مداخل واقعية لنجاح الحوار الإسلامي ـ المسيحي

سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

الحوار وضرورة الالتقاء

للحوار بين الإسلام والنصرانيّة، في واقع المسلمين والنصارى، جانبان الأول: لاهوتي وهو يتمحور حول العقيدة في الله والمسيح والنبوّة والإنجيل والقرآن وما يتّصل بهذه المفردات من مفاهيم الصَّلب والفداء وما إلى ذلك..

والثاني: واقعي يتّصل بحركة التعايش بين الدِّينين والجماعتين في الوطن الواحد، أو في العالم كله، على صعيد المواقع المشتركة أو المنفصلة. وبالتبشير الذي يمثّل العنوان العام للنصرانيّة في امتدادها في الإنسان وثنياً أو مادياً أو مسلماً أو يهودياً كان، وبالتبليغ الذي يمثّل الحركة الإسلامية في الدعوة لإدخال الناس في الإسلام إلى أيّ دينٍ انتموا وإلى أيِّ إتجاه تحرّكوا وبالمفاهيم المتنوِّعة المختلفة حول قضايا الشريعة في تفاصيلها المتعلقّة بأهل الذمة، وبالحكم وبا لحريّة وبالمرأة وبالواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والأمني، وبقضايا الشرق والغرب، والمستكبرين والمستضعفين، والعدل والظلم وغير ذلك مما يتّصل بحركة الإنسان في تأكيد وجوده في الأرض وحمايته من أيّ عدوان.

وقد نلاحظ أن مسألة الحوار بين الدينين ليست من المسائل التي يمكن أن تترك ولا تعالج بالطرق العلمية الموضوعية، لأنّ طبيعة العلاقات المتشابكة والتحديات المشتركة تفرض على الأطراف المختلفة الدخول في الحوار المنفتح على الآخر من أجل المصلحة العامّة لامتداداتهما ووجودهما الحيويّ في ذاتيهما ومع الآخرين.

الأديان والواقع المعاصر

وإذا كان الواقع المعاصر قد بدأ ينفض يديه من الدِّين من ناحية المبدأ، بفعل الحضارة الماديّة وحركة الاستكبار العالمي التي تثير في الذهنية العامة للإنسان الكثير من المفاهيم المادية البعيدة عن عالم الله وأجواء الغيب وروحية الإيمان، فإن ذلك لن يكون مبّرراً للإبتعاد عن التلاقي والحوار بين الدينين والجماعتين، بل إنه يؤكد ذلك، باعتبار أنّ هذا الوضع الجديد يمثّل الخطر عليهما معاً من خلال وسائله المتنوِّعة في إبعاد الإنسان عن عمق معنى الإيمان في الدين، وإشغاله ب الاستغراق في مفرداته اليوميّة ومشاكله الذاتية والغريزية، الأمر الذي يفرض عليهما الاستعداد لمواجهته بالأساليب الحضاريّة، والوسائل المعقولة الحاسمة، من أجل إعادة الإنسان إلى الله، بقطع النظر عن الصورة التفصيلية التي تتمثَّل فيها صورة الله في الوجدان الديني، مما يختلف فيه الإسلام عن المسيحيّة.

وقد نلاحظ _ في الاتجاه نفسه _ أنّ اليهودية، في عصرها الجديد في حركتها الدَّينية أو السياسية، بدأت تتحرَّك للتخطيط لإسقاط الدِّينين معاً، والسيطرة على مواقعهما، وإفراغ مضمونهما من كل معنى حيّ، يتّصل بالقضايا الكبرى المنفتحة على الله والإنسان والحياة كلها، وللعمل على إثارة المشاكل في داخل كلِّ منهما بالوسائل المخابراتيّة والسياسيّة والثقافيّة والاقتصاديّة، في كل ما يمثّله من خطر على مصالحهم المستقبلية التي تتحرَّك من أجل السيطرة على العالم.

الحوار بين الذاتية والموضوعية

ولذلك فقد يكون من الضروري دراسة ذلك كله بعيداً عن الذاتيّة الطائفية التي يعيشها كلّ منهما في تصوّراتهما الساذجة التي تدفع إلى استفادة كلِّ منهما من الأوضاع التي تضعف الآخر أو تسقط مصداقيته، لأنّ ذلك لن يحقّق لأيِّ منهما ما يريده لنفسه، بل يؤدي إلى إضعافهما معاً بفعل التحديات الأخرى المشتركة الرافضة لهما.

