازدهرت التجارة فيهم وبهم، حيث تعد الشركات التي تجتذبهم إلى العراق بالعشرات.
هذه
الحالة، تجد مناخا خصبا لها في وسائل الإعلام، حتى خارج الولايات المتحدة، فجديد ما
كشفت عنه الصحافة، ما جاء عن وثيقة سرية للجيش الأميركي تفيد بتحديد ديسمبر/كانون
الأول المقبل موعدا لانسحاب القوات الأميركية من العراق، فقد
كشفت صحيفة "ديلي تلغراف" عن وثيقة سرية تم توزيعها على مسؤولين
عسكريين أميركيين رفيعي المستوى تفيد بأن الجيش الأميركي حدد ديسمبر/كانون الأول
المقبل موعدا لتسليم المسؤولية الأمنية للجيش العراقي والوحدات الأمنية.
وقالت الصحيفة إنها المرة الأولى التي يتم فيها تحديد موعد زمني لإنهاء تولي القوات الأميركية السيطرة على ما وصفته بالتمرد في العراق.
ويظهر هذا الاقتراح -كما تقول الصحيفة- أن الجيش الأميركي سيبدأ في الانسحاب من الحراسة ومن ثم الانسحاب التدريجي من البلاد ككل.
وأشارت ديلي تلغراف إلى أن بريطانيا والولايات المتحدة رفضتا الإفصاح عن أي خطة لإستراتيجية الخروج خشية تشجيع من أسمتهم المتمردين!! على أن يروا في ذلك فرارا.
ونقلت عن ضابط أميركي تأكيده لتوزيع خطة الانسحاب، واصفا إياها بأنها "تخطيط حكيم".
هذا من الناحية الرسمية، لكن صحيفة "ديلي تليجراف" نشرت تقريرا على صفحة كاملة حول مخاوف الآباء الأمريكيين الآن من إرسال أبنائهم إلى العراق.
بعد عودة النعوش
يقول التقرير الذي أعده الصحفي البريطاني "أليك راسل"، ان موقف الآباء الأمريكيين تغير كثيرا الآن عن بداية الحرب خاصة بعد عودة أعداد كبيرة من الجنود الأمريكيين من العراق في نعوش.
في التقرير ، يعرب رينيه وهو أب لأحد الجنود الأمريكيين، انه الآن يخشى من رؤية ابنه ذاهبا إلى العراق، انه الآن يرى الحرب في العراق بصورة مختلفة، موضحا انه بعد ان كان يراها عادلة ويتمنى ان يذهب ابنه للخدمة العسكرية هناك يراها الآن غير مبررة.
ويقول كاتب التقرير، ان رأي رينيه يشاركه فيه آلاف الآباء من جميع أنحاء الولايات المتحدة.
مضيفا: ان موقف الآباء هذا هو أهم عائق أمام البنتاجون لسد الفراغ في المواقع العسكرية المختلفة في صفوف القوات الأمريكية بالعراق.
موضحا: ان وزارة الدفاع الأمريكية أنتجت إعلانات تليفزيونية بلغت قيمتها ملايين الدولارات، شاهد الأمريكيون أربعة منها خلال الأسبوع الماضي تحث الآباء على تشجيع أبنائهم على الانضمام إلى الجيش الأمريكي.
كما ترسل الوزارة أيضا إعلانات عن طريق البريد تحمل نفس المعنى إلى آباء طلاب المدارس الثانوية.
يقدم البنتاجون الوعود للآباء والأبناء بدفع 14 ألف دولار من المصروفات الجامعية وكذلك الرعاية الصحية المجانية لمن ينضمون إلى الجيش الأمريكي.
المدارس نفسها طلبت من وزارة الدفاع عدم الإصرار على عمل دعاية من هذا النوع في المدارس.
تنقل صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية عن إحصاء حديث أجراه البنتاجون، ان 25 بالمئة فقط من الآباء الآن لا يعارضون انضمام أبنائهم إلى الخدمة العسكرية مقارنة بحوالي 42 بالمئة في عام 2003.
وتقول الأمهات الأمريكيات، انه من الجنون الانضمام إلى الجيش والذهاب إلى الموت بالعراق في حرب لا مغزى لها.
يختتم التقرير بكلمة تقول : انه يعتقد ان من الخطأ لعب دور شرطي العالم.
التقارير هذه، ترى انعكاساتها على شريك بوش الرئيسي "توني بلير"، اذ تحذر "ذي إندبندنت" بلير بأن تاريخه سيبقى أسير العراق إثر الأدلة الدامغة التي كشف عنها أخيرا عن نيته الانضمام إلى الحرب مع الولايات المتحدة قبل شنها بثمانية أشهر.
تقول بأن الوثائق التي كشفت عنها الحكومة ، تثبت المغالطات التي كان يصرح بها للعلن وهي أنه يمكن تجنب الحرب إذا ما التزم صدام بقرارات الأمم المتحدة.
تضيف: أن تلك الوثائق تدعم اتهامات معارضي الحرب التي تنطوي على موافقة بلير على إسناد التدخل العسكري الأميركي أثناء لقائه مع الرئيس الأميركي جورج بوش في أبريل/نيسان 2002، وهي ما سبق أن نفتها الحكومة.
يقترب قاض بريطاني من السياق نفسه، حين يتهم كل من واشنطن ولندن باستغلال الذعر العام من الإرهاب لتعديل القانون الدولي ليخدم مصالح الدولتين طبقا للأجندة الخاصة بهما.
يقول اللورد ستين الذي يعد الأقدم بين القضاة في بريطانيا وعضو مجلس اللوردات، ان الولايات المتحدة وبريطانيا تستغلان الهجوم الإرهابي الذي وقع بالولايات المتحدة في 11 سبتمبر 2001 لإعادة تشكيل القانون الدولي بحيث يخدم مصالحهما.
تساؤلات لم تكن تطرح سابقا
تعنون صحيفة "ديلي تلغراف" مقالا لها بسؤال مفاده "لماذا لم يودع القائد العسكري وراء القضبان" تقول فيه إن الرجل الذي قاد الجيوش العسكرية البريطانية في العراق توقع أن ينضم إليه بلير والنائب العام غولد سميث في السجن إذا ما خضع لمحاكمة بجرائم الحرب.
تنقل الصحيفة عن القائد العسكري لورد بويس قوله "إذا ما ذهبت وجنودي إلى السجن فإن آخرين سينضمون إلينا"، في إشارة إلى بلير وغيره من الساسة.
تقول إن التحليلات بشأن الموقف القانوني تظهر عدم ضرورة الخشية من المحاكمة، وفق نصيحة النائب العام التي تسربت حديثا، وتفيد أن المحكمة الجنائية الدولية لا تملك حق محاكمة جرائم العدوان، لذلك فإنها لا تنظر في قضية حول قانونية العمل العسكري.
يفضح الصحفي سيمور هيرش الحائز على جائزة بوليتزر - بعد فضحه لمذبحة قرية ماي لاي التي قامت بها القوات الأمريكية في فيتنام والتي راح ضحيتها أكثر من 530 من نساء وأطفال وشيوخ أبرياء، ومن بعدها في العام الماضي فضح جرائم الحرب التي قامت بها القوات الأمريكية وعملائها في سجن أبو غريب ، يفضح الإدارة الأمريكية بقوله، أن العراق متوجه نحو حرب أهلية مفتوحة تخطط لها إدارة بوش المجرمة.
في مؤتمر في جامعة إيلينوي (10/5/2005) يتحدث عن الفضائح الأمريكية في العراق خصوصا في سجن أبو غريب وعن عصابة بوش وأكاذيبها الملفقة التي طرحتها قبل وبعد الحرب لتبرير جرائمها اللاأخلاقية والغير شرعية في عملية غزو العراق واحتلاله.
يشرح كيف ان الولايات المتحدة تدعم مجموعة عسكرية تم الحديث عنها في قسم المجلة في النيويورك تايمز قبل أسبوع تحت عنوان"سيلفدرزة العراق" (نسبة إلى حرب السلفادور الأهلية التي أشعلها نيجروبونتي في ذلك البلد الأمريكي .
أحد القادة الأمريكان الذي كان يورط ويدعم ويساعد فرق الصياد-القاتل السيلفادورية قبل عقدين، مسؤولية، هو مستشار لهذه المجموعة -- هذه مجموعة التي، في قصة النيويورك تايمز، ارتكبت انتهاكات هامة لاتفاقية جنيف، وهي تقريبا مدحت بواسطتها.
جون نيجروبونتي كان السفير الأمريكي – بالطبع، هو الآن رئيس الإستخبارات الوطنية – سابقا، في أوائل الثمانينات، كان سفيرا إلى هندوراس، أرضية المسرح لحرب عصابات الكونترا، هناك ربط بين الناس التي جلبت الآن من الذين عملوا في السيلفادور، قبل عقدين، وعملهم مع المجاميع الشبه عسكرية الان في العراق؟
فريق"الصياد القاتل"
هذا هو عمله الآن كرئيس الإستخبارات، وأعتقد أن الذي عمله من ناحية العمليات السرية، أجهزة وفرق إغتيالات سرية، فريق صياد-قاتل، ذلك الذي عندنا الآن، نحن نهبط – الفكرة هي، أعتقد أنها شريرة بطريقة ما، حقا، الشيئ الذي عمله، إن الفكرة الآن في العراق، الهدف الذي يمتلكونه الآن هو أنهم يريدون دخول المدن الرئيسية المختلفة في الوسط السني، المحافظات الأربعة في العراق ، والتي يسكن فيها 40% من نفوس العراق، حول بغداد. الفكرة هو احتلال المدن الرئيسية. إحتلوا الفلوجة، والآن يحاولون إحتلال مدن اخرى، إسقاطها، جعل الناس القاطنة في قلب الأراضي السنية خائفين من المخابرات الأمريكية/العراقية أكثر من خوفهم من المقاومة، هذه هي الفكرة، وأبي زيد، وهكذا أخبرت، جعلها واضحة بأنه يعتقد أن بإمكانه، خلال سنة واحدة، بإمكانه إسقاط أربعة أو خمسة من المعاقل الرئيسية، وأعتقد أن الخطة هي الذهاب من الرمادي الى مدينة رئيسية أخرى يسكنها 300000-400000 نسمة والبدأ بنفس النوع من العمليات، سوف لن يكون هناك صحفيين (ملازميين) مع القوات المحاربة، فقط في مناسبات نادرة، نحن لسنا هناك مثل ما كنا عليه في الفلوجة، في الحقيقة نحن لا نعلم عن ما يجري في أماكن اخرى يبدو أنها مثل جحيم مقدسة هناك، لكننا لا نعرف، وأعتقد أنها خطة اللعبة، هي نوع من خطة لعبة يائسة، من الواضح، سوف لن يكتب لها النجاح، محتلون، إرهاب ، وهذه التقنيات لا تعمل.
الهروب إلى مشاريع أخرى
لا ترحب الإدارة الأمريكية بما يطلب منها، وهي تغرق بكل غطرستها في المستنقع العراقي، لكنها في نفس الوقت، تفتش عن حلول أخرى، حلول غبية ربما، لكنها تأمل ان تؤدي إلى انفراج في أزمتها، وان تساهم في إيجاد حلول لها.
تلجا إلى أهل الدراسة والفكر، الذين عادة ما تكون أفكارهم خارج إطار الصراع الميداني بتفاصيله المعقدة، يقترح تقرير جديد وضعه أكاديمي أمريكي تقسيم العراق إلى خمس أو ست ولايات اتحادية تخضع لحكومة وطنية واحدة، يزعم ان اقتراحه يهدف لمنح العراقيين حرية أكبر في إدارة شؤونهم.
يقول التقرير الذي وضعه باحث في المجلس الأمريكي للعلاقات الخارجية وهو مركز بحث مستقل، ان التقسيم يجب أن يقوم على أساس جغرافي لا عرقي وان بغداد لابد أن تكون من بين تلك الولايات.
التقرير يحمل عنوان ، "تقاسم السلطة في العراق" وهو تحليل من 50 صفحة كتبه ديفيد فيليبس الخبير في شؤون الشرق الأوسط والعراق " يقول فيه: كانت الانتخابات العراقية في 30 يناير 2005 حدا فاصلا في تاريخ البلاد، ولكن الديمقراطية تتعلق بما هو أكثر من مجرد الانتخابات".
إنها تتعلق بتوزيع السلطة السياسية عبر المؤسسات.. والقوانين التي تضمن الحكم القابل للمحاسبة".. "في العراق الجديد لابد أن تسيطر الولايات العراقية الاتحادية على كل الشؤون غير المنوطة صراحة بالحكومة الاتحادية".
ويقترح فيليبس وهو مستشار سابق للحكومة الأمريكية تشكيل ولايتين أو ثلاثا من تسع محافظات بجنوب ووسط البلاد ، حيث يتركز السكان الشيعة وتشكيل ولاية أخرى من أربع محافظات بوسط وغرب العراق التي يغلب عليها السنة، كما تشكل ولاية أخرى من المحافظات الثلاث في شمال غرب العراق التي تسكنها أغلبية من الأكراد إلى جانب ولاية مستقلة لبغداد.
يضيف: "تمشيا مع مبدأ اللامركزية ، لابد أن تكون للولاية العراقية الاتحادية والسلطات المحلية القدرة على إقرار القوانين التي تتوافق مع العادات المحلية، "من المقرر ترجمة تقريره إلى اللغة العربية وتوزيعه على الحكومة العراقية والجمعية الوطنية قريبا".
التقرير الجديد، لم يكن جديدا بكل معنى الكلمة، فقد سبق وان طرح اقتراح بتقسيم العراق إلى ولايات ، ولكن هذا الاقتراح أثار تساؤلات بشأن الفصل العرقي والطائفي وترك قضية كيفية توزيع ثروة النفط في البلاد معلقة.
توزيع السلطة، وماذا بشان الثروة؟
يوجد في العراق أكبر ثالث احتياطي للنفط في العالم ، ولكن الإنتاج يتركز في أقصى الجنوب وحول مدينة كركوك بشمال البلاد، والتي يطالب بالسيطرة عليها كل من العرب والأكراد والتركمان، ولا توجد في وسط البلاد موارد طبيعية أو نفطية.
رد فعل زعماء العراق، كان فاترا إزاء اقتراحات سابقة بإقامة كيان اتحادي ، كما أن الزعماء العرب لا يرغبون في منح الأكراد الذين تمتعوا بقدر كبير من الحكم الذاتي في المنطقة الشمالية لمدة أكثر من عشر سنوات قدرا من الاستقلال أكبر مما يتمتعون به بالفعل.
يقترح فيليبس أن تحتفظ الحكومة الوطنية بجزء من عائدات النفط لعملياتها، ولكن لابد من تحقيق التوازن بين الولايات الاتحادية على أساس السكان كما يقول "ان الحكومة الوطنية لابد أن تتولى مسؤولية الشؤون الخارجية والتجارة الخارجية والرقابة على الحدود والجمارك والضرائب والسياسة النقدية وإصدار العملة وتنمية البنية الأساسية والقوات المسلحة.
يتابع: "حتى يحدث هذا لابد من اتخاذ قرارات صعبة.. يتعين على العرب من الشيعة أن يتخلوا عن مطالب بجعل الشريعة مصدر التشريع الوحيد!! ولابد أن يقبل العرب من السنة أن التحكم في المؤسسات العراقية لم يعد في أيديهم".
ولابد أن يتخلى الأكراد العراقيون عن حلم الاستقلال وسيطرتهم دون غيرهم على كركوك ،ولابد أن يدرك التركمان والكلدانيون والاشوريون العراقيون أنهم يعيشون في ولايات عراقية اتحادية يمثل فيها العرب والأكراد الأغلبية".
المقترح هذا أيضا لا ينظر إليه بشكل جدي، فيما يستمر التخبط الأمريكي دون أي أفق لحل منظور.
تطرح المسالة الفيدرالية، لكن الموقف الأمريكي تجاه المسألة الفيدرالية، الذي بدا متجاوبا مع التطلعات الكردية قبل وأثناء الحرب على العراق، تغيرت لغته وغدا أكثر ضبابية بعد سقوط بغداد، فقد تحاشى الحاكم الأميركي المؤقت السابق للعراق جي غارنر الإجابة بصيغة واضحة على أسئلة كثيرة طرحت عليه في مؤتمرات صحفية حول الفيدرالية، وكانت إجاباته تدور حول فكرة واحدة " النظام العراقي الجديد سيكون له رئيس واحد وجيش واحد وحكومة واحدة تمثل كل الشعب العراقي".
وقد فسرت التصريحات في حينها، أنها تراجعا عن الوعد بإقامة نظام فيدرالي إكراما للأكراد
فالجانب الأميركي لا يريد أن يفتح على نفسه أبواب استقلال الشعوب ذات القوميات الخاصة، إذ سيواجه أزمة المصداقية تجاه قضايا عديدة مماثلة في روسيا والصين والهند وتركيا.
كما أن العلاقة الإستراتيجية الأميركية مع تركيا تبقى هي الراجحة على العلاقة مع الأكراد في حسابات المصالح الآنية والمستقبلية، وهو ما عبر عنه أكثر من مسئول كردي في أحاديث غير مسجلة، من أن الولايات المتحدة لن تضحي بعلاقتها بأنقرة من أجل عيون الأكراد، ويستحضر القادة الأكراد سجل الخذلان الأميركي للأكراد على مدى أكثر من نصف قرن، ولا يستبعدون تكراره في المرحلة الراهنة، ومع ذلك، لا زالوا يتمسكون بحلم الدولة، وربما كانت احتفالات تنصيب البرزاني رئيسا لإقليم كردستان، الطريق إلى هذا الحلم، وهو حدث طغت عليه أصوات القذائف، فهل حقا يشكل هذا الحدث بداية التقسيم أو تمرير مشاريع تقترب منه؟
العراق في المشروع الكردي
كان البرلمان الكردي الذي يضم أعضاء الحزبين ( الاتحاد والحزب) قد أقر في 8-11-2002 مشروعي قانوني الفيدرالية لـ "الإقليم الكردي" ودستور العراق الفيدرالي اللذان قدماهما الحزبان، ويقسم مشروع القانون العراق إلى منطقتين كردية وأخرى عربية، وتلمح مواده إلى أن الطرح الفيدرالي يقوم على أساس الاستقلال شبه التام للمنطقة الكردية شمال العراق، مع تعيين مدينة كركوك عاصمة للإقليم." وهذا يفسر لماذا يتعرض العرب والأقليات الأخرى في كركوك للاضطهاد وللتطهير العرقي"،
وتوحي مواد القانونين بأن المطروح هو أقرب إلى الكونفيدرالية منها إلى الفيدرالية، إذ تنص المواد على أن لإقليم كردستان علما خاصا به، وهو علم جمهورية مهاباد - وهي الدولة الكردية المستقلة الوحيدة في تاريخ الأكراد ولم تدم طويلا- وشعارا ونشيدا خاصين، بل يستطرد المشروع إن لهذا الإقليم قوات مسلحة دفاعية خاصة به، وهو ما لا ينطبق على الدول الاتحادية الفيدرالية، وبالمناسبة، العلم العراقي لم يرفع أثناء عملية التنصيب، بالرغم من وجود مسؤولين من الحكومة العراقية".
لكن التطلع الكردي لتأسيس الكيان الخاص من خلال الطرح الفيدرالي يصطدم بعقبات كثيرة، إقليمية في الأساس، وعراقية داخلية بالدرجة الثانية، فعلى المستوى الإقليمي، يعني تمتع الأكراد بفيدرالية وكيان شبه مستقل تجاوزا لخطوط حمراء كثيرة رسمتها دول الجوار ذات العلاقة بالمسألة الكردية وهي تركيا بالدرجة الأولى ثم إيران وسوريا.
وكانت ولا تزال تركيا تلمّع هذه الخطوط الحمراء، لتكون واضحة لكل ذي بصيرة، بأن الكيان الكردي الخاص في العراق يعني تدخلا عسكريا من طرفها، فالمعادلة في نظرها بسيطة ولا تحتاج إلى كثير جدل، لأن الفيدرالية الكردية في العراق ستثير شهية أكراد تركيا بتحقيق كيان مماثل، وهي حالة تثير التعقيد والحساسية بالنسبة للحكومة التركية، والتخوف ذاته يتردد صداه في طهران ودمشق تجاه الأقليات الكردية وان بنسب مختلفة.
العراق
لا ينقسم إلى قوميتين كردية وعربية حتى تحل المسألة بخط سياسي يرسم بين مناطق
الأكراد شماله والعرب في الجنوب منه، فهناك أقليات عرقية متعددة مثل التركمان
والآثوريين والكلدان والسريان والأرمن وغيرهم.
الأكراد والأقليات الأخرى
وإذا كانت القومية الكردية أكبر من غيرها من الأقليات الثانوية، فإنه بمنطق العدد لا تقارن القومية الكردية بالعربية، فالأكراد لا يشكلون أكثر من 15% من سكان العراق.
تشغل مدينة كركوك جزءا كبيرا من تطلعات وآمال الأكراد المستقبلية، ويضفون عليها قدرا كبيرا من القداسة، ويعتبرونها رمزا للكيان الكردي، إذ يشدد البرزاني على أن الأكراد لن يساوموا على الهوية "الكردستانية" لكركوك، وأنهم سيستردون المدينة في أي لحظة يستطيعون استردادها، هذا الإصرار على اعتبار كركوك عاصمة الكيان الكردي المستقبلي، فيه قدر كبير من الاستفزاز للأتراك أولا، ولعرب العراق ثانيا، فتركيا تتذرع بالدفاع عن حقوق الأقلية التركمانية، التي تدعي أنها تشكل أغلبية سكان المدينة، للعب دور ما في السيطرة على مقدرات هذه المدينة الغنية بالنفط، فحقل كركوك النفطي هو أول حقل عراقي اكتشف في العشرينيات من قبل شركة نفط العراق.
كما
أنه أكبر حقل حتى الآن، باحتياطي يبلغ 11 مليار برميل، أي أكثر من مجموع
الاحتياطيات النفطية في مصر وسوريا وقطر، وتثير هذه الأهمية الاقتصادية
الاستراتيجية لكركوك مخاوف العرب من السيطرة الكردية على المدينة وهو ما سيزيد من
نفور عرب العراق من مشروع الفيدرالية بصيغته الكردية المطروحة.![]()
الصراع الكردي - الكردي
التحدي الحقيقي الذي يواجهه تأسيس كيان سياسي كردي له خصوصيته، لا ينبغ من الشمال الكردي أو الجنوب العربي العراقي، بقدر ما تفرضه العلاقة الكردية - الكردية، التي اتسمت بالصراع الدموي بين الفصيلين الكبيرين الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي، وقدرة الزعيمين وقيادات الحزبين على تجاوز ارث الصراع الطويل بينهما لتشكيل ادارة موحدة منسجمة لاقليم كردستان بمجموعه، ام سيتم الابقاء على التقسيم الطولي للاقليم بين ادارتين ( او حكومتين) منفصلتين لمدينتي السليمانية منذ عام 1991، واربيل وما اذا سيُحتفظ ببرلمان واحد للمنطقتين، ام ستكتمل الفرقة والانفصال الداخلي بتأسيس برلمان لكل منطقة.
فقد اقتتل الحزبان الكبيران في سنة 1994، ثم تجدد في 1995 ثم 1996 وفي1991،فأصبحت كردستان بعد ذلك ساحة ملائمة لصراع مشاريع الدول الإقليمية في المنطقة، سواء مشاريع ظاهرة باسم السلام بين الطرفين، أو مشاريع في الخفاء لديمومة الصراع الكردي الكردي.
ويعد أهم هذه المشاريع كان المشروع الأمريكي، ثم التركي، فالإيراني، فكانت اتفاقيات عدة بين الطرفين منها اتفاق دروكيدا، واتفاق طهران، واتفاق أنقرة، وأخيرا كانت اتفاقات واشنطن في أيلول 1998، الذي بموجبه تم وقف الحرب بينهما، واستأنف البرلمان الموحد ،الذي كان تأسس عام 1992 وتعطل عام 1996، عمله في اكتوبر 2001، وهو البقعة السياسية المشتركة الوحيدة التي تجمع الطرفين الكرديين، والتحدي الذي يواجه زعيمي الحزبين، هو في توسيع هذه البقعة إلى حدودها القصوى، أو تلاشيها بفعل الرغبة في الانتصار لإرث الصراع التاريخي، ولا يمكن حسم المعركة مع الأطراف الخارجية ما دامت العلاقة الداخلية مبهمة ومفتوحة على احتمالات غير مطمئنة.
في أعقاب حرب الخليج زالت سيطرة بغداد عن المنطقة الشمالية التي تقع فوق ما يسمى بخط العرض 36، وهو في الحقيقة خط متعرج تم تحديده من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا بشكل يضم مناطق كردية تحت هذا الخط بكثير مثل السليمانية وكفري، أي كان الغرض آنذاك هو رسم المنطقة التي تقطنها كثافة سكانية كردية.
ومنذ ذلك الحين انفردت الأحزاب الكردية وخاصة حزبا الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البرزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني بإدارة المنطقة الشمالية، وثارت بينهما منافسة حادة على تقاسم السلطة ووقعت حروب دموية بينهما أدت إلى مصرع الكثيرين من الطرفين وانقسام الشمال إلى منطقتي نفوذ بينهما، ولم تضع هذه الحرب أوزارها إلا بتدخل جدي من الإدارة الأميركية التي قامت باستدعاء الزعيمين إلى واشنطن وأجبرتهما على التفاهم تمهيدا لمخططات مستقبلية، وتوصل الحزبان الكرديان إلى اتفاق لتوحيد النشاطات وإعداد دستور فدرالي للمنطقة، وفي النهاية انعقد البرلمان الكردي في الرابع من أكتوبر الماضي في مدينة أربيل، ثم تم الاتفاق على زعامة البرزاني للمنطقة بعد تولي الطالباني رئاسة الجمهورية العراقية.
النموذج غير القابل للتطبيق
ما حدث في الشمال العراقي غير قابل للتطبيق، والمشاريع التي تطرح هنا وهناك، تندرج في معظمها في خانة البحث عن حلول للمأزق الأمريكي، والأمر لم يطول، فالتحرك الكردي الأخير، والذي يؤسس لتصعيد الحملة ضد كل ما هو غير كردي في كركوك، سيفتح جبهة جديدة لا يعرف إلى أي اتجاه ستؤدي، لكنها بالقطع ليست لصالح المخططات الأمريكية لا في العراق، ولا في المنطقة التي تتفرج على السقوط الأمريكي القادم..
خفايا وأسرار الغزو الأمريكي للعراق
يؤسفنا القول ان خبرا مهما منذ غزو بوش الابن وتابعه بلير للعراق يتم تقديمه في الصحافة من قبل بعض الصحافيين السذج بنفس الصياغة التي وضعها له البيت الأبيض دون وضعه في إطاره الصحيح والمناسب، هكذا يفتتح الكاتب وليم اولتمان مقالته هذه، التي ترجمها واعدها الأستاذ نديم علاوي، ونشرت على موقع البصرة نت:
مثلا: فأن جريدة الفينانشيال تايمز نشرت الخبر بأحرف عريضة على صفحتها الأولى بعنوان كبير ”Baker to seek Iraq debt deal”. , بينما لم تجد جريدة NRC (جريدة هولندية كبيرة) مكانا أفضل لخبر مهم كخبر إرسال بوش لجيمس بيكر المفاجئ إلى العراق غير الصفحة الخامسة ولتدسه بصورة عرضية في طيات خبر حول تشكيل محكمة لمحاكمة القادة العراقيين , وهي محكمة كناغر على النمط الأمريكي هدفها التخلص من الأعداء بمسرحية سمجة ومعروفة بطلتها ماما عدالة !
أن دخول بيكر إلى الحلبة وبهذه الطريقة جاء ليميط اللثام عن الكثير مما هو مخفي , وليوضح أخيرا حقيقة أسباب الغزو الأمريكي للعراق.
يا ترى ما السبب الذي يجعل من خبر إرسال بيكر إلى العراق مثيرا وعلى هذه القدر من الأهمية؟
ليس بخاف من ان جيمس هو العراب القذر لعائلة بوش, صحيح انه لم ينجح في تحقيق فوز لبوش الأب بولاية رئاسية ثانية ولكن عندما وصلت مقادير الابن " الحبوب" إلى حافة الحضيض في فلوريدا تم الاستعانة بيبكر, وباشر حال وصوله بالتقطيع في جسد أل غور إلى أن أعترف الأخير في 13 ديسمبر عام 2000 بهزيمته رغم كونه الفائز الحقيقي في الانتخابات وبفارق 300,000 صوت !
وزير الخارجية الأسبق وارن كريستوفر ( حليف آل جور) لم يكن محصنا بما فيه الكفاية ضد العنف المعنوي الذي مارسه المحامي الماكر القادم من هيوستن (ويقصد حيمس بيكرـ المترجم ) في الحملة من أجل فوز بوش الابن.
أن يقرر بوش إرسال بيكر إلى بغداد في اللحظة الأخيرة يعني بمنتهى البساطة ان العائلة في وضع حرج ومتأزم للغاية .
الرسالة الرسمية الموجهة للجميع تتلخص في ان بيكر سيريكم كيف ان أمريكا تعمل كل ما بوسعها من أجل مساعدة العراق في ترتيب ديونه التي بلغت ما يربو على 123 مليار دولار.
أما الرسالة الموجهة للعراقيين فهي بهذا الشكل : انظروا أيها العراقيون كيف ان صديقكم بوش يعمل كل ما بوسعه من أجلكم و ها هو يستعين برجل مهماته الخاصة من أجل مساعدتكم في ساعة الضيق التي تمرون بها.
أما ما هي الدوافع و الأسباب الحقيقية ( وهي مثيرة حقا) التي تكمن وراء الاستعانة ببيكر في هذه اللحظة بالذات فهو بالضبط ما لم توضحه لا الفينانشيال تايمز و لا ال NRC وذلك بإغفالهم ذكر الاسم Carlyle عندما دار الحديث عن تكليف بيكر بمهمة قذرة لمساعده العائلة بوش بغرض تسوية الأمور بسرعة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
في عام 1987 وفي فندق Carlyle في مانهاتن في نيويورك تم تأسيس أهم وأخطر شركة خاصة في العالم تحت أسم مجموعة Carlyle , وقد بلغ عدد مكاتب الشركة في عام 2003 اكثر من 20 مكتب بأرصدة تقدر بمليارات الدولارات في أكثر من 55 دولة .
تتخصص مجموعة Carlyle في الأساس بالنفط والحرب ( عقود وزارة الدفاع) .
ولنتفحص الآن أسماء المساهمين في هذه المجموعة:
1ـ بوش الأب.
2ـ بوش الابن.
3ـ رئيس الوزراء البريطاني الأسبق جون ميجر.
4ـ دونالد رامسفيلد.
5ـ كولين باول.
6ـ بول ولفوفيتز.
7ـ مجموعة من الأمراء السعوديين ( بظمنهم أعضاء من عائلة بن لادن).
8ـ وزراء دفاع سابقين : كاسبر واينبرغر وفرانك كارلوشي
çـ جورج سورس
باختصار فأن حكومة بوش الابن تتكون في قسمها الأكبر من أفندية Carlyle .
وما على المتشوق لمعرفة المزيد عن هذه المجموعة العمياء التي تتحرك فوق أكوام من الجثث إلا أن يطلع على كتاب “The Iron Triangle” لمؤلفيه (Dan Briody, John Wiley, New- Jersey, 2003). .
