فلسطين في أعماله الروائية هي الأم والحاضنة

عدنان كنفاني: على المثقف أن يتمتع بالالتزام الوطني والأخلاقي

 

أبوظبي - “الخليج”:

الكاتب والروائي الفلسطيني المقيم في سوريا منذ اللجوء، عدنان كنفاني، شقيق الشهيد غسان كنفاني، وابن عائلة فلسطينية كان هاجسها الثقافي والإبداعي حاضراً دائماً في تفاصيل حياتها التي توجها أبناؤها بالاستشهاد، كتبوا به تأريخاً لذاكرة نفيهم والشتات، وحلم عودة طال انتظارها. له مجموعات قصصية، منها “حين يصدأ السلاح” ،1999 “أخاف أن يدركني الصباح” ،2001 “وتطير العصافير” ،2005 وروايات منها “بدّو” ،2002 “رابعة” ،2005 “الحية ودائرة الرمل” ،2007 ومسرحيات: “شمة زعوت” ،2001 و”المعتقل” 2002. يتحدث عدنان كنفاني عن الفرق بينه وبين شقيقه الشهيد غسان من حيث اسلوب الكتابة، ويشير الى مثول فلسطين في نصوصه كمكان غير قابل للزوال.

 

ـ إلى أي الثوابت المعرفية تتكئ في كتابتك النص الروائي، وأيّ همٍّ وجودي تحمل؟

 

 أحمل الهم الفلسطيني كوني خيطاً في هذا النسيج الذي يفرض التزامي بالقضايا الوطنية والقومية، لأنني أعتقد جازماً أن المثقف هو ضمير الناس، لذلك يجب أن يتمتع بالالتزام الوطني والأخلاقي، وأن يكون موثقاً ومؤرخاً للذاكرة الوطنية، لأنها الأكثر بقاءً في خضم هذه الأحداث التي تعصف بالعالم. وبما أنني فلسطيني أحمل هذا الهم أحرص على أن يكون كل إنتاجي يصب في هذا الاتجاه حتى ولو تلوّن بالوجدانيات الضرورية لمسيرة الحياة.

 

ـ لماذا نجد أنّ “المكان/ فلسطين” يشكل القاسم المشترك في كل الكتابات الروائية الفلسطينية أو تلك التي تندرج في أدب المقاومة؟

 

على الكاتب في كتابة الرواية وهو يحمل مضموناً يتحدث عنه، أن يركز على المكان بجدارة ولا يترك التفاصيل الصغيرة التي تمكن القارئ من أن يعيش المكان بكل تفاصيله، وأن يستعيد مع الكاتب الصور الحية من ذاكرته عن “المكان/ الوطن”.

 

يُقال إنني أكتب المكان بكل تفاصيله بحيث لا أترك تفصيلاً ولو صغيراً في المكان الذي أتحدث عنه إلا وأسجله، وقد أشار كثير من النقاد إلى أنني ألتزم بدقة بموضوع المكان كمساحة للكتابة لا على الورق فقط، بل في واقع الحياة كذلك، وفي الحقيقة أنّ الخصوصية الفلسطينية وحالة الاحتلال والتشرد، ومحاولات تغييب المكان وتغيير معالمه كلها لطمسها وتغريب الإنسان الفلسطيني عن ذاته ووطنه، تهدف إلى إلغاء الهوية الوطنية، وهذا ما يفرض علينا أن نتمسك بالمكان كقيمة سامية دالة على أحقية قضيتنا الوطنية، ولا أقصد بالمكان الشارع والبيت، وقد تفرض الحياة تغيرهما، بل أتحدث عن المعالم التي تحيط بكل هذه التفاصيل، بمعنى أنني أهيئ المكان الخاص بي ثمّ أشكله متى امتلكته كيفما أشاء.