إننا نعتقد أنّ من الضروري العمل على إدارة الحوار في المسألة اللاهوتيّة على مستوى دراسة كل المفردات التي يُختلف فيها، ومحاولة كل منهما التعمّق فيما عند الآخر من مصادر ثقافية أصلية كالكتب المقدَّسة، والتراث الفكري، للدخول في عملية مقارنةٍ فيما يلتقيان فيه، وحوار فيما يختلفان فيه. مع ملاحظة مهمّة وهي أنّ الحوار لا بدّ أن يرتكز على مواجهة العقيدة المعاصرة للإسلام وللمسيحيّة، باعتبار أنّ الكثير من مفاهيم العقيدة لكلٍّ منهما ربما تجاوزها الواقع الفكري لهذا أ و ذاك، مما يجعل الدخول في مناقشتها حركةً في الفراغ، كما نلاحظه في بعض الأفكار التي يثيرها القرآن عن التفكير النصراني في عصر النزول في مثل "الإبنية المتجسِّدة" أو "التثليث المادّي المتعدّد" أو نحو ذلك مما يقول بعض المسيحيين عنه بأنه لا يمثِّل العقيدة المعاصرة لهم، بل يمثّل لوناً من ألوان التفكير البائد لبعض فرقهم التي يرفضون خطّها العقيديّ، كما يرفضه المسلمون، فلا يجوز لهم أن يلزموهم به كما لو كان يمثّل الحقيقة الإيمانيّة للمسيحية في بُعدها الفكري العقيدي.

إنّ قيمة دراسة اللاهوت الإسلامي والمسيحيّ في حركيةّ الفكر والحوار تتمثّل في النتيجة الإيجابية الثقافيّة والروحية في وضوح الرؤية، ووعي الحقيقة لدى الآخر، مما يبعد الساحة عن سوء التفاهم من خلال ارتباك التصوّرات وضبابية المفاهيم.

ونحن نعلم أن الوضوح في فهم الآخر هو الذي يساهم في تقريب الأفكار وتوازن الأحكام، وانفتاح الإنسان على الإنسان والموقف على الموقف والموقع على الموقع..

وإذا كانت العصبيّة التاريخيّة المتحجّرة قد خلقت لدى المسلمين والنصارى حالةً من التشنّج والخوف والشكّ والحذر ونحو ذلك، بالمستوى الذي ابتعد فيه أحدهما عن الآخر وتحوّل إلى فريق يحرِّك كل إمكاناته في حماية نفسه وساحته وأتباعه من هذا "الآخر"، إلاّ أنّ ذلك لم يحقّق لأيّ منهما أيّة نتيجة حاسمة على مستوى الهدف الذي يستهدفانه من الانفصال الفكريّ بينهما، بل ساهم في إيجاد هوّة سحيقةٍ أبعدت كلّ واحد منهما عن الفهم الحقيقيّ للآخر، وعن الوقوف على قاعدة الكلمة السواء التي تتيح لهما _ في المسألة الفكرية ـ اختصار الجهد المبذول في مناقشة الآخر فيما قد يلتقي فيه معه.

وإذا كان البعض يخاف من دخول الآخر إلى ساحته في عمليّة تبشير أو دعوة في الأسلوب الفكريّ الذي يثيره في ساحة الحوار فإنّ ذلك لن يكون أمراً سلبياً على صعيد الهدف الذي يستهدفه في تقريب الناس إليه من خلال الفكر الحواريّ، كما أنّ البُعد عن هذه الساحة لا يحقّق الحماية الذاتيّة المطلوبة لهذا أو ذاك، لأنّ التطوّرات الفكرية في قضايا الدِّين وغيره لا بد من أن تترك تأثيراتها على كل الواقع بعيداً عن كل وسائل الحماية الذاتيّة في هذا الموقع أو ذاك.

وقد يجد كل فريق نفسه في فرصةٍ ذهبيةٍ لإقناع الفريق الآخر بما يريد إيصاله إليه. في عملية تقريبه إلى فكره كخطوة أولى لإدخاله فيه من خلال الانتماء.

