تذكروا أملنا في بيروت ... أم محمد وحب البقاء

 
من ذكريات بيروت المحاصرة سنة 1982

 21-04- 2005 نشر في

ابتسامة تعلو الوجه الحائر ،الحزين.. وجه جنوبي من لبنان وشمالي من جليل فلسطين... وجه بريء جاء من مخيم عين الحلوة الشهيد ليبحث في بيروت المحاصرة عما تبقى من الأحبة والخلان..

وجه من بلدنا، وبلد في وجه امرأة من مخيمنا .. جاءت من الحصار إلى الحصار بعدما رد الصدى صدى صوتها المستصرخ.. لم تجد عند من تبقى من العرب مروءة امرؤ القيس ولا شهامة طرفة بن العبد أو شجاعة عنترة، وأصالة عمرو بن كلثوم، ولا حتى نخوة المعتصم... فحكومات العرب في بلاد العرب المهزومة بتبعيتها للروم لا حول لها ولا قوة...ورغم ذلك لم تبك أم محمد على أطلال بيروت، ولم تذرف دمعها على مرأى الاحتلال. كانت شجاعة مثل مليون عنترة وذات مروءة كالملك الضليل وأصيلة كعمرو جاءت تخبرنا اليقينا،وامرأة فيها من شهامة الملوك ما يصلها عبر الانتماء بأرض الأنبياء.

أم محمد امرأة من مخيم عين الحلوة لم تأت من عمورية البعيدة، لم تستصرخ الضمائر القريبة، فهي عالمة بموتها منذ زمن الذبائح البشرية الفلسطينية في مخيمات تل الزعتر وجسر الباشا وضبية.. تلك الأم الفلسطينية كانت تحمل روحها على كفها وتسير في الطريق الملتهب من جنوب الوطن اللبناني الكبير إلى عاصمته المحاصرة بصمت العرب الأكبر..

جاءت تبحث في أزقة العاصمة عما خبأته الأيام للمخيم.. لم يخفها الحصار ولا لاإنسانية جنود الغزاة وفاشية حلفائهم الانعزاليين. لم تخف لأنها قادمة من مخيمٍ أذاق الغزاة أشد أنواع الخوف والهلع، حيث جعلهم كعصف مأكول بداية فترة حصاره الطويل.

هناك في عينها الحلوة كان المخيم يرتسم شعلة ضوء، يشتعل شمعة أمل، وكانت أم محمد تحمل على خصلات شعرها الشائبة أسماء القرى والبلدات الجليلية، هنا الصفصاف، الرأس الأحمر ، لوبية، طيطبا، الغابسية، حطين ، سفورية،الشجرة، المنشية،الزيب،البصة، الطيرة و قديثا ..أسماء البلدات التي نزح منها أصحابها أثناء موسم الجراد الصهيوني، فأصبحوا لاجئين في مخيمات الشتات...

أما هؤلاء الجنود وعائلاتهم القادمة من خلف البحار والمتتبعة طريق المغول والتتار، الذين نهبوا الأرض وسلبوا الوطن، فأصبحوا بالقوة والنار والإرهاب أصحاب البيوت، ينازعون أصحابها على الحقوق. ويلاحقونهم حتى في لجوئهم الإجباري... هؤلاء لا بد إلى زوال..

ابتسامة كانت تعلو الوجه الشاحب، بالرغم من قسوة الماضي والحاضر وتعدد الأعداء وكثرة المجازر والحواجز... عبرت أم محمد خطوط الموت والقتل، جازفت بحياتها، مرت بين الدبابات قطعت الخط الفاصل بين مدينة الدمار وشرقها الذي غابت عنه الشمس.. عبرت إلى غرب المدينة فرأت الشمس وهي تنحني إجلالاً فوق أضرحة الشهداء مصبوغة بلون البرتقال الجنوبي.. رأتها تنحني فوق رمال الساحل الممتد من مثلث خلدة في بيروت إلى الزيب فعكا وحيفا وغزة في أرض فلسطين المحتلة.

يا لهن من نسوة قويات واثقات إذ بالرغم من جبال القهر التي يضعها الاحتلال فوق أكتافهن،إلا أنهن اخترقن الحصار ووصلن إلى عاصمة العروبة المحاصرة... وأم محمد واحدة من نساء فلسطين الصابرات والصامدات... واحدة من مخيمنا،امرأة من فلسطين عانت قسوة الحياة واضطهاد الاحتلال وظلم ذوي القربى وويلات الدنيا في زمن الحكام من رعاة البقر وقتلة البشر...

رفضت أم محمد البقاء في بيروت وقبل أن تمضي عائدة إلى عين الحلوة قالت لي : أمك وأبوك بخير وكذلك أخواتك ودار عمك وعمتك وخالتك وخالك.. أخوك في المعتقل، أبن عمك عبد أستشهد بعدما سطر ملحمة وهو يتصدى مع رفاقه للدبابات الغازية.. بيتكم شبه واقف وبيوت المخيم دمرت كلها تقريبا، هناك شهداء وجرحى وأسرى ومفقودين ...

البقاء هنا فخر لي ولكل من يريد مواصلة المشوار ومواجهة الغزاة والوفاء للشهداء وللأحياء، لكني سأعود إلى مخيمنا، إلى العين الحلوة التي ستبقى واسعة مثل فلق الجوز الجليلي، وجميلة مثل عيون بناتها الجميلات وحلوة مثل ماء نبعها الذي شربناه مرارا...

اني ماضية لكن تذكروا أنكم بصمودكم تزيحون عن كاهلنا صدمة استشهاد المخيم وتعطونا الأمل ببدء النشاط من تحت وفوق الأرض...تذكروا أملنا في بيروت..

نضال حمد

 

Copyrightę2004Nidal Hamad

رجوع للصفحة الرئيسية