صديقان نحن وطنا ومنفى

بقلم نضال حمد

 

15-5-2002

 

 

كنت يا صديقي عندما التقينا هنا في اوسلو التي جمعتنا تحت شجرها العالي وفي فيء أشجارها الخضراء، في صيف جميل وعلى طرف من أطرافها الجميلة، في جامعتها التي جمعتنا وإياكم، أنتم الآتون من رحم فلسطين، القادمون إلينا من بلاد لطالما تمنينا السفر إليها.. انتم الحاملون سلامنا الواقعي والحالمون بسلامنا الحقيقي. كنتم خير سفير لسفر الفلسطيني المنبعث من اانتفاضته المغدورة.. كنتم إخوة ولازلتم.. وكنا نحن مهجرون ومهاجرون في منفانا ومهاجرنا نبحث عن ملاذ جديد وعش آخر من أعشاش الاقامة المؤقتة إلى أن تحين ساعة مواجهة الحقيقة، ساعة البحث عن مكان للذات في بلادنا العائدة إلينا والعائدون نحن إليها من السفر والشتات.

*

هنا تعرفت عليكم وكنتم كالنسور المحلقة عاليا في سماء الانتماء الفلسطيني، وكنتم غائصون عميقا في ينابيع الولاء الوطني.. مبدئيون، أبناء ينابيع الفتح التي نحب ونجل, من نابلس و بيت لحم إلى نحالين التي لم تنحل في زمن الاحتلال  والتي لن تنحل في زمن اانتفاضة الأقصى والاستقلال.

 

هنا في اوسلو عرفنا سر وضوح الفلسطيني في علاقاته وخلافاته،عرفنا كيف نتحدث للجغرافيا فينا، في توزيعاتنا التي فرضتها النكبات والويلات في غياب الحرية والاستقلال وفي وجود الاحتلال وأشباهه وأذنابه في وطننا العربي الكبير..

 

 هنا تكلمنا لأول مرة في السياسة وتحدثنا عن الحروب من حروب لبنان العديدة إلى ثورة الانتفاضة الأولى تلك التي اغتيلت بأيدٍ فلسطينية، حيث أرادها بعضهم جسرا أو معبر لعبوره بوابة رفح إلى بعض الجزر الفلسطينية التي سميت يومها مناطق الحكم الذاتي.. وكنا تحدثنا عن ذواتنا و عن هواة السياحة..

 

اتفقنا على أشياء كثيرة واختلفنا على أشياء قليلة، لكن كان يكفي أننا تحاورنا بصحوة كانت مطلوبة، وهي بالأصل مطلب لكل الفلسطينيين الذين يحرصون على سلامة عقولهم وديمومة تفكيرهم الحر وآراءهم الحرة.

 

*

كانت ليالي صيف اوسلو الطويلة تتصل بالنهار وكنا نحن كذلك نصل الليل بأظافر النهار، نسهر ونسمر ولا نسكر... نتحدث ونتكلم ونتحاور، نسمع الشعر والنثر ونخرج من خزانات ذاكرتنا المليئة ما سجلته أقلامنا الجريئة من كلمات وحكايات أيام حصار بيروت وما بعد الحصار في المهاجر والمنافي المنوعة والمتعددة..

 

أذكر كيف كان عماد والعماد الثاني وحسين يستمعون ويتمتعون بسماع كلماتي ومنها الكثير من الكلام المر والقليل من الكلام الحلو مثل الكلمات التالية :

 

" أيتها المحاصرة باحتراقي  وبوحدة العيد. على وهج اشتياقي  رسمت دربي الجديد. وأعلنت الحرب على الفراق، عل العيد بهجته يعيد. فيذكرنا بعض من الرفاق".