ونحن نتصوّر أن التطوّر الفكريّ في الواقع المعاصر، والانفتاح الإنساني على القضايا الفكريّة المعقّدة، والروح الموضوعيّة التي أصبحت تعيش في داخل الذهنيّة الثقافيّة المعاصرة في الفكر والأسلوب والآفاق الجديدة التي انفتحت عليها كل المواقع الدِّينية والفكريّة في شمولية النظرة إلى الأمور المختلف عليهاكل ذلك يتيح لأتباع الدينين الدخول في حوار يتمحور حول الهدف الإنساني الكبير في الوصول إلى وحدة التصوّر الدِّيني في المفاهيم العامة أو لقاء الأفكار الدينيّة على الق واعد المشتركة، من أجل الانطلاق بالحوار من موقع اللقاء الذي يهيّء الأجواء للحصول على نتائج وحدويّةٍ حاسمة.

وإذا كنّا نعطي الأهمية الكبرى للحوار في المسألة اللاهوتية، فإن الحوار في المسألة الواقعيّة العمليّة لا يقل أهمية عن ذلك، بل قد تكون هذه المسألة هي الأقرب للوصول إلى نتائج إيجابية كبيرة، لأنها تتّصل بالمصالح المشتركة على صعيد الواقع، مما يحتاج فيه كلّ منهما إلى الحصول عليه وملاحقته للحفاظ على وجوده الفاعل في ساحته الوطنيّة أو الإقليمية أو العالميّة، باعتبار أنّ الهروب من مواجهة المشكلة لا يحلّها بل يزيدها تعقيداً.

وقد نلاحظ أنّ هناك أكثر من قضيّة مشتركة يلتقي فيها المسلمون والمسيحيّون في كل الساحات، وهي الكلمة السواء في التوحيد، ورفض الشرك ووحدة الإنسانيّة ورفض الاستكبار والاستعباد الإنساني، وهو الذي طرحه القرآن الكريم على أهل الكتاب في قوله تعالى:

{قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضناً بعضاً أرباباً من دون الله...}.

ليتحرَّك الجميع لمواجهة الماديّة الملحدة، والشرك العبادي والاستكبار العالمي، لينطلق الإيمان بالدِّين بشكل عام قويّاً في ساحة الفكر، ويتحرَّك المستضعفون في مواقع القوّة في مواجهة المستكبرين؛ الأمر الذي قد يتيح للشعوب المستضعفة أن تكتشف في الدين الحركيّ معنى الحريّة والعدالة، فتلتقي بالإيمان به من خلال الجهاد السياسي في خط المواجهة للظلم العالمي كله، ليقف المسلم ضد المستكبر حتى لو كان مسلماً، ويقف المسيحي ضد المستكبر حتى لو كان مسيحياً، فذلك هو الذي يمثّ ل اختصار المسافة الطويلة للوصول إلى عقل المستضعف، لأنّ الكثيرين من الناس يفهمون الإيمان من خلال المشاكل التي يتخبطون فيها أكثر مما يفهمونه من خلال المفردات اللاهوتيّة التي يفكرون فيها، لأنّ أقرب طريق إلى عقل الإنسان قلبُه، كما أنّ أقرب الطرق إلى القلب قضاياه وحاجاته الطبيعيّة الملحّة في الحياة.

ونحن نلاحظ _ في هذا المجال ـ أنّ ثورة الإمام الخميني"رحمه الله" استطاعت أن تزيل الكثير من الحواجز النفسية والفكريّة والواقعيّة عن الانفتاح الإنساني على الدّين ـ بشكل عام ـ وعن الإسلام بالذات، لأنّه اقتحم بثورته الإسلامية المبنية على أساس الحريّة والعدالة للمستضعفين جميعاً ـ عقول الناس وقلوبهم فاستطاع أن ينفذ من خلال ذلك إلى حياتهم.

كما نجد أنّ البابا بولس السادس استطاع أن يحقَّق للروح المسيحيّة الكثير من خلال نشاطه السياسي في حركته من أجل القضايا الإنسانية العامّة في أكثر من موقعٍ أو موقف.

الدين للإنسان

.. ولذلك فإنّنا نؤكد على أن الدِّين ـ في النطاق الإسلامي والمسيحي ـ يمكن أن يجد لطروحاته العقيديّة والعمليّة والأخلاقية العامّة مجالاً واسعاً عندما يتحرَّك في وحدة القيم الإنسانية المرتكزة على القيم الدِّينية الإلهية في مواجهة الاستكبار والمستكبرين والظلم والظالمين، فلا يعود الدِّين في الوعي الثقافي العام أفيوناً يخدِّر الشعوب، ووسيلة من وسائل إسقاط قضاياها لمصلحة المستكبرين.

