ممدوح عدوان يعود إلى قريته الفاضلة

 
أن تكون فلسطيني في هذا الزمن الفلسطيني المقاوم لا يعني أن تكون من أبوين فلسطينيين فقط لا غير

25-12-2004

بقلم : نضال حمد
 

بعد انتظار ومقاومة وصراع مع المرض العضال تمكن الموت قبل أيام من الشاعر والروائي والمترجم والصحافي والأديب والمسرحي العربي السوري ممدوح عدوان، فصرعه وخطفه من الحياة ومنا ومن الشعر والأدب والثقافة وصراع الحق مع الباطل، والخير مع الشر، والعرب مع أعدائهم من كل الألوان والأصناف والأشكال.

ولد ممدوح عدوان في قرية قيرون النائية ويقال في مكان آخر إنه من مواليد قرية دير ماما وهي أيضا ناحية مدنية حماة وذلك سنة 1941، وبين دير ماما وقيرون عاش الطفل ممدوح عدوان نكبة فلسطين وهو ابن سبعة أعوام، لذا ظلت تلك النكبة في مخيلته وحياته موجودة وجود الحق الفلسطيني والعربي في فلسطين العربية.

وقد كان ممدوح صاحب طموح وقد طلب العلم منذ البداية، فسافر الطالب الطموح إلى العاصمة دمشق ودرس اللغة الإنكليزية في جامعتها ليتخرج منها سنة 1966 أي سنة واحدة قبل أن تحل نكسة حزيران 1967 والتي عززت بدورها قناعات وخيارات ابن الريف النائي، وفيما بعد ابن الشام أم الدنيا.

كما عمل شاعرنا المغادر في الصحافة منذ 1964 وترك خلفه عشرون مجموعة شعرية تنضح بالغضب والحب والثورة والسلام والحياة وعشق الثقافة والأدب والانتماء لبني البشر لا لبني القتل والنهب والسلب والتدمير والغزو وسرقة أوطان وتواريخ وتراث الآخرين.

كان ممدوح عدوان فلسطينياً بالعطاء والحب والانتماء للمقاومة والحرية والمواجهة والقناعات الأصيلة، وقد ترك بصماته حاضرة في التجربة الفلسطينية المعاصرة، وفي محاضراته السياسية وكذلك في أدبه المنشور، حيث كانت فلسطين سيدة جراحه وحياته وانتماءاته وأحزانه وولائه.

وقد كتب رواية "أعدائي" من وحي ذاك الصراع لأجل استعادة الحق المسروق والأرض المسلوبة. كما كتب أيضا "لو كنت فلسطينياً"، وهو الذي كان فلسطينياً عن جدارة وبحكم انتماءه للمعاناة وانخراطه في معركة العودة والتحرير والحرية. فأن تكون فلسطيني في هذا الزمن الفلسطيني المقاوم لا يعني أن تكون من أبوين فلسطينيين فقط لا غير، فهناك فلسطينيون بيلوجيون وهناك فلسطينيون ثوريون صنعتهم التجربة الثورية الفلسطينية ومعاناة الأمة العربية في صراعها مع الصهيونية والتخلف والأنظمة الفاسدة والحكومات الخفيفة.

وممدوح عدوان كان فلسطينياً بالقلم والانتماء والانحياز لبندقية الثورة الفلسطينية المستمرة ولغصن الزيتون الفلسطيني.

في حوار أجراه الصحافي احمد خضر مع الشاعر ممدوح عدوان لمصلحة جريدة الرياض السعودية (عدد12847 ليوم الأحد 24-8-2003) وجه خضر لعدوان السؤال التالي: يتملكك الهم الفلسطيني إلى درجة كبيرة.. لماذا ؟

( كل شعري من بدايته إلى الآن عن فلسطين، إلى درجة يعتقد البعض أنني فلسطيني، وشعرنا مطبوخ بهذا الهم، وهو يتعرض لمد وجزر حسب الأحداث والفجائع التي تحدث، لكن ليس مطلوباً من الشاعر أن يعلق على الأحداث بالضرورة، أو أن يكتب عن حدث معين. وبالنسبة لي فأنا شاعر له هم سياسي، لكنني لا أقوم بدور سياسي، لست زعيم حزب أو كادراً في حزب، ولكنني كاتب وشاعر لدي هموم سياسية لا أخفيها وأتعامل معها في شعري وكتابتي.).

سوف يذكر التاريخ ممدوح عدوان كأديب وشاعر ومسرحي وروائي ترك خلفه مؤلفات هامة وذات قيمة فكرية وثقافية وأدبية، وعند الحديث عنه لا بد من ذكر مؤلفاته أو بعضا منها، وقد اخترنا منها هذه المجموعة الهامة المنوعة التي تعبر عن تنوع الشاعر في اختيار طرق الكتابة والتعريف بما يدور في رأسه وبما يخالجه من أفكار. نشر ممدوح عدوان السنة الماضية 2003 عن دار قدمس مؤلفاً بعنوان "حيونة الإنسان" والعنوان يتحدث عن نفسه ولا يحتاج لعناء التحليل والترجمة والتعريف، فحيونة الإنسان مستمرة في بلادنا العربية ويشترك فيها الذين يتحكمون بمصائر بلادنا وشعوبنا من أهل البلاد وأيضاً من الدخلاء والغرباء والأعداء.

كما قام شاعرنا الراحل بترجمة كتاب "كيث وايتلام" وهو بعنوان "تلفيق إسرائيل التوراتية: طمس التاريخ الفلسطيني"، وذلك سنة 2002 عن دار قدمس. ولممدوح عدوان مؤلفات كثيرة مثل رواية أعدائي عبرت عن هم الشعوب العربية وعن وعي كبير بضرورة وحدة هذه الأمة واستنهاضها والحفاظ على مكانتها وإعادة صيانتها حتى تعود أمة عربية واحدة ذات مكانة خالدة.

نعيد هنا نشر تعريف للناشر في دار كنعان عن مؤلف عدوان "وعليك تتكئ الحياة" الصادر سنة 2000 فهذا التعريف الموجود في هذه القطعة الجميلة، المعبرة والدالة على نضج فكري عالٍ ورؤية مستنيرة، يختصر الكثير مما يلزمنا قوله عن مثقفنا العربي الكبير:

أمسك بصورتك التي في النسل أنبتا

أمسك بما غرست يداك

من المهابة في الصدور

أرهم إذاً

كم تخسر الدنيا إذا متا

أرهم بأنك تستطيع بهمة

أن تنتقي موتا

فكما خلقت تموت

ربك لم يقل:

كنت مثلما كونت غيرك قبل خلقك

أو كما خلق الذين أتوا

إلى دنياي بعدك.

ونحن نودع الشاعر ممدوح عدوان لا يسعنا إلا أن نرفع راياته الخفاقة عالياً، ونقول له سنواصل المشوار من بعدك يا ابن قيرون ودير ماما النائيتان، وستظل الثقافة الملتزمة في فلسطينك عصية على الغزو الثقافي المعادي وعلى زواج المتعة السياسي.

* نشر في العربية

http://www.alarabiya.net/Article.aspx?v=8974

 

 الحقوق محفوظة لنضال حمد

Copyright©2004Nidal Hamad

عودة لمقالاتي المختارة

اخبرونا عن أي وصلة لا تعمل

hnidalm@chello.no

*

Copyright©2004Nidal Hamad

اخبرونا عن أي وصلة لا تعمل

هنا كذلك : حوارات أجراها مدير الموقع

عودة / Back

مقالاتي تعبر عن وجهة نظري وحدي فقط لا غير ...