 

كتبت هذه الكلمات في العام 1984، عامي الجامعي و الدراسي الأول في جمهورية بولندا الشعبية والتي أصبحت فيما بعد جمهورية بولندا فقط، غير شعبية  وبلا شعبية ولا ما يحزنون.. لأن الشعوب تبحث عن البطاطا والدجاج واللحوم المستوردة وعن الفودكا الأمريكية والجينز الأمريكي وسجائر المارلبورو والسيارات الغربية والهبات المشروطة، هبات اللوبي اليهودي ورأس المال الصهيوني الأمريكي.

 

بولندا لم تعد شعبية وهي بالأصل لم تكن اشتراكية سوى بالاسم، نعم بالاسم لأنها كانت محكومة من حزب عمال لم يكن فيه سوى القليل من الطبقة العاملة. وهذا الحزب السعيد سرعان ما تحول وتأقلم مع التحولات الجديدة وصار أمريكي بلباس أحمر وغربي بزي اشتراكي دولي يواكب الموضة الدارجة. نعم هكذا كانت الصحوة وهكذا نفذ شيوعيو واشتراكيو بولندا بجلدهم وأصبحوا في الحكم من جديد.

 

نعم يا صديقي هذا هو العالم الجديد بنظامه العالمي الجديد، نظام بوش الأب وبوش الابن. نظام التعنت والتوسع والتبعية المطلقة لأمريكا السيئة الصيت والسمعة.

ونحن في عالم فلسطيني أيضا جديد، عالم ما بعد اوسلو وأخواتها من الاتفاقيات الظالمة ، غير المنصفة واللا عادلة.. عالم فرض السلام على الأمم والشعوب المحرومة من الأمن والأمان والسلام العادل والسلم الحقيقي، عالم التواصل مع الحياة من أجل جعلها أفضل وأسلم وذات معنى أشمل وأوسع وأكثر دقة ورقة..

 

نحن يا صديقي بحاجة لرسالة شبيه برسالة السلام الربانية, شبيهة بدعوات الأنبياء السلمية والروحانية، دعوة لإعادة الاعتبار للذات التي هزمتها مهازل اوسلو وجعلتها شرذمات.. نحن بحاجة لنصر متكامل كي نجدد تجربة الثورة المستمرة والعنفوان الجماهيري العالي.. نحن بحاجة لخلع رداء اوسلو ولنزع أحذية أخواتها من المدن والأمكنة... نحن بحاجة لراية المخيم المكتوبة بعرق الفقراء ودم الشعب المشرد، المنقطة بحروف النور والنار،المنارة بضوء الشهادة في مخيمات الشهادة والاستنارة.

 

*

 

أتذكر يا صديقي يوم ذهبنا سوية للقاء جامعي  أو أن صح التعبيرللمشاركة في ندوة أقامها أحد الأندية الثقافية النرويجية، وكان موضوع الندوة سلام اوسلو وما بعده من واجبات. قلت أنك تريدني معك في الندوة وقلت لك أنني منذ مجيئي إلى هذه البلاد وأنا صائم عن السياسة ولا أتحدث بالسياسة سوى مع قليل من أصدقائي المقربين لي.

لكنك قلت يجب أن تشاركني الهم الفلسطيني.. فشاركتك المشوار وكانت الندوة بالنسبة لي ولك ديكورية و برجوازية أكثر من الندوات التي تعودنا عليها في فلسطين والوطن العربي الكبير. لكن أكثر الناس تواضعا كان ضيف الندوة الأول السيد نائب وزير خارجية النرويج حينها وأحد مهندسي اتفاقية سلام الشجعان " للأسف لم اعد اذكر اسمه". يومها تحدث عماد بروح فلسطينية وطنية وحدوية عالية عبرت عن عمق الانتماء الفلسطيني وعن جذور وحدوية ضاربة عميقا في أرضه وفي فكره وقناعته الوطنية. تحدث عماد ككل فلسطيني يحرص على بقاء أعمدة البيت الفلسطيني ثابتة ومتينة و قال : نحن مع السلام إن أعاد لنا حقوقنا وإذا أقام دولتنا على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية. وإن أزال المستعمرات والمستوطنات، أما ما عدا ذلك فلنا الحق في الكفاح من أجل ااسترداد تلك الحقوق.