 

ـ الإنسان الفلسطيني بطل روائي بامتياز في كل أعمالك القصصية والروائية، ما الذي ترمي إليه من خلال تعميد هذا الإنسان كشخصية محورية في نصك؟

 

 لا بد لكل عمل أدبي أن يمتلك مقومات فنية تجعل منه عملاً فنياً إبداعياً ناجحاً، ففي الأعمال النثرية كالقصة والرواية هناك حدثُ وشخوص. وفي تجربتي أختار الشخصيات الأقرب إلى عالمي الفلسطيني الخاص والذي أستمد تفاصيله من الذاكرة الجمعية الفلسطينية، وقد أكون الراوي نفسه كما في روايتي “بدّو” التي أعتبرها إلى جانب الكثير من المتخيل والذاكرة سيرتي الذاتية بجدارة. ورواية “رابعة” جاءت على لسان سيدة اسمها رابعة، تتحرك في محيطها الفلسطيني في الداخل والخارج، وتعيش المعاناة الوطنية والقومية وسط المتغيرات التي تحدث، وهذا ما يخلق من دون شك اهتزازات في الشخصية العامة، ويكمن دور الكاتب أو الروائي في قيادتها كبطلة للرواية إلى ملامسة الخلاص الذي يصب في موضوعة النضال ومواصلته بأشكاله المتعددة.

 

ـ أعمالك حافلة بالرمز لكنه مرجعي الوظيفة، يحيل كتابتك إلى التوثيق لا الابتكار في السرد والقص، لماذا؟

 

الرمز الأبرز هو فلسطين كمكان وكوطن وكمرجع وكهوية في كل رواياتي وأعمالي القصصية، فهي الأم والحاضنة. ولا شك في أن الذاكرة الوطنية لها القيمة الكبرى في الحفاظ على خصوصية الهوية ونحن كشعب توارثنا هذه الذاكرة من الآباء والأجداد، سواءً بالحكايات الشخصية أو بالذكريات المروية والتراث الملموس من الملابس والأواني والعادات والتقاليد والأمثال الشعبية، وحتى اللهجة والكلمة. كلها أمور تعمل على إبقاء الذاكرة طازجة وتفرض على الأديب في كل نتاجاته الأدبية أن يشتغل عليها، والحقيقة أننا الآن وسط هذا القليل الذي نمتلكه كسلاح ووسيلة من وسائل النضال نستطيع أن نتلمس مدى أهمية الحفاظ على الذاكرة الوطنية.

 

ـ ما الذي أضافه كونك أخاً لروائي بحجم غسان كنفاني إلى نصك الروائي؟

 

 إن غسان كنفاني كان يمثل لي دائماً نبع المعرفة الذي أغترف منه زاد الكتابة، والمثل الأعلى الذي أتعلم منه، وقد نشترك في بداياتنا إلى أن استشهد غسان فكان عليّ أن أواصل المسيرة ولكن بكتابة تختلف عن أسلوب غسان، فهو كان صاحب مدرسة أفادتني كثيراً بأصولها وقواعد الكتابة فيها ومرجعيتها، لكنها لم تقيدني. وأنا لا أتأثر ولا أنحاز إلى كاتب بعينه لكنني أنحاز وأتمثل بنص بعينه لما يحمله من قيم فنية وأدبية وما يمثله من التزام.

 

ـ لكنك أكثر رمزية وبعداً عن المباشرة من غسان، الام ترد هذا الأمر؟

 

 أنا وغسان عشنا الحدث نفسه، من النكبة إلى النكسة ثم انطلاقة العمل الفدائي واللجوء في مخيمات الشتات وحلم العودة إلى فلسطين، وكتب كلٌّ منا عن هذه الأحداث كموضوع رواية غنية بعلاقتها المباشرة بالحياة والناس، لكن لو قرأت النصين لوجدتهما كُتبا بأسلوبين مختلفين تماماً، أعني أنني ألتزم أسلوباً يغلب المكان والذاكرة، وإذا لجأت إلى الرمز فإنني ألجأ إلى رموز تقع في متناول المتلقي، كما أنني أحاول أن أجعل من المتلقي شريكاً في عملية بناء النص الإبداعي بأن أضع له في النص مفاتيح يتصرف هو فيها وشكلها كيفما يشاء، وبذلك يشاركني في عملية الإبداع والكتابة بما يعنيه الأمر من توليد مفردات جديدة في العمل الكتابي والأدبي..

 

 رابط المصدرـ

 http://www.alkhaleej.ae/articles/show_article.cfm?val=388210