وقد يفرض علينا الحوار الموضوعي أن ينطلق المسلمون بجدّية في دراسة المصادر الأصلية للفكر اللاهوتي والاجتماعي والأخلاقي للمسيحيّة وتحليل مفرداتها ووعي طروحاتها بالإضافة إلى الجانب العملي المتصل بالطقوس العباديّة، وبالممارسة العلميّة، في عمليّة تدقيق وتحقيق مع المقارنة العلميّة بالفكر الإسلامي، في الجوانب كلها، ليملك الباحث المسلم الوضوح في الرؤية للتصوّر الدقيق في الوجدان المسيحي، ويقارن بينه وبين التمثّل الشعبي للعقيدة والمفاهيم في الوجدان العامّ، حتى لا يخلط بين الفكر في أصالته، والانفعال الوجداني الشعبي في تراكماته التاريخية الخاضعة لبعض الأوضاع المعقّدة، والتقاليد المتخلّفة التي يخضع لها الكثير من الناس في طريقة وعيهم لانتماءاتهم.

كما لا بدَّ للمسيحيين من أن ينطلقوا في الدراسات الإسلامية بطريقة جدّية وعلمية ومن الموقع ذاته.

فهم الآخر

إن الفكرة التي تقول بأنّ المسلمين أعرف بإسلامهم من غيرهم، دائماً، وأنّ المسيحيين أعرف بمسيحيّتهم من غيرهم، دائماً، هي فكرة غير علمية وليست دقيقة، فقد بلغ الإنسان المستوى العالي من المعرفة بالأفكار الأخرى للآخرين أكثر مما يبلغه أصحابها من خلال توفّر المصادر الأصلية والملاحظة العلمية والجوّ العام.

وإذا كانت بعض الأمور، تخضع للإحساس الداخلي في الوجدان العام للمجتمع الإسلامي أو المسيحيّ، مما قد يحسّه الإنسان من دون أن يملك التعبير عنه، من خلال الإرث التاريخي الذي تتناقله الأجيال في قناعاتها الذاتية لبعض القضايا الروحية أو الشعورية، فإنّ من الممكن الوصول إلى ذلك ببعض الوسائل من جهة، كما يمكن أن يتولّى الحوار الموضوعي مهمّة تصحيح الخطأ الذي قد يقع فيه الباحث الذي ينظر إلى القضايا من الخارج، بعيداً عن وعي الداخل الخاص الذي يحتفظ به هذا الجانب أو ذلك، لنفسه بخصوصياته الذاتيّة.

وهناك نقطة، لا بد من إثارتها في هذه الدائرة، وهي أنّ الإسلام ليس مذهباً واحداً في المسائل العقيديّة، في بعض التفاصيل، وفي المسائل الفقهية والأخلاقية في بعض المفردات، فهناك أكثر من مذهب فقهي يختلف مجتهدوه في داخله كما يختلفون مع المذهب الآخر، وهناك أكثر من مذهب كلامي تتعدّد فيه الأفكار، مما يفرض على الباحث عندما يريد قراءة الإسلام أن يضع هذه المسألة في حسابه، لئلا يعطي حكماً إيجابياً أو سلبيّاً مطلقاً في بحثٍ فقهيّ أو كلاميّ، لأنه لا يملك فيه المطلق الف كري أو الفقهي، كما أنّ المسألة كذلك في الدائرة المسيحيّة التي تختلف فيها المذاهب، ولا سيّما بين الكنيسة الشرقية والغربية، في تنوّعاتها المذهبيّة في داخل كل فريق منها وفي خارجها، مما يجعل القضيّة خاضعة للبحث في التفاصيل،في التأكيد على مفردات الحوار فيكون البحث موضوعياً ودقيقاً وعميقاً وعادلاً فيما تفرضه العدالة من التوازن في النظرة والاستقامة في الحكم والشموليّة في جوانب القضية.

