الصفصاف" نقطة حمراء في خريطة الوجع الفلسطيني

رحلة " أم فؤاد " نموذج لمآسي النكبة
 

  2005 30-05

بقلم وديع عواودة
 

57 حولا انقضى ودمعة الحاجة عطرة حسين "أم فؤاد" لا زالت سخية وذاكرتها تقطر اسى وحسرة على نوائب النكبة الفلسطينية منذ أن دمرت الطائرات الصهيونية عالمها وحولت حياتها الى مأساة. ام فؤاد (80 عاما) تعيش منذ العام 48 في قرية دير حنا داخل اراضي 48 لكنها مسكونة بوطنها الصغير ،مسقط رأسها قرية الصفصاف المهجرة قضاء صفد التي ذبحت منظمة " الايتسيل" الارهابية شبابها واقتلعت أهلها إلى لبنان تحت قصف المدافع والبنادق الرشاشة. وكانت الحاجة عطرة قد أنتقلت الى دير حنا لتعيش مع زوجها قبل النكبة وفي منتصف تشرين اول العام 48 زارت بيت والديها كما في كل عام لقضاء شهر بحظوتهم ولم تتوقع في أبشع كوابيسها ما انتظرها في تلك الزيارة.

 

وروت أم فؤاد بقلب ثقيل ان الطائرات الاسرائيليةأغارت فجأة على القرية قبيل المساء واخذت تقصف المنازل بشكل عشوائي و"تهز الارض من تحتنا" " لافتة الى حالة الذعر التي دبت بالناس الذين بدأ اغلبيتهم عدا عشرات المسلحين من ابناء القرية، يبحثون عن النجاة بالهرب دون ان يحملوا شيئا سوى الثياب التي كانوا يرتدونها ، " فمن كان جناحه خفيف خرج..". وقالت ام فؤاد ان جيش الانقاذ ( بقيادة اديب الششكلي) لحق بالهاربين واخذ يحضهم على البقاء ونجح باعادة البعض فيما فر الاخرون الى الكروم المجاورة او الى لبنان مشيرة الى ان والدها كان من بينهم فيما بقيت هي وشقيقتها سرية وشقيقها محمد ووالدتها. واضافت " في تلك الليلة لم يتناول احد عشاءه..

 
ام فؤاد تاريخ من الوجع والصبر، مثال حي على نكبة شعب

تناوبت الطائرات والمدافع من مدينة صفد على قصف الصفصاف بالنار فهربنا الى بيت اختي نزهة ونمنا على بعضنا لشدة الخوف وكنا معرضين للموت في كل لحظة وأجسامنا ترتجف لدوي الانفجارات فيما كانت امي تطلب منا ترديد الايات القرأنية ثم تقول " اسا منموت واخرى شوي حنموت...أما الاولاد فكادوا يموتون عطشا بعد نفاد الماء فصرنا نحاول أطفاء عطشهم باستخراج قطرات الماء من خابية الزيتون لكنهم أخذوا يتقيأون لاختلاط الماء بالزيت.." .

ونوهت إلى أن شقيقها الشاب محمد خرج قبيل الفجر لتفحص ما جرى في القرية فوجد ان جيش الانقاذ شرع بمغادرة البلدة فعاد الينا طالبا ان نرحل. في الصباح لم تتمكن بقايا اسرتها من الخروج بعد ان دخل الجنود الاسرائيليون القرية و" صاروا يطخوا العرجة والمكسورة.." وجمعوا الكثير من الأُسر التي بقيت في منطقة العين منهم شقيقها محمد الذي حالفه الحظ بالفرار من الموت المحتوم بعد ان تظاهر بالموت. ولاحقا كشف لها شقيقها أن الجنود طلبوا الى الشباب رفع اياديهم فوق رؤوسهم وحصدوهم بالرصاص فقتل العشرات ونجا شابان اخران من عائلة يونس سارع اهلهما الى تحميلهما على حمارين الى لبنان حيث عولجا.

وقالت الحاجة عطرة ان اقاربها أختبأوا داخل البيت وعند المساء فروا هاربين وهاموا على وجوههم صوب لبنان المجاور مجتازين الوديان والجبال بحالة من الجنون وكأننا في يوم القيامة الاب لا يسأل عن ابنه او عن اعزائه من شدة الخوف" .و لفتت ام فؤاد الى انها لن تنسى تلك الليلة الليلاء حينما غادروا البيت مشيرة الى ان القرية كانت تتعرض الى الجحيم وكانت القذائف والعيارات النارية تضيىء الاجواء وكأنك " رميت كانون مليىء بالجمر بالهواء" .