 

*

 

في العودة إلى اللجامعة والى المدرسة الصيفية حيث التقينا سنة 1994 وكان الطقس جميلا نوعا ما.. وكانت تدور يومها رحى معارك كروية عنيفة وطاحنة في بطولة العالم في كرة القدم، حيث جرت  في الولايات المتحدة الأمريكية، السيئة الصيت والسمعة. وكنا كلنا ضد أمريكا حتى بالكورة.. كنا نشجع أي بلد آخر ما عدا أمريكا التي أجبرتنا على كرهها وعدم محبتها. لأن أمريكا تلك لم تتركنا بحالنا بل هي وبريطانيا تتحملان القسط الأكبر من أسباب مأساتنا وفقداننا لوطننا وأرضنا.. فهي أمريكا التي لم تبخل على الكيان الصهيوني بأي شيء.. وهي التي تزوده بالطائرات والأسلحة والعتاد والفلوس والمساعدات بكل أصنافها من مليارات الدولارات إلى عشرات الفيتو في مجلس الأمن الدولي.. أمريكا الشر والسوء والعداء لفلسطين، أمريكا الوفاء لمصالح اليهود وعصابات الإرهاب الأصولي الصهيوني من كاهانا المقبور إلى شارون المغرور. فكيف لنا أذن أن نحب ناطحات السحاب وتمثال الحرية والجينز وأفلام هوليود والهمبرغر والكوكا وكولا والمارلبورو؟؟؟؟ لا لن نحب أمريكا ولو قيل أنها أصبحت شقيقة. لن نرضى بها كما هي، عليها تغيير وجهها وتبديل رأيها وتعديل موقفها، وعليها فضح زيفها وتعرية اللوبي اليهودي الذي يديرها ويتحكم بسياساتها وسلامها وحروبها.وعندما تعود أمريكا عن عدائها لنا سنعيد بناء جسر الصداقة والمحبة بيننا..

 

*

 

في الجامعة كانت القهوة لذيذة وكانت السندويشات ألذ وكان الطعام شهياً، وكنا أنا وأصدقائي نعاني من شحة الموارد ومن قلة المداخيل ومن مشاكل كثيرة لا تعد ولا تحصى بسبب وضعنا الصعب الذي تعود أسبابه لكوننا يومها كنا لا زلنا في مقر أو معسكر تجميع اللاجئين في العاصمة اوسلو. كنا كما يقول المثل الشعبي نعيش على كف عفريت، وضعنا ليس معلق أو مطلق.. لا يوجد عندنا اقامة ولا موافقة على طلب الاقامة أو اللجوء.. كما أنه لم يكن من المسموح لنا التعلم في مدرسة اللغة النرويجية لنفس السبب وهو عدم توفر أذن الإقامة. ولم نكن نعمل او نستطيع العمل بشكل رسمي، لكن هناك من كان يعمل بشكل غير شرعي أو بلغة الشارع و بالعربي المشبرح بالأسود.. عمل غير مرخص، أي العمل بغير أذن وبصورة غير شرعية.. لكن هذه المهمة لم تكن يسيرة بالنسبة لي بل كانت عسيرة ومستحيلة بسبب وضعي الصحي وإصابتي البليغة التي تمنعني من القيام بأعمال جسدية كثيرة، إذ أن معظم الأعمال التي كانت متوفرة بالأسود هي أعمال الشحن والتعتيل والحسبة والبناء والتنظيف. وعلى ذكر التنظيف والأعمال الحرة السوداء التي تعتمد على العضلات والحركة لا بد هنا من الاشارة إلى أن النرويج ودول اسكندنافيا تعاني من كثرة الأيادي العاملة في هذا الحقل بدون أذن وبشكل غير شرعي وبلا تراخيص رسمية، هذا وتعتبر الجالية البولندية من أكثر الجاليات التي تعمل بهذه الطريقة. إذ أنه بامكان المرء أن يلتقي بخريجي جامعات ودراسات عليا، حملة شهادات الماجستير والدكاترة والمهندسون الذي يعملون هنا في البناء أو التنظيف. قد يكون هذا  للوهلة الأولى بالأمرالمفاجئ والغريب والثقيل على من لا يعرف الواقع. لكن في هذه الأعمال يستطيع المرء أن يوفر أموالا كثيرة. لأن ساعة العمل بمائة كراونة نرويجية،فاذا عمل المرء لست ساعات يوميا،هذا يعني أن يومية العامل في التنظيف تكون بما يعادل مائة دولار أمريكي، وهذا بالنسبة لبعض الخريجيين الجامعيين والمهندسين مرتب كبير ومبلغ عالي لا يمكن مقارنته بما قد يجنونه من العمل في مهنهم في بولندا.هذا في حال تمكنوا من العمل في بلادهم خاصة أن التحولات في الدول الاشتراكية السابقة قلبت الأمور رأسا على عقب..

