ابو ماهر اليماني ... شيخ الثورة المستمرة
نضال حمد - اوسلو
"لو كنت فنانا تشكيليا وأردت أن أرسم صورة تجسّد فلسطين حتى يومنا هذا لما وجدت خيراً من اليماني ليجسد الصورة الممزوجة بالألم والمعاناة والنضال..." شفيق الحوت ..
22-09-2004
هذا الرجل النحيف، قصير القامة ، مرفوع الهامة ، الشامخ كجبل الشيخ يعلو رأسه الشعر الأبيض، انه شيخ الثوار ن الذي تنقل بين مدراس المخيمات و معاقل المقاومة... وهو عميد الرافضين للانحراف عن المسار ، رجل المبادئ والمواقف والإصرار، أول من قال لا للمنحرفين! ولا اليماني التي قالها مبكراً نزلت قوية ومدوية على مسامع الجميع .. لأنها تعني لا لسياسة الانحراف والاستسلام .. هكذا سماها في كثير من المواقف والمناسبات... رجل الكلمة التي تميز بين الصواب والخطأ ، بين الصحيح والغلط، بين المقاومة والمساومة، إنسان هادئ، عاشق يتأمل الوطن فيجده وشما على زند فدائي في مخيم البداوي أو نهر البارد...
يتطلع اليماني نحو السماء بعين مفتوحة على الوطن والانتماء ، فيرى الشمس بلون شعر بنات فلسطينيات مذهبات كأنهن خريف الثورة واللهب. يتطلع اليماني الماهر على البحر فيجده مسراه نحو عكا وحيفا ويافا وغزة.. لم ولا يركب سوى سفن الثورة المبحرة الى فلسطين، لأنه عن اتجاه الوطن لا يميل.. سلاحه الايمان بشعبه وقوة الحق والإرادة التي تكسر الجبروت مهما كان قويا..
ابو ماهر اليماني هذا الرجل الثمانيني، الختيار الكبير والجليل، مربي الصغار الذين أصبحوا كبارا، فمنهم من استشهد ومنهم من ينتظر.. مدرس الفنان ناجي العلي والشهيد علي ايوب وكواكب وقوافل أخرى من الشهداء والأحياء من أبناء المخيمات الفلسطينية في لبنان، من أكبرهم عين الحلوة حيث مدارس الفالوجة وحطين وقبية للأولاد الى مدارس مخيمات الجليل والبداوي ونهر البارد شرق وشمالي لبنان.
هذا الرمز الذي أبى ان يسير مع المسيرة كيفما اتفق، يوم تناقضت رؤيته للمسيرة مع رؤية رفاق الدرب تركهم وجلس في البيت بين أبناء أسرته ومع جيرانه وأهله في مخيم برج البراجنة.. معلنا من هناك موقفاً أخلاقياً عظيماً لا يقبل التشكيك. إذ كانت تربيته سليمة وظلت معافية ولم ترض ان تصبح عديمة او سقيمة، لذا أعلن رفضه للألاعيب الثورية المغلوطة ،وللسياسة المتنفذة ،المدمرة والممقوتة .. قال ان هؤلاء الذين تخلوا عن التراب الفلسطيني كاملا لا بد منهزمون .. ثم جاءت اتفاقيات اوسلو وما تلاها من إلغاء للميثاق الوطني الفلسطيني لتؤكد صحة توقعاته ، ولتبرهن أن تلك الخطوة كانت البداية لشطب حق العودة.
ترك اليماني مقعده في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية بعدما عرف أنها لجنة تنفيسية، وترك المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لأنه اختلف معه على الأولويات والتحالفات والرؤية للوضع الداخلي الفلسطيني. لقد كان خياره صحيحا لأن تجربة ما بعد حصار بيروت كشفت سقم وعقم القيادة الفلسطينية المتنفذة ، وعمق الهوة بينها وبين شعارات المنظمة وبرامجها وميثاقها الوطني القومي. كانوا يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يقولون. وفي نهاية المطاف اوصلوا القضية الفلسطينية الى ما هي عليه الآن. أسسوا للاستسلام وللفساد وللانهزام ولشراء الذمم واستعباد العباد.