قلة هم الكتاب أو الصحفيون الذين يجرِئون على تسمية هؤلاء اللصوص الأوغاد بأسمائهم الحقيقية. وسأعود لاحقا للحديث عن هذا الموضوع بالتفصيل.
التطور المهم هو ما كشفته نيويورك تايمز في 2001 في حديث لـ تشارلز لويس مدير مركز النزاهة العامة ولنستمع لما قاله:
(تتعامل مجموعة Carlyle مع حكومة بوش الحالية كما تتعامل مع البنت المدللة , للحد الذي يسمح لبوش الأب في التحايل وتوظيف الأسهم الخاصة في مشاريع مختلفة مستغلا وجود أبنه في السلطة, بكلمات أخرى فأن بوش الابن سيجني ثروة هائلة في المستقبل من خلال القرارات التي ستتخذها حكومته في دعمها للاستثمارات الواسعة الانتشار التي يديرها ويشرف عليها والده ,الرئيس الأسبق . من العسير على المواطن الأمريكي البسيط أن يفهم ما يجري بالضبط, أما بالنسبة لي (تشارلز لويس) فأن ما يحدث مخزي بكل معنى الكلمة)
اما لماذا أطلقت لفظ سذج على بعض الصحافيين الهولنديين المعروفين فيعود إلى ما يمارسه هؤلاء كإمطار قرائهم في أغلب الأحيان بإخبار مختلفة ومهمة مثل ( بيكر إلى بغداد) دون أن يجهدوا أنفسهم بوضع هذه الأخبار ضمن سياقها الصحيح والمناسب , وهذا مرده ليس للجهل بهذه الأمور فحسب بل وجهل أيضا في كيفية وضعها في الإطار اللائق بها.
أصبحت عملية غزو العراق والإطاحة بصدام منذ 11 سبتمبر هدفا محوريا وقضية منتهية بالنسبة لبوش. هذه الفكرة زُرعت في رأس بوش من قبل أريل شارون الذي لم يخف عزمه على الثأر من العراق بسبب من صواريخ سكود التي دكت إسرائيل في عام 1991 حين أرسل بوش الأب إثنائها بيكر الى إسرائيل لحثها على عدم الرد على الهجوم العراقي .
الحادي عشر من سبتمبر كان لحظة الثأر المناسبة من العراق بالنسبة لإسرائيل , والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل كان لإسرائيل دور في عملية الطيارين السعوديين الانتحاريين المنسوبة لأبن لادن؟
كل المعطيات تشير إلى ان إسرائيل الشارونية هي أول المستفيدين من حرب ضد ما يسمى بالإرهاب بقيادة رئيس مغامر غبي وجاهل يتربع على سدة البيت الأبيض وخاصة إذا كانت هذه الحرب موجهة ضد المسلمين في العراق مثلما تفعل إسرائيل بحربها ضد المسلمين في فلسطين , ومعروف ان بوش بدأ حملة شرسة وبعد أحداث سبتمبر مباشرة لتحميل صدام مسؤولية ما حدث ولحد اللحظة فان سبعة من كل عشرة أمريكيين يعتقدون بان صدام هو المسبب لأحداث سبتمبر ولك على ضوء ذلك ان تتخيل مدى حجم سفالة بارونات الأعلام المهيمنين على وسائل الأعلام والصحافة الأمريكية !
أمريكا لم تكن آنذاك جاهزة لشن حرب على بغداد , لذا تقرر البدء أولا بسحق أفغانستان والتخلص من أسامة بن لادن , وكلنا يتذكر كيف نجح بوش في تأسيس حلف مساند له في ذلك الوقت. وكنا نحن الهولنديين كالعادة في مقدمة من تقافزوا لنجدة وإسعاف واشنطن في كابول!
وبينما كانت الحرب مستعرة ضد أفغانستان كان العمل يجري على قدم وساق للتحضير لعدوان على العراق. وتقارير المخابرات تنهمر كالمطر , تلك التقارير المزعومة التي لم يسمح لأحد بالإطلاع عليها تحت ذرائع السرية والخطر على الأمن القومي ! وقد رأينا كيف ظهر كولين باول في مجلس الأمن ليقٍرأ علينا "بوجه حديدي" مقاطع من بحث مدرسي كتبه أحد الطلاب وكأنه يعلن لأول مرة أكبر وأخطر سر عرفته البشرية!
وفي لندن كان على مفتش الأسلحة دافيد كيلي ان يَقدم على عملية انتحار مأساوية لأن الأولوية الأولى هي تجنيب بوش وبلير الفضيحة و التستر على كذبهم وتضليلهم بخصوص أسلحة صدام السرية.
باختصار فأن قرار غزو العراق كان قد أتخذ في عام 2001 ونُفذ في عام 2003 بدون دعم الأمم المتحدة أو موافقة المجتمع الدولي . لان بوش وبلير فشلوا في بيع أكاذيبهم المفبركة على الصين وروسيا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا لشن حرب ضد العراق بعد حربهم التجريبية ضد أفغانستان.
ولكن صدام بقي يمثل أهمية قصوى لمجموعة Carlyle التي أنشأت في عام 1987 وشكلت مثلثا حديديا “Iron Triangle” أطرافه الحكومة الأمريكية وعالم رجال الأعمال والمجمع الصناعي العسكري .
وكم حذر الرئيس أيزنهاور من الخطر الجهنمي الذي سيتهدد أمريكا والعالم في حالة نشوء مثل هذا المثلث الوحشي الذي أصبح اليوم حقيقة قائمة بفضل جهود قبيلة بوش.
بوش الأب جلس لمدة 8 سنوات إلى جانب رونالد ريغان كنائب للرئيس وبعد ذلك قضى أربعة أعوام في البيت الأبيض ,والآن يجلس ابنه هناك, وحتما سيأتي اليوم الذي ستدخل فيه انتخابات 2000 " لفضل المنقذ في ساعات الشدة جيمس بيكر!" كتب التاريخ كانقلاب للسيطرة على السلطة مشابه للانقلاب الذي بدأ بعملية اغتيال كندي عام 1963 " والتي لم تفك طلاسمها لحد الآن" هذا الانقلاب الذي فتح الباب على مصراعيه للبنتاغون ليصبح صاحب اليد الطولي في الحرب ضد فيتنام.
بابا بوش يجوب العالم عرضا وطولا دون توقف بصحبة أشخاص كديفيد روبنشتاين (كبير مدراء Carlyle) يقص عليهم ذكرياته عندما كان في الرئاسة , وحالما يتوقف بوش عن الكلام ينتقل روبنشتاين للعمل تحت آمرة بابا بوش لتنفيذ العقود العملاقة لصالح Carlyle وفتح الأبواب أمام المليارات التي ستدخل في حسابات شركتهم .
الملياردير اليهودي جورج سورس رأي فرصة في 16 سبتمبر عام 1992 للتسبب بأربعاء اسود في لندن فضخ عشرة مليارات دولار في عملية مضاربة مقابل الجنيه الإسترليني بغرض عرقلة مساعي رئيس الوزراء آنذاك جون ميجر في المحافظة على استقرار العملة البريطانية مما أدى إلى اهتزاز الجنيه وتدهوره, وهكذا بطريقة " المضاربة " تمكن سورس من التحكم بسوق المال البريطاني لوحده.
المضاربة تعني تأجير أسهم أو أموال للمستثمرين ومن ثم بيع الصفقة كاملة من أجل شرائها لاحقا عندما تكون قيمتها قد وصلت إلى أدنى المستويات, ويطلق على هذه الستراتيجية في الأوساط المالية أسم الاتجار القذر “dirty business” بسبب ما يصاحبها من أخطار ومجازفات كبيرة.
ولكن سورس خرج من المجازفة منتصرا وربح مبلغ 950 مليون دولار في يوم واحد!.
وبعد كل الذي حدث يضع سورس يده في يد جون ميجر ويلتحقان معا بمجموعة Carlyle وكأن ما حدث مجرد مزحة!, وهكذا تسقط الأعراف دائما عندما يتعلق الأمر بالمال , فكل ما عدا ذلك يمكن تجاوزه والصفح عنه وتناسيه !
وقبل فترة قصيرة وبانحراف 180 درجة خصص سورس 15 مليون دولار بهدف هزيمة بوش ( شريكه في Carlyle) في الانتخابات المقبلة!
لا يوجد شيء غريب أبدا في أعراف عصابات Carlyle.
تحكم حاشية بوش سيطرتها على شركات Carlyle و Halliburton و Bechtel وتضمن لها خطوطا مفتوحة مع البنتاغون والمجمع الصناعي العسكري , هذه الشركات تتقاتل الآن في سباق مع الزمن لمص دماء العراق حتى أخر قطرة , وهناك آخرون يقومون بالشيء نفسه, فبوش في عجلة من أمره , لان الاحتلال يعاني من مأزق متصاعد والانتخابات الرئاسية على الأبواب والقتلى من الأمريكيين تتصاعد أعدادهم بانتظام, وفي كل يوم يمر تتعرض سيطرته على موارد هذا البلد الغني للتآكل وربما تحتم عليه في الفترة القادمة تقاسم الكعكة التي تنعم بها الآن Carlyle لوحدها مع الفرنسيين والألمان والروس, انه يريد وضع نهاية لقوائم القتلى الأمريكيين في العراق لكي يضمن الفوز بولاية رئاسية ثانية. وهذا ما يفسر إرساله لجيمس بيكر الى العراق, فبيكر " المحامي " ذهب إلى هناك في مهمة عاجلة لإبرام العقود الكبيرة سواء في مجال النفط أو الصناعات الحربية لاسيما وانه سيعهد للعملاء العراقيين بإنشاء جيش جديد وتجهيزه بمعدات أمريكية متطورة و باهظة الثمن ستُدفع أثمانها من صفقات النفط العراقي. ليس ثمة صحيفة واحدة كتبت عن الأسباب الحقيقية التي تكمن وراء مهمة بيكر في العراق , شيء مخزي أن يتطوع بعض الصحافيين للعمل كأجهزة استنساخ للإعلام الأمريكي ووكالات الأنباء التي يديرها في أغلب الحالات أناس جبناء وجهلة وأفاقون و عديمي الضمائر..
أرى من المفيد جدا أن أعرج على أفعال وزير الدفاع الأسبق فرانك كارلوشي ( Frank Carlucci) الدنيئة , كم من السياسيين الهولنديين وقفوا ببذلاتهم الأنيقة على عتبة مكتبه في البنتاغون طوال هذه السنيين دون أن يكتشفوا أي لص محترف بحق السماء هو هذا الرجل !
لا يخالجني شك في أن يوريس فرهوفه " وزير الدفاع الهولندي السابق " يعرف فرانك كارلوشي جيدا , فكارلوشي بدأ مسيرته السياسية كدبلوماسي شاب في الكونغو ــ المستعمرة البلجيكية سابقا ــ حتى وصل إلى قمة البنتاغون و مجموعة Carlyle التابعة لعصابة ال Bushites . وفي ذلك الأثناء تم انتخاب باتريس لومومبا رئيسا للوزراء وكان أول رئيس وزراء منتخب ديمقراطيا لهذه المستعمرة البلجيكية السابقة. ولكن واشنطن وبروكسل كانتا منزعجتين من هذا الرجل القومي.
لجنة مجلس الشيوخ برئاسة Senator Frank Church توصلت بشكل قاطع في عقد السبعينات إلى ان الرئيس " المهذب " أيزنهاور هو الذي أصدر الأمر باغتيال رئيس الوزراء المنتخب باتريس لومومبا .
يمكن الإطلاع على تفاصيل الدور الذي لعبته الولايات المتحدة في أحداث الكونغو المأساوية ( التي لازالت انعكاساتها ظاهرة إلى اليوم ) في كتاب ( أغتيال لومومبو ) لكاتبه ليدو دي وايت والصادر من مطبعة هاليوايك في لوفن عام 1999.
ويحلو لي هنا ان أتسائل فيما إذا كان رئيس وزرائنا بالكيينندة وشخيفر ( وزير الخارجية السابق وسكرتير حلف الناتو حاليا ) وزالم وكامب ( وزراء في الحكومة الحالية) قد قرءوا هذا الكتاب وأطلعوا على الحقائق والوقائع الواردة فيه بصفتهم الآمرين والناهيين في لاهاي؟
السفير الأمريكي Clare Timberlakeكان موجودا في الكونغو عندما اغتيل لومومبا , وقد كتب Carlucci ( اليد اليمنى ل Clare Timberlake عن تلك الأحداث يقول " ان بلادي لا تحشر أنفها في الشؤون الداخلية لدولة مستقلة " (The Iron triangle, p.p. 25) . ألا يثبت ذلك بأن هذا الرجل يانكي متمرس وبامتياز؟
في عام 1964 يظهر Carlucci في البرازيل في نفس الوقت الذي تم فيه عزل الرئيس Joao Goulart , وحسب التايمز اللندنية كان Carlucci في تشيلي عام 1973 عندما قتل الرئيس سلفادور الليندي بمباركة من هنري كسينجر وزير الخارجية آنذاك.
في عام 1969 يصبح Carlucci من الأصدقاء المقربين لرامسفيلد " عفريت البنتاغون الحالي".
وفي عام 1978 يصبح Carlucci نائبا لمدير المخابرات الأمريكية CIA في حكومة جيمي كارتر " صاحب مزارع الفستق من جورجيا الذي بُعث على هيئة السيد المسيح! " وفي عام 1981 يشغل منصب الرجل الثاني بعد كاسبر واينبرغر في البنتاغون.
في عام 1986 يستقيل الأدميرال John Poindexter من منصبه كرئيس لمجلس الأمن القومي إثر تورط الرئيس رونالد ريغان بفضيحة أيران غيت , Carlucci يحل محله ويختار كولين باول " الجنرال الشاب " كساعد أيمن له.
وفي عام 1987 يحل محل واينبرغر كوزير للدفاع.
والآن لنرى إلى أين ذهب Carlucci بعد تغير الحكومة ؟؟؟
هل هناك من داع للإجابة على هذا السؤال؟ إلى مجموعة Carlyle بالطبع.
المثلث الجهنمي الذي يتألف من الحكومة و الطغمة المالية ووزارة الدفاع ( الذي حذر منه المنافق أيزنهاور) تكتمل أضلاعه بدخول Carlucci إلى مجموعة Carlyle . فهذا الرجل يعرف كيف يتم تغيير الحكومات وكيف يتم اغتيال القادة في ما وراء البحار فهو الخبير في ما يدور داخل وخارج البنتاغون وأثناء عمله في البيت الأبيض تَعلم “how to win friends in Congress”. , بأختصار فأن فرانك لا يقل أهمية عن جيمس بيكر بالنسبة لعائلة بوش في لعب دور مخلب القط في إدارة الأعمال القذرة. ففي Carlyle يشرف Carlucci على جميع شؤون العائلة بتخويل من بابا بوش " مدير هيئة مخابرات القتلة CIA السابق "
بينما كنت في حفل غداء في ديسمبر عام 2000 بادرني فان أرتسن " وزير الخارجية السابق " وانا في نقاش محتدم على الغذاء حول حلفائنا !الأمريكيين الأوغاد في حكومة بوش الثاني بالقول :
( سيد أولتمان , آلا تتفق معي بان جورج بوش رجل يستحق الاحترام؟ ).
في نفس الأسبوع ذهب هذا الوزير إلى واشنطن للقاء تعارف مع كولين باول " وهذا الرجل من اكتشاف وصناعة Carlucci )!
ولكن ما بأيدينا ؟ فهذا هو حال عالمنا اليوم !!!
في قفص الاتهام
إذا كان العالم، الذي يدعي الحضارة والتقدم قد أصيب بالصمم، يقف موقف المتفرج على الجرائم التي ارتكبت بحق الإنسانية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية على وجه التحديد، ومن خلفائها وعلى رأسهم بريطانيا طوني بلير، فان الرأي العام، لم يكن أبدا ليقف نفس هذا الموقف، من هنا، كان لا بد من محاكمة كل من ارتكب جرائم الحرب التي سبق وان تم ذكرها، وكذلك تلك التي سيرد ذكرها من خلال المحاكم نفسها، في السياق، يرصد الدكتور سليمان الدقي، رئيس جمعية النداء العربي – باريس ، العديد من التحركات التي تصب في محاكمة مجرمي الحرب، وفي سلسلة من المقالات، نشرت في صحيفة البيادر السياسي الالكترونية، لها علاقة بما نحن بصدده، اخترنا ثلاثا منها.
التظاهرة الدولية لمنتدى مؤسسات المجتمع المدني في برشلونة
التحركات الدولية التي شهدتها العديد من مدن العالم وتضمنت محاكمة بوش وبلير على الجرائم التي ارتكباها في العراق تميّزت بطابع خاص ومختلف في مدينة برشلونة باسبانيا. فهي لم تشمل مجرّد اجراء محاكمة كما حدث في نيويورك واستانبول، بل تمثلت في تحرّك شعبي جاء على شكل تظاهرة دولية للتضامن الاجتماعي المدني أُطلق عليها اسم "منتدى البحر الأبيض المتوسط".
في
هذا المنتدى لم تتمثل الاحزاب ولا التنظيمات العسكرية كحركات المقاومة والتحرير،
كما لم تتمثل الحكومات، وانما الجمعيات الأهلية التي عكست بحضورها تمثيل المجتمع
المدني في بلدانها، وقد تدارست كل ما يهّم شعوب العالم من قضايا هامة وملحّة، كقضية
الحرب ضد العراق واستمرار احتلاله، والوضع في فلسطين، والعلاقة بين دول الشمال
والجنوب، والشرق والغرب، وظاهرة العولمة وسيطرة الليبراليين الجدد، وصولاً الى
قضايا البيئة والمياه.. الخ.
وترجع فكرة هذا التحرك الشعبي الدولي الى ما قبل ثلاث سنوات من الآن، حيث انعقد في
مدينة بورتاليغرو بالبرازيل أول مؤتمر للتضامن الاجتماعي الدولي خُصّص لتبادل
الأفكار ودراسة مشاكل العالم المستجدة في ظل الحروب والاحتلالات، ثم التأم نفس
المؤتمر في مدينة بومباي بالهند قبل عامين، وعاد في العام الماضي للانعقاد ثانية في
بورتاليغرو، وكان من توصيات المؤتمرين فيه ضرورة أن يتوسع هذا المنتدى ليشمل مختلف
قارات الأرض.
وبناء عليه، وفي ضوء استفحال الهجمة الامبريالية على شعوب العالم كشعوب، انعقد
منتدى برشلونة الأخير بحضور عدد كبير من الاختصاصيين واساتذة القانون والجامعات
والعلماء والمحامين، وقد تمثل العرب بوفود كبيرة شاركت في مختلف اللجان التي انبثقت
عنه. وكان للوفود المغاربية بشكل خاص حضور أكثر ثقلاً من سواه، فضلاً عن مشاركة وفد
فلسطيني مميّز، حظي بتأييد الاسبان المضيفين، وسائر الحاضرين من عرب وأجانب. كما
شاركت في أعماله العديد من القوى اليسارية المناهضة للعولمة والغطرسة الأميركية،
وساهمت بفعالية كبيرة في لجان المنتدى ونقاشاته، وقدّمت العديد من أوراق العمل
اليه. وإلى جانب ذلك كان منتدى برشلونة فرصة لاطلاع المشاركين فيه على ملخص نتيجة
المحاكمة الشعبية التي جرت في وقت سابق باسبانيا لمحاكمة بوش وبلير.
ولما كان موضوع البحر الأبيض المتوسط مركز اهتمام هذا المنتدى بدءاً من عنوانه
وانتهاء بكل ما يتعلق بقضايا شعوبه، فقد كان من الطبيعي تركيز سائر المشاركين فيه
على "منطقة المتوسط" كمركز للحضارات، والديانات الثلاث، وكونها مركز اتصالات مع
القارات، وانها كانت دائماً منطقة مشهود لها بتبادل المعرفة وعكس الوفاق الحضاري
الشعبي نفسه باستمرار بين ضفتي المتوسط الشمالية والجنوبية.
وقد
جاء هذا التركيز منسجماً مع التوجه الاسباني الجديد الذي تبلور بعد غياب الجنرال
فرانكو، وبعد سنوات طويلة من التعتيم الرسمي على العلاقة التاريخية بين الاسبان
والعرب طوال سنوات حكمه إلى درجة محاولة إلغاء الحقبة الاندلسية من تاريخ هذا
البلد. غير أن الوضع تغيّر بمجيء الملك خوان كارلوس الذي اهتم بدراسة التراث
الاسلامي، وعمل على اعادة لحمة الماضي بالحاضر، كما عمل على انشاء مركز اسلامي.
ومما يتردّد في هذا المجال أن المفكّر الاسلامي الفرنسي رجاء غارودي قد لعب دوراً
في تقريب الصورة العربية الاندلسية الى العاهل الاسباني الجديد وشجعّه على
استحضارها بدل التعتيم السابق عليها.
ومن حسن الحظ أن أُتيحت لي فرصة الحديث عن هذا الجانب من التاريخ الاسباني في
نقاشات المنتدى، فأشرت في مداخلة لي إلى الصفحات الأندلسية من هذا التاريخ وبكل ما
حملته من ثقافة وتراث وانفتاح على الآخرين، موضحاً كيف انه عندما كانت هناك العديد
من المساجد في سائر بلاد الأندلس، كان التواصل مستمراً بين الديانات السماوية
الثلاث، ولمعت أسماء كبيرة من العلماء والمفكرين في ذلك العصر، وكيف أنه حتى داخل
المسجد الواحد، وفي المراكز الدينية الاسلامية أيام حكم العرب للاندلس كان الناس
يمارسون شعاراتهم الدينية المختلفة بحرية كاملة جنباً الى جنب. هكذا كان الوضع في
أيام عرب الاندلس، فأين تلك الأيام مما نعيشه الآن؟
لقد كانت المعرفة في تلك الأيام للجميع، وعمل العرب المسلمون على تعميم الثقافة على جميع مكوّنات المجتمع باختلاف انتماءاتهم الدينية، ونظموا الحياة الاقتصادية والاجتماعية بما يحقق الطمأنينة والتعايش بين الجميع، وكان من الطبيعي في ظل هذا الجوّ أن تنتشر مراكز الاشعاع الثقافي والعلمي كالفِطْر في بلاد الأندلس، خاصة في قرطبة واشبيلية وغرناطة.
تفاعل الحضارات في المتوسط
وبالعودة الى النقطة المركزية في المنتدى وهي البحر الأبيض المتوسط باعتباره "الساحة الاقليمية لهجمات الليبرالية الجديدة"، كما وصفَ في أوراق المؤتمر ونقاشاته، ركّز المشاركون في كلماتهم على حقيقة ان المتوسط ليس فضاءً جغرافياً محدوداً، بل فضاءً للتبادل الثقافي والاختلاط الحضاري بين الشعوب، أي أن حدوده لا تقتصر على الدول الواقعة جنوب البحر (أي الافريقية الشمالية)، بالاضافة الى أوروبا، بل تشمل الامتداد العربي في العمق أيضاً، وهو بهذا لا يمكن أن يعني دمج "اسرائيل" مثلاً، واستثناء بعض البلدان العربية الأخرى حسبما تقتضي السياسة الليبرالية الجديدة.
وفي استعراضها لاسباب استهداف المتوسط أو ما يسمى بالشرق الأوسط، أشارت أوراق لمنتدى الى أن السيطرة على احتياطات النفط والطاقة تشكّل سبباً مركزياً فيما تشهده هذه المنطقة من صراعات وحروب، كما تشكل سبباً رئيسياً للمشاريع الاميركية للهيمنة فيما يُعرف بمشروع الشرق الأوسط الكبير، وتأتي السياسة العدوانية التوسعية لدولة اسرائيل حلقة من حلقات المشروع الأميركي.
انطلاقاً من هذه الحقيقة أكّد ممثلو القوى المشاركة في المنتدى أن مسيرة برشلونة الرسمية التي انطلقت في العام 1995 لا تعني الحاضرين لأنها وإن كانت تتحدث عن فضاء من الاستقرار والحوار والرفاه المشترك إلاّ أن هذه الاتفاقية الرسمية مختلّة من حيث الأساس والجوهر، فهي من جهة تضم الاتحاد الاوروبي بمجموعة، ومن جهة ثانية نرى أمام كل بلد من بلدان الضفة الأخرى يجري التعامل معه بشكل منعزل عن الآخر، بينما الأوروبيون وحدهم هم الذين يحتكرون وضع البرامج والخطط بشكل يسمح بالقول أن أوروبا تفرض شروطها. أما المساعدات الأوروبية فهي موضوعة أصلاً رهن إشارة تحرير الاقتصاد، أي أن العلاقات الحضارية والشعبية وحوار الثقافات وتبادل الخبرات بين المجتمعات المدنية، كلها أمور لا وجود لها، كما أن التقارب في ظل هذه الأوضاع والشروط ضرب من الوهم، خاصة وان امكانية حصول الشباب والمثقفين والمبدعين على تأشيرة دخول لهذا البلد الأوروبي أو ذاك أصبحت تزداد صعوبة مع الأيام.
لذلك، ارتأى ممثلو القوى المشاركة في المنتدى أن البديل الحقيقي لمسيرة برشلونة الرسمية يتمثل في فضاء الحركات الاجتماعية الأهلية التي تناضل ضد الحرب والليبراليين الجدد، فضاء النضالات المشتركة من أجل الحقوق السياسية والاقتصادية. فضاء يخدم الانسان وبيئته بشكل حقيقي وعادل ودون أي وهم، ويدللون على حالة الوهم الحاصل بأن كل اتفاقات الشراكة "الأورو متوسطية" تتضمن بنداً ينص على احترام حقوق الانسان والديمقراطية، إلاّ أن عدداً من الدول لايلتزم ولا يُسأل، فعلى سبيل المثال، عندما ارتأى البرلمان الأوروبي وضع حدّ للاتفاقات مع اسرائيل في أعقاب اجتياح مدينة جنين وتدمير مخيمها في ربيع العام 2002، وهو ما شكّل قمة الاستهتار بحقوق الانسان وحريته، فإن المفوضية الأوروبية لم تُعر هذا الموضوع أي اهتمام، وهذا دليل على أن الهدف من الشراكة هو الجانب الاقتصادي والأمني ليس إلاّ.
أما على الصعيد الفلسطيني العام فقد ارتأى المشاركون في المنتدى تجاه استمرار تدهور الأوضاع وعدم مبالاة العالم، ان اتفاقات أوسلو التي أبرمت في العام 1993 أصبحت تحتضر في هذه الأيام رغم المراوغة الكلامية حولها، نظراً لأن الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة منذ التوقيع على هذه الاتفاقات لم تتوان عن نقضها، فقد استمرت في الاحتلال والمصادرة واقتلاع الاشجار.. الخ، وأصبح تدمير فلسطين ومعها اقتصادها (كما دمّر العراق) لا يهدف فقط الى وضعها تحت رحمة الاقتصاديات الاجنبية، بل يتعدّى ذلك الى تحقيق أهداف نفعية عن طريق اعتبارها مصدر ربح من خلال ما يسمى بمشاريع إعادة الاعمار لاحقاً!
أميركا "تختار" أعداءها!
ومع
أن الحكم على احتضار أوسلو قد جاء قبل الانسحاب الاسرائيلي من قطاع غزة، إلاّ أن
شيئاً لم يتغيّر في جوهر الموقف الاسرائيلي الاستراتيجي، ولا في الأهداف
الاستراتيجية الأميركية داخل فضاء المتوسط التي يعكس جانباً منها مشروع الشرق
الأوسط الكبير، ذلك لأن المتوسط يشكّل موقعاً حساساً للتنافس بين أوروبا والولايات
المتحدة، فهو الطريق البحرية بامتياز نحو النفط، وهو أسرع ممر نحو الشرق الأوسط،
لذلك أصبح من الضروري بالنسبة لأميركا وأمام المستجدات السياسية إعادة ترتيب منطقة
الشرق الأوسط، وهو هدف ليس مستحدثاً ولا طارئاً بالنسبة لها، فقد كان من بين
الأهداف التي حدّدتها الادارة الأميركية نفسها قبل أحداث 11 سبتمبر، وقبل احتلال
العراق بالطبع. فمنذ نهاية الحرب الباردة ارتأت واشنطن أن تعيد النظر تدريجياً في
تحديد دورها بالعالم. وهكذا رأينا كيف ظهر فور انهيار الاتحاد السوفياتي عدوّ جديد
يحمل اسم "الارهاب الدولي". وهو اصطلاح يتّسع لكل شيء، ويؤشر الى عدو متعدّد الأوجه
والمواقع، كما يؤذن بامكانية انطلاق حرب كونية في أي وقت، وهو ما نرى تداعياته
بوضوح بعد احتلال العراق وتحويل أنظار العالم من قضية أسلحة الدمار وتحقيق
الديمقراطية الى مواجهة "الارهاب"!
أمام هذا الواقع الكارثي أعلن المنتدى أنه من الواجب، سواء في شمال أم جنوب
المتوسط، أن ترتفع وتيرة التعبئة داخل المجتمع المدني، وتستنفر سائر القوى
الديمقراطية على ساحة النضال المشترك، حتى يتحقق فضاءً متوسطي أكثر عدلاً وتضامناً
في المجالات العديدة والمتشعبة كالبيئة والمياه وتصفية القطاع العام والخصخصة،
والأوضاع الهشّة للعمال.
والمهم أن يتم ذلك كله من زاوية نظرة المجتمع المدني، وبعيداً عن ألاعيب القوى
السياسية المتحكمة بمصائر الشعوب، أي من زاوية الموقف الرافض لهيمنة العولمة التي
يريد ساسة الدول الكبرى من خلالها سحق الانسان الأكثر فقراً، مهما ارتفعت نسبة
البطالة بين الكادحين، ومهما ترتّب على ذلك من تدمير للبيئة وتفريغ للريف الزراعي،
وكل ذلك لمصلحة سيطرتهم الكاملة ولمصلحة المؤسسات المالية العالمية، ومنظمة التجارة
الدولية.. وما شابه!
ولأن قضايا الشعوب واحدة وهي المستهدفة من الهجمات التي يشهدها العالم ي هذه الأيام
فقد اعتبر المنتدى في نهاية أعماله أن النضال ضد الحرب، وضد الاحتلال الأميركي
للعراق، وضد التوسع الاستعماري لدولة اسرائيل معركة مركزية وأساسية بالنسبة للحركة
المناهضة للعولمة، سواء في حوض المتوسط أو فيما عداه، وإن كانت معالم هذه المعركة
وآثارها تبدو أكثر مركزية في منطقة المتوسط، وأكثر الحاحاً وخطورة من غيرها، ذلك
لأن عسكرة العولمة تبدو أكثر وضوحاً في بلدان حوض المتوسط والشرق الأوسط من سواها،
بدليل أنه عندما بدأت الولايات المتحدة تغوص عميقاً في مستنقع المدن والقرى
العراقية بدأت الدول الأوروبية في المقابل تهبّ لنجدتها، ورضيت بتوقيع اتفاقات في
الأمم المتحدة لا مصلحة للعراق بها!
هذا هو الموقف الرسمي الغربي عموماً، والمطلوب إذن بلورة موقف شعبي قوي ومؤثر في المقابل، وهكذا كان منتدى برشلونة خطوة في هذا الاتجاه.
"محكمة العراق الدولية في استانبول":
الأميركيون من أبرز المدينين لجرائم رئيسهم..
