في وداع أم إسماعيل

نضال حمد

لأم إسماعيل علاقة مباشرة بي ، ليست فقط علاقة مرهونة بصلة القرابة وبحكم أنها هي وزوجها العم أبو إسماعيل (أبناء عمومة لوالديّ) من عائلتنا. وأم إسماعيل تشكل في وجداني حالة الأم الثانية في لحظات كان فيها لقاء الأم الأولى مستحيلاً بسبب الاحتلال الإسرائيلي للبنان سنة 1982، وبسبب صعوبة تحرك الفلسطيني بين المناطق اللبنانية. لذا عندما حدثت إصابتي كانت الأم عليا الفلسطينية " ام إسماعيل الصفصافية" مع زوجها وأبناءها خير عون وسند لي في محنتي.

هذا السرد وجب قبل البدء بالحديث عن أصعب أيام حياتي واقترابي من الموت في زمنٍ معين.. حيث يعود الفضل في إعانتي للأم الوفية، أم إسماعيل ،تلك الراحلة الطيبة.. لذا لا بد هنا من الحديث عنها كأم فلسطينية من مخيم شاتيلا...

أم إسماعيل وشاتيلا حكاية مترابطة و طويلة لوجعٍ واحدٍ،وجع يخص مخيم وشعب،يخص أمهات تذوقن في حياتهن المليئة بالمعاناة معظم صنوف النكبات والمؤامرات.. من اقتلاعهن من أرضهن وبيوتهن وتهجيرهن وتشريدهن بطرق همجية استعمارية اقتلاعية ، إلى ملاحقتهن بنفس الأساليب وحتى الأكثر منها وحشية في منفاهن ألقسري في لبنان..

وحكاية أم إسماعيل هي أيضاً جزء من حكايتي مع بني صهيون وجند محمية " إسرائيل" الحربية، لذا فموتها الذي فاجأني وأحزنني يعنيني ويخصني شخصياً بشكل مباشر ...توطد علاقتي بعائلة دار العم أبو إسماعيل وزوجته الراحلة يعود إلى ما بعد المجزرة في مخيمي صبرا و شاتيلا بأيام قليلة ، ففي تلك الفترة السوداء والعصيبة من عمرنا الفلسطيني في لبنان وأثناء المذبحة ومحاولتنا تخفيف وطأتها عن أهلنا في المخيمات أصبت إصابة بليغة جداً،ثم صحوت من غيبوبتي بعد أيام لأجد نفسي مستلقياً على سريرٍ أبيض في مستوصف ميداني أقامه الصليب الأحمر أو الهلال الأحمر أثناء حصار بيروت من قبل الصهاينة الغزاة وأعوانهم المحليين. لم أعد أذكر بالضبط من الذي أقام المستوصف الصليب الأحمر اللبناني أم الهلال الأحمر الفلسطيني أو كلاهما معاً ... وبطبيعة الحال ليس هذا هو المهم،فالأهم أنه في بيروت المحاصرة كان القصف العشوائي يستهدف كل الناس وكافة المؤسسات الصحية والطبية من الهلال حتى الصليب ومن الصليب إلى الهلال.. ولم تكن آلة الدمار والموت الأمريكية الصنع تفرق بين ضحاياها ..كانت تحصدهم أفرادا وجماعات.. وفي يوم الحصد العشوائي لأهل مخيمي صبرا وشاتيلا اسودت الدنيا وأزدادت الظلمات وصارت حكايا الموت والذبح والدفن تحت التراب تنتقل من لسان إلى لسان بأسرع من البرق، حيث كان الناجون من جحيم المذبحة يروون ما شاهدت أعينهم من فظائع ارتكبها الوحوش بحق البشر من سكان المخيمين ..

في اليوم الثاني من أيام المذبحة التي قادها شارون في المخيمين(صبرا وشاتيلا) أصبت بقنبلة أطلقتها دبابة ميركفاه إسرائيلية،وحدث ذلك يوم 17- 09 1982..كان يوماً عصيباً عليّ ومن أصعب أيام حياتي، كما كان كذلك لسكان صبرا وشاتيلا وكل من عاش حصار بيروت الطويل.. كان من أصعب أيام أهالي صبرا وشاتيلا منذ النكبة الكبرى سنة 1948. كما أنه كان من أحزن أيام ست العواصم المحاصرة بيروت،حيث كان يوماً دامياً ،سوداوياً، يوماً للإرهاب الصهيوني الغازي وللآخر الطائفي المحلي. فقد قام هؤلاء القتلة بقتل وخطف وتغييب حوالي 3000 فلسطيني ولبناني من سكان صبرا و شاتيلا، بينهم أطفال وعجزة ونساء،هذا وقد تم اغتصاب بعض النسوة والفتيات ...