لا بد لمذكرات اليماني التي صدرت يوم أمس في بيروت بخمسة أجزاء بعنوان "مع الأيام" أن تكون إضافة غنية للتاريخ الفلسطيني وللمكتبة الفلسطينية ، التي ستمتلك إضافة مميزة للذاكرة ، غنية بتجربة محارب جليل.. ولا بد ان تجربة اليماني ستكون من أفضل وأغنى التجارب الفلسطينية،فمكانة الرجل وتجربته الواسعة في العمل السياسي الفلسطيني تؤهل مذكراته لاحتلال موقعا مميزا في عالم المذكرات العربية عامة والفلسطينية خاصة. ولا بد ان شيخ الثورة المستمرة قد تحدث في مذكراته عن رفاق المسيرة وعن النكبة والنكسة والمخيمات والشتات وبدايات العمل الوطني والقومي والفدائي وتجربة لبنان المثيرة والخلافات والصراعات والصرّعات داخل "م ت ف" والفصائل الفلسطينية العديدة.
لقد أحسن أصدقاء اليماني فعلا حين أقاموا يوم أمس حفلاً تكريمياً لهذا الرجل الموقف، وذلك بمناسبة صدور مذكراته... كانت الكلمات خير معبر عن مكانة أبي ماهر اليماني في الوجدان الفلسطيني و الحالة العربية... فقد قالوا عنه :
د. أنيس صايغ : للمرة الأولى منذ 12 عاما لا يكون أبو ماهر جالسا على يميني او يساري، مؤامرة جميلة ان يكون مع أصحاب الدولة (مع الرئيسين د. سليم الحص ورشيد الصلح، الوزير بشارة مرهج وعبد الرحيم مراد، النائب محمد قباني)... خفنا ان يعتذر (عن حفل التكريم)، وفي النهاية قلبه طيّب عتب علينا وغضب، لكننا كسبناه معنا.
أما صالح شبل فقد عاد بالذاكرة لبدايات اللجوء والتشرد يوم كان اليماني مديرا لمدرسة ابتدائية في مخيم عين الحلوة "الواعي لأهمية إبقاء الذاكرة الفلسطينية حية وحاضرة في أذهان الطلاب... تغير الكثيرون مع الزمن وأبو ماهر ما زال شديد الايمان بالقضية، واعياً للمصاعب، عاملاً دون كلل رغم ظروفه الصحية الصعبة".
رفعت صدقي النمر : " جئنا نصيده فصادنا ... فيه القيم الأخلاقية والوطنية والقومية، السمعة الطيبة والروح الدمثة، الوفاء والصدق والإخلاص والبساطة والتواضع".
أما الشيخ الآخر شفيق الحوت فقد قال عن رفيق الدرب كلاما لا يقوله سوى إنسان شاعر مخلص للأصدقاء " لو كنت فنانا تشكيليا وأردت ان أرسم صورة تجسّد فلسطين حتى يومنا هذا لما وجدت خيراً من اليماني ليجسد الصورة الممزوجة بالألم والمعاناة والنضال... أبو ماهر تميز عن غيره بثباته على الهدف وبصدقه وما زال وسيبقى من المناضلين والمطالبين بتحرير كامل التراب الفلسطيني.
د. صلاح الدباغ قال أن أبا ماهر اليماني قدوة ومثال في عمله وحياته الشخصية ، فهو قد جمع بين الصلابة والجدية والبساطة المتناهية ... أبو ماهر ينتمي للجيل الذي عاصر نكبة فلسطين والذي تحمّل آلاماً نفدت طاقة التحمل، فتركت في هذا الجيل جراحا لا تندمل، كما تركت كدمات لم يستطع الزمان أن يمحوها..
في يوم ميلادك يا شيخ الثورة المستمرة وهو يوم موت الفرد نوبل مؤسس جائزة نوبل للسلام، لو كان هناك في فلسطين او بلاد العرب ما هو شبيه بجائزة نوبل للسلام لكنت أنت أول من يستحقها..
ملاحظة : بعد كتابة هذه المقالة وفي اوقات مختلفة رحل عن عالمنا كل من : رفعت النمر ، شفيق الحوت وأنيس صايغ ..
Copyright©2004Nidal Hamad
اخبرونا عن أي وصلة لا تعمل