لا ريب أن المحكمة الدولية التي عُقدت في استانبول بتركيا من 24 إلى 26 يونيو/حزيران الماضي لمحاكمة الرئيس الاميركي جورج بوش وحليفه بلير على الجرائم التي ارتكباها في العراق، تُعتبر الأهم بين سلسلة المحاكمات التي شهدتها عواصم ومدن أخرى في العالم، والمرشّح أن تستمر لتشمل دولاً جديدة على الطريق، ويعود ذلك لأسباب عديدة، أولها التحضير الجيد ومنذ زمن ليس بالقصير لإنجاح هذه التظاهرة القانونية الدولية التي حضرها حوالي 500 مشترك من سائر قارات الأرض، يتقدّمهم وفد شعبي كبير من العراق أتى حاملاً معه كمية كبيرة من الوثائق، وقدّم العديد من الشهادات على الجرائم اليومية التي تُرتكب في بلده، تم حضور وفد أميركي ضمّ العديد من الحقوقيين والناشطين في مجال حقوق الإنسان، وكذلك المثقفين والاعلاميين، بالاضافة الى مشاركة تركية متميّزة، رافقتها تغطية إعلامية واسعة.
وكان السؤال الاول المتداول بين الحضور قبل وأثناء وبعد انتهاء جلسات النقاش
والمحاكمة اللتين اتصفتا بمنتهى الجدّية والالتزام القانوني: لماذا تركيا؟ ولأي سبب
تجري المحاكمة في البلد الذي يُعتبر صديقاً للولايات المتحدة وحليفاً لها، وما الذي
سيجنيه هذا البلد المسلم من استضافته لمثل هذا التحرك الدولي ضد الدولة الأكبر
وحليفتها الأساسية بريطانيا؟
منذ الجلسة الأولى للمشاركين أجاب بعض أعضاء الوفد التركي، ولجنة الحكام التي
شُكّلت من عدة بلدان، وضمّت حقوقيين بارزين، على هذا السؤال، كما أوضح ذلك أيضاً
السيد ريتشارد فالك، المتحدث باسم هيئة الادعاء في مؤتمر صحفي عقده بعد انتهاء
جلسات المحاكمة، وتتلخص بالتالي:
-
رفض البرلمان التركي المشاركة في الحرب ضد العراق، رغم اصرار الاميركان رسمياً على
ذلك، ورفض ارسال أي قوات عسكرية تركية الى هناك تلبية لطلب الولايات المتحدة.
- كون تركيا دولة مسلمة وجارة للعراق في الآن عينه.
- تورّط الحكومة التركية – كما أعلن ريتشارد فالك – على مستوى الدعم اللوجستي لقوات
التحالف، من خلال استعمال قاعدة "إنجيرلك" أثناء وبعد الحرب.
- ثم، وهو الأهم، وجود قوى تركية شعبية معارضة لتوجهات الحرب من الأساس، وقد أصبحت
مع الأيام أكثر فاعلية وتأثيراً عن ذي قبل، وأصبح لها تأثير كبير داخل الشارع
التركي، وهي التي طلبت وأصرّت على عقد هذه المحاكمة في تركيا.
أما الأسباب الأخرى التي ستعود بالفائدة على تركيا من هذا الموقف، وفي هذه الظروف
بالذات، فتتعلق بتأكيد سلطات هذا البلد تمسّكه بالنهج الديمقراطي، وهو ما يفتح
أمامه أبواب التفاهم الأكثر مع شركائه الاوروبيين، ويُسهّل عليه طريق الانضمام الى
الاتحاد الاوروبي، كما يُساعد سلطاته السياسية على تقليص هيمنة العسكر أكثر وأكثر.
دعوة المتهمين أمام المحكمة
اعتماداً على هذه الخلفية وعلى مواقف الحقوقيين القائمين على اجراءات المحاكمة، تمّ
منذ البداية وقبل فترة من انعقادها، دعوة المدّعى عليهما الرئيس الاميركي جورج بوش،
ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير للمثول امام المحكمة حسب الاصول القانونية،
لكنهما لم يُجيبا على ذلك، ولم "يتنازلا" بإرسال من يمثلهما، ولو حتى للاطلاع
"الرسمي" على مجريات المحاكمة التي استمعت خلالها لجنة الحكام الى عشرات التقارير
الحقيقية الموثّقة بجدية، ووُجهت لاصحابها اسئلة حول ما تضّمنته، واستفسرت عن نقاط
واحداث معينة للتثّبت منها، ذلك لأن ما حملهُ المشاركون معهم قد أكد كل ما يتردّد
حول جرائم الاميركان والانجليز، سواء أثناء العمليات القتالية التي استهدفت كل ما
يتحرك على أرض العراق، دون تمييز بين المواقع العسكرية والأماكن الآهلة بالسكان
الآمنين، أو بعد وقوع الاحتلال وحتى اليوم من ممارسات تضرب في الصميم أبسط حقوق
الانسان، وتتناقض مع التزامات قوات الاحتلال – حسب القانون الدولي – تجاه البلد
الذي تحتله، حيث يُمارس القتل اليومي بحق العراقيين ويجري اذلالهم وابتزازهم حتى من
خلال الاساءة الى عائلاتهم!
أما أبرز الشهود الحاضرين فقد تمثّل في عدد كبير من العراقيين – نساءً ورجالاً –
وكان حضورهم قوياً ومؤثراً، لا سيما وان كلاً منهم تحدّث عن معاناته الشخصية بالصور
والوثائق، واكّدوا في ما قالوه وجود حوالي مئة الف عراقي داخل السجون والمعتقلات،
وفقدان حوالي 15 ألف عراقي، لا يُعرف مصير أي منهم أو مكانه وجوده حتى الآن!، كما
كان عدد من الحقوقيين الاميركيين والناشطين في مجال حقوق الانسان من أبرز المتحدثين
أمام المحكمة، وأكّد أحدهم انه "ما دام الوضع داخل العراق بهذا السوء غير المسبوق،
وما دام التضامن الشعبي واجباً على الجميع، وحيث ان للمقاومة الفلسطينية أنصارا في
كل مكان، كما كان لفيتنام والجزائر أنصارهما ومؤيديهما أيضاً، فإنه لا بدّ من
الانتصار لشعب العراق ولمقاومته المشروعة ضد الاحتلال، إذ لا يجوز – كما قال
المتحدث الاميركي – أن تقوم المقاومة العراقية بهذا القدر الاسطوري من الصمود، دون
أن يوازيه في المقابل قدر مناسب من الدعم الشعبي العالمي، ما دامت حقوق الشعوب
واحدة والممارسات الاجرامية بحقها واحدة.
إنها عمل قضائي بحت
لقد كانت "محكمة العراق الدولية في استانبول" التي عُقدت لمقاضاة بوش وبلير على الجرائم التي ارتكباها، نقطة تحوّل بارزة في التعبير عن الارادة الشعبية، والتمسك بالقوانين والشرعية الدولية الحقيقية. وقد أجمعت لجنة الحكام على تجريم الطرفين على كل ما فعلاه ويفعلانه الآن، في الوقت الذي كشف فيه هانس فان سبونش من خلال الوثائق الرسمية العائدة للامم المتحدة مسؤولية المنظمة الدولية عمّا وقع ضد العراق، قبل الاحتلال وبعده، وتحدّث عن عدم تحملها لدورها الاممي والانساني من أجل الحؤول دون وقوع الحرب المدمّرة. كما شرح ريتشارد فالك باسم هيئة الادعاء عن الدور المنوط بها في هذه المحاكمة، مؤكداً ان كل التحقيقات التي ستُجريها ستكون مستندة الى الضمير الحرّ والمصداقية، وخاضعة للمساءلة أمام "هيئة الضمير" التي شكلت في اطار المحاكمة ويرأسها أروند هاتي روي، وستتولى التأكيد من دقّة الشهادات، ذلك لأن ما تقوم به هذه المحكمة – كما قال ممثل هيئة الادعاء – تعبير عن الديمقراطية بعينها، وهو عمل قضائي بحت ومستقل، ينطلق من حقيقة أن القانون والاعراف في جميع الحالات، وفي أوقات السلم والحرب هي فوق الجميع، وهي التي تُمثّل العدل والديمقراطية الحقيقية، فإذا لم يكن لدى الأمم المتحدة الجرأة على مساءلة المخالفين لهذه القوانين والاعراف، ومحاكمة المجرمين الذين قاموا باعمال اجرامية غير شرعية، فإن ذلك يقع على عاتق المنظمات الاهلية العالمية، وعليها القيام بهذه المهمة دفاعاً عن حقوق الانسان وكرامته.
وفي مرافعة أخرى بالغة الأهمية والدقة، أكّد دينيس هاليداي، - وهو موظف رفيع سابق في هيئة الأمم المتحدة، استقال قبل فترة وجيزة – عجز المنظمة الدولية الكامل عن مساءلة المخالفين، أو وضع حدّ لاعتداءاتهم المستمرة على القوانين والشرعية الدولية، وأجاب على عدد من اسئلة هيئة التحكيم والحضور بصفته "شاهداً" على ما تمّ تمريره داخل أروقة الأمم المتحدة ومجلس أمنها، وما تمّ تجاوزها فيه ولم تتحرك لاثبات الفعلي الفعلي وفرض احترامها من قبل سائر الدول دون تمييز.
لا قوة فوق القانون
خلاصة القول، أن ثلاثة أيام كاملة من الاجتماعات ومداولات المحكمة وسماع الشهود ..الخ، كانت مكتظة بالعناوين المختلفة التي شملت كل جوانب الحرب وآثارها على الصعد الانسانية والاقتصادية وهدم البنية ونهب الآثار والتراث، وفرض شرعية غير شرعية على البلاد، وقبل ذلك كله استخدام القوة غير القانونية للقيام بهجوم استباقي تحت ذرائع ومبررات لا اساس لها من الصحة، كما أثبتت الايام ذلك باعتراف المجرمين انفسهم. ولم تنس لجنة الحكام الاشارة الى مسؤولية العالم ودوله ومنظماته عن هذا الخرق الفاضح لانسانية الانسان واستمرار ذلك حتى اليوم.
كل
هذه المداولات وما توصّلت اليه لجنة التحكيم من قرارات أعلنها على الملأ في مؤتمر
صحفي، ممثل هيئة الادعاء ريتشارد فالك، البروفيسور في القانون الدولي بجامعة سانتا
بربرا، والحائز على جائزة اليونسكو للسلام، وله – بالمناسبة – اكثر من ثلاثين
كتاباً في القانون الدولي وحقوق الانسان، وكان آخر ما صدر له يحمل عنوان "النظام
العالمي الى أين؟"
قال فالك معلناً نتائج ما توصلت اليه هيئة المحكمة ما يلي: "ان محكمة العراق
الدولية المنعقدة في استانبول تودّ ان تُثبت للعالم أجمع أنه فيما يتعلق بموضوعي
الحرب والسلم لا تُوجد أي قوة او دولة أو أي مسؤول فوق القانون، ولا يمكن لاي احد
أن يتحكم بالقانون أو يمثّله.
لقد توفّرت لدى محكمتنا الادلة القوية والكافية التي تُثبت أن الحرب على العراق لم
تكن مشروعة منذ البداية وحتى الآن، وان احداث القتل اليومي في هذا البلد قد أجبرتنا
على الاسراع في عقد هذه المحاكمة التي تتكوّن من أكاديميين ورجال القانون، وهي ليست
مجرد اجتماع او مؤتمر، بل محكمة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.
ولهذا، فهي تمثّل شعوب العالم ومجتمعه المدني وهدفها الاساسي توصيف الجرائم التي
ارتُكبت ضد العراق، واطلاع العالم على ما يهدد هذا البلد، واحاطته بالاخطار التي
تمثلها الهيمنة الاميركية على العالم، وهي تعبّر هنا عن رفضها لهذه الهيمنة التي
نعتبر الحرب على العراق بداية فصولها التنفيذية.
لقد
اُقيمت بعد الحرب العالمية الثانية محاكم في نورنبرغ وطوكيو لمحاكمة مجرمي الحرب من
الالمان واليابانيين، وكان من أهم المبادىء التي تبنّتها محكمة نورنبرغ اعتبار
الحرب الهجومية من أكبر الجرائم بحق السلام، ثم وسّعت الأمم المتحدة إطار هذه
المبادىء فاعتبرت أي حرب استباقية تُشنّ بدون قرار من مجلس الأمن هي حرب غير
مشروعة.
وبناءً عليه، وعلى كل ما لدينا من مستمسكات ووثائق وشهادات فقد قامت "محكمة العراق
الدولية" بفتح ملف هذه الدعوى ضد اميركا وبريطانيا لمحاكمتهما على الجرائم التي
ارتكباها اثناء وبعد الاحتلال.
إننا نعلم بأنه ليست لدينا السلطة الجبرية لتنفيذ القرارات التي ستصدر عن هذه المحكمة، ولكننا نعتبر أن الديمقراطية الحقيقية هي القوة الحقيقية المشروعة، خصوصاً في مسائل الحرب والسلام، وان القانون فوق جميع القوى الدولية، وبما ان الامم المتحدة قد عجزت عن محاسبة المعتدي فإن قوى المنظمات الاهلية يمكنها ان تفعل ذلك، لأننا نؤمن في النتيجة بشعار الأمم المتحدة القائل "نحن شعوب هذه الارض" .. ولهذا فنحن مصرّون على ضرورة تعريف الاجيال القادمة بويلات الحروب، وعلى الوقوف بالمرصاد لمسببيها... ولظاهرة "العولمة" الجديدة أيضاً.
وقائع محاكمة بوش وبلير في نيويورك
ادارة بوش والجيش الاميركي ارتكبا جريمة العدوان...
اعتماد الاميركان على فكرة الحرب الاستباقية أدى الى فقدان الاستقرار في كل أنحاء العالم
لا
يختلف اثنان من رجال القانون على تجريم أي جُرم بيّن، ثابت بالأدلة. قد تختلف درجة
الحكم في القضايا الفردية تبعاً لوجود أو انتفاء الأسباب المخففة أو المشدّدة، لكن
الجرائم الجماعية الكبرى تبقى في كل الحالات بالنسبة لرجال القضاء والقانون المشهود
لهم بالنزاهة والاستقلالية غير خاضعة لمزاج أو هوى سياسي.
عملاً بهذه البديهية، جاءت نتائج سلسلة المحاكمات التي أُجريت لمقاضاة بوش وأركان
ادارته – وكذلك حليفه بلير، في العديد من عواصم العالم منسجمة مع ما أقرّه المؤتمر
الذي عقده أبرز رجال القانون والقضاء في فرنسا بتاريخ 16 حزيران الماضي، وتدارسوا
فيه كل جوانب جرائم الاحتلال وممارساته، وأعطوا رأيهم القانوني الدقيق في كيفية
تجريمه، وهو ما عالجناه في العدد الماضي من "البيادر" ضمن الحلقة الأولى من هذه
التغطية.
وحسب ما ارتأى هذا المؤتمر، جاءت قرارات وتوصيات المحكمة التي عُقدت لهذا الغرض في
كل من برشلونة واستنبول وبومباي، ونيويورك نفسها، كما سيتبين في هذه الحلقة التي
سنستعرض فيها ما جرى في نيويورك، على أن نغطي محاكمة استانبول وبرشلونة وغيرها من
التحركات التي حضرناها في اعداد قادمة.
ادانة صريحة بنص القانون
وقائع جلسة المحكمة الدولية التي عُقدت في مدينة نيويورك في 8 أيار/مايو 2005
لخّصها بيان أصدره كل المحكمين الذي وافقوا على قراراتها بالاجماع، وهم: دنيس
بروتس، سنان انتون، بيرافي ديسايا، رباب عبد الهادي، ايفي انسلر، جين قرين، حامد
دبشي، مترلفوا، ليسا حجار، كيوكو مكري، إليسا كوري، ابراهيم رامي، روبرت فان ليروب.
تقول المقدمة:
نظراً لما شكلته الحرب ضد العراق من ازمة عالمية متفجرة في الذاكرة الانسانية، عقدت المحكمة الدولية حول العراق جلساتها في مدينة نيويورك، واستمعت الى الشهادات والاثباتات المقدمة، وتمت دراستها وتمحيصها بدقة والخروج بنتائج وقرارات تتلخص بالتأكيد على جملة من المبادىء الأساسية.
بعد استعراض المحكمة للأسباب والذرائع التي اتخذتها دول التحالف مبرراً للحرب،
ارتأت انها لا يمكن أن تُبرّر كل ما جرى من عمليات قتل وتدمير، وما أدت اليه من
احتلال ما زال الشعب العراقي يعاني من ويلاته منذ 20 آذار/مارس 2003 وحتى الآن.
وارتأت المحكمة ان مهمة الدفاع عن مستقبل الارض والوطن تقع على عاتق الشعب العراقي،
وليس أي قوة اجنبية او قوات خارجية، وطالما ان القانون الدولي قد اعترف على الدوام
بحق المقاومة الوطنية في مقارعة الاحتلال الاجنبي، فإن ذلك ينطبق – حكماً وبداهة –
على الشعب العراقي الذي لا يمكن استثناءه من هذه القاعدة في القانون الدولي.
وارتأت المحكمة كذلك ان الحرب في منطلقاتها الاساسية تشكل اخفاقاً وضرباً للحلول
الانسانية، ذلك لان أي حرب وفقاً لميثاق الامم المتحدة يجب ان تكون الخيار النهائي
عندما تُقفل كل السبل الأخرى، ويجب ان تأتي وفق شروط وظروف محددة، وبموافقة المنظمة
الدولية.
لكن
هذه الحرب التي شنت ضد العراق وأدت الى احتلاله تمّت على النقيض من ذلك وجاءت ضد
المبادىء الاساسية للقانون الدولي، وضد الحقائق، ومنطق العقل الذي يحكم التصرف
الانساني، وكانت نتيجتها واضحة في حجم التدمير المروع للانسان، والاقتصاد، فضلاً عن
فلتان الامن بشكل كامل، وهو ما يفرض على العالم التحرّك لوقف هذه الانتهاكات
الصارخة.
في مواجهة هذا الوضع وأمثاله تُعتبر محكمة جرائم الحرب هي المرجع الأساسي والوسيلة
الشرعية لتطبيق النظام والقانون الدولي. ولكن الادارة الاميركية لم تختر – لسوء
الحظ – مجرد الانعزال عن الاجماع الدولي فيما يتعلق بتطبيق واحترام القانون الدولي،
بل اختارت – والكلام للمحكمة – الوقوف ضد هذا الاجماع وضد محكمة جرائم الحرب، وعملت
على التشكيك في شرعيتها، رغم أن غالبية جمعيات القانونيين في الولايات المتحدة قد
عبّرت عن دعمها لمحكمة جرائم الحرب!.
الحالة الأولى: من يُحاكم الجريمة
ويواصل بيان المحكمة قوله: لقد كان السؤال الأساسي الذي طُرح على المحكّمين يتعلق بكيفية الحكم على أن هذه الحرب غير عادلة. وفي الاجابة على ذلك قال المحكمون ان القانون الذي يُعتمد عليه في هذه الحالة هو ميثاق الأمم المتحدة، وفيه حالتان محدّدتان يمكن لأي دولة الاستناد اليهما عند قيامها بأي حرب عادلة وهما:
1. حالة الدفاع عن النفس.
2. في حالة صدور قرار من مجلس الأمن يُشرّع التضامن ضد خطر يهدد السلام والأمن
العالميين باعتباره مسؤولية مشتركة.
ومن خلال ما تمّ ضد العراق، فقد تبين من خلال القرائن التي قدّمت للمحكمة وكذلك
الشهود والوثائق ان حكومة الولايات المتحدة قد ارتكبت بوضوح جريمة العدوان للاسباب
التالية:
أولاً: عدم وجود حالة دفاع شرعي عن النفس بدليل:
- كان هناك اعداد وتخطيط مع نيّة مسبقة للحرب منذ فترة طويلة.
- أن فبركة وتلفيق الاكاذيب قد استندت الى أجندة ايدلوجية للادارة الاميركية (أي
ليست حقائق ووقائع).
- اعتماد اساليب ارهاب الجمهور الاميركي وتخويفه من الاخطار بهدف الحصول على دعمه
لهذه الحرب، وكان من ضمن ذلك تسويق اكذوبة ربط العراق بالقاعدة، واستغلال هجوم 11
سبتمبر.
ثانيا: لم يكن هناك أي تهديد مباشر فوري يستدعي قراراً دولياً بشن الحرب بدليل:
- كان هناك الحاح مستمر على ضرورة استمرار المفتشين الدوليين بعملهم وعدم توقيفهم
قبل الانتهاء منه.
- كانت هناك تصريحات متعددة من هؤلاء المفتشين والخبراء تؤكد عدم وجود اسلحة الدمار
الشامل في العراق.
- ان فكرة الحرب الوقائية (الاستباقية) – التي تمّ اعتمادها لضرب العراق، هي التي
أدت الى حالة عدم الاستقرار السائدة ليس في العراق وحده او المنطقة بل العالم
بأسره.
ثالثا: اعتماداً على ما سبق، لم يقرّر مجلس الأمن العمل العسكري، وكان هناك رفض
أممي غير مسبوق لهذه الحرب.
الحالة الثانية: ... ومن المسؤول؟
وكان السؤال الآخر الذي واجهته المحكمة يتلخص في كيفية الحكم على عدم شرعية الحرب،
وهل تم ارتكاب جرائم حرب، ثم، من هو المسؤول قانوناً عن ارتكاب كل ذلك؟
وردّت المحكمة على ذلك بالقول، ما وجدناه يتلخص بالتالي:
هناك اختراق للقانون الانساني الدولي من قبل الولايات المتحدة وقوى التحالف المؤيدة
لها، كما ان القادة المدنيين مسؤولون عن مخالفة معاهدة جنيف (البروتوكول رقم 1) في
ضوء ما يلي:
1. بما ان الولايات المتحدة من الموقعين على معاهدة جنيف فإنها تنطبق عليها بداهة.
2. البروتوكول رقم 1 في معاهدة جنيف ينص على محاكمة المخالفين له على اساس القانون
الدولي، كما ينص على وجوب الالتزام الدولي بهذا القانون وما يترتب عليه.
3. المخالفات الخطيرة التي ارتكبتها الولايات المتحدة مع حلفائها تفرض وجوب
محاكمتهم عليها.
أما الاثباتات التي اعتمدت عليها المحكمة فتتلخص بالتالي:
1. استهداف القادة العراقيين واعتقالهم يتجاوز حدود الضرورات والقيم العسكرية.
2. استعمال القنابل الانشطارية يشكل جريمة حرب، خصوصاً لان هذه النوعية من الاسلحة
استعملت بدون تمييز وضد المدنيين، وادت الى جرائم بحق المدنيين، وهو ما يشكل
تجاوزاً صارخاً للحصانة المدنية للسكان.
3. عمليات القتل التي مورست ضد العراقيين بعد انتهاء الحرب، ودون أي وجه حق، سواء
على حواجز التفتيش، أو خلال عمليات التدمير تخرق كل قواعد حرية المدنيين.
وبناء عليه، فإن الادارة الاميركية والجيش الاميركي هما المسؤولان عن كل هذه
الجرائم، والمطلوب محاكمتها دوليا وفقا لمبادىء معاهدة جنيف، ذلك ان الولايات
المتحدة قد اخترقت القانون الانساني الدولي (بشكل واضح وثابت).
الحالة الثالثة: استمرار الخرق
أما بالنسبة لوضع العراق الحالي تحت الاحتلال فقد ركّز المحكّمون على عدد من النقاط تتعلق بعدم شرعية الاحتلال، وعدم شرعية استمراره وكان خلاصة ما تمّ اقراره ما يلي بالنص:
"تحت القانون الدولي، تتمتع الدول بحق تقرير المصير، وعلى الولايات المتحدة كقوة احتلال. باحترام هذا الحق، واحترام معاهدة جنيف، نظراً لأنها – وكذلك العراق – من الموقعين عليها، وعلى العديد من المعاهدات الأخرى المماثلة".
لقد اخترقت الولايات المتحدة كل هذه المتطلبات، وأثبتت المستندات والشهادات التي
تمّ عرضها أمام المحكمة استمرار الولايات المتحدة في خرقها اليومي لجهة تفشّي حالة
انعدام الامن، وتصاعد حالات الاعتقال والتعذيب، والهجمات العسكرية غير القانونية،
وتدمير البنى التحتية والخدمات الاساسية، ونهب الاقتصاد العراقي.
وخلاصة لكل ما سبق يرى المحكّمون انه "باسم الحرب الوقائية على العراق قامت
الولايات المتحدة بفبركة مجموعة من الاكاذيب. لقد قالوا لنا ان الحرب على هذا البلد
تعود اسبابها الى وجود اسلحة الدمار الشامل، وان هناك رابطاً وعلاقة بين صدام حسين
وتنظيم القاعدة، ثم قالوا لنا ان الادارة الاميركية مهتمة جدا بمعاناة الشعب
العراقي، وانها تعمل لتحقيق حريته وجلب الديمقراطية له.. الخ!
اذا كان كل ذلك صحيحاً، لماذا تحوّلت نتيجة الحرب من العثور على تنظيم "القاعدة" في
العراق الى جلب "القاعدة" لهذا البلد؟، ولماذا تحوّل الاهتمام بمعاناة الشعب
العراقي الى تقتيل وتعذيب هذا الشعب وتجويعه وسرق ثرواته؟
لقد دمّرت قوات الاحتلال البنى التحتية لهذا البلد بما فيها المياه والمستلزمات
الصحية الاساسية، وفعلت ذلك تحت شعار الديمقراطية، حيث قامت بانشاء جمعيات وهمية
عملت على سرقة العراق من الشعب العراقي. لقد ارتكبوا جرائم حرب ضد هذا الشعب، وداخل
السجون والمعتقلات، وجعلوا من حرية الحركة والكلام امراً شبه مستحيل. كل هذا فعلته
الادارة الاميركية، لذا، فإن الشعب الاميركي مسؤول وعليه محاكمة حكومته.
وفي نهاية قراراتهم قال المحكمون في بيانهم:
نحن القضاة، وبالاجماع، نؤكد على النتائج والمقترحات التالية:
1. يجب ان تتوقف الولايات المتحدة واعضاء التحالف عن خرق الحقوق المدنية والسياسية
والانسانية للشعب العراقي.
2. يجب انهاء الاحتلال العسكري للعراق فورا.
3. يجب تقديم كل الاطراف التي ارتكبت جرائم حرب ضد الشعب العراقي الى القضاء وتطبيق
القانون الدولي عليها.
4. يجب تعويض كل العراقيين من قبل كل الاطراف المسؤولة عن اعمال القتل والتدمير،
سواء من جراء العمليات الحربية او الاحتلال.
5. يجب العمل على تقوية وتنظيم الحركات العالمية المناهضة للحرب.
6. ان احتلال فلسطين وافغانستان، وكل البقاع المستعمرة بشكل غير شرعي فوق هذه الارض
يجب انهاؤه حالاً.
هذا ملخص ما تمّ في محكمة نيويورك التي عقدت لمقاضاة بوش وبلير وحلفائهما وهي ليست
نهاية المطاف بالطبع، إذ لم تمض على هذه المحاكمة سوى خمسة أسابيع فقط حتى نظمت في
برشلونة باسبانيا (في 16 حزيران الماضي) تظاهرة دولية أخرى "اطلق عليها اسم مؤتمر
التضامن الاجتماعي الدولي (الاورو متوسطي) وقد سبقه اجراء محاكمة مماثلة لبوش وبلير
في اسبانيا.
محاكمة بوش في كندا
في 17 أكتوبر (تشرين الأول)2005، حقق محامون كنديون ما اعتبروا انه انتصار كبير في معركة يخوضونها منذ نحو عام من أجل محاكمة الرئيس الأمريكي جورج بوش على جرائم التعذيب التي ارتكبتها إدارته، ولهذه المعركة قصة تستحق أن تروى.
في أواخر العام 2004، رفع محامون ينتمون إلى جماعة (محامون ضد الحرب) تقودهم المحامية الكندية (جيل دافيدسون) قضية يطالبون فيها بمحاكمة جورج بوش على جرائم التعذيب. وجماعة (محامون ضد الحرب) مقرها في كندا، وتضم في عضويتها محامون من 14 بلدا في العالم.
المحامون في اتهامهم لجورج بوش بالمسؤولية عن جرائم التعذيب، استندوا إلى جرائم التعذيب التي تم ارتكابها في المعتقلات الأمريكية في غوانتانامو وأبو غريب، والتي كان من بين ضحاياها مواطن يحمل الجنسية الكندية معتقل في غوانتانامو.
المحامون ذكروا في حيثيات اتهامهم أن جرائم التعذيب في هذه المعتقلات موثقة بأدلة هائلة من الوثائق والصور. وقدموا ملفا بهذه الوثائق، ورصدا بصور وأشكال التعذيب الرهيبة التي تعرض لها المعتقلون.
وقالت المحامية جيل دافيدسون إن أبشع ما في مشاهد وصور التعذيب التي شاهدها العالم في أبو غريب، هذه المشاهد المرعبة للجنود الأمريكيين وهم يبتسمون في فخر بجوار المعتقلين المكومين وهم عرايا ويجبرون على تمثيل أوضاع جنسية كي يحصل الجنود على صورة "أفضل".
المحامون الذين رفعوا القضية مطالبين بمحاكمة بوش، برروا ذلك باعتبارات قانونية وإنسانية عامة. أما الاعتبارات القانونية فأهمها أن دول العالم الـ (139) التي وقعت على معاهدة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، ومن بينها كندا، تتحمل مسئولية قانونية مباشرة في ملاحقة ومحاكمة المجرمين الذين يرتكبون جرائم التعذيب. وأما الاعتبارات الإنسانية العامة، فتتلخص في أن الشعب الكندي، مثله مثل شعوب العالم، من حقه، بل من مسؤوليته، أن يعمل على وقف جرائم التعذيب ومحاسبة مرتكبيها.
الذي حدث عندما رفع المحامون الكنديون القضية في أواخر العام2004، أن المحكمة في جلسة سرية عقدتها حكمت برفض القضية. السبب الرئيسي أن الرئيس بوش كان في زيارة لكندا، واعتبرت المحكمة أن بوش لديه حصانة دبلوماسية تحميه من هذه الملاحقة القضائية، فلو أن المحكمة قبلت القضية آنئذ، لكان عليها أن تصدر أمرا بالقبض على بوش، وفي نفس الوقت، تم فرض حظر على نشر أي شيء يتعلق بالقضية.
لكن الذي حدث أن القضية تم رفعها إلى المحكمة الدستورية في كندا، وفي جلسة عقدتها ، حكمت برفع الحظر المفروض على النشر في القضية، وتحدد يوم 25 نوفمبر (تشرين الثاني) 2005 موعدا للجلسة التالية في نظر القضية، وهو ما اعتبره المحامون نصراً كبيراً في معركتهم، ويصرون، ومعهم أساتذة القانون الدولي في كندا على متابعة القضية إلى النهاية.
أحد أساتذة القانون الدولي في كندا قال: "بوش مجرم مدان، ونحن علينا التزام بحسب مواثيق الأمم المتحدة، بأن نجلب من يمارسون التعذيب إلى ساحة العدالة"..
هذه هي تطورات القضية باختصار، ليس مهما أي حكم سوف يصدر في القضية، المهم هو رفع القضية بحد ذاته، وما يحمله ذلك من مغزى.
المحامون الكنديون الذين رفعوا القضية لا يعبرون في حقيقة الأمر عن أنفسهم وحسب، ولا عن الشعب الكندي فحسب، وإنما يعبرون عن ضمير البشرية بأسره، وعن المسؤولية التي ينبغي أن يضطلع بها كل الشرفاء في العالم في مواجهة الجرائم المروعة التي ترتكبها أمريكا وقادتها.
