سلامات الى روح نائل البشتاوي
.... رسالة وداع لصديق لم أره قط
04-04-2005
عندما ذهبت أواسط شهر آذار/ مارس الماضي لمكتب السفر من أجل حجز تذكرة سفر إلى فيينا عاصمة النمسا لم أفكر أبداً بالسفر عبر دولة أخرى، بل كنت أفكر بالطيران إلى عاصمة شتراوس وهايدن مباشرة موفراً عناء تعب صالات "الترانزيت" الانتظار والهبوط والاقلاع عدة مرات.
لكن عدم وجود أمكنة سوى بالدرجة الأولى،مما يعني ان التذكرة ستكون مرتفعة الثمن بشكل لا تتحمله خزانتي ولا حتى خزانة من دعوني لالقاء محاضرتي في فيينا.ذلك السبب الجوهري جعلني أنظم تلك السفرة بشكل أفضل، ومن ثم كان لا بد من توقف في مدينة أوروبية ما.ولما كانت الخيارات عديدة فضلت من بين المدن التي عرضت علي التوقف في مدينة ميونيخ الألمانية العريقة. أولاً لأنني لم أزرها من قبل وثانيا لوجود صديقين لي يقيمان فيها.
بعد وصولي ميونيخ اكتشفت أنه كان يوجد لي فيها ثلاثة أصدقاء وليس اثنين، فثالثهم كان صديقي من البعيد إلى البعيد،وهو شاب فلسطيني عجنته الحياة باكراً، فسافر مهاجراً من مخيمات الأردن إلى تلك البلاد التي اسمها ألمانيا، وهذا الصديق هو نائل البشتاوي.
عرفت أنه كان يتصبح بمقالاتي اليومية في مجلة فلسطين الالكترونية والصحف الأخرى من خلال حديث صديقي الفلسطيني جهاد مرعي المقيم في ألمانيا، حيث بدأ الأخير حديثه معي عن أعز خلانه.
فقد كانا هو ونائل صديقان غربة ومنفى، مهجر ومكان، انتماء وولاء، ثم فرق بينهما القدر في لحظة عابرة.. رأيت الحزن يغطي مساحة الوجه وبؤبؤ العين حيث يرقد ظل نائل في مرايا العين والروح عند صديقه جهاد..
كان " الصديق" الراحل نائل يعرف عني الكثير،لكني لا أذكر أنه قد هاتفني أو كاتبني أو راسلني كما صديقه الأقرب جهاد.وعلى ما اعتقد انني لم التقيه قبل عام في مؤتمر العودة الفلسطيني في برلين،هذا في حال لازالت ذاكرتي بعيدة عن أجواء النسيان.
عرفت حين وصولي إلى ميوينخ من الصديق جهاد مرعي أن صديقه الحميم والأقرب وهو صديقنا نائل الذي لم أره قط قد توفي في منزله فجأة. وقد يكون ذلك بسبب توقف القلب.نعم توقف قلب نائل بعدما توقفت ضمائر الأمة والأئمة عن العمل، رأى كيف أن الأعداء يذلون أمته ويعملون قتلا وخرابا في وطنه، دونما حراك من قبل أمة القبائل والقيادات المعلبة.
بعدما طال انتظاره لطائر الفينيق العربي الذي لم يأت من سماء العرب المستباحة، مات نائل وحيداُ في فراشه ،غريبا في مهجره الألماني، وحده في غرفته البعيدة عن مخيمه في الأردن وعن منزله الأول في فلسطين.
لم يكن يعرف أن النهاية قريبة، ولم يدرك في ظروف الحياة الصعبة وفي مرحلة تخلي العرب عن فلسطين ودير العالم ظهره لشعبها ان الموت أسرع من حرية وطنه وحرية أسرى بلده. وجدوه ممداً في سريره بوجه قمري الهلّة، وبابتسامة شمس الصباح فوق ربى بستانهم الأخضر في بلدته الخضراء... وجدوه شهيداً في مهجره بعيدا عن أهله وقريبا من قدره.
عرف عن نائل البشتاوي أنه فلسطيني سريع الغضب،قليل التعب، يقبض على جمر القضية، ويرفع فلسطين فوق المنازل الدنيوية كلها.. يقول صديقه جهاد أن نائل كان حين اعدم القتلة الصهاينة الطفل محمد الذرة وثارت على اثره جموع أبناء وبنات فلسطين في العالم، أول فلسطيني يقوم بإحراق علم كيان إسرائيل في ميونيخ.
وصلت المدينة ولم التق بالفتى نائل، فقد كان الموت أسرع منه و مني، لكني التقيت هناك بالصديق جهاد مرعي،الذي لازمني من لحظة وصولي المطار حتى عودتي اليه مسافرا نحو النمسا. وتحملني في ذاك اليوم الحار الذي شهدته المدينة. وقد أخذ يحدثني عن نائل وفلسطين والقضية وعن النيام من ابنائها. شعرت ولاحظت الحزن بادياً على وجهه، كان حزينا بكل معنى الكلمة ، ضائعا، مشتتا وغير مصدق ان اقرب خلانه واحبابه ذاب كما ذابت الثلوج في المدينة.
طلبت منه أن يريني صورة نائل فناولني على الفور هاتفه النقال حيث كانت الخلفية صورة للصديق الفقيد نائل البشتاوي.. رأيته في الصورة مبتسماً، كأنه يودعنا وهو يمتطي جواده الطائر نحو السماء.. كان شابا بعمر الورد يطفو على سطح الخليقة بحبه لوطنه واعتزازه بانتمائه العربي..
لم أكن أريد فتح جراح جهاد أكثر من ذلك،لذا وبسرعة البرق بدلت الموضوع و تجاهلت الحديث عن الراحل نائل، ورميت على مسامعه أسئلتي المتعددة عن معالم ميونيخ الجميلة وعن كل ما كنت أشاهده في طريقي وسط المدينة.