وأوضحت الحاجة عطرة انها التقت بعد ساعات من الجري على الأقدام بزوجها ووالدها في قرية مارون الراس اللبنانية مع الكثيرين ممن طرودوا من منازلهم. وروت بألم عن الايام الاولى للجوء حينما اضطرت والكثيرين من اهالي بلادها النوم على رمال البحر في صور مستذكرة بكاء الاطفال والنساء حينما امطرت السماء عليهم وهم في العراء اثناء الليل حتى سارعوا مشيا على الاقدام الى الكروم القريبة للاحتماء من الهواء والمطر واضافت " عشنا اياما كعيشة غراب البين لا تليق بالحيوانات والله يجازي اللي كان السبب."

وبعد المكوث عدة شهور مرة في مخيم عين الحلوة عادت ام فؤاد برفقة زوجها الى فلسطين بواسطة مهربين من قرية عرابة البطوف فمشوا طيلة الليل الى ان وصلوا قرية زوجها دير حنا التي نجت من الاقتلاع:" اشترى زوجي حمار ركبته وحطيت ولد قدامي وولد من وراي ومشينا.. حتى وصلنا الحدود.. أجينا على الصفصاف وبيت جن والرامة حتى وصلنا وادي سلامة ونمنا لدى العرب هناك ليلة واحدة قبل ان نكمل لدير حنا وبمساعدة مختارها اديب حبيب حصلت على بطاقة هوية وظلينا هون.."..

وعبرت الحاجة أم فؤاد وهي تذرف دموعها عن نار الشوق التي كانت تغلي في عروقها طيلة عقود لرؤية احبائها الذين ابعدتهم النكبة عنها وأضافت" مات والدي ووالدتي قبل أن احقق أمنيتي بتقبيلهما فيما شرد اخوتي في بقاع الارض". وبلغ أنفعال ام فؤاد ذروته حينما روت عن رحلة البحث عن شقيقتها المدللة سرية في السعودية وعن لحظة اللقاء العفوية بينها وبين شقيقتها المدللة ،المقيمة في قطر فقالت" في العام 1987 سمعت اثناء ادائي فريضة الحج أن سيدة فلسطينية جاءت الى مكان اقامتنا وسألت عن حجاج قدموا من الجليل بحثا عني. وعندها قمت بمساعدة " ام ماهر، سيدة من عكا باللف على مساكن الحجاج نبحث عنها بيت بيت كمن يفتش عن ابرة في بحر " حتى نشف ريقنا.." لكنني لم أيأس وفي اخر النهار دخلنا احدى الغرف كانت فيها أمرأة مستلقية على السرير وما ان سألنا عن هويتها حتى هجمت علي وبقينا نتعانق بشكل جنوني ساعة كاملة حتى هرع الجيران على صوت نحيبنا وبكائنا. وقد كانت هذه المرة قبل الاخيرة التي التقيت فيها حبيبتي وشقيقتي المدللة سرية وانا اتحدث اليها مرة في العام ليلة العيد.. وكنت قبل توديعها قد التقطت الحلقتين الذهبيتين من أذني واهديتهما اليها للذكرى ".

يشار الى ان قرية الصفصاف المهجرة قد شهدت بحسب المصادر التاريخية مذبحة يوم 29.10.48 راح ضحيتها 70 شابا اضافة الى عمليات اغتصاب للنساء. وفي كتابه، " طرد الفلسطينيين"، يقول المؤرخ الاسرائيلي بيني موريس ان الجنود الإسرائيليين ربطوا 52 رجلا من سكان الصفصاف بالحبال وانزلوهم الى بئر ثم اطلقوا النار عليهم واضاف" توسلت ثلاث نساء الرحمة فاغتصبن وكانت من بينهن شابة في الرابعة عشرة من عمرها". لكن قائد عملية " فتح" القرية دوف شيلانسكي انكر في مذكراته ارتكاب قواته في " الايتسيل" مجزرة في الصفصاف..

وديع عواودة