مغزى القضية أنه في مواجهة هذه الجرائم، ليس من المفروض أن يقف العالم صامتاً ومكتوف الأيدي، فهي جرائم بحق البشرية كلها وتهددها بأسرها.
وهذا التحرك القضائي الذي يقوده محامون كنديون، وتحركات قضائية شبيهة في دول أخرى في العالم، هو حفظ لحق الضحايا، وحق البشرية كلها، في محاكمة المجرمين الذين يرتكبون هذه الجرائم وضرورة إنزال العقاب بهم إن عاجلاً أو آجلاً.
بعبارة أخرى، بمثل هذه القضايا تحفظ البشرية حقها في اعتبار هؤلاء مجرمين بحكم القانون الدولي وأي اعتبارات إنسانية، وباعتبارهم لا يمثلون الإنسانية.
وبالإضافة إلى هذا، فمثل هذه القضايا والمتابعات الإعلامية لها، تلعب بلا شك دوراً مهما في الحملة العالمية الساعية لحشد الرأي العام العالمي للضغط من أجل وقف هذه الجرائم أصلاً، فهؤلاء المجرمون كما نرى هم طلقاء يرتكبون جرائمهم كل يوم في العراق وغيرها، بقي أمر غريب يدعو إلى الأسى ويستعصي على الفهم.
جرائم لا تحتاج إلى إثباتات أو شهود!!
ليس غريبا على وسائل الإعلام ان لا تعطي الأهمية الكافية لتغطية حدث مثل محاكمة كل من الرئيس الأمريكي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير، والتي جرت في اسطنبول بتركيا، بتهم اقلها ارتكاب جرائم حرب.
قلة قليلة من وسائل الإعلام تعاملت مع هذا الحدث، وفي أضيق نطاق، لكنه في المقاييس الشعبية، وفي مقاييس الرأي العام، هو حدث يجب ان يتابع ليس فقط في وسائل الإعلام وحسب، وإنما على صعيد المنظمات الحقوقية والمؤسسات التي تقول إنها تدافع عن حقوق الإنسان، وحتى البرلمانات التي تدعي الديمقراطية فيما لو ان الحكومات ترفض التعاطي مع هكذا مسالة.
محاكمة كل من بوش وبلير في تركيا، لم تكن هي المرة الأولى، فعلى مدى سنوات الغزو لكل من أفغانستان والعراق، كان هناك وبشكل دائم، أصواتا تتحدث عن ضرورة محاكمتهما كمجرمي حرب، واذا كانت المعطيات الرسمية للدول والحكومات تقف حائلا أمام هكذا مسالة، فان ما جرى من مطالبات في السياق نفسه، يؤسس لإمكانية المتابعة.
المحكمة الدولية الخاصة التي تم تشكيلها من شخصيات دولية وعقدت جلساتها بشكل غير رسمي من قبل في عدة عواصم أوروبية وعالمية ، قررت استدعاء كل من الرئيس بوش ورئيس الوزراء بلير للاستماع لاقوالهما (خلال جلسة المحكمة في اسطنبول بين يومي 23 و27 يونيو) فيما هو منسوب اليهما في هذه الاتهامات..
المحكمة بعثت برسالة لكل من بوش وبلير عن طريق القنصليتين الأمريكية والبريطانية في اسطنبول للمثول أمام هيئتها التي تعتبر بمثابة هيئة محاكمة شعبية لا تعتبر أحكامها ملزمة قانونيا ، لكنها تحمل أهمية كبيرة للرأي العام العالمي.
ممثل الجانب التركي في هذه المحكمة قال أن السبب في تشكيلها بعد الغزو الأمريكي للعراق، هو عدم تمكن أي محكمة دولية حقيقية من محاكمة بوش أو بلير على جرائم الحرب التي ارتكبتها قواتهما بالعراق، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة وبريطانيا لا تعترفان بالعقوبات الدولية مضيفا، أن العالم بأسره يطلب بمحاكمة بوش وبلير ويتطلع للحكم الذي ستصدره المحكمة على الجرائم والتعذيب المستمر للعراقيين من جانب جنود الدولتين، مشيرا إلى أن رئاسة المحكمة (مشكلة من شخصيات دولية) سوف تطلع على تقارير جلسات المحاكمة السابقة التي عقدت بعواصم أوروبية وتستمع للشهود ومن بينهم صحفيون وسائقوا شاحنات تركية ورجال أعمال أتراك يعملون بالعراق حول ما شاهدوه هناك من جرائم وانتهاكات منافية لأبسط حقوق الإنسان على يد القوات الأمريكية البريطانية وذلك قبل إصدار حكمها النهائي ضد بوش وبلير.
محاولات ومحاكمات
التهم المنسوبة إلى كل من الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء البريطاني لم تكن بحاجة إلى إثبات، وهي لن تحتاج إلى استدعاء الشهود، ذلك ان العالم كله، وقف ويقف ضد جرائم الحرب الأمريكية البريطانية، وضد الغزو الذي يمثل إرهابا دوليا تقوده اكبر دولة في التاريخ المعاصر، تتخفى وراء شعارات الحرية والديمقراطية، لا بل ان دولا كانت كبرى قبل وقت قصير، وقفت ضد ما حدث، فيما تراجعت دول أخرى بفعل تقاطع المصالح، تماما كبعض الدول التي شاركت بالجريمة بفعل تلاقي المصالح.
لم تتوقف التظاهرات العالمية عن إدانة الغزو، ولم تتوانى المؤسسات الإعلامية التي تحترم نفسها من فضح الجرائم البريطانية الأمريكية، فمن غوانتانامو إلى أبو غريب إلى الإرهاب المستمر في كل مكان تواجدت فيها القوات الأمريكية والبريطانية، كانت ملامح الجرائم تتراكم دون ان يعمل العالم بما فيه الكفاية، العالم الذي اكتفى بعضه بالادانات، والآخر بالحياد، والبعض الثالث بالمشاركة.
لكن هذا لا يعني انه لم ترتفع أصواتا مهمة لتطالب بمحاكمة كهذه، وهناك الكثير، ابرز هذه المطالبات، وعلى سبيل المثال، ما طرح تحت شعار "دستور عالمي من أجل عالم صحي وسلمي" حين دعا الطبيب الألماني الأصل "ماتيس راث" شعوب العالم إلى تبني "أجندة الشعب"، وإلى حضور مؤتمر عالمي لمحاكمة جورج بوش وتوني بلير وإدارتيهما "محاكمة شعبية" سوف يحضرها رامزي كلارك في لاهاي .
لقد دعا في حينها إلى تشكيل ما يطلق عليه "أجندة الشعب" كدستور لعالم جديد يسوده السلام والصحة والعدالة الاجتماعية ضد إدارة بوش وبلير، وضد شركات الأدوية التي مولت الحرب على العراق.
يصف راث أجندة الشعب بقوله: "نحن شعوب العالم أمامنا خيار من اثنين؛ إما مواصلة قبول نير هذه الصناعات الاستثمارية التي تفرض علينا الحروب والأمراض، أو تحرير أنفسنا من هذه الأعباء، والبدء ببناء عالم تحدده مبادئ السلام والصحة والعدالة الاجتماعية".
نحن نعلن الحقوق التالية حقوقاً أساسية لنا:
الحق في السلام، الحق في الحياة، الحق في الصحة، الحق في العدالة الاجتماعية وحقوقا أخرى أيضا، مختتما برنامجه الذي حفل بالتفاصيل بالقول، نحن ندرك أن مقاضاة مجموعات المصالح التي تروج للحرب والمرض أمام المحاكم الدولية لتضحيتها بحياة الملايين من البشر، وارتكابها جرائم أخرى ضد الإنسانية شرط لإقامة هذه الحقوق الإنسانية. وهذا ما يزيل آخر عقبة أمام شعوب العالم للقضاء على عصور المرض والحرب؛ ليبدأ بناء عالم السلام والصحة والعدالة الاجتماعية الجديد، مؤكدا على انه سوف يقوم بدعوة العالم لتبني هذه الأجندة أمام مؤتمر عالمي سيعقد برئاسته في لاهاي بهولندا ، وقد اختار راث هذه المدينة؛ لأنها المكان الذي أقيمت فيه محكمة الجزاء الدولية التابعة للأمم المتحدة، في إشارة إلى مسعاه لتكوين تحالف عالمي لمحاكمة مجرمي الحرب العراقية.
وسيكون هذا المؤتمر بمثابة "محاكمة شعبية" لحكومة بوش وبلير بسبب حربهما على العراق ولشركات الأدوية التي دعمت الحكومتين ماليا في هذه الحرب.
ولم ينسى ماتياس راث (الطبيب الألماني الأصل الأمريكي الجنسية) توجيه الدعوة على موقعه إلى اتحاد شعوب العالم للوقوف أمام جبروت حكومتي أمريكا وبريطانيا في هذا المؤتمر قائلا: "ما دامت القوى العظمى لن تتوقف عن خوض حروب عسكرية؛ فعلينا نحن -شعوب العالم- أن نوقف هؤلاء عند هذا الحد اقتصاديا وسياسيا؛ اقتصاديًّا عن طريق مقاطعة ومحاصرة نشاطات شركات الأدوية التي تمول حروب تلك الحكومات المتاجرة بالأمراض، أما سياسيًّا فعن طريق قيام كل مواطني العالم بالضغط على حكومات بلادهم لإثبات تورط كل من بوش وبلير وإدارتيهما في ارتكاب جرائم حرب".
ويرى راث أن العالم ينقسم إلى ساحتين:
ساحة قتال رقم 1: وهي التي يدور فيها صراع عالمي في مجال الاستثمارات الدوائية التي تبلغ قيمتها تريليونات الدولارات على المدى الزمني الطويل، وهذه الاستثمارات تحتاج لقائمة طويلة من التشريعات لكي يتم تمريرها، ويرى راث أن هذه التشريعات يصعب تمريرها وقت السلم؛ ولذا تظهر ساحة قتال رقم 2 التي تتمثل في الحروب والتهديدات والتخويف من الأمراض كنوع من صرف الانتباه عن ساحة القتال رقم 1، وهذا الخوف الكوني يتبعه سلسلة من الإجراءات تسمى بقوانين "الحماية" التي تتسبب في فقدان الحقوق المدنية على مستوى العالم، ووقتها يتم تمرير قوانين استثمارات شركات الدواء.
كما يرى راث أن العالم يمر الآن بمرحلة ما قبل الحرب –وليس ما بعدها– فالحرب التي يتوقعها سيستخدم فيها أسلحة الدمار الشامل على أوسع مدى إذا لم يقف العالم في مواجهة هؤلاء المنتفعين من الدمار.
ويتنبأ ماتيس راث أن كارتلات الدواء سوف تواصل اتصالاتها مع مجموعة السياسيين المنتفعين منها، وهذا سوف يسفر عن:
- تصعيد التهديدات بضربات نووية استباقية ضد إيران وكوريا الشمالية ودول أخرى.
- تصعيد الحروب النفسية على خط متوازٍ كالحرب على الإرهاب وحملة التخويف العالمية من سارس.
- تصاعد اهتمام الكونجرس بإصدار قوانين لحماية شركات الدواء.
المحكمة تدين واشنطن ولندن
"المحكمة العالمية حول العراق"، وهي هيئة تجمع منظمات غير حكومية مناوئة للحرب على العراق ولاحتلاله، أصدرت "الاثنين الماضي" في اسطنبول "حكمها" الرمزي حيث أدانت بشدة الولايات المتحدة وبريطانيا وسائر الدول المنضوية تحت لواء تحالفهما.
وبعد ثلاثة ايام من "جلسات الاستماع"، أوصت المحكمة بإجراء تحقيق لتحديد مسؤولية "مرتكبي الجرائم والاعتداءات بحق الإنسانية في العراق، بدءا من الرئيس الاميركي جورج بوش ورئيس الحكومة البريطاني توني بلير وسائر المسؤولين الحكوميين المنضويين تحت لواء التحالف" العسكري.
وتلت "الحكم" الروائية الهندية ارونداتي روي رئيسة "هيئة التحكيم الضميرية" التي تضم 15 عضوا، وطالبت أيضا "بانسحاب فوري وغير مشروط لقوات التحالف المنتشرة في العراق"..
المحكمة العالمية حول العراق كانت قد عقدت نحو عشرين جلسة عبر العالم، وقد تأسست في 2003 على غرار محكمة راسل التي دانت في نهاية الستينات الحرب التي شنتها الولايات المتحدة ضد فيتنام.
وتضم المحكمة نحو 200 منظمة غير حكومية، بينها منظمة غرينبيس والجمعية الاميركية لقدامى المحاربين في فيتنام، والمنظمة الأوروبية المناوئة للعولمة ومثقفين مثل الخبير اللغوي الاميركي نعوم شومسكي والخبير الاجتماعي المصري سمير أمين.
معتقل غوانتانامو كان حاضرا أيضا، إذ طالبت الروائية الهندية في خضم الهتافات، باقفال معتقل قاعدة غوانتانامو الاميركية في كوبا وإعادة النظر في جميع المعاهدات والعقود التي وقع عليها العراق تحت الاحتلال واعتبارها "لاغية".
كما وجهت لجنة التحكيم أصابع الاتهام نحو عدة شركات أميركية (مثل هاليبرتون وكارلايل وبوينغ وتكساكو) وبريطانية اتهمتها "بالاستفادة مباشرة من الحرب" ودعت الناشطين إلى مقاطعة هذه الشركات بهدف حثها على إقفال مكاتبها في العراق.
حوالي خمسين خبيرا وشاهدا، بينهم محامون دوليون وجنود سابقون اميركيون، تعاقبوا على الكلام أمام المحكمة في حضور المئات من الناشطين السلميين والتعاونيين، في محاولة لبرهنة عدم شرعية الحرب على العراق وإظهار "الجرائم" التي ارتكبت خلال احتلاله.
شهادات حية
توالت شهادات عراقيين مع عرض تقارير مختلفة كتقرير طبيب أميركي حول ازدياد نسبة الإصابة بسرطان الدم لدى أطفال البصرة (جنوب العراق) بسبب استعمال أسلحة تحتوي على شكل من أشكال اليورانيوم المعالج إبان "عاصفة الصحراء" عام 1991.
الناشطة النسائية هناء ابراهيم ، عرضت للمصاعب التي تواجهها النساء العراقيات منذ بدء الاحتلال بما في ذلك انتشار شبكات الدعارة وتهميش دور المراة في العمل العام.
كما خصصت مساحة كبيرة خلال الجلسات للتنديد بعمليات التعذيب التي ارتكبها عناصر من قوات الاحتلال و"بالعقوبات الجماعية" التي فرضت على بعض المدن كالفلوجة احد معاقل المقاومة العراقية، وأرفقت الشهادات بصور ووثائق.
كما لزم الحاضرون في الجلسات دقيقتي صمت تكريما لذكرى ضحايا الاحتلال، وسوف تبلغ توصيات المحكمة العالمية حول العراق إلى المتهمين بما في ذلك الأمم المتحدة التي فشلت في إدارة الأزمة العراقية، إضافة إلى عدة منظمات دولية، حسب ما أفاد منظمو المحاكمة.
حول جرائم أمريكا
المحكمة انعقدت في دورتها الثالثة، حيث كانت الثانية في تونس، أما الجلسة الأولى فقد عقدت بالهند، ففي تونس، ساهم عدد هام من الخبراء والجامعيين والحقوقيين والمختصين والصحافيين والشعراء والموسيقيين والسياسيين والنقابيين وحتى المتطوعين من كافة أنحاء العالم، وقد تناولت المحاكمة في دورتها الجرائم الأمريكية في العراق وفي العالم وعبر التاريخ وعلى امتداد الجغرافيا ومن كافة الزوايا القانونية والإعلامية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والعلمية... وكشفت المحاكمة حقيقة ما يرتكبه الأمريكيون ضد الشعوب وضد الإنسانية والطبيعة... وتواصلت على امتداد ثماني .
لم تخل المحاكمة لجرائم ومجرمي الحرب الأمريكيين من الأسئلة، التي وصفت أحيانا بالحارقة، حول واقع العرب وآفاق نهضتهم ووجودهم، وكذلك كان الحديث عن حق مقاومة الاحتلال، «فكل الشعوب إذا أصيبت بمظلمة من حقها أن تصمد، بل من واجبها الصمود» معتبرة أن ما يجري اليوم في العراق وما تقوم به المقاومة إنما يدخل في دائرة الصمود ومن يسمّي ذلك عنفا فهو خاطئ.
بعض
المداخلات، تحولت إلى ابعد من المحاكمة، لتطال الثقافة والفكر، حيث اعتبر البعض،
أن
الثقافة العربية لم تتأقلم بعد مع الحداثة، والفكر العربي الحر تعرض إلى قمع شديد
فالمفكرون يقتلون ويغتالون والفكر يعيش القهر المتواصل فالفكر العربي غريب في وطنه،
والهدف من تغييبه إنما هو القضاء على الاختلاف والتنوّع حتى تسيطر الأحادية.
ان قهر
الفكر ، يعني استقرار التخلف، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل الخطر أن يطال هذا
التخلف فكرة الصمود والمقاومة .
أما أسباب وعلل هذا التخلف، فتعود إلى ثلاث قوائم كونت جهازا قُـدّ من أكثر من طرف ضد العالم العربي، وهي أولا المصالح الإمبريالية، "اعتبر أن الإمبريالية هي التعبير الأدق والأصح والاعمق الذي من خلاله يمكننا فهم ما يجري حاليا" ، وثانيا الوجود الصهيوني وثالثا الاستعداد الذاتي لقبول عدوان العدو ، ذلك إن العدو ما كان يمكن له أن يقوم بما قام به لو لم نكن نحن على استعداد لقبول ذلك، بمعنى أننا مؤهلون لقبول ذلك»
الشرق الأوسط الكبير والجريمة
في
المحاكمة أيضا، كان هنالك إطلالة على مشروع الشرق الأوسط الكبير، حيث لوحظ ان
هناك
من يرى بأن العدوان ، هو نتاج المخططات ومشاريع تحاك خارج المنطقة العربية، هذه
الرؤية بنظرية المؤامرة، وهناك رؤية تقول بأن منطقتنا العربية ترزح تحت وطأة
الاحتلال نظرا لأننا متخلفون، ولأن المنطقة ترزح تحت وطأة الموروث المتخلف من
الناحية السياسية والإنسانية.
المداخلة التي تمحورت حول «مشروع الشرق الأوسط الكبير» تقول ان الرؤيتين متناسبتان وكلاهما صحيح، وان كل مخططات ضرب وحصار واحتلال العراق كانت قديمة، «إن الرؤية الأولى التي ترجع كل شيء إلى الخارج وتعتقد في المؤامرة هي صحيحة وان الرؤية الثانية التي ترفض إرجاع كل شيء للمؤامرة وينتقد أنصارها الرؤية الأولى، ترى أن السبب هو تخلفنا، وهذا أيضا صحيح».
الشرق الأوسط الكبير مليء بالمشاريع والتدخلات التي استهدفت العراق، وأول هذه المشاريع مشروع لبنرمان رئيس الوزراء البريطاني سنة 1907 والذي عقبته اتفاقية سايكس بيكو، وتوصل المشروع إلى أن المنطقة العربية هي التي تهدد وجود الإمبراطوريات الاستعمارية، وذلك موثق في تقارير وتوصيات، لقد جاء في مشروع بنرمان ضرورة الفصل بين الجزء الإفريقي من الأمة العربية، والجزء الآسيوي ودعا إلى الفصل باستعمال حاجز بشري، كان لاحقا إسرائيل.
لقد قال بن غوريون، أول رئيس للكيان الصهيوني، لابد من إيجاد ثلاثي دولي لتطويق المنطقة العربية ورأى أن هذا الثلاثي لن يكون غير إيران وتركيا وإثيوبيا.
عام 2002 ظهر مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يضم الدول العربية إضافة إلى إسرائيل وتركيا وإيران وباكستان وأفغانستان، جاء فيه بوضوح في وثيقة أمريكية، ان الهدف من هذا المشروع هو الحفاظ على المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها.
وقال التقرير حول مشروع الشرق الأوسط الكبير إن الوضع العربي لا يطاق وأن التخلف كبير جدا، واستشهد معدّوه بتقارير عربية مثل تقرير التنمية وحذفوا عمدا سبب التخلف كالاحتلال وزرع إسرائيل، ويقول التقرير بأن أولويات الإصلاح هي تشجيع الديمقراطية والحرية الاقتصادية.
من البرغماتية إلى الإيديولوجية
هناك ثلاثة عناصر هامة لابد ان تحضر عندما نعالج مشروع الشرق الأوسط الكبير، وهي ان
المشروع يأتي في ظرفية تتحول فيها أمريكا من البراغماتية إلى أمريكا الايديولوجية،
أي من الواقعية السياسية إلى العقائدية بقيادة اليمين المسيحي المتصهين، وثانيا ان
الولايات المتحدة الأمريكية ترى بأن ضمان أمنها يفرض التقليل من التزاماتها
بالمعاهدات والأعراف الدولية، وتسعى أمريكا اليوم إلى إقامة اتفاقيات ثنائية بين
دول أخرى مثل اتفاقية حماية جنودها وحصانتهم من المحاكمات حتى في صورة ارتكابهم
جرائم ضد الإنسانية، وثالثا فان معايير الأمن القومي الأمريكي لن تتحدد من الآن على
أساس مقاييس الحدود، فالولايات المتحدة تقول ان لعبة الحدود أصبحت أمرا قديما،
واليوم أصبحنا إزاء عالم الحركة والاتصالات ويقول الأمريكيون: «إن الحركة المتبادلة
بين المجتمعات تنقل مظاهر التهديد بين الحدود».
ويرى
الأمريكيون في مشروع الشرق الأوسط الكبير بأن حقوق العالم تتجاوز مقولة حق الشعوب
في تقرير مصيرها، والعالم حسب ما جاء في بعض المداخلات، هو رهن بإرادة الدول
المهيمنة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.
إن المستهدف الأول من مشروع الشرق الأوسط الكبير، هو العربي الذي لن يكون عنصرا أو عاملا مهيمنا ضمن هذا الشرق ، بل سيكون عرقا أو أقلية ضمن جغرافية تضم إيران وأفغانستان وباكستان وإسرائيل وتركيا، حيث سيتم دمج العرب ضمن بخمسة مجتمعات أخرى تساوي في عددها سكان العالم العربي، والآن، بدأ التحريض على الصراعات العرقية والاثنية في العالم العربي.
وأنه عن طريق الشرق الأوسط الكبير، ستكون إسرائيل شرعية وتضم يهودا مثلهم مثل باقي
أبناء هذا الشرق الكبير من عرب ومسلمين ومسيحيين وسود وباقي العرقيات والاثنيات...
وستكون
القضايا العربية المركزية وخصوصا القضية الفلسطينية مجرد قضية عادية، إذ عندما يطرح
العرب قضية فلسطين ستطرح أمامهم من قبل الباكستان قضية كشمير ومن قبل الأتراك قضية
الأكراد...
ان النظام العربي الرسمي عاجز عن التحالف مع شعوبه وعاجز عن الديمقراطية، ولم يكن متوقعا أن يتصدى النظام العربي لهذا المشروع الخطير، ان الإصلاح الأمريكي هو حق أريد به باطل.
القرن الأمريكي الجديد
مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يمتد من الجغرافيا إلى السياسة مرورا بالثقافة والاقتصاد والتعليم والمرأة والإعلام... يتواصل مع مشروع القرن الأمريكي إذ انه للمرة الأولى في التاريخ يسيطر لوبي بالكامل على القرار الأمريكي، فالمحافظون الجدد الذين نظّروا لمشروع القرن الأمريكي الجديد يرون ان «أمريكا قائدة العالم هو أمر جيد لأمريكا وللعالم» وهذه الزعامة تفترض قوة ودبلوماسية وكان من أول نداءات هؤلاء المحافظين هو ضرورة احتلال العراق.
أهم أسماء هذا اللوبي ديك تشيني مؤسس المجموعة ورامسفيلد وهو من المؤسسين كذلك اضافة الى بول وولفيتر وهو مفكر المجموعة والذي أصبح حاليا رئيس البنك الدولي، وكذلك جون بولتون القائل بأنه لو ألغينا عدة طوابق من الأمم المتحدة لكانت أفضل، وكذلك ويليام كريستول وزلماي خليل زاده وريتشارد ارميتاج وكوندوليزا رايس... وهدفهم هو تحويل أمريكا إلى إمبراطورية كونية بقوة السلاح.
ويمكن ملاحظة ذلك من تصريحات وولفيتز سنة 1992 عندما قال «كان على الحرب ان تتواصل ضد العراق من أجل البلوغ إلى منابع النفط في المنطقة العربية» ودعا إلى اعتماد أسلوب الضربات الاستباقية والاعتماد على التحالفات، وان لم يكن ذلك ممكنا فعلى الولايات المتحدة ان تهاجم بمفردها، وأعدّ وولفيتز ومجموعته تقريرا دعوا فيه إسرائيل إلى إعادة تشكيل محيطها الاستراتيجي وإيقاف ما يسمى بعملية السلام والمشاركة في احتلال العراق... وقد قدم هذا التقرير إلى «الليكود» الصهيوني حيث تم تشكيل ما عرف «بلجنة تحرير العراق».
جرائم في كل المجالات
جرائم الولايات المتحدة الأمريكية ضد الإنسانية طالت كل المجالات بما فيها الاقتصادي، فالعقوبات الاقتصادية والحصار الذي قادته أمريكا منذ سنة 1990 إلى سنة 2003 كان جريمة حقيقية ضد الإنسانية، خاصة وان القانون الأساسي لمحكمة الجرائم الدولية يعرّف الجريمة الدولية بأنها الهجوم والقتل والترهيب الجماعي والتغيير في الوضع الصحي والاجتماعي والاقتصادي وارتكاب الابادة...
وهناك بعض المحطات التاريخية في حصار العراق الذي انطلق بالقرار 661 عام 1990 فالإعداد للاعتداء على العراق كان قبل دخول القوات العراقية إلى الكويت ، وتجلّى ذلك من خلال مطالبة بعض دول الخليج بديونهم بعد توقف الحرب مع إيران، إضافة إلى التخفيض في أسعار البترول إلى أن وصل البرميل الواحد 10 دولارات.
ان ضربات 1991 ضد العراق توجهت إلى موزعات ومولدات الطاقة والاتصالات والمواد التموينية ومحطات ضخ المياه قبل الأهداف العسكرية، وكان الهدف واضحا وهو إيذاء العراق وتدميره وليس تحرير الكويت، ألم يقل جيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكي أثناء حرب الخليج الأولى لوزير الخارجية العراقي آنذاك السيد طارق عزيز «إننا سنعيدكم إلى العصر الحجري».
ان كل المنظمات الدولية، شهدت بأن الحصار كان مدمرا لدولة كان لها أكبر نسبة نمو اقتصادي في تلك المنطقة، حيث جعلها الحصار ، من أفقر الدول في العالم ،فالعراق كان يستوعب الآلاف من العمالة العربية، وكان يساعد العديد من الدول العربية رغم حربه مع إيران وكان الدخل الفردي للمواطن العراقي سنة 1988 أكثر من 3510 دولار ولكنه سنة 2003 وصل الى أدنى المستويات العالمية فتعطلت عمليات استيراد الآلات مما عطل الصناعة وتوقف استيراد المبيدات الحشرية وآلات تصفية وتنقية المياه مما أدّى إلى ظهور أمراض خطيرة تخلص منها العراق منذ القديم، وأمام منع استيراد التجهيزات الطبية وعديد الأنواع من الأدوية فقد هلك الآلاف من العراقيين.
ان اقتصاد العراق لم تدمره الحرب وإنما دمره الحصار وأصبح العراقي جائعا ومحروما وفقيرا ومريضا... وليس له دواء... وان العقوبات التي فرضها مجلس الأمن بدفع أمريكي وبريطاني كانت الأسوأ في التاريخ ، وذلك بشهادة خبراء من الأمم المتحدة نفسها .
النفط والعسكرة!!
المحكمة في حد ذاتها لم تكن مجرد استعراض إعلامي أو حقوقي، وإنما كانت عبر دوراتها الثلاث، منبرا للفكر الذي يواجه العدوان والهيمنة بالفكر ، وبالتالي، فقد تداخل الكثير مما قيل، حتى تحولت الجلسات إلى ما يشبه الندوات، ففي مداخلة حملت عنوان النفط والعسكرة، تحدث د. عزّام محجوب الجامعي التونسي قائلا:
أصبحت الولايات المتحدة مؤمنة باستعمال القوة للوصول إلى منابع النفط خاصة في المنطقة العربية التي تحتوي على 60 أو 70 بالمائة من المخزون العالمي، إذن سيكون بمقتضى ذلك، تحت المجهر على الأقل لمدة جيلين، مضيفا، «لم يبق أمامنا إلا 20 سنة فقط للدخول في التاريخ أو الخروج منه» فالعرب هم موضوع الصراعات الدولية لان لهم موقعا استراتيجيا ولأن لهم ثروة النفط، لذلك كان الإنفاق العسكري سنة 2004 أكثر من 1035 مليار دولار تستأثر الولايات المتحدة بمفردها بـ850 مليار دولار مع العلم ان دخل دولة نامية لا يتجاوز 25 مليار دولار.
ولأول مرة في التاريخ تتمكن دولة من السيطرة التامة والكلية على العالم عسكريا، وان هذه الهيمنة لا بد لها من تكلفة، لذلك تساءل الدكتور عزام كيف يمكن ان تدوم الهيمنة؟ وقال «يجب ان تكون هناك أرضية اقتصادية لها من الطاقة ما يمكن من الإنفاق والمواصلة» وهذا ما قامت به الولايات المتحدة التي حصلت على تكلفة الحرب من حلفائها وخاصة بعض الدول العربية مع فوزها بالربح بمفردها، أي أنها استأثرت بالربح لكنها وزعت تكلفة الحرب على حلفائها وخاصة من العرب.
ان للنفط محورية مطلقة في الاقتصاد العالمي وسيتواصل تقريبا إلى منتصف هذا القرن فالعرض والطلب العالميين في خصوص النقط متقاربان، لذلك فان أي اضطراب في أي دولة نفطية يؤدي إلى اضطراب في السوق النفطية ، إذ ليس هناك هامش متسع بين العرض والطلب فينجر عن ذلك بروز العجز في حالات الاضطراب.
والغريب أن الدول العربية المنتجة للنفط هي التي تعوّض هذا العجز وذلك بالزيادة في إنتاجها، ان نمط العيش الأمريكي مبني على النفط وسيتواصل كذلك وستنتقل نسبة الحاجة الأمريكية للنفط العربي من 45 إلى 55 لذلك ستتواصل حاجتها للنفط إلى 20 سنة مقبلة لذلك «أتوقع حروبا أخرى» كما قال الدكتور عزام الذي واصل ان أمريكا لن تسمح لأحد غيرها بالسيطرة على النفط وهي تسعى الآن للتقليص من دور السعودية وذلك بنفط العراق، إذن لابد لها من إضعاف «الأوبك» وان الولايات المتحدة لن تستطيع ان تنعم بنفط العراق إلا إذا تحقق الاستقرار وهذا غير موجود بحكم المقاومة، إذ كان الأمريكان يعتقدون بأن نفط العراق سيدفع ثمن الحرب والاحتلال ،إلا ان ذلك لم يتحقق، فالمقاومة مازالت متواصلة ، فمن يدفع إذن ثمن الحرب إضافة إلى بترول العرب، انه المواطن الأمريكي دافع الضرائب، وتوقع الدكتور عزام محجوب، وهو الذي ساهم في إنجاز التقرير الأول للتنمية العربية بأننا «سنشهد في الشهور المقبلة تحركات شعبية في الولايات المتحدة الأمريكية خاصة وقد افتضحت مبررات الحرب وبدت كاذبة» إذن عطلت المقاومة العراقية مشاريع الإمبريالية الأمريكية.