الحوار السياسي

والحوار في المسألة السياسيّة لا يقلّ أهمية عن الحوار في المسألة العقيدية والثقافية، فقد نلاحظ أن اللعبة السياسيّة الدوليّة تارة، والإقليمية أخرى، والمحلية ثالثة، تخطّط لإثارة الصّراع المسيحي ـ الإسلامي، في هذا البلد أو ذاك، أو في هذه الدائرة أو تلك، من خلال بعض المفردات التي قد تكون ناشئة من أوضاع شخصيّة أو ماديّة أو قبليّة، أو بعض الأوضاع السياسيّة، التي لا تتّصل بالمسيحية والإسلام في صفتهما الدينية، بل تتّصل بالانتماءات السياسيّة الدوليّة أو الإقليمي ة التي يخضع لها هذا الجانب المسيحي أو الإسلامي في علاقاته العامة والخاصة، من خلال خط سياسيّ، أو مخابراتي أو اقتصادي أو أمني وغير ذلك.. وهذا ما نراه في الحروب الداخلية التي تتحرّك من خلفيّات الأجهزة المخابراتية في استغلالها لبعض الحساسيات الطائفيّة في دائرة الواقع المعقّد الحسّاس الذي قد تزيده تعقيداً وحساسية بفعل بعض التحركات الداخلية أو الخارجية المطلّة على الخلافات التاريخيّة التقليديّة، وذلك بالإيحاء بالخوف المتبادل الذي توزّعه على الأطراف جميعاً بطريقةٍ ذكيّةٍ خفيّةٍ لا ينتبه إليها الذين يكتوون بنارها

استغلال الأديان

وهذا ما نلاحظه من خلال تعامل الإعلام الغربي مع بعض الحوادث التي تحصل في صعيد مصر من خلافات بين بعض المسلمين وبعض الأقباط على أساس وضع عشائري أو مادي فتصوّر المسألة كما لو كانت خلافاً بين المسلمين والمسيحيّين الأقباط على أساس العقدة الإسلامية أو المسيحيّة، في الوقت الذي قد لا تكون في هذا الاتجاه، لأنّ ما يحدث في هذه القضيّة التي يتنوع انتماء أطرافها الديني، قد يحدث في نفس الموقع ـ أكثر منها بين المسلمين مع بعضهم البعض، والمسيحيّين مع بعضهم البعض..

وهذا ما عشناه في لبنان في الحرب الطائفيّة في أكثر من مرحلةٍ وتجربةٍ وموقع، وقد كنا نعرف أنّ لبنان كان الساحة الدوليّة والإقليمية للتجارب المتنوّعة للصراعات الدولية والإقليمية، من أجل إنضاج مشروعٍ معيَّنٍ على نار حامية، أو إسقاط مشروع آخر على واقع حارّ، الأمر الذي كان بحاجة إلى النار الطائفية السريعة الاشتعال والشديدة الإحراق في المفردات الساخنة التي تلهب الوجدان وتغلق العقل، وتثير الدخان في الوعي، وتحاصر الناس في قضاياهم في أكثر من زاوية، وتؤدِّي بهم إ لى الشعور بالاختناق الذي يدفع الإنسان إلى تدمير نفسه في حالة اللاّوعي واللاّشعور، وتدفع بهم إلى الحرب في غفلةٍ عميقة مطبقة على الكيان كلّه، وذلك من خلال الجدل اللاّمعقول، والتفكير اللامفهوم، واللاواقعي في الخوف المسيحي من البحر الإسلامي الكبير الذي تتحرَّك أمواجه لتطغى على المسيحية في الشرق كلّه، وفي لبنان بالذات الموقع الأخير للحرية المسيحية في المنطقة، أو في الحرمان الإسلامي على مستوى الحقوق السياسيّة والاقتصادية وغيرها، أو في الخوف الإسلامي من التخطيط المسيحي في الإجهاز على الواقع الإسلامي من خلال العل اقة مع الغرب، أو مع إسرائيل، وما إلى ذلك. وهكذا دخل اللبنانيّون الحرب المدمّرة، التي اكتشفوا فيها أنّ الإسلام والمسيحية لا دخل لهما في الصراع كلّه، وأنهم كانوا ضحاياها بالجملة، وأنّ الرابح الوحيد هو المشروع الدولي في الاستفادة من الحساسيّات والتعقيدات اللبنانية في إنضاج أكثر من مشروع دوليّ أو إقليمي وإسقاط أكثر من مشروع في القضايا المتصلة بالصراع العربي ـ الإسرائيلي، أو الصراع الأميركي ـ الأوروبي، حالياً والصراع الغربي ـ السوفياتي سابقاً، وأن المسيحيين خسروا في الحرب، كما خسر المسلمون فيها، الكثير من مواق عهم ومصالحهم وشبابهم ومواقفهم، بالإضافة إلى السلبيّات المتعدِّدة في أوضاعهم العامة، وأصبح الحديث الذي يستهلكه الجميع هو أنّ الحرب لم تكن طائفية بل كانت سياسيّة، حتى لو كانت قد لبست الثوب الطائفي، ولم تكن حرب اللبنانّيين بينهم في العمق والخلفيّات، بل كانت حرب الآخرين على أرضهم، وما زال الإحباط في مفهومه الانهزامي، واليأس في مضمونه الروحي النفسي يسيطران على الواقع اللبناني كله في فوضى سياسيّة واجتماعية مدمّرة، وما زال الكثيرون من الذين يُنتجون الذهنيّة الطائفية يعملون على تفسير الكثير من الأوضاع السياسيّة و الاقتصادية والأمنية والاجتماعي تفسيراً طائفياً في نطاق هذه الدوائر أو تلك، لإبقاء الحالة الغريزيّة الداخليّة في حالة استنفار دائم للاستفادة منها في مستجدّات الفتنة في المستقبل.