 

لقد كانت أيامنا تلك صعبة ومثيرة ومعقدة لكنها كانت أيضا جميلة ما خلت أبداً من ساعات ولحظات سعيدة. كانت تلك اللحظات تبعث فينا الأمل من جديد وتحثنا على تحدي الصعاب والتعلق بحبال التفاؤل ورمي أوهام التشاؤم جانبا وعدم الاكتراث بها أو أخذها على مجمل الجد. على أساس هذه القاعدة تعاملت أنا مع واقعي الذي فرضته ظروف الهجرة هنا في منفاي الاختياري. أقول الاختياري لأنني أنا نفسي قررت أن أنفي نفسي بعيدا عن بلاد العرب، فاخترت شمال الشمال في أوروبا، آخر بقاع الأرض، ليس بعيدا عن القطب المتجمد الشمالي. ظننت أن برد اوسلو وثلوج النرويج وزمهريرها وصقيعها سوف يبعدونني عن حر بلادنا وقضايانا الساخنة والملتهبة.. ظننتها فترة اانتقالية تلقائية ووقائية لكنها كانت فترة منتقاة ومميزة  حيث اكتسبت فيها معرفة عالم جديد وشعب جديد وعادات جديدة وبعضا من لغة جديدة لازلت غير قادر على ااستيعابها بالشكل الصحيح أو بالأحرى الأصح.. بعد كل تلك الفترة حدث الانفراج المعنوي والمادي والنفسي والحياتي،وبعدها تبدلت أمور الدنيا..

 

 

 هنا في النرويج كان اللقاء بصديقي عماد غياظة، هذا الفلسطيني الملتزم بفلسطينه،الأسمر المتأمل بحال شعبه وبلاده. هذا الذي لازال يؤمن بالحقائق ولا يركض خلف السراب كما قادة ثورة الكباب..هو يعرف كيف يفرق بين الصحيح والغلط وبين الخطأ و الصواب.. هو فلسطيني طيب كزعتر بلادنا وفلسطيني حي كزيتون أرضنا وفلسطيني يجمع الطيبة والاصالة والكرامة في عنفوانه وفي ايمانه بوحدة الهدف والقضية وبالفكرة الواحدة غير القابلة للتأويل وللتحليل. إنها فكرة حرية وتحرير الوطن وعودة أبناء فلسطين الى بيوتهم ودورهم..

 

أخي عماد !

