منذ أن رحل الرئيس الفلسطينى ياسر عرفات انهمك بعض أبناء وأصدقاء فلسطين فى
النرويج بالعمل من أجل إعطاء هذا الرجل حقه. وقد حرصت الجالية الفلسطينية
هناك على إظهار الوجه الحضارى الحقيقى لشعب فلسطين المجرب. فكانت مراسم
العزاء برمز فلسطين جامعة و متينة، جمعت بين الفلسطينيين بمختلف
انتماءاتهم،وتجسدت فى وداع الختيار أبو عمار الذى اعتادوا عليه خلال خمسون
عاما من عمر الكفاح والثورة بكل سلبياتها وإيجابياتها.

أقيمت الفعاليات التى تخص رحيل الختيار فى اوسلو بشكل حضارى ومنظم، كما قامت
الجالية بالمشاركة الفعالة فى بيت العزاء الذى أقامته السفارة الفلسطينية حيث
شاركت فى استقبال الضيوف وتقبل التعازى جنبا إلى جنب مع السفارة، كما قامت
بتخصيص مكان مقابل السفارة حيث علقت صور الرئيس عرفات وأعلام فلسطين، كما
أضاءت الشموع ونثرت الورود فى المكان، وأصدرت بيانا نعت فيه الرئيس عرفات.ثم
تكلل ذلك كله بمسيرة المشاعل التى أعدتها الجالية الفلسطينية بالتنسيق مع
أصدقاء وأنصار فلسطين ومع نقابات العمال النرويجية التى تعتبر اكبر واهم
أصدقاء الشعب الفلسطينى فى النرويج.
قضيت معظم وقتى فى سفارة فلسطين أتقبل التعازى مع الأخوة والأخوات العاملين
فى السفارة، وقد لفت انتباهى الاهتمام الكبير الذى أبداه الرسميون من سفارات
دول عالمية مختلفة، ومن ناس عاديين من كل الجنسيات والمللّ. لكن أهم ما لفت
انتباهى هو دموع كريستن هلفورسن رئيسة حزب اليسار الاشتراكى النرويجى التى
جاءت إلى السفارة الفلسطينية تحمل بيدها باقة ورود بيضاء، وضعتها أمام صورة
الرئيس عرفات،ثم همت بتدوين كلمة فى سجل التعازي، دونتها بالحبر والدمع، فقد
انسابت دموعها على خدها، فبدت كمن فقد قريب أو صديق، قدمت تعازيها بكلمات
خنقتها غصة ودموع حزينة. رافقتها من الطابق الثامن إلى سيارة الأجرة التى
كانت بانتظارها على الشارع أمام مبنى السفارة، وفى المصعد قالت لى انه ليوم
حزين فعلا بعد رحيل عرفات ، قلت لها هذه سنة الحياة، مات ياسر عرفات لكنه
شعبه لم يمت و سيواصل المشوار.
كرسيتن هلفورسن سياسية نرويجية شجاعة ومحبوبة،تقود حزبها الاشتراكى اليسارى
منذ سنين عدة، وتعتبر من النساء القويات فى الحياة السياسية النرويجية، وقد
فرضت إيقاعها وصوتها فى البرلمان وعلى الشارع،ولا تكاد تمر مناسبة تضامنية مع
فلسطين أو العراق إلا وتكون هى فى طليعة الموكب وفى مقدمة المتحدثين. ترفع
صوتها عاليا وتطالب وتردد شعارات ضد الحرب والسياسة العدوانية الإسرائيلية
والأمريكية. وقد كان لى شرف التعرف عليها فى تلك الساحات الشعبية العريضة حيث
يعلو صوت الحق وتخبو أصوات المدافع الأمريكية والأبواق الصهيونية. وقد حصل إن
التقيت بها عدة مرات فى مناسبات عدة لم يكن آخرها الأسبوع الماضى فى مؤتمر
لحزبها حيث كنت احضر جزءاً منه خصص للقضية الفلسطينية والسلام فى الشرق
الأوسط، فقد خرجنا جميعا من احدى القاعات بعد انتهاء احدى المحاضرات وتوجهنا
الى القاعة المخصصة للسلام فى شرق المتوسط. حصل أن تأخرنا قليلا عن موعد بدأ
المحاضرة، حيث كانت كل من الناشطة نورا انغدال و الباحثة هيلدا هنريكسن صاحبة
الكتاب المثير عن مفاوضات اوسلو السرية من المتحدثات. المهم لم نجد الكثير من
الأمكنة لكن فى الختام جلسنا كلنا وبقيت كريستن فى المؤخرة، حيث وجدت مقعدا
فارغا جلست عليه فى آخر القاعة لوحدها، خلفنا كلنا.
فى يوم ياسر عرفات اختلطت دموع المحبين و أصدقاء فلسطين مع دموع الأبناء
والأنصار، وقد شاهدت دموع "نصرة" الاريترية وهى تشعل الشموع لروح ياسر عرفات
الذى عرفته وهى طفلة حيث كان والدها مع الجبهة الشعبية لتحرير اريتريا فى
بيروت الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية. بكت نصرة كما بكت كرستن
وكما بكت سيدة إيرانية من منظمة مجاهدى خلق ، و لفت انتباهى أيضا وقفة مميزة
وقفها سفير كوبا فى النرويج أمام صورة الرئيس عرفات، حيث كادت عيناه تذرف
الدمع.
رحيل أبو عمار دق مضاجعنا وترك سؤالا صعبا لا بد من الإجابة عليه قبل فوات
الأوان، فقد كنت أقرأ هذا السؤال"من سيملئ الفراغ ومن سيكون سيد الدولة بعدما
رحل سيدها الأقوي؟".. فى عيون كل الذين قدموا ليقدموا تعازيهم ودموعهم
وتضامنهم مع شعب فلسطين فى محنته.
نضال حمد
- اوسلو
http://www.alarabonline.org/index.asp?fname=\2004\11\11-14\758.htm&dismode=x&ts=14/11/2004%2004:54:18%20م
نشرت
في جريدة العرب اللندنية