جرائم التعذيب
بالطبع، لم تخلو المحاكمة من ذكر جرائم التعذيب الأمريكية، جرى الحديث عن غوانتانامو، وأبو غريب، وعن الابادة الممنهجة ليس فقط للإنسان، وإنما للفكر والتراث أيضا، فقد قدم شاب عراقي أمثلة عن تشويه المقاومة في العراق وعن تهديم الأنظمة الدراسية ،وقال ان الاحتلال حذف كل ما له علاقة بالقضايا العربية والقضية الفلسطينية والتعلق بالوطن والدين وقدّم الكاتب جلول عزونة وهو جامعي تونسي أدلّة على اغتيال العلماء والمفكرين وسرقة الآثار والمكتبات في العراق وعرض صورة تضمنت جنودا أمريكيين ينهبون متحف بغداد حين علق رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي على ذلك بقوله: «ان نهب متحف بغداد يشبه عمليات شغب بعد مباراة كرة قدم».
الاحتلال قتل سنة 2003 فقط 49 جامعيا و200 شخصية علمية و53 عالما مختصا في المجال النووي والفيزيائي فضلا عن الاختطاف والاعتقال مثلما وقع للعالمتين هدى مهدي عماش ورحاب طه، وقد تضاعف الرقم في الأعوام التي تلت،الغزو الأمريكي دمّر أكثر من 84 من المنشآت العلمية العراقية .
قدمت أيضا شهادات مسجلة عبر الفيديو لتحطيم المستشفيات وشهادة لدانيس هاليدي ممثل
الأمم المتحدة سابقا والذي أكد أن الأمريكان والأمم المتحدة قتلوا أكثر من مليون
طفل عراقي خلال الحصار وحوّلوا العراق إلى مخبر واعتبر أن ما وقع إنما يشكل أركان
الجريمة ضد الإنسانية، وقُدّمت أيضا شهادات أخرى عبر الفيديو حول استعمال الأسلحة
المحظورة، وعرضت المحكمة الدولية لجرائم الحرب الأمريكية رسالة وجهها أهالي الفلوجة
إلى كوفي عنان يصفون فيها الدمار الشديد الذي لحق مدينتهم جراء العدوان الأمريكي
ورسالة محارب قديم إلى ابنه الجندي الأمريكي في العراق يدعوه فيها إلى تحريض زملائه
على العصيان، كما تم عرض أهم الجرائم الأمريكية ضد الإنسانية عبر التاريخ وخاصة في
العراق.
على
كل حال...
ليست العبرة أخيرا فيما قدم أمام المحكمة، إنما العبرة تقتضي متابعة ما تم إنجازه
عبر الدورات الثلاث التي أدانت كل من الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، ورئيس
الوزراء البريطاني توني بلير، بل ان المحاكمة كانت للسياسة الأمريكية نفسها وان كان
هنالك خصوصية طالت جرائم الحرب المنسوبة لكل من بوش وبلير.
المحكمة خطوة على الطريق الصحيح، بالرغم من أحكامها الرمزية، إلا ان هذه الخطوة، لا يجب ان تتوقف عند هذا الحد، وهنا لا بد من التأكيد على ان مشاركة وسائل الإعلام في هذه المسالة ضرورية، والا فانها ستكون جزءا من العدوان فيما لو تجاهلت الحقيقة.
المحكمة الشعبية الدولية
في عدة حلقات متتابعة، نشرت "شبكة البصرة"، دراسة مطولة عن الاسباب التي يجب من خلالها تقديم كل من الرئيس الامريكي جورج بوش، ورئيس الوزراء البريطاني طوني بلير، ورئيس الوزراء الاسرائيلي ارئيل شارون الى محاكم جرائم الحرب، نقتطف منها ما يلي.
لائحة الاتهام ضد
جورج بوش الابن، توني بلير، أرئيل شارون
المتهمون بارتكابهم :
جرائم ضد السلام أو جريمة العدوان:
التخطيط والإعداد وتنفيذ حرب عدوانية
جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية:
جريمة التمييز العنصري .
جريمة الإبادة الجماعية .
جريمة التآمر على الإبادة الجماعية.
جريمة التحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية.
جريمة الاشتراك في الإبادة الجماعية.
انتهاك حقوق سكان البلاد الأصليين الاقتصادية والسياسية.
جريمة الطرد بالاعتداء المسلح والاحتلال .
جريمة الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية وبالقتل والتشويه والمعاملة القاسية والتعذيب.
جريمة الاعتداء على الكرامة الشخصية.
جريمة إصدار الأحكام وتنفيذ العقوبات دون إجراء أية محاكمة .
جريمة الاعتداء على الجرحى والمرضى بالحيلولة دون علاجهم والعناية بهم وصولا إلى اغتيالهم .
جريمة تعريض أسرى الحرب للتعذيب والمعاملة اللاإنسانية والحاطة بالكرامة وتعريض أسرى وأسيرات
الحرب لأبشع أنواع التنكيل.
جريمة الاضطهاد القائم على أساس سياسي وعنصري وديني.
جريمة الحصار بإرغام الجماعة عمدا على العيش في ظل ظروف يقصد بها أن تؤدي، كليا أو جزئيا إلى القضاء عليها قضاء ماديا .
جريمة الاعتداء على المقدسات الدينية من مساجد ومصاحف وغيرها وخلق الكراهية .
جريمة الاغتصاب والإكراه على البغاء.
جريمة الاختفاء القسري للأشخاص
جريمة الهجوم الموجه ضد مجموعة من السكان المدنيين .
جريمة الإبعاد القسري والنقل القسري للسكان .
جريمة التمثيل بجثت القتلى ودفنهم في مقابر جماعية .
جريمة إبادة الثرات الحضاري والإنساني واستهداف المواقع التاريخية والأعمال الفنية والمواقع الثقافية والمراكز الروحية
جريمة المشاركة .
نتشرف بأن نقدم لهيئة المحكمة الشعبية الدولية مايلي :
أولا : لماذا هذه المحاكمة
اقتل ....اقتل ....اقتل, عنوان كتاب لضابط أمريكي شارك في العدوان على العراق .
وهو عنوان يلخص إلى حد بعيد فلسفة إدارة جورج بوش الابن , التي تقوم على الاعتقاد بالسمو على باقي البشر وبحق أمريكا في استعباد الإنسانية وفي نهب ثرواتها وبفرصة أمريكا في أن تتربع العالم , ديكتاتور ا مطلقا من حقه إبادة كل من يعشق الحرية والكرامة ويرفض أن يكون عبدا , ويعتقد في ما استقرت عليه الإنسانية من مبادئ ومن عهود واتفاقيات ، أساسها العدل وحقوق الإنسان والشعوب ونبذ الكراهية والعدوان .
محاولة بناء نظام دولي ديكتاتوري تتربع على عرشه أمريكا ومحيطها الأنكلوصهيوني , أدى إلى استباحة الدماء و الثروات والحضارة الإنسانية في بقع عديدة من العالم , وبدأ يصل في السنوات الأخيرة إلى مرحلة من الهستيريا أصبحت تهدد الاستقرار والسلم العالميين ، وتنبئ بمخاطر جسيمة على مستقبل الإنسانية .
ولذلك ، تحرك العديد
من أحرار العالم ليدقوا نواقيس الخطر،وليساهموا في إيقاف الانهيار ، ولينبهوا إلى وجود قانون دولي وعهود واتفاقيات وأعراف تشكل حصيلة تطور قرون من الزمن . وعصارة مخاض إنساني طويل مر بهزات كادت تدمر العالم .
وأفرز من بين ما أفرزه خلاصة بسيطة تتمثل في ضرورة تنظيم العلاقة بين الأمم والشعوب ، والتصدي لمحاولات العدوان ومعاقبة من يرتكب أو يحاول ارتكاب جرائم ضد الإنسانية أو جرائم حرب أو جرائم ضد السلم .كما ليذكروا ان موازين القوى تتغير ، وان العديد من قادة الإجرام الدولي لم يفلتوا من العقاب، رغم أنهم كانوا يعتقدون في فترات جبروتهم انهم فوق القانون وفوق العقاب.
ولم يقتصر تحرك أحرار العالم على التعبير بمختلف الأشكال عن رفض العدوان وعن دعم القضايا العادلة ، بل إنهم اعتبروا أن من واجبهم العمل الحثيث وصولا إلى محاكمة المجرمين وإعادة الاعتبار لمبادئ وقواعد القانون الدولي الإنساني . فكانت العديد من المحاكمات الشعبية التي نظمت في دول وقارات مختلفة ، والتي كان من نتائجها الإقدام على وضع دعاوى أمام القضاء الجنائي ، الوطني والدولي ، ضد بعض المجرمين ضد الإنسانية .
وفي هذا الإطار تأتى هذه المحاكمة ، التي بقدر ما نريدها حصيلة ، نريدها منطلقا لتقديم شكاوى جنائية في كل أنحاء العالم ، أمام القضاء المحلي والدولي ، ضد مجرمي الحرب والمجرمين ضد الإنسانية ، إنفاذا لمبادئ ومرتكزات العدالة الدولية .
فقد آن للاستقرار والسلم والمحبة أن يتربعا عرش النظام العالمي الذي لايمكن أن يكتسب جديته إلا من هذه الأسس.
ثانيا : لماذا بوش وبلير وشارون :
1 لأنهم يشكلون رمز نظام الإرهاب الدولي ، بل وأصبحوا يجسدون هذا الإرهاب ، والمخاطر التي تحدق بالبشرية جمعاء.
2 لأنهم عنوان لكل الذين خططوا ونفذوا وشاركوا في الجرائم البشعة ضد فلسطين والعراق وفي غوانتانامو . وبالتالي فان محاكمتهم شعبيا ، بالإضافة إلى أنها تتعلق بهم كأشخاص ، هي محاكمة لكل الآخرين ، وهي كرة الثلج يلقى بها من أعلى الجبل .
3 ولأننا مقتنعون بما تضمنته العديد من الاتفاقيات الدولية والذي لخصته ديباجة " اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية " بما يلي :
" وإذ ترى أن جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية هي من اخطر الجرائم في القانون الدولي.
واقتناعا منها بأن المعاقبة الفعالة لجرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية عنصر هام في تفادي وقوع تلك الجرائم وحماية حقوق الإنسان والحريات وتشجيع الثقة وتوطيد التعاون بين الشعوب وتعزيز السلم والأمن الدوليين ".
4 لأن كل الجرائم التى سنوردها أدناه تصب كلها فى الجريمة الكبرى التى هى جريمة العدوان على الشرعية الدولية ومحاولة القضاء عليها، وإبدال حكم سيادة القانون فى العلاقات الدولية بقانون الغاب وصولاً لإقامة النظام الدكتاتوري العالمي.
مما يفرض على كل الأحرار ومحبي السلام والساعين للاستقرار ولترسيخ مبادئ المساواة والكرامة وحقوق الإنسان ، في العالم ، فضح النموذج ، ملاحقة النموذج ، العمل على إنهاء هذا النموذج الذي إذا استمر يمكن أن يؤدي إلى إبادة الإنسان والإنسانية لان النظام الدكتاتوري الإرهابي الإجرامي الدولي الذي يسعون إلى بنائه لايمكن أن يستقر ولا أن يصمد أمام إرادة الشعوب ، وبالتالي فان النتيجة الحتمية ستكون فوضى عارمة عالمية واستعمال لمختلف أسلحة الدمار ....وو...
الوقائع :
لا بد من التأكيد في البداية على انه لايمكن استعراض كل الجرائم المرتكبة من طرف المتهمين الثلاثة في العراق وفلسطين وفي غوانتانامو.
ذلك أنها اكبر من أن تحصى ، وأكثر من أن يسعها صك اتهام واحد ، أو محاكمة شعبية أو جنائية واحدة .
فهذه الجرائم ارتكبت وترتكب يوميا ، ولمدى عدة سنوات .
وهي جرائم متنوعة ، ولم يسلم منها الإنسان ولا الحيوان ولا الأرض ولا البناء ولا البنيات التحية ولا المواد الغذائية ولا تجهيزات المياه والكهرباء ولا المستشفيات ولا المدارس، ولم تسلم المساجد ولا الكنائس ولا المتاحف ولا الخزانات ولا المآثر . وكان ضحيتها الطفل والشيخ والمرأة ، المسلح والمدني ، الطبيب والصحفي، الطليق والأسير والمعتقل ، السيارة والدراجة وسيارة الإسعاف ...الخ .
ولذلك فإننا مضطرون في هذه المحاكمة إلى الاكتفاء بتقديم نماذج من هذه الجرائم ، مع تقديم جزء من الحجج والوثائق والمستندات التي تثبت ارتكابها ومسؤولية المتهمين الثلاثة عنها ، علما بأن هذه المستندات بقدر ما تثبت بشكل قاطع التهم المنسوبة للمتهمين الثلاثة ، فإنها ليست إلا القليل ، القليل من ما يوجد من أدلة ، رغم أن الإرهاب الدولي اعتمد في السنوات الأخيرة على محاولات التمويه ومحاصرة الخبر ، لدرجة أن العدوان على العراق لم يبث عنه في وسائل الإعلام إلا ما قررت سلطات الاحتلال بثه ، في مراحل متعددة من العدوان ، لكن الجرائم كانت أكبر بكثير من أن تخفى .
وسوف نقدم نماذج من الأفعال المرتكبة من طرف المتهمين الثلاثة من خلال وثائق وتقارير وشهادات صادرة عن جهات وفي فترات مختلفة:
وقائع العراق
12 سنة ظل العراق تحت الحصار. 12 سنة من التجويع والحرمان من أبسط وسائل العيش والتطبيب والدراسة. 12 سنة حصدت مئات الآلاف من الأرواح أغلبهم أطفال وشيوخ ونساء. كما خلفت أضعافهم في حالة إعاقة دائمة. كما خلفت دمارا طال العديد من المجالات وخرابا اقتصاديا واجتماعيا.
وإذ ندلي بوثيقة تتضمن إحصاءات مدققة للآثار المدمرة لحصار العراق ولو عن فترة قصيرة، فإننا ندلي أيضا بكتب صادرة عن مسؤولين أمميين لم يسمح لهم ضميرهم بالسكوت على ما جرى، مثل الدكتور سبونك و الدكتور جيف سيمونس والدكتور هانس بليكس، بالإضافة إلى كتب ووثائق أخرى. ونقتطف من بعض هذه الكتب فقرات موجزة جدا كنموذج لما جاء فيها وفكرة أولية عن فظاعة الجرم:
من كتاب تشريح العراق: عقوبات التدمير الشامل التي سبقت الغزو
للدكتور هانز كريستوفر فون سبونيك
نقتطف هذه الفقرات الموجزة :
وكان مما زاد في انزعاج موظفي الأمم المتحدة ضربات جوية أمريكية/ بريطانية منتظمة في منطقتي حضر الطيران على خط العرض 36 درجة شمالا و خط العرض 33 درجة جنوبا.
مهما يكن الأمر، كانت إعادة تأهيل الاقتصاد تلقى معارضة شديدة من الحكومتين الأمريكية و البريطانية في مجلس الأمن بحجة أن منتجات عدة ، كما في صناعة الأدوية ، كانت ثنائية الاستخدام و كان يمكن تحويل مجراها إلى المؤسسة العسكرية لإنتاج أسلحة دمار شامل.
لم آت إلى بغداد كمدير للعقوبات و لا كحليف لنظام قمعي. كنت أريد بدلا من ذلك إتباع نهج من شعبتين: تعزيز كفاءة البرنامج الإنساني و تذليل العقبات التي يواجهها برنامج النفط مقابل الغذاء. لم يلق ذلك ترحيبا من الحكومات التي أصرت على إتباع سياسة احتواء للعراق ذات هدف واحد. فلم تكن واشنطن و لندن ترغبان في بحث وقائع نقص الأموال المسموح بها ونقص المؤن الضرورية، أو يريدان تسلم معلومات من الأمم المتحدة في بغداد تتعلق بالوضع الإنساني الناشئ عن سياسات مجلس الأمن في العراق. فقد كان من الواضح أن للسياسة أولوية على الشعب.
ضميري كان يعذبني. فكيف يمكنني أن أنفذ بطيبة خاطر سياسة انتقدتها غالبية أعضاء مجلس الأمن سنة اثر سنة باعتبارها فاشلة؟ و كيف يمكنني أن انظر في عيون العراقيين فيما أنا طرف في محنتهم.
في 10 شباط/ فبراير 2000 كتبت إلى الأمين العام كوفي انان اطلب منه إعفائي من منصبي و اشكره على ثقته و اعبر عن قلقي العميق من استمرار نظام العقوبات في العراق بالرغم من الأدلة الكاسحة على أن نسيج المجتمع العراقي يتدهور بسرعة و الوعي الدولي بان النهج المتبع يعاقب بوضوح الطرف غير المقصود.
ومن خلال كتاب جيف سيمونس المعنون "بالعقوبات و القانون و العدالة" والذي استعرض فيه مختلف جرائم الحرب التي اقترفتها الولايات المتحدة الأمريكية من منظور القانون الدولي بالعراق
نقدم هذه المقتطفات :
ويحضر البرتوكول الأول لميثاق جنيف استهداف المواقع التاريخية و الأعمال الفنية والمواقع الثقافية و المراكز الروحية ... الخ، و قد هاجمتها قاصفات " قوات التحالف" جميعا. و شملت الانتهاكات الأخرى المدانة في ميثاق أو أكثر من المواثيق المختلفة (لاهاي و واشنطن و جنيف و الأمم المتحدة) ما يأتي :
قصف الأهداف ذات الاستعمال المزدوج ( المدني – العسكري) دون سابق إنذار.
قصف المواد الضرورية لبقاء المدنيين على قيد الحياة.
قصف السدود و الجسور
قصف المدارس و الكليات و المستشفيات و المختبرات.
قصف وسائل الاتصال المدنية.
قصف قوات العدو المتراجعة.
قصف الجنود غير القادرين على المقاومة.
الإهمال المتعمد لمبدأ " الإبقاء على الحياة".
حجب المعلومات المتعلقة بأسرى الحرب عن الصليب الأحمر الدولي.
عدم السماح لممثلي الصليب الأحمر الدولي بزيارة أسرى الحرب للتحقق من ظروف المعيشة و الوضع الصحي.... الخ.
حرمان حق أسرى الحرب في المراسلة و الاتصال بالممثلين القانونيين و غيرهم و الاتصال بالأقارب.... الخ.
تأسيس مراكز احتجاز غير معلنة لأسرى الحرب.
المعاملة الوحشية لأسرى الحرب.
كان تدمير القوات الأمريكية عمدا البني الأساسية المدنية جريمة حرب كما يعرفها ميثاق نورنمبرغ و قرار نورنبرغ و مبادئ نورنبرغ.
ورأينا في هذا الصدد أن القوات بقيادة الولايات المتحدة استهدفت على نحو مباشر وغير مباشر المواد الغذائية و تجهيزات المياه ( قصف مخازن الأغذية ووسائل توزيع الأغذية و المخازن المبردة ووسائل التجهيزات الكهربائية و نظم ضخ المياه ومحطات تصفية المياه و نظم توزيع المياه....الخ) و عن طريق آلية نظام العقوبات تمنع واشنطن استيراد الغذاء إلى العراق، و تمنع وصول اللقاحات و الأدوية الضرورية في الزراعة المنتجة و تمنع المعدات و الأجزاء الاحتياطية اللازمة لنظم تنقية المياه وتوزيعها... الخ. إن تجويع المدنيين المحظور في البرتوكول الأول كوسيلة في الحرب يمارس عمدا بوصفه واحدا من إجراءات إبادة عدة في سلم كئيب.
أفلحت الولايات المتحدة في تحويل العراق إلى بلد الموتى و المحتضرين. ها هي مدينة من العصور الوسطى خاضعة للحصار ، و بيت أهوال و قبر واسع متضخم. و تجري إبادة جيل أطفال برمته: بينما اكتب في تموز/يوليو 1998 بعد سبعة أعوام من أقسى حضر اقتصادي، فان عشرات الآلاف من الأطفال الرضع العميان- بسبب شحة الأنسولين- ذوي العيون السود الغائرة و الأطراف التي تشبه العصي و الأدمغة التالفة في غيبوبة أو الآم الحمى، و كلهم هزيل ينتظر موته المبكر ( اعرف مراقبين غربيين أصيبوا بالكآبة و الانهيار العصبي بسبب ما شاهدوه من التعذيب الأمريكي للأطفال العراقيين). يموت أطفال عراقيون بعيدا عن المستشفيات المدن إذ كيف ينقل الآباء الجياع أطفالهم المحتضرين إلى المراكز الطبية البعيدة؟ و ما هي الجدوى إذا كانت المستشفيات محرومة من الأدوية و المعقمات و الضمادات و أغطية الأسرة، حيث يرقد الأطفال المحتضرون على أسرة فراشها بلاستيكي أو ملطخ بالدم و جروحهم ملفوفة بالورق المقوى القذر؟
و ينبغي ألا يعتقد أن السياسة الأمريكية انحراف منعزل و غامض و ابتعاد متعذر التفسير عن معايير اللياقة و العدل. إن النهج الأمريكي الذي يسبب الإبادة الجماعية تجاه المسالة العراقية نموذج واضح لإستراتيجية أمريكية أوسع. و لا علاقة له بإخراج النظام العراقي من الكويت، إذ تحقق ذلك قبل زمن بعيد. و لا علاقة له بانتهاك النظام العراقي لحقوق الإنسان ، بل هو حساب أناني للمنافع الإستراتيجية. و لا علاقة له بتحديد مواقع " أسلحة التدمير الشامل" : حتى رولف ايكوس اعترف انه لم يبق شيء يكشف في ذلك الميدان. إن الأهداف الأمريكية بسيطة وواضحة، و هي إحكام قبضة عسكرية و تجارية على منطقة غنية بالنفط، و تطوير استراتيجيا متعددة الوجوه تستمر في ردع أي تحد فعال للهيمنة الأمريكية، ليس في منطقة الخليج فحسب بل في كل مكان أيضا.
إن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية بهذا الصدد إبادة جماعية واضحة بموجب إحكام الميثاق. وتستهدف الإبادة عمدا الجماعات القومية و قتل أفرادها و إحداث الأذى البدني والعقلي الخطير وتعمد إلحاق ... ظروف حياتية خطط إلحاق التدمير الكلي والجزئي وفرض إجراءات يقصد بها منع الولادات ضمن المجموعة. إن الإبادة الجماعية ، كما تعرف ، ممكنة العقاب و كذلك المؤامرة و التحريض و المحاولة والتواطؤ. لذا فإن واشنطن مدانة ليس فقط بسبب الإبادة الجماعية المنجزة في العراق فحسب ، بل أيضا بسبب الإبادة الجماعية التي حاولت تنفيذها في كوبا.
وكذلك كتاب اقتل اقتل اقتل
جرائم الحرب في العراق
لضابط الصف جيمي ميسي
كنا نلبس بذلات للحماية من المواد الكيماوية و البكتريولوجية، التي ترفع من درجات الحرارة الجسمانية بستة أو سبع درجات. سكسلاف و هي مدرعات خفيفة، كانت جاثمة قبالتنا . يسميها العراقيون بملائكة الموت لأنها تقصف بشكل عشوائي وتستعمل الاورانيوم المخفف.
أخذت أطلق النار على متظاهر يمشي على أربعة، يحاول الهرب بسرعة. وجهت له رصاصة في الرأس . وتنفست بعمق ثم أطلقت النار من جديد. رأس : بووم طلقة. رأس أخرى : بووم طلقة. مركز الجمهور تكثف بشري الآلاف : بووم طلقات أخرى . و استمررت إلى إن لم يعد هناك حراك للمتظاهرين. لم يكن هناك أي إطلاق نار من الجهة الأخرى.
سألني القبطان شميت : " هل أنت بخير أيها الضابط؟ "
لا، أيها القبطان، لست على ما يرام.
لماذا؟
أجبت دون تردد، كان يوما سيئا. قتلنا عددا كبيرا من المدنيين الأبرياء.
لا انه يوم سعيد. أجاب القبطان بشكل سلطوي و ابتعد.
فهمت على الأقل أن هذا الطفل كان يلفظ أنفاسه الأخيرة بسببنا. نحن الولايات المتحدة الأمريكية، بسبب القصف بالقنابل و العقوبات.
كان بإمكاني مساعدته. لكن الكلمات التي قلتها في ذلك اليوم و نظرات ذلك الطفل بأعينه الدامعة ستضلان وصمة عار علي مدى الحياة.
وكذلك كتاب القتلى العراقيون في الحرب
للدكتور غيدون بوليا
كبير الكيماويين السابق في جامعة لاتروب/ استراليا
يبلغ العدد الإجمالي للوفيات الزائدة في العراق – محسوبة باستخدام معلومات الأمم المتحدة- 1.5 مليون للفترة من عام 1991 إلى عام 2004.
و تتفق تقديراتي للوفيات الزائدة من العراقيين مع وفيات الأطفال من الأعمار دون الخامسة في العراق – التي قدرتها معلومات هيئة إغاثة الطفولة التابعة للأمم المتحدة ( اليونيسيف) بنحو 1.2 مليون في الفترة من عام 1991 إلى 2004.
إن الحكام مسؤولين أمام المحكومين. و تبعا لهذا فان الائتلاف الذي يحتل العراق، بما فيه استراليا، مسئول بوضوح عن الوفيات الزائدة و وفيات الأطفال في العراق و يقدر كلاهما في الوقت الحاضر في حدود 100 ألف كل عام أو نحو 300 كل يوم.
وحسب جريدة إندبندنت البريطنية فإن القوات الأمريكية استخدمت الأسلحة الكيمياوية في
ضرب الفلوجة حيث
ذكرت الصحيفة أن دليلاً جديدًا قويًا كشف أن الولايات المتحدة أسقطت كميات ضخمة من
الفوسفور الأبيض على مدينة الفلوجة العراقية خلال العدوان على المدينة في نوفمبر
2004، الأمر الذي أسفر عن مصرع أهل الفلوجة مع إصابتهم بحروق هائلة.
وفي فيلم وثائقي تبثه الإذاعة الإيطالية الحكومية 'RAI'
اليوم الثلاثاء يقول جندي أمريكي سابق قاتَل في الفلوجة: سمعت أمرًا بالانتباه
جيدًا لأنهم [القوات الأمريكية] سيستخدمون الفوسفور الأبيض في ضرب الفلوجة'، مشيرًا
إلى أنه يُعرف في لغة الجيش ب'Willy
Pete'.
وقال الجندي – بحسب الصحيفة – 'الفوسفور يحرق الأجساد، وفي الحقيقة فإنه يصهر لحم
الإنسان إلى العظام .. لقد رأيت أجساد نساء وأطفال محترقة'، موضحًا أن الفوسفور
ينفجر ويشكل سحابة وأن أي شخص في محيط 150 مترًا منها يحترق بها.
وأشارت الصحيفة إلى أن الصور على موقع الإذاعة على الإنترنت '
www.rainews24.it'
التي حصلت عليها من مركز دراسات حقوق الإنسان في الفلوجة تظهر تمامًا ما يعنيه
الجندي الأمريكي. وقالت: إن العشرات منها تظهر جثث أهالي الفلوجة، بعضهم على فراشه،
الذين لا تزال ملابسهم سليمة إلى درجة كبيرة ولكن جلودهم قد ذابت.
وقال محمد طارق العالم البيولوجي في الفلوجة، في مقابلة مع الفيلم: إن سيلاً من
النيران سقط على المدينة .. وبدأ الناس الذين ضربوا بهذه المواد متعددة الألوان،
يحترقون.. وجدنا أناس ميتين بجروح غريبة .. الأجساد احترقت ولكن الملابس سليمة'.
كما قدم الفيلم الوثائقي الذي حمل عنوان 'الفلوجة .. المذبحة المخفية' دليلاً
حاسمًا بأن القنابل المحرقة المعروفة ب
Mark 77
،
وهي الشكل المعدل والجديد من النبالم، استخدمت في الهجوم على الفلوجة 'في انتهاك
لمعاهدة الأمم المتحدة لعام 1980 بشأن استخدام أسلحة تقليدية معينة ' التي تسمح
باستخدامها فقط ضد أهداف عسكرية. وكان 'مفكرة الإسلام' أحد المصادر الإعلامية التي
سبقت في الكشف عن استخدام هذه الأسلحة الكيماوية في العدوان على الفلوجة. وأكد
مراسلو مفكرة الإسلام لدى تغطيتهم الهجوم الأمريكي على الفلوجة مرارًا أن قوات
الاحتلال تستخدم الأسلحة المحرمة والكيماوية وقنابل النبالم المحرقة ضد المواطنين
العراقيين، في حين زعمت الحكومة الأمريكية أن قواتها لم تستخدم هذه الأسلحة. وأشارت
الإندبندنت أيضًا إلى ما ذكره موقع 'إسلام أون لاين' من أن القوات الأمريكية
استخدمت أسلحة كيماوية وغازات سامة في عدوانها على الفلوجة.
شهادات ضباط تفيد باستخدام قنابل كيمياوي
وثائقي إيطالي يفضح المذابح الأمريكية الخفية في الفلوجة
وفي تقرير لبعض الوكالات بتاريخ 8/10/2005 :
بثت
القناة الإخبارية الحكومية الإيطالية"راى نيوز24" برنامجا وثائقيا تضمن شهادات
ووقائع تدين القوات الأمريكية على استخدامها أسلحة كيمياوية في هجومها الوحشي على
مدينة الفلوجة العراقية في نوفمبر- تشرين الثاني من العام الماضي.
وتؤكد الوثائق المعروضة "استخدام القوات الأمريكية لقنابل الفسفور الأبيض فى هجومها
على المدينة".
وتضمن البرنامج، الذي جاء تحت عنوان "الفلوجة: المذبحة الخفية"، شهادات ضباط
أمريكان سابقين وعرضاً لشريط مصور "يوثق" استخدام قنابل الفسفور الأبيض من قبل
القوات الأمريكية ووقعه على سكان المدينة من النساء والأطفال.
وذكرت القناة التلفزيونية الإيطالية أن الشريط التسجيلي المعنى "يناقض" بيانا
لوزارة الخارجية الأمريكية، أصدرته 9 ديسمبر-كانون الأول، أكد أن "استخدام الفسفور
الأبيض اقتصر على إنارة مواقع "العدو" بالمدينة، حيث يعرض استخداما، وصفته
ب"الهمجي" لقنابل الفسفور الأبيض والنابالم من جانب القوات الأمريكية "طال المدنيين
العزّل من سكان الفلوجة".
ويتميز الفسفور الأبيض، الذي يستخدم في صناعة القنابل الحارقة، بخاصية التبخر
السريع ويلتهب بمجرد ملامسته للهواء مسبباً حريقاً وسحائب لهب شديدة الحرارة. ولا
يقتصر استخدام الفسفور على الإنارة لكشف مواقع العدو أثناء الليل، إذ يعبأ،
أحياناً، في القنابل اليدوية وذخائر المدفعية وقذائف الصواريخ.
وسارعت وزارة الخارجية الأمريكية إلى نفى هذه الأنباء زاعمة كعادتها أنها مزاعم غير
صحيحة.