بعد إصابتي كما سبق وقلت، وجدت نفسي ممداً على سرير بشراشف وأغطية بيضاء غطتها بقع حمراء، ووجدت عائلة الأم أم إسماعيل ترعاني بحنانها وعطفها ومحبتها وغيرتها عليّ كأبن للعائلة الواحدة،كأبن لفلسطين، وكفدائي فلسطيني أصيب وهو يدافع عن المخيمين بوجه القتلة الأوباش. ويوم عزت الدماء التي احتاجها جسدي الممزق كانت عائلتها الطيبة بمثابة أول بنك دماء زودني بالدم. لذا فأنا مدينٌ لأمي الثانية أم اسماعيل ببعضٍ من بقائي على قيد الحياة وبرعاية امومية عظيمة جعلتني لا أشعر بأي غربة أو يأس طوال فترة مكوثي في مستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت،ثم في منزلها حيث العم الطيب أبو إسماعيل وجيرانه الطيبين والمخلصين من أبناء وبنات مخيم شاتيلا. هناك كنت بين ناس معجونين من محبة وطيبة وإخلاص ووفاء واصالة وانتماء لوطن لا يموت ..

كانت الوالدة أم إسماعيل فلاحة فلسطينية طيبة حنونة عظيمة، كلما عرفتها أكثر أحببتها أكثر، وكانت أماً لي ولرفاقي الذين وجدوا معي في دارها مأوىً، وملاذاً آمناً بعدما تقطعت بهم السبل. فقد كان منزلها بيت لكل فدائي فلسطيني وحتى عربي تقطعت به الأوصال بعد احتلال لبنان وخروج منظمة التحرير الفلسطينية ومن ثم سقوط بيروت المحاصرة. ولأم إسماعيل الحنونة يدين بعض الفدائيين من الفلسطينيين والعرب بخروجهم سالمين من مرحلة ما بعد حصار بيروت..وها أنا اليوم في وداعي للوالدة العالية والغالية، أذكر رفاقي خالد (في عين الحلوة)، خليل(في السويد) أبو صطيف العراقي، جهاد الفلسطيني و أبو حسن السوري وغيرهم من رفاق التشتت وانقطاع السبل بعد الاجتياح والحصار والخروج من معتقل أنصار، أذكرهم بالمرأة التي كانت لنا خير أم،بالتي كانت تعجن الطحين خبزاً بعد جبله بدموعها، وكانت تطبخ لنا كما لأولادها وتطعمنا وتسقينا وترتب فراشنا وتعاملنا معاملة أبناءها .. بها اذكر لأنها امرأة جبلت من حنان وحب وإخلاص وبعث الله فيها روحا إنسانية عظيمة ما لبث أن أعادها إليه قبل أيام ..

أم إسماعيل تترك عالمنا وترحل بعدما خذلها القلب الكبير ، القلب الطيب ، الحنون النابض بالدمع وقوة الانتماء لصفصافة في بلدتها الصفصاف في أعالي الجليل الأشم، على سفح جبل الجرمق حيث يسرح ويمرح الآن المهاجرون اليهود من كل الأشكال والأصناف.. كانت أم إسماعيل تريد لقبرها أن يكون في ظل صفصافة جليلية، على مقربة من حقل الزيتون وأشجار التين والرمان والزنزلخت والصبار،حيث طفولتها وشبابها ومقابر أهلها وأجدادها، هناك في بلدتها التي لا تموت مادام هناك صفصافي واحد حي أو صفصافية تعيش هنا أو هناك.. لم تدفن أم إسماعيل في صفصافها حيث ولدت وحيث لازالت قبور الأجداد.. لم تتحقق أمنيتها بقبر في فلسطين بعدما عاشت النكبة والشتات من 1948 حتى وافتها المنية في مخيم شاتيلا. لكنا نعدها بان تعود لبلدتها رغم أنف الغزاة والاحتلال..

 رجوع

 للصفحة الرئيسية