في اذار تزهر قضية فلسطين من جديد
بقلم : نضال حمد*
هو آذار شهر الأرض الفلسطينية الخصبة, أرض الشهادات والرسالات والبشائر, ارض البرتقال الحزين والزيتون والتين والصبار, ارض الفداء والتضحيات, ارض التمسك بالحقوق غير القابلة للتصرف وغير المطروحة للقسمة والتي ترفض المزاودات عليها والمهاترات والمراهنات على القمم والزعامات.
هو اذار يوشك ان يودعنا هذا العام, ونحن على اعتاب الاحتفالات بيوم الأرض الفلسطينية, بيوم التمسك بعروبة تلك الأرض وبجذور اشجارها الضاربة عميقا في جوفها, بفلسطينية الجليل والمثلث والنقب, بزيتونات فلسطين الشامخات كققم الجبال, العاليات كسماء الله العالية والأكبر من تهويدهم واستيطانهم واستعلائهم, لأنها العالية والأعلى من استعلاء اسرائيل وناطحات سحاب اسيادها في واشنطن.
هو اذار الفلسطيني, عرس الدم المجبول بالتراب وزيت الزيتون ودموع الأحباب, عرس الولاء وشهادة الانبعاث الجديد وتحديد الهوية والانتماء, بعدما كانت جنازير الدبابات المفترسة حاولت التقدم على جسد الوليد المنبعث من زمن ما بعد النكبة والنكسة, من زمن الولادة الفلسطينية المستجدة والمستنيرة والمتجددة, زمن انبعاث اهل الجليل كراية بيضاء ملطخة بالدم على حبال الغسيل, حبال الصبر الفلسطيني الطويل, حبال الاصرار على اعادة تجميع الأوصال, اوصال الشعب والأرض, اوصال الزيتون والتين والعنب والصبار, اوصال البلاد وما تبقى فيها من العباد, عباد فلسطين التاريخية, فلسطين العربية الهوية والانتماء والجذور والبحر والهواء والنهر والسماء والليل والمساء والأشياء... فلسطين التي ما كانت لتكون الا لأبنائها وبناتها, فلسطين التي لن تتغطى بلحافهم ولن تنام على اسرتهم ولن تقبل بنشر غسيلهم على حبال غسيلنا ولن تشاطرهم الماء والسماء والهواء..
هو اذار الفلسطيني, فيه لازالت الجراح تنزف, لازالت المشافي تعج بالجرحى والمصابين, لازالت اعداد الشهداء وطلاب الشهادة في تصاعد, فالمقابر تعج بالقبور الجديدة والقديمة, وقوائم الشهداء سجلت في اذار ارتفاعا مذهلا... كل هذا من اجلك انت, نعم انت, ايتها الأرض الطيبة, ايتها السنديانة الشامخة, ايتها الارض التي نحبك اكثر من حياتنا, انت ستبقين انت, فلسطين ميناء الحقائق في أزمنة النفاق الأمريكية وفي عصور الظلامية اليهودية.
هو اذار شهر العطاء والأزهار, شهر الترحيب والضيافة الفلسطينية رغم العذابات والقهر والحصار ودبابات الإرهاب وطائرات القتل والدمار الاسرائيلية, تلك المنح والهبات والهدايا الأمريكية لكيان الجرائم والمجازر والمذابح, لجنرالات القتل المنتخبون بطريقة يهودية اسرائيلية ديمقراطية, تعبر عن واقع حال وطريقة تفكير الإسرائيليين المنعزلين في مجتمعات وتجمعات من زجاج ووهم, تحرسهم يد الأباتشي وأجنحة الفانتوم وقنابل الميركفا وعنصرية وعنجهية حكامهم وقادة احزابهم وجيشهم وكيانهم, هذا الغريب والدخيل والموزع على اليهود حسب الأمومة والعمومة والعمولة..
هو اذار الفلسطيني يقدم وردة من وروده الأجمل للأديب البرتغالي الكبير جوزيه ساراماغو, الحاصل على جائزة نوبل في الآداب, للرجل الشجاع والأمين, سيد موقفه وصاحب الرأي الجريئ, له وهو من رام الله المحاصرة يعلن على الملأ أن "أعمال اسرائيل الحالية في فلسطين كالأعمال التي قام بها النازيون في معسكرات اوشفيتس رغم اختلاف الزمان والمكان فإن العملين سيان".
هذا الكلام الكبير لرجل جليل وكبير يعبر عن مدى التطاول الاسرائيلي على انسانية الانسان وعلى الارض الفلسطينية من خلال الاعمال البربرية والهمجية التي تمارسها اسرائيل ليلا ونهار في فلسطين المحتلة والمستباحة.