 

أهديك هذا النشيد وأهديه عبرك لحسين وصالح وعماد أبناء  نابلس ومخيم بلاطة.. أهديه لكل فلسطيني في الاانتفاضة يقاوم الآن بحجر أو بلسان أو بجوعه وحصاره وصموده، أهديه لشعبنا وهو يعيد تركيب الخارطة وتنظيف الخريطة:

" تفاحة حواء، أرض بحدود وسماء، أنت لازلت أنت يا أرض الشهداء

لست للضم و لست للهضم ولست للنهشِِ

قد يعضونك ويجرحونك وقد تسيل من جسدك الدماء

وقد يقسمونك أقسام ويشطرونك إلى نصفين , نصف للصوص الأرض والثاني  للصوص العرش ... قد وقد وقد .. لكنك قدهم كلهم، وأكبر منهم هامةً ونصراً وانتماء

فلديك آدم ابن السماء، ولديك محمد الدرة وأبو كرش وفارس العودة..

لن يردعك القتل ولن يوقفك الهدم ولن يرعبك الأعداء..

 

**

 

كنت تفاحتي البرتقالية وصرت تفاحتي المفتوحة الرأس، الدموية..

لونتك بماء الحياة  يوم أرادوا دهنك بدماء الموتى

لم تغاتلني العيون وما قتلني السفر.. أنا دونك لا شيء..

أنا دونك مجرد رقم أو فاصلة في خصر جملة مفيدة

أو نقطة تنهي حكاية من تعبوا ولم يسترحوا..

هناك كروم التين، كروم اللوز والعنب والجوز، وهنا حطين!

عالية تلك الصخور كأنها تناطح السحاب..

هناك وادي الحمام والصبر والصبار وظل صلاح الدين

فوق البلدة الواد وعلى أجنحة الحمام..

هناك العليق والزنزلخت والعناب ..

هناك الحب والاغتراب والأحباب خلف الأبواب وعلى الروابي وفوق الهضاب

وهناك الجليل والخليل وبيت لحم ورام الله ونابلس وجنين ونحالين وزرعين ونمرين وحمامة ويبنة والرام والرامة والصفصاف وذكرين.. هناك 420 قرية ومدينة وبلدة تحت وفوق الأنقاض والدمار والتراب.. هناك فلسطين الكاملة والتي تبقى كاملة مهما حاولوا انتقاصها ومهما قللوا من مساحة حريتها ومساحة محبتها..

 

 

**

 

كانت تفاحتي برتقالية اللون, صارت بلون الدم..

كانت قريتي التي لم أرها قط  وديعة وجميلة وبديعة ومرتاحة

إلى أن جاءها ضحايا الهولوكوست الأوروبي

فبفعل مذابحهم صارت بلدتي كالقطة المذبوحة ..

كانوا لمما ولازالوا كذلك، بقايا وشرذمات من كل الأمم  رغما عن مجلس الأمم ورغما عن لوبياتهم ستبقى بلدة لوبية فوقهم وأقوى من سيطرتهم، وهيمنتهم على مجريات الأمور في هذا الزمن..

 

كنا بلا جدار نسند اليه ظهورنا، كنا بلا سوار نتحصن خلفه ونحمي صدورنا..

جاءوا من البحر مع السفن .. جاءوا كي يحرقوا وطن وليبنوا لحلمهم على لحمنا وعظامنا وطن .. وطن لهم في بيوتنا.. قلنا لا! وبيننا وبين شبابيك أحلامكم نوافذ مغلقة وأبواب موصدة لن ترد إلا على الجثامين المضرجة.

 

بدءوا حربهم بهدم الدور وسرقة المحاصيل وأحرقوا المستودعات والمنازل والبيادر، ثم قطعوا الأشجار وقتلوا الصغار والكبار، وقطعوا الطرق والأوصال والأرحام كل هذا من أجل خرافة إسرائيل وبدعة دولة اليهود، دولة الوهن والوهم..