يشار إلى أن القوات الأمريكية ترافقها قوات حكومة اياد علاوى قامت بارتكاب أبشع
الجرائم في الفلوجة من ضمنها الإجهاز على الجرحى وشن قصف عشوائي استهدف المدينة.
وتقول إحصائيات عراقية أن عشرات الآلاف من أهالي الفلوجة قتلوا أو شردوا، بسبب
مزاعم بوجود إرهاب في المدينة وهى التسمية التي تطلقها القوات الأمريكية على
المقاومين العراقيين
مداهمة المستشفيات
يوميا تداهم القوات الأمريكية المستشفيات الرئيسية، و تعتقل كل مصاب فيها. و تقوم بعملية الاعتقال بغض النظر عن الحالة الصحية للشخص المصاب. و عما إذا كانت الإصابة بنيران القوات الأمريكية أم بنيران قوات الحرس الوطني ، أو بطلقات طائشة. وأحيانا يعتقل الشخص المقيم مع المريض. و ينقل المعتقلون المرضى إلى مكان لا يسمح لأحد بزيارتهم. وأحيانا يرحل بعضهم إلى مستشفى أبو غريب ليمكث فيه فترة طويلة.
وسائل التحقيق والاستجواب
خولت مذكرة حصل عليها الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية أعلى رتبة في جيش الاحتلال الأمريكي للعراق باستخدام وسائل الاستجواب التالية: أساليب من بينها الإبقاء على السجناء في أوضاع متعبة ، و استخدام موسيقى صاخبة و التحكم في الإضاءة وتغيير أنماط النوم. واستخدام كلاب الجيش المكممة بهدف استغلال خوف العرب من الكلاب مع الحفاظ على الأمن خلال الاستجواب.
وسائل التعذيب
قال الأكاديمي ستيفن مايلز ،من جامعة مينسوتا، في دورية لانست الطبية الشهيرة، أن التقارير المؤكدة بشان الانتهاكات في العراق و أفغانستان تشتمل الضرب و الحرق و الصدمات و التعليق من الأطراف و الحرمان من الأوكسجين و التهديدات ضد المعتقلين و ذويهم و الإذلال الجنسي و السجن الانفرادي و تغطية الرأس و استخدام الأصفاد لفترات طويلة و التعرض للحرارة و البرودة و الضوضاء المرتفعة. و قال انه في أحد الأمثلة قام جندي بربط معتقل بعد تعرضه للضرب، في أعلى باب الزنزانة و قام بسد فمه.
إن ضابط مخابرات عسكرية أو رجل أمن مدنيين ممن كانوا يقومون بعمليات الاستجواب كانوا يسلمون المعتقلين لوحدات الشرطة العسكرية. و صرحت إحدى المجندات أنها كانت مكلفة بجعل المعتقلين ينهارون استعدادا للاستجواب. و كانت مهمة الشرطة العسكرية جعلهم متيقظين وتحويل المر الى جحيم حتى يتكلموا حسب الفقرات التي نشرتها صحيفة لوس انجلس تايمز الأمريكية من تقرير الجنرال تكوبا، والتى تتضمن وسائل التعذيب الذي تقوم به الشرطة العسكرية ما يلي:
اللكم، الصفعة و الركلة و الدوس على الأقدام العارية
تصوير السجناء و السجينات عراة ( بالكاميرا و بالفيديو أيضا)
صف المعتقلين في أوضاع جنسية مختلفة و تصويرهم
إجبار المعتقلين على خلع ملابسهم وتركهم عراة لأيام
إجبار المعتقلين الذكور على ارتداء ملابس النساء الداخلية و تركهم داخل زنازينهم و هم عرايا كما ذكرت صحيفة التايمز
إجبار الذكور للعب بأعضائهم التناسلية و تصويرهم في تلك الحالة
ترتيب المعتقلين على شكل كومة و هم عراة و من تم القفز عليهم
و ضع المعتقل و هو عار على صندوق يوزع فيه الجيش وجبات طعام جاهزة للأكل و من تم ربط عضوه التناسلي و أصابعه بأسلاك كهربائية جاهزة للصعق
كتابة عبارة أنا سفاح أو أنا مغتصب على قدم المعتقل
ربط سلسلة عنق للكلاب في عنق المعتقل و تصويره مع مجندة
أحد أعضاء الشرطة العسكرية قام بقتل معتقل
استخدام كلاب الحراسة التابعة للشرطة العسكرية لترويع و إخافة المعتقلين
تصوير جثث عراقيين ماتوا في المعتقل
وأشار التقرير إلى وسائل أخرى ، مثل سكب مادة فسفورية على معتقلين و أحيانا الماء البارد على أجسادهم العارية ، تهديدهم بالمسدسات ، تهديدهم بالاغتصاب ممارسة اللواط مع معتقل باستخدام عصا مكنسة أو ضوء كيماوي. و يختم تاغوبا تقريره قائلا: قام عدد من جنود الجيش بارتكاب أفعال شنيعة تعتبر انتهاكا صريحا للقانون الدولي.
سادية جنود الاحتلال الأمريكي والتنكيل بالقتلى والجرحى:
قال الجنرال جيمس ماتيس : (( في الحقيقة ، القتال شيء مليء بالمتعة. عندما تذهب لأفغانستان تجد رجالا كانوا يصفعون النساء بلا مبالاة لأنهم لا يرتدون الحجاب. إن رجالا مثل هؤلاء ليس لديهم أية رجولة متبقية. لذا قتلهم هو شئ مليء بالمتعة.))
و قد شاهد جندي آخر أثناء أداء مهامه في العراق عراقيين جرحى يرمى بهم على جانب الطريق دون إسعاف. و يوضح قائلا : إن العراقيين شاهدونا و نحن نهين امواتهم طوال الوقت. كما نتحلق حول جثثهم المتفحمة نمثل بها و نركلها خارج السيارات و نضع سجائر في افواههم . كما رايت مركبات تدوسهم . و كان عملنا تفتيش جيوب العراقيين القتلى لنجمع معلومات. و لكني كنت اشاهد المارينز و هم يسرقون السلاسل الذهبية والساعات والمحافظ المليئة بالنقود.
ويقول مايكل راتنر ، احد خبراء مركز حقوق الاتسان في نيو يو رك . ان كل الجنود الامريكيين عصبيون، و يسيرون على قاعدة (( اولا.... اطلق الرصاص، وبعد ذلك اسأل)). و ظهرت صورة جندي امريكي يركل بقدمه راس احد القتلى ، فيعلق عليه مايكل راتنر من مركز حقوق الانسان في نيو يورك بالقول : عندما ياتي جندي و يلعب الكرة براس خصم ميت ، هذا أمر سيئ بما فيه الكفاية، و المشكلة الكبرى ان هؤلاء الناس يصورون كل دلك بالفيديو ، ما يظهر انهم يعتبرونه امرا عاديا ، و انهم ليس لديهم خوف من أن يرى هذه الأدلة المادية أي قائد لهم .. من أصغر ضابط و حتى دونالد رامسفيلد.
وقد صور جنود أمريكيون مشاهد القتل و الجثث المتفحمة في العراق و حولوها الى فيلم بعد إضافة موسيقى تصويرية. و تقول صحيفة لوس انجلس تايمز ان الجنود الامريكيين ينتجون أشرطة فيديو على شاكلة أفلام محطة ا م تي في الموسيقية. و النتيجة ان الجنود لديهم مخزون هائل من الصور عن مشاهد القتل و الجثث المتفحمة التي يتبادلونها. و تنقل الصحيفة عن مسؤول في منظمة هيومان رايتس ووتش قوله ان قيام الجنود بتصوير القتلى العراقيين أمر مثير للقلق . فالعنف في الفيلم كما يقول الجندي ليس أكثر عنفا من أفلام هوليود التي تمجد العنف.
أما الكاتب البريطاني نيكولاس وود فينقل العديد من شهادات جنود المارينز الذين دخلوا مدينة الفلوجة بنية الانتقام لهزيمتهم في أبريل 2004 حيث قال أحدهم ((العدو له وجه، اسمه الشيطان و يعيش في الفلوجة، و سنقوم بتحطيمه)) . و يقول آخر فتحنا باب جهنم وأخرجنا منها الكلاب و اطلاقناها عليهم ، لا يعرفون ما ينتظرهم ، جهنم قادمة و ادا تواجد مدنيون هناك فهم في المكان الخطأ. و حسب عبارات تومي فرانكس قائد القيادة المركزية الدي منحه بوش وسام الحرية : (( نحن لا نعد الجثث يعني جثث القتلى العراقيين مدنيين و مقاتلين)). وقد سجلت الكاميرات الكثير من الحالات التي لم يحترموا فيها حرمة الموتى العراقيين حيث كانوا يدوسون على رؤوس الجثث و يلتقطون الصور امامها . كما استخدم البريطانييون و الامريكيون علامات حبر لتعليم المغتقلين على صدورهم او رؤوسهم أي مثل تعليم الحيوانات . هدا ناهيك عن حالات القتل العشوائي .
و افاد مراسل شبكة انبيسي بشهادة قال فيها، انه راى احد الجنود في اثناء اقتحام القوات الامريكية لمدينة الفلوجة و هو يطلق النار على احد الجرحى العراقيين في راسه بينما كان الجريح ملقى على الارض. و بعد دلك غادر الجندي المكان و هو يقول : لقد انتهى امره.
جرائم الشرف والاغتصاب الجنسي
اطلع الرئيس الامريكي جورج بوش على صورة بشان عملية اغتصاب جنسي جماعي قام بها ثلاثة جنود امريكيين ضد معتقلة عراقية ، بعد ان دفعوا بها الى مكان منعزل. ونقلت شبكة سي ان ان الاخبارية الامريكية عن مصادر مطلعة بالادارة الامريكية القول: أن بوش اطلع بنفسه على عشرات الصور الملونة التي تصور سلوكا جنسيا فاضحا للجنود الامريكيين ضد المعتقلين العراقيين .
يروي الكاتب لورن ساندر العديد من قصص النساء العراقيات اللواتي تعرضن للإغتصاب. وأفردت جريدة روبنز بنور الأمريكية قصة إغتصاب خمسة جنود أمريكيين لفتاة عراقية. وروى الكاتب الأمريكي ديفيد كول عملية إغتصاب بشعة قام بها أربعة جنود امريكيين ضد اسرة عراقية. وروى الأمريكي ويليام بود في صحيفة ويسط بومفريت الأمريكية تفاصيل جرائم بشعة ارتكبها جنود الإحتلال تحت شعار "الإغتصاب الديمقراطي" جاء فيها: إن بوش تنرك لجنوده أن يفعلوا مايحلولهم مع ضحايا سجنه الكبير في العراق . ترك المجندين كول وجيفيد يغتصبان نساءا عراقيات بلغ عددهن 26 فتاة وضحية ...يتميزان بالعدوانية الشديدة ضد العرب ويتميزان بالهمجية وعدم الرحمة . قبل أن يقدما على جريمتيهما يختطفان ضحيتهما ويجردانها من ملا بسها , ثم يقومان بتصويرها وإرسال صورها إلى أصدقائهم في أمريكا للإستمتاع بها .
ومن بين الرسائل التى وقع نشرها، رسالة تتضمن صورة لجندي أمريكي وهو يشير بعلامة النصر ويقف بجوار طفلين عراقيين يحمل أحدهما وهو مبتسم , لوحة مكتوبة بخط اليد تقول باللغة الأنجليزية ( لقد قتل الجندي الواقف بجواري والدي و اغتصب اختي). الاسوء من ذلك ان احد المواقع المجهولة الهوية على الانترنيت نشرت لعدة ايام عدة صور لثلاث جنود يتناوبون اغتصاب امراة عراقية بدوية في منطقة صحراوية نائية، قبل ان يتعرض هدا الموقع للتدمير من جهات مجهولة. كما سجلت (( 57 حالة اغتصاب لنساء عراقيات على يد القوات الامريكية والبريطانية و 27 حالة اغتصاب لاطفال منها 11 حالة على يد القوات البريطانية و 3 حالات علي يد القوات الدانماركية)).
اكد الفريق الميداني الخاص بمركز بغداد لحقوق الانسان ان قوات الاحتلال انتهكت عرض 149 امراة عراقية داخل مساجد الفلوجة.
نماذج من الجرائم المنظمة التي ترتكبها قوات الاحتلال في تدمير العراق والعراقيين : استخدام الأسلحة المحرمة دوليا ذات أضرار استراتيجية طويلة المد:
أشار الخبراء الدين يعملون في منظمة حقوقية تدعى (بيسرايتس) إلى أن الطائرات البريطانية أسقطت 75 قنبلة عنقودية ، و أطلقت قوات المدفعية البريطانية 2000 قذيفة منها . و أعلنت منظمة هيومان رايتس ووتش أن اكثر من 1000 مدني قتلوا أو أصيبوا بجروح من جراء انفجار نحو 13000 قنبلة عنقودية أمريكية و بريطانية في حرب العراق . و شددت على وجوب إجراء تحقيق كامل و معمق، و إعطاء الانتباه الخاص إلى اولائك الذين يتحملون المسؤولية الأخيرة.
كما عقد قسم حقوق الإنسان التابع لهيئة العلماء المسلمين مؤتمرا في بغداد يوم 19 /03/2005 عرضت خلاله شهادات موثقة بالصوت و الصورة لانتهاكات ارتكبتها قوات الاحتلال ضد مدنيين عزل في الفلوجة و في مناطق أخرى في العراق، كما عرض المؤتمر صورا أظهرت آثار حروق و تفحم على بعض الجثث، مما يشير إلى استخدام قوات الاحتلال أسلحة محرمة أثناء هجومها. و استعرض شهادات لعراقيين أكدوا تعرضهم لغازات سامة . و شهادات أخرى لجرائم ارتكبتها قوات الاحتلال في مناطق أخرى من العراق.
وأعلن الدكتور خالد الشيخلي، ممثل وزارة الصحة العراقية، ان المسوحات و الابحاث التي رفعها الفريق الطبي الى الوزارة تؤكد استخدام مواد محرمة دوليا مثل غاز الخردل و الاعصاب و المواد الحارقة الاخرى، حيث إنها ستسبب للمواطنين أمراضاً خطيرة على المدى البعيد. و لم يستبعد استخدام المواد النووية و الكيماوية، بدليل ان جميع اشكال الطبيعة انتهت فيها، كما ان الكلاب السائبة والقطط والطيور قد نفذت من تلك الغازات. ونقلت صحيفة الغد الاردنية عن مدير قسم الحروق في مستشفى الفلوجة القول ان جثثاً محترقة بفعل الاسلحة المحرمة دوليا عثرت عليها الفرق الصحية في المدينة.
وأعلن الدكتور محمد العامري مدير قسم امراض السرطان في مستشفى اليرموك في بغداد ان الحرب على العراق نتج عنها امراض فتاكة. وقال إن الولايات المتحدة استخدمت في حربها 61 صاروخا جربته لاول مرة في العراق كما استخدمت اليورانيوم و النووي المحدود بكمية كبيرة جدا خاصة في الفلوجة و الرمادي و سامراء والموصل وتلعفر وبعقوبة والنجف. ونقل عن احصائية رسمية للوزارة ان 40 حالة سرطان شهريا تفتك بالعراقيين في ما سجلت 7500 حالة سرطان للجلد في نهاية العام الماضي اما عن مجمل الاصابات التي سجلت في صفوف العراقيين من بداية الاحتلال وحتى الان فهي 140 الف حالة سرطان في الجلد و الدم و قسم كبير منها لاطفال تتراوح اعمارهم ما بين 9 اشهر الى 9 اعوام مبينا ان قوات الاحتلال تحاول التكتم على الموضوع لانه سيبب لها فضيحة تالريخية.
وأكد الفريق الميداني الخاص بمركز بغداد لحقوق الانسان ان قوات الاحتلال هدمت حوالي 17 الف منزل سكني تمت تسويتها بالارض ، بالاضافة الى هدم 45 مسجدا بشكل تام و56 مدرسة و459 محلا تجاريا و كذلك استشهاد ما يزيد على 300 مدني عراقي اغلبهم من النساء و الاطفال.
الاسلحة الامريكية التي استخدمها جيش الاحتلال الامريكي تحتوي على الكثير من اليورانيوم فهم استعملوا ما مقداره 4 ملايين رطل من اليورانيوم في العراق. و حيث لايمكن ازالت اليورانيوم من الجسم فانه ليس له أي علاج. و سيبقى عمليا في الجسم الى الابد. فكم قنبلة نووية بحجم القنبلة النووية التي القيت على نكازاكي يمكن ان تنشر 4 ملايين رطل من اليورانيوم؟ الجواب هو 250.000 قنبلة نووية.
على العموم ان الحرب الانجلوامريكية التي شنت على العراق اسقطت خلالها الاف الاطنان من القنابل و المتفجرات لتدمير البنى التية للعراق و كل المرافق العسكرية و الشبه عسكرية و المنشات المدنية للدولة و المجتمع و لم تبق منشأة او مرفق، مهما كان نوعه او حجمه لم تطله تلك المتفجرات والقنابل التي كانت تقذف بهدف أن تلحق بها أكبر قدر ممكن من التدمير، من أجل تعطيلها بالكامل وإخراجها نهائيا من الخدمة.
بعض الجرائم الاقتصادية:
أولا: جريمة نهب البنية التحتية العراقية و تدميرها:
تقدر خسائر العراق مباشرة جراء الحرب العدوانية والاحتلال لأكثر من450 مليار دولار.
و قال جون هامر رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية و الدولية الواقع في واشنطن: ((هناك عملية نهب هائلة تهدف الى تجريد أي شيء يعتقد ان له قيمة داخل العراق لنقله الى الخارج . انه سلب نظامي للبلد)). وظلت الوكالة الدولية للطاقة الذرية تراقب بإحكام صوراً للأقمار الصناعية الملتقطة لمئات من المواقع العسكرية والصناعية في العراق. وكانت نتائج تحليلها مريعة حسب ما قال جاك باوت، مدير مكتب التحقيق النووي في العراق التابع للوكالة الدولية ((ان اكثر من 10 مباني و مجمعات قد اختفت بالكامل من الصور الملتقطة)). و قال نحن نرى مواقع قد تمت إزالتها تماما.
ثانياً: سرقت أموال العراق المنقولة وجه واضح من وجوه الجريمة الأمريكية الكبرى:
في رسالة بعثها السيد ديل ستوفل، وهو أحد المسؤولين في مكتب التعاقدات الأمريكي الخاص بإعمار العراق، الى الجنرال ديفيد بتراوس بتاريخ 30/09/2004 قال بالنص: ((لو أننا استمرينا في الطريق ذاته الذي نسير عليه الآن فإني مقتنع تماما بأننا سوف ندخل دوامة اتهامات فضائية تقودنا جميعا الى السجن)).
فى حين كشفت هيئة الاستشارات و الرقابة الدولية التي تم تشكيلها طبقا لقرار مجلس الأمن 1483 الصادر في 22/05/2003 عن وقائع مهمة عن هدر أموال ((صندوق التنمية العراقي)) المودع فيه إبان عهد بول بريمر. أموالاً كانت تقدر ب 20 مليار و200 مليون دولار منها 11 مليار من عائدات النفط العراقي و 7 من الاموال التي نقلت من حساب برنامج النفط مقابل الغذاء.
ومما جاء فى تقرير لوكالة رويترز بالقاهرة:
قال خبير في المخطوطات العراقية أن مسؤولين أمريكيين نقلوا إلى بلادهم مجموعة من المخطوطات العراقية منها لفائف جلدية لأسفار التوراة بعد سقوط بغداد في أبريل نيسان 2003 غير مبالين بتحذيرات العراقيين من سعي إسرائيل لحيازتها.
وقال أسامة ناصر النقشبندي أن القوات الأمريكية عثرت بعد احتلال بغداد على كمية من المخطوطات والكتب منها لفائف جلدية لأسفار التوراة موضوعة داخل اسطوانات خشبية في أحد مخازن جهاز المخابرات السابق " فاستولت عليها ووضعتها في شاحنة كبيرة مكيفة ".
وأضاف النقشبندي الذي تولى منصب مدير عام المخطوطات العراقية منذ تأسيسها عام 1988 حتى عام 2002 أن خبراء من دار المخطوطات والمتحف العراقي قدموا تقريرا إلى هيئة الآثار شدد على أنها " مواد تراثية يشملها قانون الآثار ويجب أن تسلم إلى هيئة الآثار والتراث " ولم يبال بهم أحد.
وقال في دراسة عنوانها ( استهداف المخطوطات في العراق خلال الحرب 1991 2003 ) إن ممثل وزارة الدفاع الأمريكية ( البنتاجون ) الدكتور إسماعيل حجارة وهو أمريكي الجنسية أرسل من أمريكا للإشراف على هيئة الآثار والتراث، كان وراء نقلها إلى أمريكا، فحاولت إقناعه بعدم الموافقة لان إسرائيل تسعى للاستحواذ على الأسفار اليهودية منذ السبعينيات وهي بأقلام مشاهير الخطاطين اليهود في بغداد ، فلم يكترت .
ونقلت هذه المجموعة خلسة إلى نيويورك".
وسنشير بإيجاز شديد إلى بعض المجازر والجرائم المرتكبة فى العراق:
الحصار
دام أكثر من 13 عاما منذ عام 1991 مات فيه 2 مليون من العراقيين نصفهم من الأطفال.
العدوان
عام 1991 القي فيها (120) ألف طن من القنابل بضمنها 800 طن من اليورانيوم المنضب التي بالإضافة إلى ضحاياها من الشهداء فقد خلفت لدى العراقيين تشوهات خلقية لدى الكبار والصغار على السواء وخصوصا الولادات الحديثة.
الأساتذة والعلماء
قتل لحد الآن (100) عالم و(300) أستاذ جامعي رفضوا التعاون مع المحتل واخضع بعضهم لبرنامج فقدان الذاكرة حتى بات بعضهم لا يعرف حتى اسمه .
المعتقلات
تجاوز عددها ال (20) معتقلا . أمريكيا وبريطانيا ووصل عدد المعتقلين فيها ال (50) ألف معتقلا.
الفلوجة
دمروا فيها (3080) منزلا تدميرا كاملا و(9000) منزلا بنسبة %50 أما القتلى من النساء والشيوخ والأطفال الذين بتوا في منازلهم تجاوزا ال (3000 ) شخص . وعندما عاد أهلها وجدوا في شوارعها (300) جثة مشوهة لم يتعرفوا إلا على (80) منها فقط والبقية كاملة التشويه.
تلعفر
بتاريخ 20/9/2005 وثق مراسل مفكرة الإسلام على الإنترنت وكذلك (محمد قاسم) مدير فرع الهلال الأحمر العراقي في تلعفر وقوع (170) حالة تسمم بالقنابل الكيماوية والغازات السامة، وتعرض (213) مدنيا إلى قنابل النابالم المحرقة دوليا وقذائف اليورانيوم المنضب، وهناك (211) شهيدا لا يزالون تحت الأنقاض بينهم أطفال ونساء كما تعرضت (9) مساجد للهدم و(5) مدارس ومحطات الماء والكهرباء كما تم تهديم أكثر من (140) منزلا سكنيا . وبلغ عدد الأطفال الذين قتلوا (72) طفلا وعدد النساء (53).
ومن بين العمليات العسكرية الأمريكية
قامت قوات الاحتلال بعشرات العمليات العسكرية الأمريكية الكبرى ضد المدن والقرى العراقية حيث ارتكبت كل أنواع الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة.
جاءت العمليات العسكرية على الأرض بعد احتلال العراق في 9/4/03 حيث بلغت تلك العمليات عام 2003 (23) عملية ضد الأشخاص المدنيين وقصف المدن ابتداء بعملية (الكوكي اكس) وانتهاء بعملية (عصار رأس الحربة) ثم جاءت عمليات عام 2004 حيث بلغت تلك العمليات (4) عمليات بدءا بعملية (زوبعة حصان الحرب) وانتهاء بعملية (اللعب الثلاثي) ثم عام 2005 حيث بلغت عملياتهم الكبرى (22) عملية ابتداء من عملية (المعالج) إلى عملية (الكبش الضاري) . حيث قتل فيها أعداد كبيرة من المدنيين ودمرت المنازل وشردت العوائل في الصحراء وقصفت المساجد والمستشفيات وسجن الشباب فوق 18 عاما ودونه . كأوراق ضغط على ذويهم .
وعودة إلى الحصار على العراق عام 1991
بعد عام 1989 بدأ فرض الحظر على نقل التكنولوجيا للعراق، ثم بقرار أمريكي عام 1995 منع تصدير بعض المواد الغذائية، ثم في آب 1995 صدر قرار الحظر الشامل الذي منع بموجبه استيراد أي سلعة أو بضاعة سواء كانت غذائية أو دوائية أو أن يقوم العراق بتصدير أي شيء من ثرواته الطبيعية أو يستخدم أمواله المودعة في الخارج . ثم جاء الفعل العسكري الواسع بتاريخ (17 كانون الثاني 1991) حيث أرسلت على العراق جميع أنواع الأسلحة المحرمة دوليا ابتداءا من القنابل العنقودية والنابالم الحارقة وانتهاءا بالأسلحة النووية ذات الإشاعات المحددة واليورانيوم المنضب، حيث قدر الخبراء العسكريون ما أرسل على العراق عام 1991 ما زنته (88) الف طن من القنابل أي ما يعادل القوة التفجيرية لسبع قنابل ذرية من قنابل هيروشيما وناكازاكي . التي اسقطت على اليابان إبان الحرب العالمية الثانية . وقد وصف ( الأمير صدر الدين آغاضان ) المندوب التنفيذي بريمر بقوله (أن هذا الفعل العسكري لتدمير العراق وشعبه تدميرا كاملا ) وقد قتل في ملجأ العامرية في بغداد من المدنيين من الأطفال والنساء والشيوخ (470) شخصا ، ولا يزال هذا التقرير الذي أعده ( الأمير صدر الدين آنما خان ) عن حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية للعراق حيث أشار بتقديره أن العراق يحتاج إلى (12) مليار دولار لاسترجاع قدرته على إنتاج الطاقة الكهربائية و(6) مليار دولار في قطاع النفط و(450) مليون دولار لصيانة شبكات المياه و(2.46) مليار دولار لتغطية الواردات الزراعية و(500) مليون دولار للواردات الصحية وذلك لمدة عام واحد فقط. ثم جاء نظام حصار دولي تقوده أمريكا وبريطانيا حيث من يرغب بإرسال أي شيء للعراق لابد أن يمر من هذه اللجنة التي ترفض أي شيء، فقد رفضت على سبيل المثال شحن أقلام الرصاص لطلبة المدارس الابتدائية بحجة أنه يمكن أن يدخل بالصناعات العسكرية ومنع شحن غذاء للأطفال من بلغاريا بحجة أن الكبار قد يتناولونه. ومنع دخول أ كفان للموتى لأن المندوب الأمريكي في اللجنة يحظر تصدير الأقمشة للعراق ، وفي (12/ماي/1996) أثناء مقابلة تلفزيونية في برنامج (60) دقيقة سئلت (مادلين اولبرايث) وزيرة الخارجية الأمريكية الأسبق من قبل مقدم البرنامج سائلا (سمعنا أن نصف مليون طفل عراقي ماتوا نتيجة الحصار الاقتصادي على العراق أي اكثر من الأطفال الذين ماتوا في هيروشيما . هل الثمن يستحق ذلك ؟ .. أجابت اولبرايت .. إننا نعتقد أن الثمن يستحق ذلك ) حيث قدمت اعتذارها مؤخرا (بعد أن وقع الفأس في الرأس) ومن المفارقات أن الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن اصدر بحق العراق منذ آب عام 1995 (58) قرارا إضافة للقرارين (688،661) تم تطبيقها جميعا دون تردد علما بان الأمم المتحدة أصدرت اكثر من (400) قرار حول القضية الفلسطينية والشرق الأوسط . وقدم أمام مجلس الأمن (170) قرار فيتو لإيقاف قرارات لصالح القضية الفلسطينية وضد إسرائيل. وفي الحالة العراقية هجمت الأمم المتحدة، وفي أقل من ثلاث أشهر من فرض العقوبات على العراق حيث طبقت جميعها بحصار بحري وجوي وبري ثم دفعت الحالة إلى الفعل العسكري المباشر لإحلال حالة الحرب محل حالة السلام المطلوبة . وقد شنت القوات الأمريكية والبريطانية (30) ألف غارة جوية خلال فترة تطبيق الحصار والحظر الجوي على العراق في شماله وجنوبه.
المنظمات الدولية
فضحت اللجنة الدولية السويدية لدراسة وتوثيق الأضرار البيئية للحرب بتاريخ 22 25/4/2004 . بعد أن عقدت اجتماعاتها في السويد، الممارسات التي قام بها البنتاغون باستخدامه الأسلحة المحرقة دوليا من خلال ظهور حالات السرطان على الأطفال وسرطان الجلد والتشوهات الخلقية الولادية التي بدأت تظهر بكثافة وما تعرض له المدنيون من استنشاق لغبار من جزئيات أو كسيد اليورانيوم التي تؤدي إلى تلف الخلايا الدماغية والعظام والكليتين والترسب بالدم. وقد دفع المؤتمرون بياناً بكافة هذه الحالات إلى الأمين العام للأمم المتحدة، مطالبين أن تقوم أمريكا بالشروع بتنظيف وإعمار المناطق الملوثة في العراق وتحملهم تكاليف معالجة ورعاية الضحايا .