هذا الكلام الجريئ للكاتب الكبير جاء ليكمل الكلام الذي قاله الكاتب الكبير والجليل ماركيز غارسيا قبل عدة اسابيع, عندما قال ان اسرائيل دولة تمارس الإرهاب بلا رادع وبلا محاسبة وبلا تأنيب ضمير. كما انه جاء ليضع اليهود امام حقيقتهم, وهي انهم لا يختلفون في اعمالهم عن النازيين, وهذا ما اثار حفيظة الأديب الاسرائيلي عاموس عوز الذي قال تعليقا على كلام ساراماغو ما يلي: "من لم يفرق بين درجات مختلفة من السوء يتحول لخادم الى السوء... الاحتلال الاسرائيلي في غاية السوء... لكن البعد بينه وبين جرائم النازية كالبعد بين ساراماغو وستالين". هنا يجب ان نقول ان الفرق بين الأعور والأعمى كبير, فالأعور يرى بعين واحدة أما الأعمى فلا يرى شيئا, كل الألوان بالنسبة له سيان, وعاموس عوز رأى الأمور بعين واحدة.
هنا يجب ايضا ان نتوقف قليلا ونركز على الصراع الداخلي الذي يجتاح اليهود والإسرائيليين وهو انهم لا يريدون الاعتراف بفظاعة اعماله وبإرهاب دولتهم وكيانهم وبفاشية اعمال جيشهم وقياداتهم وبتكالبهم على قتل الأبرياء الفلسطينيين, بوحشية حيوانية افتراسية استمدت دمويتها ووحشيتها من تعاليم دينية عليلة ابتكرها بعض الإرهابيين والمختلين, ومارستها ولا تزال تمارسها منظمات يهودية وصهيونية كثيرة, منها جيش الدفاع الاسرائيلي, عصابات الارهاب الصهيونية العديدة ,الاراغون وشتيرن والهاغاناه وكذلك كاخ وامناء الهيكل وكهانا حي وغيرها من عصابات الارهاب اليهودي.
ان المأساة الفلسطينية الكبيرة هي بسبب الارهاب الاسرائيلي المنظم والمخطط له مع سبق الاصرار وبنية الحاق اكبر قدر ممكن من الالام والخسائر في صفوف المدنيين من اجل لجمهم وارهابهم وقمعهم. ان تاريخ اسرائيل مليئ بالمجازر والمذابح وخير شاهد على ذلك سلسلة المذابح من اللد ودير ياسين وكفر قاسم وقبية والصفصاف وصبرا وشاتيلا وقانا ومذابح انتفاضة الاقصى الحالية.
نفهم صعوبة ان يفهم او يستوعب عاموس ان اهل بيته وابناء جلدته الذين عانوا من اصناف الارهاب النازي اصبحوا يمارسون الممارسات ذاتها, لكننا لا نفهم الدفاع المستميت عن قيم اسرائيل مع انها دولة ارهابية اعتاشت طيلة سنوات عمرها القصير على الدم وهي بذلك تكون كما دراكولا ومصاصي الدماء, اي انها لا تستطيع البقاء والحياة بدون مص دماء الفلسطينيين وقتلهم حتى ابادتهم. هذا لان سياسة انكار وجود الشعب الفلسطيني وسياسة ارض بلا شعب لشعب بلا ارض اثبتت فشلها. وجاء هذا الفشل من خلال النضال الفلسطيني الطويل والشاق والصعب والجليل, جاء من الثورات الفلسطينية المتعددة ومن رحم هبة يوم الارض العظيمة, حيث توحد الفلسطينيون في الدفاع عن وجودهم وعن ارضهم وعن هويتهم الوطنية وانتمائهم العربي الأصيل.
هو اذار شهر فلسطين بأرضها, بناسها, بصخرها وترابها وشجرها وزرعها وازهارها وينابيعها وبحرها وانهارها وسمائها, هو عرس التوحد في الدفاع عن الارض والعرض والشعب والحب والتعب والعرق المجبول بتراب المزارع والبساتين والبيارات, هو انتصار الصدر العاري على الحقد المسنود بالدبابة والطائرة والبنادق واللا تسامح... هو انتصار اهل فلسطين على الاحتلال, هو صرخة شعبنا المدوية من اللد الى غزة ورام الله المجد للفلسطيني المكافح والنصر للحق المتسلح بقوة الصمود وارادة البقاء والحياة،اما الاحتلال والاستيطان الى زوال.
الحقوق محفوظة لنضال حمد
Copyright©2004Nidal Hamad