 

كانت بداية النكبة مرة ومريرة وصعبة.. وكان جدي يحلم بالعودة للدار وللقرية والبيدر، للميرمية والعوسج والزعتر الذي لا يموت في أرضنا.. عاش الزعتر البلدي ومات جدي منفيا .. مات حزينا وفي قلبه حسرة المنظر.. دفناه قرب المخيم وعاهدناه على استعادة البيدر والبلدة واعادة تركيب المشهد حسبما كان يتمنى ويأمل ويحلم..

 

كانت البداية خانقة تشد على الحناجر والأعناق والرقاب.. وكان أبي لازال مراهقا، ابن فلاح ومزارع وحطاب، كان شابا يانعا يحلم بالصلاة في الأقصى ويتمنى الحج الى بلدتنا المنكسرة، بلدتنا المذبوحة بسكاكين الأغراب، بلدتنا التي يضم بئرها عشرات الجثث وأكوام من عظام الشهداء، بلدتنا التي اسمها الصفصاف وليس "سفسوف" كما يحلو " للأغيار " الأغراب تسميتها.

 

أبي لازال يحلم بوردة من جوريات بلدتنا، لازال يرفض أن يأكل فاكهتها لأنه يعتبرها فاكهة بديلة ويعتبر الذين يزرعونها في سهله وأرضه غرباء وبقايا من زمن الردة والخرافات وصياغة عجول الذهب من اجل الملذات.. أبي لا يوافق على زمن يفتح أبوابه للذل ويغلقها أمام الشرفاء.. ففي بلدة أبي لازالت الشجيرات نفسها واقفة، ترى أشجار باسقة تطاول السماء وجرمق الشهداء، وحقول الزيتون تمتد إلى حدود قرى الجش وطيطبة والرأس الأحمر وقديثا وعين الزيتون وميرون وبيت جن ..

 

 وأشجار الزيتون لازالت على بعد أمتار من الصبار..كانت جدتي تقول أينما وجد الصبار في فلسطين المحتلة تجد قرى أو بلدات فلسطينية موجودة أو مطمورة أو نصف مهدومة.. فالصبار مثل أهل فلسطين وقضيتها، لا يموت ولا تقتله عوامل البعد والنسيان، وشعارنا الصبار كما شيمتنا الصبر..

 

كانت دار جدي مبنية وعامرة لكنهم هدموها ودمروا الحياة فغدت حطام ..

صارت أكواما من الحجارة والتراب والأسمنت.. لكن أبي الذي شب فيها وشاب هنا في مخيم الشتات لازال يحلم بإعادة بنائها كل ليلة ونهار..

أبي الذي يبني دارنا في حلمه كل نهار

وأمي التي تسقي أزهار حديقتنا كل فجر

وترتب وتنسق أعشابها كل مساء

تشربهم وتشربنا من ماء البئر ..

تلك أمي ، تلك أرضي

وأمي كجدتي لازالت ترتب الدار

لازالت تنجب الشهداء..

أمي تغسل غسيلنا وتنظف دارنا وترتب أحلامنا حسب الأولوية والأفكار

أمي تعيد ترتيب بيتنا في بلدتنا كل ليلة ونهار ... في أحلامها الليلية..

 

**

 

كانت فلسطين وطني ولازالت وطني وستبقى وطني

كانت الصفصاف بلدتي ولازالت وستبقى قريتي

كان الصهاينة غزاة في وطني وغرباء

ولازالوا غزاة ومحتلين وأجانب وغير مرغوب بهم حتى ولو تزوجت الأرض السماء

 

**

 

الغد يا صديقي عماد!

لنا نحن الذين صبرنا وقدمنا التضحيات

الغد لمن نطقوا الحجر في زمن الاحتلال  وأعوانه..

الغد لفلسطين التي لا بد منتصرة مهما بدت الخرافة مهيمنة على الحقيقة..

 وإننا لعائدون ...

 

 

انتهى

 

 

Copyright©2004Nidal Hamad

hnidalm@chello.no

تصفحوا سجل الزوار gbook

عودة  /Back