حقوق الإنسان
جربت أمريكا في العراق أحدث الأسلحة فتكاً، وعلى لسان قادتها، (كالقنبلة العملاقة) التي يزيد وزنها عن (10) طن وقذائف المدفعية والدبابات المحشوة باليورانيوم المنضب وبعض القذائف الصاهرة للحديد وقنابل (الوقود الحمراء). حيث يمثل استخدام هذه الأنواع من الأسلحة خرقا لأحكام اتفاقية جنيف الأولى ولأحكام البروتوكول الثالث بشأن حظر أو تقييد استعمال الأسلحة المحرقة دوليا . إضافة إلى عدم احترام حقوق الأسرى مخالفة بذلك المادة (70) من الاتفاقية والمادة (123) من حيث إخفاء الأعداد والأسماء. ثم مارست ابشع أنواع التعذيب والممارسات اللاإنسانية مع الأسرى في سجن أبو غريب وسجن صفوان وأم قصر. وفضيحة أبو غريب لاتزال ماثلة للعيان، وكانت من البشاعة وهدرها لشرف وكرامة الإنسان منافية لأبسط حقوق الإنسان التي اقرها الإعلان العالمي في 10/12/1948 كما جاء بالمادة (3) من الإعلان وكذلك المادة (5) التي تمنع التعذيب أو المعاملة القاسية والوحشية والمادة (9) التي تنص على عدم جواز اعتقال أي إنسان تعسفا وكذلك المادة (12) التي تنص على حق كل شخص بحماية القانون وعدم التدخل في حياته الشخصية . كل هذه القواعد يقع هدرها فى زمن الاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق بعد أن أعطى وزير الدفاع الأمريكي (دونالد رامسفيلد) الموافقة لقواته أن يفعلوا بالعراقيين مايشاؤون تحت اسم برنامج أطلق عليه (برنامج الرد الخاص) والذي كشفه الجنرال الأمريكي الفلبيني الأصل (تاغوبا) أمام مجلس الشيوخ واصفا عمق وبشاعة الانتهاكات لحقوق الإنسان في سجن أبو غريب وبقية المعتقلات الأمريكية البريطانية . وهذا الموقف غير الإنساني الذي جعل المدنيين هدفا عسكريا أمريكيا عرضهم للتدمير والقتل والحصار والتعذيب أنسحل أيضا على الموقف القانوني الرسمي . فالولايات المتحدة الأمريكية من أولى الدول التي عارضت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام (1947) واتفاقيات جنيف عام (1949) الخاصة بحماية الأسرى والجرحى والغرقى المدنيين في المنازعات المسلحة وبرتوكول جنيف الاختياري لعام (1977) الخاص بحماية المدنيين ومعاهدة روما عام (1998) الخاصة بمحاكمة مجرمي الحرب . فكانت أمريكا وإسرائيل من بين سبعة دول رفضت الانضمام لمعاهدة روما في الوقت الذي وافقت عليه (167) دولة . وقد طالبت منظمة العفو الدولية بإجراء تحقيقات في الانتهاكات التي ترتكب بحق الأسرى في المعتقلات الأمريكية والبريطانية باعتبار أنها عمليات تعذيب منهجية وليست مجرد تصرفات فردية . حيث أكدت (نيكول شويري) المتحدثة باسم المنظمة أن تلك التحقيقات يجب أن تسفر عن تحديد درجة المسؤولية في سلم الإدارة الأمريكية ((وذكرت بان لدى المنظمة أدلة عديدة أكثر من الصور التي نشرت عن التعذيب في سجن أبو غريب)) وأكدت أن السلطات الأمريكية لم تسمح لمنظمة العفو الدولية منذ (أبريل /2004) بزيارة أي من السجون الأمريكية في العراق . وقد وصف (غاديث ديفيس) الذي كرمته ملكة بريطانيا بوسام الإمبراطورية البريطانية والذي عمل في العراق لمدة ستة اشهر واطلع على ما يجري في السجون الأمريكية بالعراق حيث نقل احتجاجاته للإدارة الأمريكية واصفا حالات التعذيب في (سجن الأحداث) حيث يتم وضعهم في أماكن تؤدي إلى الاختناق واستخدامهم الكلاب في تعذيب الأحداث وغيرها من الوسائل غير الإنسانية . وفي اعترافات (جافال ديفيز) والمجندة (سابرينا هادمان) الذين اتهموا بالتعذيب في سجن آبو غريب أشاروا بأنهم لم يفعلوا ذلك إلا بناء على أوامر عليا من السلطات الأمريكية وانهم اصبحوا كبش فداء ..
وبتاريخ 19/5/2004 ظهر على شاشات التلفزة (جون أبو زيد) و(ريتشارد مايرز) وهما يدليان باعترافاتهما أمام لجنة الكنكرس لتحديد مسؤولية ما حدث في سجن أبو غريب الذي أسقط أمريكا أخلاقيا حتى قال في الأخير (جون أبو زيد) انه المسؤول عما جرى لينقذ الإدارة الأمريكية وعلى رأسها جورج بوش.
الفلوجة
المعارك الأولى كانت في أبريل عام 2004 حيث لم يستطع الجيش الأمريكي دخولها حيث حشد بعدها بتاريخ 8 21/9/2004 ما تجاوز عن 20 ألف جندي أمريكي حيث شهدت قصف دوي ومدفعي بمشاركة قوات بريطانية المعروفة باسم ( بلاك ووتش) بعد محاصرتها عدة أيام وكان الهجوم قبل الانتخابات .
أبريل 2003
معركة الفلوجة الأولى لم يستطع الجيش الأمريكي من دخولها
6 2003
معركة الفلوجة الثانية حيث حشد الجيش الأمريكي (20) ألف جندي حيث بدأ القصف الجوي للفلوجة بتاريخ 21/9/2004 بأعنف قصف جوي شارك فيها قوات بريطانية المعروفة باسم ( بلاك ووتش).
28 أبريل نيسان 2003
تجمع حشد من أهالي الفلوجة طالبين من القوات الأمريكية التي احتلت أحد المدارس بمغادرتها ففتح النار عليهم وقتل (15) مدنيا عراقيا من أهالي الفلوجة.
1/10/2004
بدأت معركة النجف حيث دمرت المنازل والمساجد والمقابر وتجاوز عدد من قتل بينها اكثر من 200 مدني.
8/5/2005
معركة القائم التي قتل فيها اكثر من (150) مدني وبعضهم كان في حفل زفاف وأعلن الجيش الأمريكي انتهاء عملياته فيها بتاريخ 14/5/2005 بعد تدميره لعدد كبير من الدور السكنية والمدارس حيث هدم (20) منزلا في منطقة العبيدي فقط حيث سميت هذه المعركة ( الماقدور). لكن سرعان ما عادت قوات الاحتلال إلى الهجوم على الأنبار والقائم والمدن والقرى المجاورة لمرات متعددة، وفى عمليات عدوانية تعددت أسماؤها، إلى أن أصبحت مدينة القائم شبه ممسوحة من الخريطة.
وقائع فلسطين
فى كتاب " زعماء إسرائيل " للدكتور أسامة الأشقر
نجد فقرة تعطي نبذة مختصرة جداً عن أرئيل شارون تعطي فكرة عن أن هذا الشخص ليس مجرماً ولا إرهابياً بالصدفة. ومما جاء فيها:
الرئيس الحادي عشر للحكومة الصهيونية ، وقد ارتبط اسمه بكثير من المجازر الدموية ، ولعل أبرزها مذبحة " صبرا وشاتيلا " التي نفذها جيش الاحتلال الإسرائيلي وأعوانه في بيروت ، والتي قتل فيها آلاف الفلسطينيين واللبنانيين . تلك المجزرة التي هي الأكثر وحشية في العصر الحديث.
ولد ارئيل شارون في " كفار ملال " في 27 شباط / فبراير 1928 وهو من يهود بولندا وعاش والده في القوقاز قبل خروجه للاستيطان في فلسطين ، واسمه الأصلي أرييل صمويل مورخاي شرايبر .
انخرط شارون في صفوف عصابة "الهاجاناه" عام 1942 وكان عمره آنذاك 14 عاما ، وشارك في حرب 1948 وأصيب في بطنه بينما كان يقوم بإحراق بعض الحقول الفلسطينية ، وانتقل للعمل في الجيش الإسرائيلي عقب تأسيس دولة الكيان . وبعد فترة انقطاع عن الجيش قضاها على مقاعد الجامعة العبرية ، عاود الجيش الإسرائيلي سؤاله للانضمام للجيش وترأس الوحدة 101 ذات المهام الخاصة والمؤلفة من مجموعات من اللصوص والقتلة ومجرمين سابقين ، والتي تنسب إليها مذبحة " قبية " شمالي القدس في خريف 1953 والتي راح ضحيتها 70 من الفلسطينيين بينهم الكثير من الأطفال والنساء وهدم أكثر من 40 بيتا .
وفي عام 1956 عين شارون قائدا للواء المظليين وشارك في العدوان الثلاثي على مصر وعين قائد لواء مدرع في شمال سيناء واحتل ممر "متلا" ثم خرج في أواخر عام 1957 للاشتراك في دورة قيادة في كلية عسكرية في بريطانيا .
وفي السنوات ما بين 1958 1962 قاد لواء مشاة (شعبة التوجيه) ومدرسة سلاح المشاة لحرصه على الترقي في السلم العسكري مع كرهه لهذا الموقع المجبر عليه ، مما أدى إلى حصوله على رتبة عقيد قبل الثلاثين من عمره رغم كراهية قيادته العسكرية له لإفراطه في الكذب وعدم تقديم تقارير ذات مصداقية إلا أنه كان يحظى بدعم بن غوريون ورعايته حيث كان يعتبر الرجل الأكثر أهمية في الجيش الإسرائيلي بعد رابين ، ولم يستأنف شارون تقدمه في الجيش الإسرائيلي إلا بعد تعيين يتسحاق رابين رئيسا للأركان العامة وبعد ذلك بعامين عينه رئيسا لدائرة الإرشاد في الجيش الإسرائيلي ، في هذه الوظيفة حصل على رتبة جنرال ، وفي عدوان حزيران / يونيو 1967 شارك شارون في العدوان كقائد فرقة دبابات مدرعات.
بعد انتهاء حرب يونيو 1967 كان أول ما قام به شارون في أعقاب عودته إلى منزله ، هو اصطحاب زوجته الثانية ليلي وابنه غور البالغ من العمر عشر سنوات ونصف في جولة داخل مدينة القدس ومناطق الضفة الغربية . ولأن تلك الحرب أكسبته صيتا واسعا فقد طلب منه وزير المالية بنحاس سبير القيام بحملة تبرعات في الخارج ، إذ إن شارون أصبح مصدر إعجاب لدى كل يهود العالم ، وبالفعل توجه إلى استراليا ومن هناك إلى طهران حيث التقى الملحق العسكري الإسرائيلي هناك ((يعقوب نمرودي)).
ويبقى أكثر ما ميز سيرة حياة شارون بعد حرب 1967 هي جولاته التفقدية المستمرة في المناطق التي سقطت في الحرب ((هضبة الجولان، قطاع غزة ، سيناء، الضفة الغربية)) بحيث يمكن القول أن زيارته اليومية تقريبا ، جعلته يبلور خطة استراتيجية من مرحلتين هدفها تعزيز التمسك الإسرائيلي بتلك المناطق . تضمنت المرحلة الأولى نقل أكبر قدر ممكن من القواعد العسكرية الإسرائيلية إلى داخل مناطق الضفة الغربية في حين تعلقت المرحلة الثانية ببناء المستوطنات، وبما أن موقعه كقائد لواء في الجيش لا يخوله إنشاء مستوطنات يهودية في المناطق بهدف التمسك بالأرض وفرض الأمر الواقع ، فقد سخر طاقته بأكملها لتحقيق هذا المشروع ، حيث فكر بنقل قواعد التوجيه الخاضعة لمسئوليته إلى مناطق الضفة الغربية ، واستمر في مشروعه واستكمل بلورة خطة ثانية خاصة بنقل عائلات الضباط والعاملين في الخدمة الدائمة في الجيش إلى مناطق الضفة الغربية غير أن خطته الجديدة لم تنجح بسبب معرضة وزير الدفاع موشي دايان، لكن شارون لم يشعر بلباس ، واستغل هذا الرفض لإقناع وزراء وشخصيات سياسية بدعم إنشاء مستوطنات مدنية إسرائيلية في الضفة الغربية إذا لم يريدوا إنشاء مستوطنات عسكرية ، إلا أن محاولاته باءت بالفشل خلال تلك المرحلة ، لكنه ظل يتحدث عن وجوب العمل لإنشاء أمر واقع يمكن إسرائيل من التحرك خلال مراحل الضعف ، مدعما وجهة نظره بالقول :" حينما تتعرض إسرائيل لضغوط دولية لإعادة مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان ، لن نقول لأنفسنا لا يوجد لنا أي شيء هناك ، وبالإمكان مغادرة المكان ، فهناك المستوطنات".
وفي عام 1969 عين شارون قائدا للواء الجنوب وفي هذه الوظيفة عمل جادا من اجل تحصين خط بار ليف ، وعمل خلالها على إجلاء مئات البدو من رفح ، ولعب دورا بارزا في حرب الاستنزاف ، موجها الانتقادات الشديدة إلى طريقة عمل رئيس الأركان حئيم بار ليف . وبعد أن دخل وقف إطلاق النار على امتداد قناة السويس حيز التنفيذ في آب / أغسطس عام1970 وطوال عام 1971 أعمل شارون في قتل الفلسطينيين كما عمل على إخلاء شمالي سيناء من البدو المصريين .
عرف شارون أن فرصة تعيينه رئيسا للأركان العامة ضعيفة ، ولذلك اعتزل الخدمة العسكرية في حزيران / يونيو عام 1973 وذلك من أجل التنافس في الانتخابات للكنيست كعضو ممثلا عن حزب الأحرار ، وفي الفترة القصيرة التي سيقت اندلاع هذه الحرب أعيد شارون إلى الخدمة الفعلية كقائد فرقة الدبابات .
وفي كانون الأول / ديسمبر عام 1973 انتخب شارون للكنيست الثامنة ، في كانون الأول / ديسمبر عام 1974 قرر الاستقالة من الحكومة حيث حصل على تعيين رفيع المستوى في الجيش الإسرائيلي ، ومن حزيران / يونيو عام 1975 وحتى آذار / مارس عام 1976 عمل شارون مستشارا خاصا لرئيس الحكومة رابين لشؤون الإرهاب ، حيث بدأ بتخطيط عودته إلى السياسة وقرر بعدها إقامة حزب خاص به باسم "شلومتسيون" ، الذي حصل على مقعدين في الكنيست التاسعة ( 1977) ، لكن سرعان ما انخرط هذا الحزب في حزب "حيروت".
وفي الحكومة التي شكلها مناحيم بيغن في حزيران / يونيو عام 1977 تم تعيينه وزيرا للزراعة ورئيسا للجنة الوزارية لشؤون الاستيطان ، وبحكم منصبه هذا دعا شارون إلى إقامة شبكة كثيفة من المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية ، كضمان ضد إقامة دولة فلسطينية .
وبعد الانتخابات للكنيست العاشرة 1980 فقط ، تم تعيين شارون وزيرا للدفاع ، وفي كانون الثاني / يناير عام 1982 انتهت رئاسة الأركان العامة ، بناء على طلب شارون ، من بلورة خطة اجتياح لبنان "عملية أورنيم" ، والتي ارتكبت خلالها المذابح المروعة بحق الفلسطينيين واللبنانيين .
وفي أعقاب مجزرة صبرا وشاتيلا التي قامت بها قوات الاحتلال وأعوانها من اللبنانيين ، وبعد تقرير لجنة كهان أضطر شارون إلى الاستقالة من منصبه كوزير الدفاع ، لكنه بقي في الحكومة كوزير بدون وزارة ، ثم تم تعيين شارون وزيرا للصناعة والتجارة في حكومة الوحدة الوطنية بعد الانتخابات للكنيست الحادية عشر (1984) .
وفي أعقاب قرار الحكومة من الخامس عشر في أيار / مايو عام 1989 بإجراء انتخابات في المناطق ترأس شارون " الأطواق " في الليكود الذين عملوا على إفشال هذه المبادرة ، وفي جلسة صاخبة عقدها مركز الليكود في الثاني عشر من شباط / فبراير عام 1990 أعلن شارون عن استقالته من الحكومة .
وبعد أن سقطت الحكومة في الخامس عشر من آذار / مارس ، تم تعيين شارون ، في الحكومة التي شكلها يتسحاق شامير في حزيران / يونيو ، وزيرا للإسكان ، وفي هذا الإطار كثف شارون من إقامة المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس المحتلة .
وفي إطار الحكومة، انضم شارون إلى وزراء "هاتحييا"، "تسوميت" و"موليدت" في معارضته لمؤتمر مدريد ، وقد حصل شارون في التنافس على رئاسة الليكود في إطار مركز الحزب في العشرين من شباط / فبراير عام 1992 ، غير أنه لم ينافس بنيامين نتنياهو على رئاسة الليكود في شباط / فبراير عام 1993 ، لكنه خلال فترة معينة فكر في التنافس على رئاسة الحكومة ، وعندما عرض نتنياهو حكومته على الكنيست بعد الانتخابات للكنيست الرابعة عشرة 1996 لم يكن شارون أحد وزرائه ، لكنه في أعقاب ضغوط مارسها ليفي وغيره، أقيمت من أجل شارون وزارة جديدة ، ذات أهمية كبيرة وزارة البنى التحتية ، حيث قام شارون بإعداد خطة لتكثيف المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة ، وبعد استقالة ليفي من وزارة الخارجية ، تم تعيين شارون وزيرا للخارجية في تشرين / أكتوبر عام 1998 .
وبعد فشل نتنياهو في الانتخابات لرئاسة الحكومة في أيار / مايو عام 1999 واستقالته من رئاسة الليكود ، تم تعيين شارون رئيسا للحزب ، ولم يخف رغبته في المشاركة في حكومة وحدة وطنية برئاسة إيهود باراك ، لكن باراك فضل حزب " شاش " ( رأي المتدينين من اليهود الشرقيين ) ، وفي الثاني من أيلول/ سبتمبر من العام نفسه ، انتخب شارون رئيسا لليكود بأغلبية 53 بالمائة من المصوتين من أصوات أعضاء الليكود.
وفي أعقاب فشل المحادثات في كامب ديفيد في شباط / يوليو واعتزال حزبي " شاش " و"مفدال " و"يسرائيل بعلييا " من الحكومة ، أجريت اتصالات بين باراك وشارون بهدف إقامة حكومة وحدة وطنية ، إلا أن هذه الاتصالات لم تؤد إلى اتفاق .
وخلال اقتحامه للمسجد الأقصى المبارك في الثامن والعشرين من أيلول / سبتمبر عام 2000 ، أعلن شارون أن " لكل يهودي الحق في أن يقوم بزيارة الحرم الشريف "، وهي الخطوة التي شكلت السبب المباشر لاندلاع " انتفاضة الأقصى" والتي مازالت في حالة تصاعد مستمر ، على الرغم من مرور اكثر من خمس سنوات على انطلاقها .
وبعد أن قررت الكنيست عدم إجراء انتخابات جديدة للكنيست بل لرئاسة الحكومة فقط / وبعد قرار نتنياهو بعدم خوض الانتخابات ، بقي شارون مرشحا عن الليكود لرئاسة الحكومة ، وتولى هذا المنصب في العام 2001 ، تحت شعار: "دعوا الجيش ينتصر"، وأعلن الحرب المفتوحة على الفلسطينيين والتي أسفرت خلال خمس سنوات من العدوان المتواصل عن استشهاد أكثر من خمسة آلاف فلسطيني بينهم أطفال ونساء ، وإصابة اكثر من 50 ألف آخرين .. والعدوان الإسرائيلي مازال متواصلا..
ومن بين المجازر التى ارتكبها وأشرف على ارتكابها أرئيل شارون شخصياً، وعبر تاريخه الإرهابي، نورد على سبيل المثال:
مجزرة "مخيم البريج" 28/8/1953 م
مخيم البريج أحد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في قطاع " غزة ".
المجزرة : في الثامن والعشرين من آب عام 1953 م، هاجم الإرهابيون الصهاينة " مخيم " البريج " في قطاع غزة وألقوا قنابل يدوية من نوافذ الأكواخ ثم أطلقوا الرصاص على اللاجئين في المخيم وهم يحاولون الهرب من القنابل، فقتلوا " 20 " شخصا وجرحوا " 62 " آخرين .
وقد نفذت هذه المجزرة الوحدة " 101 " التي كان يقودها "أرئيل شارون " وقد شارك شارون شخصيا في هذه المجزرة إلى جانب " هار تسيون " وهذا الأخير هوأحد أبرز الإرهابيين الصهاينة، والإرهابي " شلوموبئوم " .. وقد قام القتلة بنسف عدد كبير من منازل المخيم، واعترفت المصادر الصهيونية بقتل عشرين فلسطينيا من سكان المخيم وجرح عشرين آخرين .
مجزرة "قبية" 14 15 /10/1953 م
قبية قرية عربية فلسطينية على مسافة 11 كيلومترا إلى الشمال الشرقي من مدينة " اللد ".. كان عدد سكانها " 1635 " نسمة، وكانت بعد النكبة تتبع قضاء " رام الله ".
المجزرة : في اليوم الرابع عشر من شهر تشرين الأول عام 1953 م، الساعة السابعة والنصف مساء قامت قوات صهيونية بتطويق قرية " قبية "، وعزلتها عن سائر القرى المجاورة، ثم بدأت بقصف القرية بشكل مركز بمدافع الهاون، واستخدمت الألغام والقنابل، كما توجهت بعض القوات المعادية وطوقت قرى " شقبا " و"بدرس " و" نعلين " لمنع تحركات النجدات لقرية قبية، وقامت هذه القوات بزرع الألغام على جميع الطرق المؤدية إلى قبية .
استمر الهجوم الصهيوني حتى الساعة الرابعة من صباح يوم 15/10/1953 م وأجبر السكان على البقاء داخل بيوتهم، ثم نسفت هذه البيوت فوق رؤوسهم، وقدر عدد البيوت التي نسفت ب " 56" منزلا، بالإضافة إلى مسجد ومدرستين وخزان مياه .
بلغ عدد الشهداء في هذه المجزرة " 67 " مواطنا من أهل قبية، من الرجال والنساء والأطفال، وجرح مئات آخرون .
وكان من أشد المناظر إيلاما، منظر امرأة من أهل القرية، جالسة فوق كومة من الأنقاض، وقد أرسلت نظرة تائهة إلى السماء، إذ بوزت من تحت الأنقاض أيد وأرجل صغيرة، هي أشلاء أولادها الستة، بينما كانت جثة زوجها الممزقة بالرصاص ملقاة في الطريق المواجهة لها .
ومن الأسر التي أبيدت تماما في هذه المجزرة : أسرة أبوزيد " أربعة أفراد " وأسرة محمود المسلول " أربعة أطفال "، وزوجة محمود إبراهيم وأطفالها الثلاثة، وحسين عبد الهادي وعمره " 24" عاما ولطيفة حسين عبد الهادي 12 عاما.
وكان الذي أعطى الأوامر لتنفيذ المجزرة ضد قرية قبية هوالإرهابي "دافيد بن غوريون" رئيس الوزراء الأسبق .. وقاد عملية تنفيذ المجزرة الإرهابي "أرئيل شارون" رئيس الحكومة الحالي "2001 م" وكان آنذاك يقود الوحدة "101" وكان أحد رجال هذه الوحدة " هار تسيون " الذي اعتبر فيما بعد " بطلا قوميا " وكانت القوة التي نفذت المجزرة تتكون من " 600 " إرهابي من القتلة.
مجزرة "نحالين" 28/3/1954 م
نحالين قرية عربية فلسطينية في قضاء " القدس " كان عدد سكانها عام 1945 م "620 " نسمة .
المجزرة : في الثامن والعشرين من آذار عام 1954 م، هاجمت قوة من المظليين الصهاينة قرية " نحالين " وقتلت تسعة من أهلها، وجرحت تسعة عشر شخصا آخرين . وكان يقود القتلة في هذه المجزرة الإرهابية " أرئيل شارون".
مجموعة توزعت المهام، بين نسف محطة المياه، ومهاجمة المواقع المصرية بالرشاشات ومدافع الهاون والقنابل اليدوية، وبث الألغام على الطرقات لمنع وصول النجدات .. وكان للجيش المصري النصيب الأكبر من الشهداء والجرحى نتيجة المباغتة والهجوم على مواقعه، كذلك فقد سقط العديد من الشهداء والجرحى من المدنيين الفلسطينيين لتكون حصيلة المجزرة " 39" شهيدا و"33" جريحا ."94"
مجزرة "عرب العزازمة" آذار /1955 م
العزازمة إحدى القبائل العربية الفلسطينية التي كانت تقطن في جنوبي قضاء "بئر السبع"، وكانت مضاربهم مترامية الأطراف تمتد بين "بئر السبع" و"وادي عربة" و"حدود سيناء" .. وقد كان عدد أفراد العزازمة عام 1946 م" 1637 " نسمة .
المجزرة : في آذار عام 1955 م تعرضت قبيلة " العزازمة " بما فيها النساء والأطفال لمجزرة نفذتها قوات الاحتلال الصهيوني، وقد نفذت هذه المجزرة الوحدة " 101 " في جيش العدو، التي شكلها " موشي دايان : وقادها فيما بعد "أرئيل شارون" .. ولم تتسرب حتى الآن تفاصيل حول هذه المجزرة .
مجزرة "غزة" 5/4/1956 م
في الخامس من نيسان عام 1956 م، قصف الغزاة الصهاينة، وسط مدينة " غزة " الآهلة بالسكان وفيهم عدد كبير من اللاجئين، بمدافع الهاون عيار 120 ملم، كما قصفت مدفعية العدوقرى " دير البلح " و"عبسان " و"خزاعة " فكانت الخسائر " 60 " شهيدا مدنيا، منهم "27 " إمرة .
مجزرة "صبرا وشاتيلا" 16 18/9/1982 م
" صبرا و"شاتيلا " مخيمان من اثني عشر مخيما فلسطينيا في لبنان .
المجزرة : بتاريخ 16/9/1982 م اقترف الغزاة الصهاينة في صبرا وشاتيلا، مجزرة تعد من أشبع وأفظع المجازر الجماعية التي نفذها العدوالصهيوني ضد الشعب العربي الفلسطيني، وقد استمرت هذه المجزرة ثلاثة أيام " حتى 18/9/1982 م . ورغم أن منفذيها المباشرين كانوا من قوات الكتائب، إلا أن مخططيها ومصمميها والمشرفين عليها، والمشاركين في بعض مراحلها، كانوا قادة جيش الاحتلال الصهيوني آنذاك، وعلى رأسهم "أرئيل شارون" الذي شغل منصب "وزير الدفاع"، و"رفائيل إيتان" الذي كان يشغل منصب رئيس الأركان .. ففي أوج الحرب الإسرائيلية الكتائبية ضد الفلسطينيين والحركة الوطنية اللبنانية، قامت قوات من الكتائب قدر عددها ب "12 " ألف مسلح، باقتحام المخيمين، حيث قاموا بذبح عدد كبير من سكانها، من نساء وأطفال وشيوخ، أما بالنسبة للشهداء الذين ذبحوا ذبحا وقتلا بالرصاص فقد تفاوتت أعدادهم مع تفاوت واختلاف المصادر، فبينما تحدثت بعض المصادر عن استشهاد " 3000 3500 " بين طفل وامرأة وشيخ وشاب، تحدثت مصادر فلسطينية عن استشهاد أكثر من اثني عشر ألف فلسطيني ."117" علما أن بعثة الصليب الأحمر التي كانت تنتشل جثث الضحايا، أفادت بأنهم يسجلون المزودين في جيوبهم بأوراق ثبوتية، ولا يتم تسجيل من كانوا مجهولي الهوية ."118".
لقد فاجأ القتلة سكان المخيمين الآمنين، واندفعت أبواب البيوت بقوة، ودخلوا يحملون بأيديهم السواطير والفؤوس والأسلحة الرشاشة، واندفعوا تجاه أفراد العائلة تلو الأخرى، وانقضوا عليهم قبل أن يستيقظوا من دهشتهم، ورافقت ذلك كله الجرافات التي تهدم البيوت على رؤوس أصحابها، ثم بدأ دور الرصاص لإنجاز المجزرة بيسر وسرعة. وكان الطوق الإسرائيلي مساء الخميس 16/9 قد أحكم بشدة على المخيمين، وأطلقت قنابل الإنارة ليلة الخميس الجمعة " 16 17 /9/1982 م ".
وكانت وحدة المدفعية الإسرائيلية في بيروت تطلق قنبلة إنارة واحدة كل دقيقتين لإنارة المخيمين لأفراد ميليشيات الكتائب ."119 ".
وشاركت في هذه المجزرة أكثر من " 150" دبابة صهيونية، و"100 " مدرعة، ساهمت في محاصرة المخيمين ."120".
وقد هنأ شارون آنذاك، جميع القتلة بقوله :" إني أهنئكم، فقد قمتم بعمل جيد ورائع " ."121"
ولقد أثبتت الوقائع أن هذه المجزرة لم تكن وليدة يوم وليلة، لكنها جاءت منسجمة مع المخطط الصهيوني من أوله ."122"
وذكر أن هناك عددا كبيرا من المفقودين خلال هذه المجزرة، قدرت عددهم وكالة الصحافة الفرنسية بأكثر من " 2000 " مفقود، والمفقودون هم كل الذين اقتيدوا في الشاحنات إلى جهة مجهولة، وكتبت جريدة " نيويورك تايمز " تقول أن الأوساط الدبلوماسية الأمريكية تخشى أن يكونوا قد نقلوا إلى الجنوب ليذبحوا هناك ."123"
ويسود الاعتقاد أن حوالي ربع الضحايا كانوا لبنانيين أما الباقون فهم من الفلسطينيين.
وللإشارة فقد كانت الوحدة 101 عبارة عن عصابة إرهابية محترفة، وكانت بمثابة جيش خاص لشارون، ولم يكن أفراد هذه العصابة يصنفون وفق رتبهم العسكرية وإنما "وفق كفاءاتهم وتجربتهم القتالية"..
وقد جرى توحيد الوحدة 101 مع كتيبة المظليين في الجيش الصهيوني في مطلع كانون الثاني عام 1954 م وذلك بمبادرة من "موشيه دايان" وأصبح "أرئيل شارون" قائدا للمظليين.
ومن تلاميذ شارون في الوحدة 101 " رفائيل إيتان " الذي كان رئيسا لأركان جيش العدوأثناء غزولبنان عام 1982 م.
هذه النماذج من المجازر التى ارتكبها وأشرف عليها شارون شخصياً لا تمثل إلا الجزء الضئيل مما راتكبه ومما هومسؤول عن ارتكابه ضد الشعب الفلسطيني وخاصة المجازر التى ارتكبت وهووزير للدفاع ووهوعلى رأس الحكومة الاسرائيلية، كما لا تخفي مسئوليته عن زرع المستوطنات ومصادرة الأراضي وهدم البيوت وحرق الزرع واقتلاع الأشجار واغتيال القيادات وقصف المدارس والمستشفيات والمساجد والقتل المنهجي والمداهمات والاعتقالات العشوائية والتنكيل بالأسرى والمعتقلين والإبعاد والقصف العشوائي والإصرار على بناء الجدار العنصري وعلى التمهيد لهدم المسجد الأقصى.. الخ. ولعل ما جرى ويجري فى جنين ورفح ورام الله والخليل وغزة، وكل شبر من الأرض الفلسطينية أدلة مرئية ومسموعة على مدى بشاعة الجرائم المرتكبة فى فلسطين.
ومما جاء في تقرير للدكتور نبيل محمود السهلي الباحث بمكتب الاحصاء الفلسطيني / دمشق في موضوع أضواء على الارهاب الاسرائيلي المنظم من 1937 إلى 2004
وإذا كنا نلمح الأصابع الصهيونية على مناهج الإرهاب في العالم، فإن بصماتها في فلسطين لن تمحى، ولن تسقط الجرائم الصهيونية بفعل تقادم الزمن، إن مآسي الإجرام والإرهاب التي تحفل بها السجلات الصهيونية ضد الشعب العربي الفلسطيني والشعوب العربية، هي من الكثرة بحيث لا يمكن حصرها في كتاب وحتى في سلسلة كتب، لأن تاريخ الصهيونية وإسرائيل حافل بالمجازر المعروفة وغير المعروفة، ويكاد يكون ضرباً من المستحيل رصد كل المجازر التي ارتكبها الغزاة الصهاينة ضد الشعب الفلسطيني، فالمجازر الأخرى غير المعروفة، لا تزال صفحاتها مطوية وسجلاتها مغلقة. وإلى جانب المجازر الجماعية ضد الشعب العربي الفلسطيني، فقد اقترفت العصابات الإرهابية الصهيونية سلسلة أخرى من جرائم الحرب البشعة، حيث قامت تلك العصابات، ومن ثم اسرائيل بتنفيذ سياسة وإجراءات التهديم الشامل للمدن والقرى الفلسطينية وسياسة الترحيل الجماعي الشامل للسكان الفلسطينيين أهل الأرض والحق في الوجود، فلقد دمر الصهاينة ومسحوا (478) قرية فلسطينية من أصل (585) قريةً وتجمعاً، في حرب (1948) م وما بعدها مباشرة،ولم يبق سوى (107) قرى، وشردوا (850) ألف فلسطيني،يمثلون نصف سكان فلسطين في عام 1948 وحولوهم إلى لاجئين أصبح مجموعهم الأن في عام 2004 نحو(4500000)لاجىء فلسطيني حسب وكالة الأونروا وهناك نحونصف مليون فلسطيني فيها بما فيهم نحوأربعين ألف لاجىء فلسطيني في العراق، وألحقوا بهم (450) ألف لاجئ جديد بعد عدوان حزيران (1967) م اصبح يطلق عليهم لقب نازح فلسطيني أصبح مجموعهم في عام 2004 نحو(1.5)مليون نازح من الضفة والقطاع،وبذلك تأثر بسياسة الترانسفير والتطهير العرقي الصهيونية 70 في المائة من مجموع الشعب الفلسطيني البالغ 8.5 مليون فلسطيني، ولم تتوقف المحاولات الصهيونية لجهة تحقيق أهداف الحركة الصهيونية في اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه، فتجريف الاراضي الفلسطينية هي مجازر من نوع آخر يجب الوقوف عندها ورصدها بالحقائق والمعطيات.
من المعروف أنّ الأدوات تختلف من مجزرة لأخرى، فهي قد تكون أسلحة نارية ((بنادق رشاشات مسدسات مدافع ألغام متفجرات عبوات ناسفة قنابل يدوية عادية قنابل موقوتة .. الخ))، وربما كانت أدوات التنفيذ: دبابات، وطائرات، وزوارق حربية، وسكاكين وخناجر، وبلطات وسواطير، وحتى هراوات .. لكن المحصلة النهائية هي المجزرة.
وتوجت المجازر الصهيونية والإسرائيلية فيما بعد، بقتل الوسيط الدولي «الكونت برنادوت» غيلة في القدس في 18/9/1948، على يد العصابات الصهيونية وبقيادة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق الإرهابي إسحاق شامير، وذلك لأن الوسيط الدولي حمل في تقريره الذي رفعه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 16/9/1948، حمل إسرائيل مسؤولية بروز قضية اللاجئين، وأكد بأن أي تسوية لا يمكن أن تنجح دون عودتهم إلى ديارهم. وبناءً على تقريره، صوتت الجمعية العامة على القرار (194) بتاريخ 11/12/1948.
وبشكل عام فإن المجازر الصهيونية والإسرائيلية فيما بعد أدت إلى التهجير القسري لنحونصف مجموع سكان فلسطين العرب خلال الأعوام (1948-1949)، فقد كان سبب تهجير (90) في المائة من سكان نحو(532) قرية وخربة عربية يعود إلى الطرد المباشر والمجازر بواسطة القوات اليهودية، في حين هُجّرَ تحت وطأة الحرب النفسية والإيحاء للأهالي بهجوم قادم نحو(10) في المائة وموجز القول أن الهجمات العسكرية والمجازر المرتكبة بحق الفلسطينيين في العديد من القرى والخرب الفلسطينية (دير ياسين، قبية، أم الفحم، الطنطورة،بلد الشيخ) إنما هي عملية عسكرية منظمة استهدفت الطرد الجماعي للفلسطينيين، وليست المجازر عمليات فردية بل أنها مقدمات تخدم التوجهات الصهيونية لإفراغ الأرض من سكانها العرب وهوالهدف الأساسي، لكافة المخططات الصهيونية في فلسطين.
وعلى الرغم من فرض الهوية الإسرائيلية على العرب الذين صمدوفي ديارهم عام 1948، إلا أنهم لم يعاملوا معاملة اليهودي، فقد استمرت مصادرة أراضي العرب، وأدت المواجهات من الجيش الإسرائيلي في (30) آذار 1976 (يوم الأرض) إلى استشهاد ستة أشخاص فلسطينيين من سخنين وعرابة وغيرها من القرى الفلسطينية دفاعاً عن أرضهم، وأصبح يوم الأرض يوماً وطنياً لكل الفلسطينين في كافة أماكن تواجدهم. ولم تتوقف المجازر الصهيونية وتدمير المنازل فهجر (460) ألف فلسطيني في عام 1967 أصبحوا نازحين خارج ديارهم، وفي فترة الانتفاضة الفلسطينية الاولى التي اتت رداً على وجود الاحتلال وسياساته وإجراءاته، قتلت السلطات الإسرائيلية نحو(2000) فلسطيني كما جرحت عشرات الألوف، وقطعت آلاف الأشجار، كما قتلت على مدار ثلاثة اعوام من انتفاضة الاقصى نحو2200 فلسطيني وجرحت خمسة واربعين الف فلسطيني اخرين، والى جانب ذلك صادرت سلطات الاحتلال نحو(60) في المائة من مساحة الضفة و(40) في المائة من مساحة قطاع غزة، وأقامت (190) مستوطنة في الضفة وعشرة أحياء استيطانية في القدس الشرقية و(19) مستوطنة في قطاع غزة. وفي سياق مجازرها المنظمة، ارتكبت السلطات الإسرائيلية مجزرة كبيرة في ساحة المسجد الأقصى في عام 1990، ذهب ضحيتها ثلاثة عشر فلسطينياً، كما ارتكب مستوطن صهيوني مدفوع من الأحزاب الإسرائيلية، مجزرة في الحرم الإبراهيمي، ذهب ضحيتها في عام 1993 نحوستين فلسطينياً من المدنيين العزل.
احصاءات حول المجازر الصهيونية وفق فترات مختلفة
نحاول ابراز معطيات احصائية حول المجازر الصهيونية قبل عام 1948 وحتى عام 2004 الذي مازلنا نشهد في فصول انتفاضة الأقصى المباركة بعد مرور اكثر من ثلاثة اعوام على الانطلاقة، وفي هذا السياق يمكن التأكيد بأن عدد المجازر التي ارتكبها الغزاة الصهاينة بحق شعبنا بلغ 18مجزرة قبل عام1948م سقط فيها أكثر من 300 شهيد. و44 مجزرة في العام 1948وحده .. سقط فيها حوالي (2500) شهيد.
و(31)مجزرة بعد العام 1948م حتى 1994م… وسقط فيها أكثر من 5100 شهيد . ولا يدخل في هذا الرقم شهداء الانتفاضة الأولى والثانية .
حيث بلغ عدد شهداء الانتفاضة الأولى التي بدأت في 8\12\1987م (2000)شهيداً.
في حين وصل عدد شهداء انتفاضة الأقصى ليصل حتى نهاية العام الثالث من الانطلاقة الى (2200) شهيداً إضافة إلى 45000 جريحاً.
وسنعرض فيما يلي باختصار تلك المجازر التي ارتكبها القتلة الصهاينة بحق الشعب الفلسطيني، بدءً من العام (1937) م وحتى آذار من عام 2004،
1 مجزرة القدس أواخر كانون الأول عام (1937) م واستشهد فيها عشرات من المواطنين العرب الفلسطينيين (الأرغون)
2 مجزرة حيفا 6/ 3/ 1938)م واستشهد فيها 18 مواطناً فلسطينياً.((الأرغون وشتيرن))
3 مجزرة حيفا 6/ 7/ 1938م واستشهد فيها 21 مواطناً فلسطينياً. (الأرغون)
4 مجزرة القدس 13/ 7/ 1938م واستشهد فيها عشرة مواطنين فلسطينيين.
5 مجزرة القدس 15/7/ 1938م استشهد فيها عشرة مواطنين . (الأرغون)
6 مجزرة حيفا 25/ 7/ 1938م (الأرغون)
7 مجزرة حيفا 26/ 7/ 1938م استشهد فيها 47مواطناً (الأرغون)
8 مجزرة القدس 26/8/ 1938م استشهد فيها34مواطناً (الأرغون)
9 مجزرة حيفا27/ 3/ 1939م استشهد فيها 27مواطناً (الأرغون)
10 مجزرة بلد الشيخ 12/ 6/ 1939م استشهد فيها 5 (الهاجانا ه)
11 مجزرة حيفا 19/ 6/ 1939م استشهد فيها تسعة مواطنين
12 مجزرة حيفا 20 /6/ 1947م الأرغون وشيرن استشهد فيها 78مواطناً.
13 مجزرة العباسيين 13/ 12/ 1947م استشهد فيها تسعة مواطنين (الأرغون)
14 مجزرة عرب الخصاص 18 / 12/ 1947م (شمال سهل الحولة) استشهد فيها 12 مواطناً (البالماح)
15 مجزرة القدس 29/12 / 1947م (الأرغون) استشهد فيها 14 مواطناً
16 مجزرة القدس 30 / 12/ 1947م (الأرغون) استشهد فيها 11مواطناً.
17 مجزرة بلد الشيخ 31/12/ 1947 م 1/1/1948م (البالماخ) استشهد فيها ستون مواطناً
18 مجزرة الشيخ بديك 1947م (قضاء حيفا) استشهد فيها أربعون مواطناً.
19 مجزرة يافا 4/1/ 1948م شيرن استشهد فيها 15مواطناُ .
20 مجزرة السرايا القديم في يافا 4/ 1/ 1948م (الأرغون) استشهد فيها ثلاثون مواطناً.
21 مجزرة سمير أميس 5/1/ 1948م (فندق في حي القطمون في القدس
22 مجزرة القدس 7/1 / 1948 (الأرغون) استشهد فيها 18 مواطناً .
23 مجزرة السرايا العربية في يافا 8/ 1/ 1948م استشهد فيها سبعون مواطناً .
24 مجزرة الرملة 15/ 1/ 1948م (البالماح) وعدد ضحاياها غير معروف .
25 مجزرة حيفا 16/1/1948م استشهد فيها 31مواطناً فلسطينياً
26 مجزرة يا زور 22/1 / 1948م (في قضاء يافا) (الهاجانا) استشهد فيها أكثر من 15 مواطناً
27 مجزرة حيفا 28 / 1/ 1948م استشهد فيها عشرون مواطناً
28 مجزرة طيرة طولكرم 10/ 2/ 1948 م استشهد فيها سبعة مواطنين
29 مجزرة سعسع 14 / 2/ 1948م (قضاء صفد (البالماح) استشهد فيها حوالي 60 مواطناً
30 مجزرة القدس 20 / 2/ 1948م (شتيرن) استشهد فيها 14 مواطناً
31 مجزرة حيفا 20 /2/ 1948م استشهد فيها 6 مواطنين
32 مجزرة الحسينية (قضاء صفد) 13/ 3/ 1948(الهاجانا ه) استشهد فيها ثلاثون مواطناً
33 مجزرة أبوكبير (31/3/ 1948م (وهي في مدينة يافا) (الهاجانا ه).
وعدد ضحاياها غير معروف
34 مجزرة قطار حيفا يافا 31/3/1948م (الهاجانا ه). استشهد فيها أربعون مواطناً
35 مجزرة قطار القاهرة حيفا 31/3/1948م (شتيرن) استشهد فيها أربعون مواطناً .
36 مجزرة الرملة آذار / 1948م استشهد فيها 25 مواطناً .
37 مجزرة دير ياسين 9 10/ 4/ 1948م (الأرغون وشتيرن) .
وتضاربت المواجع والمصادر حول عدد ضحاياها، فمنها من قدرهم ما بين 86و256ومنهم من جعل الرقم 300 ومنم من قدره بأكثر من 100 شهيد . مع أن الصليب الأحمر اكتشف يوم 10/4/1948م جثث 254 رجلاً وامرأة وطفلاً . وعلى أي حال فقد تعرفنا على 115 اسماً من أسماء هؤلاء الشهداء .
38-مجزرة قالونيا 12\4\1948م (قرب مدينة القدس)._(البالماح).
39-مجزرة اللُّجون 31\4\1948م (في قضاء جنين)._(الهاجاناه) استشهد فيها على الأقل 14مواطناً.
40-مجزرة ناصر الدين (قرب طبرية)13-14\4\1948م._(الأرغون والشتيرن)،استشهد فيها 13مواطناً.
41-مجزرة طبرية 19\4\1948م،استشهد فيها خمسون مواطناً من أصل90هم كل أهل القرية.
42-مجزرة حيفا 22\4\1948م استشهد فيها 14مواطناً.
43-مجزرة عين الزيتون (قضاء صفد(أوائل أيار 1948م.اتشهد فيها 150 مواطناً.
44-مجزرة صفد 13\5\1948م_الهاجاناه.استشهد فيها حوالي السبعين مواطناً وهم مقيدون.
45-مجزرة أبوشوشة (قرب الرملة) 14\5\1948م_الهاجاناه.اتشهد فيها سبعون مواطناً.
46-مجزرة بيت داراس 21\5\1948م (قضاء غزة)-جيش الاحتلال.استشهد فيها 60فلسطينياً.
47-مجزرة الطنطورة 22\5\1948م(قضاء حيفا)_(جيش الاحتلال).استشهد فيها عدد كبير من أهل القرية
في مجزرة لا تقل بشاعة عن مجزرة دير ياسين،سواء من حيث عدد الضحايا ووسائل التنفيذ.
48-مجزرة الرملة_حزيران 1948م.استشهد 200-250 مواطناً.
49-مجزرة جمزو(قرب الرملة)-9\7/1948م.عدد الضحايا غير معروف.
50-مجزرة اللد 11-12\7\1948م استشهد في الأولى 11\7(250) مواطناً وفي الثانية 12\7(350)مواطناً.
51-مجزرة المجدل17\10\1948م عدد الضحايا غير معورف وهم كبير.
52-مجزرة الدوايمة 29\10\1948_(غرب الخليل).وعدد ضحاياها(580)مواطناً.
53-مجزرة عيلبون 30\10\1948م (قضاء طبرية)اتشهد فيها14مواطناً.
54-مجزرة الحولة30\10\1948ماستشهد فيها70مواطناً.
55-مجزرة الدير والبعنة 31\10\1948م 0شمال الطريق عطا صفد)استشهد فيها أربعة مواطنين.
56-مجزرة عرب المواسي 2\11\1948م استشهد فيها 16مواطناً.
57-مجزرة مجد الكروم 5\11\1948م (قضاء عكا) اتشهد فيها9مواطنين.
58-مجزرة أبوزريق)1948م (قضاء حيفا)عدد الضحايا غير معروف.
59-مجزرة أم الشوق (قضاء حيفا)-1948م استشهد فيها7مواطنين.
60-مجزرة الصفصاف قضاء صفد 1948م استشهد 14 مواطناً.
61-مجزرة (جيز) 1948م استشهد فيها13مواطناً.
62-مجزرة وادي شوباش 1948م بين جنين وغور الأردن.عدد الضحايا غير معروف.
63-مجزرة عرب العزازمة بين بير السبع ووادي عربة وحدود سيناء.(3\9\1950م)استشهد فيها13مواطن.
64-مجزرة شرفات (في الجنوب الغربي من القدس) 7\2\1951م استشهد فيها 10 موطنين.
65-مجزرة بيت لحم 6\1\1952م استشهد فيها 9مواطنين.
66-مجزرة بيت جالا 11\1\1952م،استشهد 7مواطنين.
67-مجزرة القدس 22\4\1953م،استشهد فيها 10 مواطنين.
68-مجزرة مخيم البريج (قطاع غزة 28\8\1953م،استشهد فيها 20 مواطناًز
69-مجزرة قبية (قرب اللد) 14-15\10\1953م استشهد فيها 67مواطناً.
70-مجزرة مخالين في قضاء القدس 28\3\1953م استشهد فيها 9مواطنين.
71-مجزرة دير أيوب جنوب الرملة 2\11\1954م،استشهد فيها 3أطفال.
72-مجزرة غزة 28\2\1955م استشهد فيها 39 مواطناً.
73-مجزرة عرب العزازمة آذار 1955م عدد الضحايا غير معروف.
74-مجزرة غزة 5\4\1956م استشهد فيها 9 مواطنين.
75-مجزرة غزة 15\4\1956م استشهد فيها 62 مواطناً.
76-مجزرة قلقيلية 29\10\1956م استشهد فيها 250 مواطناً.
77-مجزرة كفر قاسم 29\10\1956م فيها52شهيداً.
78-مجزرة خان يونس 3-5\11\1956م استشهد فيها 550 مواطناً.
79-مجزرة مخيم خان يونس 3\11\1956م استشهد فيها 250مواطناً.
80-مجزرة مخيم خان يونس 12\11\1956م استشهد فيها حوالي275مواطناً.
81-مجزرة السموع (قرب الخليل) 13\11\1966م،استشهد فيها 18مواطناً.
82 مجزرة القدس 5 7/1967م استشهد فيها حوالي 300مواطن
83 مجزرة مخيم رفح حزيران 1967 م استشهد فيها 23 مواطناً.
84 مجزرة الكرامة 20/7/ 1967م استشهد فيها 14 مواطناً.
85 مجزرة الكرامة 9/2/1968م استشهد فيها أكثر من 14 مواطناً.
86 مجزرة مخيمات لبنان 1416/5/1974 م استشهد فيها 50 مواطناً.
87 مجزرة صبرا وشاتيلا 1618/9/1982م استشهد فيها 30003500مواطن.
88 مجزرة مخيم عين الحلوة 16/15/1983 م عدد ضحاياها غير معروف.
89 مجزرة حرم الجامعة الإسلامية في الخليل 267/1983 م استشهد فيها ثلاثة مواطنين.
90 مجزرة نحالين 1341989م استشهد فيها 3مواطنين.
91 مجزرة عيون قارة (قرب تل أبيب) 205 1990م استشهد فيها 7مواطنين.
92 مجزرة المسجد الأقصى 8/10 /1990م استشهد فيها 21مواطناً.
93 مجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل 25/2/1994م استشهد فيها 34مواطناً.
94- المجازر التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي خلال الانتفاضة الأولى (1988-1994)
وذهب ضحيتها نحو2000شهيد فلسطيني.
95- المجازر التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي خلال انتفاضة الأقصى(2000-2004) وذهب ضحيتها إلى حدود سنة 2004 أكثر من 2200شهيد .
|
جدول (1) سجل بعض الاغتيالات التي قامت بها الأجهزة الإسرائيلية (1948-2004) |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
كمال عدوان محمد يوسف النجار كمال ناصر |
فلسطينيون |
تسللت الى العاصمة اللبنانية بيروت قوة كومندوس من الجيش الاسرائيلي واغتالتهم في بيوتهم |
بيروت ليلة 10/4/1973 |
وهم من قادة الثورة الفلسطينية ومنظمة التحرير البارزين |
|
حسين علي احمد ابوالخير |
فلسطيني |
اغتيال بالرصاص |
قبرص 20/1/1973 |
ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في قبرص |
|
محمود ابودية |
جزائري |
اغتيال |
باريس 28/6/1973 |
متعاطف مع منظمة التحرير ومدير مسرح في باريس |
|
احمد ابوشيكي |
مغربي |
اغتيال |
اوسلو |
اغتيل خطأ اعتقادا بانه علي حسن سلامة |
|
الدكتور نبيل القليني |
مصري |
اختفى بعد تخرجه من الجامعة |
براغ 27/1/1975 |
تخصص في دراسة الذرة |
|
محمد ولد صالح |
فلسطيني |
اغتيال |
باريس 2/2/1977 |
احد قادة الفلسطينيين |
|
سعيد حمامي |
فلسطيني |
اغتيال |
لندن |
ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في بريطانيا |
|
عزالدين القلق |
فلسطيني |
اغتيل في مكتبه |
باريس 3/8/1978 |
ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في باريس |
|
علي ناصر ياسين |
فلسطيني |
اغتيال |
الكويت 1979 |
ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في الكويت |
|
ابراهيم عبدالعزيز |
فلسطيني |
اغتيال |
قبرص 15/12/1979 |
احد قادة حركة فتح |
|
سمير طوقان |
فلسطيني |
اغتيال |
قبرص 25/12/1979 |
عضوالمجلس الثوري وقائد قوات ال 17 ورئيس جهاز امن الرئاسة |
|
علي حسن سلامة |
فلسطيني |
حادث تفجير سيارة |
بيروت 1979 |
عضوالمجلس الثوري وقائد قوت ال 17 ورئيس جهاز امن الرئاسة |
|
يوسف مبارك |
فلسطيني |
اغتيال |
باريس 18/2/1980 |
صاحب المكتبة العربية في باريس |
|
الدكتور يحيى المشد |
مصري |
قتل في غرفته بالفندق بعد مباحثات اجراها مع لجنة الطاقة الذرية الفرنسية |
باريس 14/6/1980 |
اسهم في تأسيس المفعل الذري العراقي، وكان متخصصا في بناء المفاعلات النووية |
|
نعيم خضر |
فلسطيني |
اغتيال |
بروكسل 1/6/1981 |
مدير مكتب منظمة التحرير في بروكسيل ومندوب المنظمة الى البرلمان الاوروبي |
|
ماجد ابوشرار |
فلسطيني |
قنبلة تحت سريره في الفندق |
روما 9/10/1981 |
كاتب ومناضل فلسطيني وكان يشارك في مؤتمر عالمي لدعم الشعب الفلسطيني في ايطاليا |
|
الدكتور عبدالوهاب الكيالي |
فلسطيني |
اغتيال |
بيروت 7/12/1981 |
عضواللجنة التنفيذية للمنظمة، وعضوالمجلس الوطني الفلسطيني |
|
محمد طه |
فلسطيني |
اغتيال |
المانيا 1982 |
احد مناضلي حركة فتح |
|
فضل سعد عناني |
فلسطيني |
اغتيال |
باريس 23/7/1982 |
نائب مدير مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في باريس |
|
سعد صايل |
فلسطيني |
اغتيال |
البقاع لبنان 27/9/1982 |
عضواللجنة المركزية لحركة فتح |
|
عصام السرطاوي |
فلسطيني |
اغتيال |
لشبونة 10/4/1983 |
ممثل منظمة التحرير في الاشتراكية الدولية |
|
مأمون مريش الصغير |
فلسطيني |
اغتيال |
اثينا 20/8/1983 |
من مناضلي حركة فتح |
|
جميل عبدالقادر عبدالرب |
فلسطيني |
خطف وقتل |
اثينا 22/12/1983 |
مدير شركة ملاحة بحرية في اليونان |
|
نبيل احمد فليفل |
فلسطيني |
اغتيال |
مخيم الامهري الارض المحتلة 28/4/1984 |
باحث في ميدان الفيزياء النووية |
|
حنا مقبل |
فلسطيني |
اغتيال |
قبرص 13/5/1984 |
الامين العام لاتحاد الكتاب والصحافيين العرب |
|
منذر ابوغزالة |
فلسطيني |
قتله عملاء الموساد بتفخيخ سيارته في اليوم التالي لوصوله الى ايطاليا |
روما 21/10/1986 |
مناضل فلسطيني وعضوقيادي في منظمة التحرير الفلسطينية |
|
الدكتور اسماعيل الفاروقي وزوجته الدكتورة ليس لمياء الفاروقي |
فلسطينيان |
اقتحم الموساد بيته وقتلوه مع زوجته |
الولايات المتحدة الاميركية 27/5/1986 |
استاذ في جامعة انديانا ومؤلف حوالي 25 كتابا اكثرها في الديانات الثلاث، وكان مرشحا ليكون احد اعضاء وفد المفاوضات الفلسطيني لمؤتمر جنيف للسلام |
|
خليل الوزير ابوجهاد |
فلسطيني |
اغتاله الموساد |
في تونس في 15-4-1988 |
يعتبر ابوجهاد الرجل الثاني في حركة فتح ومن المخططين لمحاولة تفجير مفاعل ديمومة الإسرائيلي واهم المخططين للانتفاضة الأولى في عام 1988 |
|
صلاح خلف وهايل عبد الحميد |
فلسطينيان |
اغتيلا من قبل الموساد
|
في تونس في 15-1-1991 |
عضوا لجنة مركزية في حركة فتح |
|
فتحي الشقاقي |
فلسطيني |
الموساد |
في جزيرة مالطا في 26-10-1995 |
أمين عام حركة الجهاد الإسلامي السابق |
|
ابوعلي مصطفى مصطفى الزبري |
فلسطيني |
اغتيل بواسطة الطيران الإسرائيلي |
في رام الله في الاثنين 27-8- 2001 |
الأمين العام السابق للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين |
|
الشيخ احمد ياسين |
فلسطيني |
اغتيل بواسطة الطيران الإسرائيلي بعد أدائه صلاة الفجر |
في غزة يوم 22-3-2004 |
مؤسس حركة حماس ثاني اكبر فصيل فلسطيني بعد حركة فتح |
جدول رقم (2)
إحصاءات ومعطيات حول المجازر الصهيونية والإسرائيلية المرتكبة
بحق الشعب الفلسطيني
إلى حدود 1994:
|
المجموع |
من عام 48-1994 |
عام 1948 |
قبل عام 1948 |
البنود |
|
93 |
31 |
44 |
18مجزرة |
عدد المجازر |
|
7900 |
5100 |
2500 |
300 شهيد |
الشهداء |
لا يدخل في الأرقام المذكورة مجموع شهداء الانتفاضة التي انطلقت في 8/12/1988، وكذلك لا تتضمن الأرقام عدد شهداء انتفاضة الأقصى 2000 - 2002، ففي حين بلغ عدد شهداء الانتفاضة الأولى حتى عام 1994 نحو2000 شهيد فلسطيني، بلغ عدد الشهداء خلال ثلاثة أعوام من انتفاضة الأقصى 2200 شهيداً إضافة إلى 45000 جريح, ربعهم من الأطفال دون الخامسة عشر من العمر.
ويبين الجدول الأسفل الصادر عن المركز الوطني للمعلومات – الهيئة العامة للاستعلامات التابع للسلطة الوطنية إحصائية حول عدد الانتهاكات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني خلال الفترة من 29/9/2000 حتى 31/5/2004
|
إجمالي الشهداء |
3207 شهيداً يضاف إليهم 388 شهيداً لم يتم تسجيلهم بسبب الإجراءات الإسرائيلية |
|
الشهداء من الأطفال أقل من سن 18 عاماً |
590 شهيداً |
|
الشهداء جراء القصف الإسرائيلي |
732 شهيداً |
|
الشهيدات من الإناث |
230 شهيدة |
|
الشهداء في صفوف الأمن الوطني |
344 شهيداً |
|
الشهداء خارج إطار القانون "الاغتيالات والتصفية الجسدية" |
255 شهيداً مستهدف وهناك 90 مواطناً غير مستهدفين |
|
الشهداء من المرضى جراء الإعاقة على الحواجز الإسرائيلية |
107 شهيداً ما بين طفل وسيدة وشيخ مسن من مرضى القلب والكلى والسرطان |
|
الشهداء جراء اعتداءات المستوطنين اليهود على المواطنين الفلسطينيين |
45 شهيداً |
|
الشهداء من أفراد الأطقم الطبية والدفاع المدني |
30 شهيداً |
|
الشهداء من الإعلاميين والصحفيين |
9 شهداء |
|
شهداء الحركة الرياضية خلال انتفاضة الأقصى |
220 شهيداً رياضياً |
|
إجمالي عدد الجرحى |
40 ألف جريحاً تقريباً وهناك 8435 جريحاً تلقوا علاجاً ميدانياً |
|
الأسرى والمعتقلون الذين ما زالوا في سجون الاحتلال |
7500 أسيراً منهم 6151 أسيراً موثقين لدى وزارة الأسرى، وموزعين على 15 سجنا |
|
المعتقلون من طلبة المدارس والجامعات |
1252 طالباً وطالبة من طلبة المدارس والكليات والجامعات منهم 336 من الأطفال، رهن الاعتقال |
|
المعتقلون من المعلمين والموظفين في التربية والتعليم العالي |
196 معلماً وموظفاً |
|
عدد المعتقلين الذين يعانون أمراض مزمنة |
821 أسيراً |
|
عدد المعتقلات |
82 أسيرة، منهن 25 أسيرة محكومة و52 أسيرة موقوفة و5 أسيرات موقوفات توقيف إداري |
|
عدد المقرات الحكومية والمنشآت العامة |
570 مقراً ومنشأة عامة |
|
إجمالي عدد المنازل التي تضررت بشكل كلى وجزئي |
62888 منزلاً |
|
عدد المنازل التي تضررت بشكل كلى |
5824 منزلاً، منها 3151 منزلاً في قطاع غزة |
|
عدد المنازل التي تضررت بشكل جزئي |
57064 منزلاً منها 17100 منزل في قطاع غزة |
|
عدد المدارس والجامعات التي تم إغلاقها بأوامر عسكرية |
12 مدرسة وجامعة |
|
عدد المدارس التي تم تعطيل الدراسة فيها جراء العدوان الإسرائيلي |
1125 مدرسة ومؤسسة تعليم عالي |
|
عدد مؤسسات التربية والتعليم التي تعرضت للقصف |
312 مدرسة ومديرية ومكاتب تربية وتعليم وجامعة |
|
عدد المدارس التي حولت إلى ثكنات عسكرية |
43 مدرسة |
|
عدد الطلاب والمعلمين الذين استشهدوا برصاص الجيش الإسرائيلي |
679 طالباً من طلبة المدارس والجامعات |
|
عدد الطلبة والطالبات والموظفين الذين أصيبوا برصاص الاحتلال الإسرائيلي |
4664 طالباً من طلبة المدارس والكليات والجامعات والموظفين |
|
إجمالي مساحة الأراضي التي تم تجريفها |
62828 دونماً |
|
عدد الأشجار التي تم اقتلاعها |
1001578 شجرة |
|
عدد المخازن الزراعية المهدمة من الاحتلال |
466 مخزناً |
|
عدد مزارع الدواجن ومعداتها وحظائر الحيوانات التي هدمت |
479 مزرعة |
|
موت أغنام وماعز |
13044 رأس غنم وماعز |
|
قتل أبقار وحيوانات مزرعة |
11708 بقرة |
|
إتلاف خلايا نحل |
9863 خلية نحل |
|
هدم آبار كاملة بملحقاتها |
264 بئراً |
|
هدم منازل مزارعين بالأثاث |
207 منزلاً |
|
قتل دجاج لاحم |
850775 دجاجة |
|
قتل دجاج بياض |
328549 دجاجة |
|
تجريف شبكات ري |
22060 دونماً |
|
هدم برك وخزانات مياه |
1025 بركة وخزان |
|
تجريف سياج مزارع وجدران استنادية بالمتر الطولي |
302484متراً |
|
تجريف خطوط مياه رئيسية بالمتر الطولي |
738521 متراً |
|
عدد المزارعين المتضررين |
10516 مزارعاً |
|
عدد المشاتل المجرفة |
5 مشاتل |
|
إتلاف جرارات ومعدات زراعية مختلفة |
12 جراراً |
|
عدد المنشآت الصناعية التي تم تدميرها بالكامل منذ 1/10/2001 |
8375 (الورش، المحلات، والبسطات) |
|
عدد العاطلين عن العمل |
287 ألف عامل |
|
نسبة العاطلين عن العمل |
32.3 % |
|
نسبة الفقر في الأراضي الفلسطينية جراء الإغلاق والحصار الإسرائيلي |
31.3% |
|
الانتهاكات ضد الصحفيين |
673 حالة اعتداء |
|
قصف الأحياء السكنية منذ 1/10/2001 |
25664 مرة |
|
الحواجز العسكرية الإسرائيلية منذ 1/10/2001 |
2334 نقطة عسكرية جديدة |
|
إجمالي مساحة الأراضي التي تم مصادرتها لخدمة الجدار الفاصل منذ 29/3/2003 |
206715 دونماً |
|
إجمالي الشهداء |
3207 شهيداً يضاف إليهم 388 شهيداً لم يتم تسجيلهم بسبب الإجراءات الإسرائيلية |
|
الشهداء من الأطفال أقل من سن 18 عاماً |
590 شهيداً |
|
الشهداء جراء القصف الإسرائيلي |
732 شهيداً |
|
الشهيدات من |