وهذا ما نلاحظه، أيضاً في الحرب الدائرة في جنوب السودان، بين الجماعات التي تأخذ العنوان المسيحي شعاراً لها وعنواناً لحربها، وبين الحكومة السودانية في عناوينها المتنوّعة في الانقلابات المتعدّدة التي أخذت الحكومات المتعاقبة معها أكثر من واجهة وعنوان، حتى جاءت الحكومة الإسلامية في السودان، الأمر الذي جعل العنوان الديني، في صراع الإسلام والمسيحيّة، هو العنوان الذي تُحرَّك فيه اللعبة الإعلامية السياسيّة، كما لو كانت القضية كذلك في بُعدها الأصيل.

إنّ دراسة هذه الحرب قد تكشف لنا ـ بوضوح ـ المخططات الاستكباريّة التي تعمل على تدمير القارّة الأفريقية تدريجياً، وإفقارها بالتخطيط لإهدار ثرواتها في النـزاعات الداخلية وتعطيل أيّة مبادرة للاستفادة من ثرواتها الطبيعيّة، تماماً كما هي الخطة الاستكبارية الغربيّة في أكثر دول العالم الثالث، حتى لا تصل إلى مستوى الاكتفاء الذاتي، وإبقائها في حالة الحاجة إلى المساعدات السياسية والاقتصادية والأمنيّة التي تتحرك بالضغوط والشروط والأوضاع التي تؤدي بها إلى السقوط ال سياسي والاقتصادي والأمني.

إننا لا ننكر أنّ هناك مشاكل في الدائرة الإسلامية ـ المسيحيّة، ولكنها لم تصل إلى الدرجة التي لا يملك القائمون عليها حلاً إلاّ بالحرب، بل هي، تماماً، كالمشاكل التي يعيشها المسلمون أنفسهم، والمسيحيّون أنفسهم، في الساحة السياسيّة المتعدّدة المعقدة، وهذا ما نلاحظه في الصراع السياسي في واقع الشمال السوداني، حيث يدور الصراع بين الحكومة والمعارضة، وفي الجنوب السوداني، حيث يدور الصراع بين المتمرِّدين أنفسهم، مما يوحي بأن المسألة ليست في عمقها الحقيقي، مسألة الم سلمين والمسيحيّين في الجانب الديِّني، بل هي مسألة الخطط الخارجية التي تستفيد من الحساسيّات الدينيّة في مناطق التخلّف الفكري والروحي.

الوعي المطلوب

إنّ مثل هذه القضايا التي يحاول الإعلام الاستكباري أن يحوّلها إلى عنصر إثارة للغرائز الطائفية، كمظهر من مظاهر النزاع الدِّيني، قد تمنحنا بعض الوعي للدخول في حوار موضوعي شامل حول علاقة الإسلام بالمسيحيّة وواقع المسلمين والمسيحيين في المناطق المشتركة، أو المتجاورة، وكيف يمكن أن نتفادى الاستمرار في التجربة المدمّرة التي لن يجني منها الجميع، أيّ فائدة، على مستوى قوة المواقع، لندخل في محاولةٍ واقعية واعية، تدرس القضايا على صعيد الواقع العملي في قضاياه السياس ية والاجتماعيّة وفي الخطوط الدِّينية المشتركة التي تعمل على أساس انفتاح الإنسان على الله في حركة الروح والخير والحق والعدالة والرحمة والمحبة، لنعيش في ذهنية الإنسان الذي يعيش معنى القيمة ولا يعيش فوضى الغريزة في علاقته بالإنسان.

قد يكون من المفيد لنا ـ مسيحيّين أو مسلمين ـ أن نعرف ما نريد في خط المسيحيّة والإسلام، لنتحاور في الوسائل الواقعيّة التي تحلّ المشكلة بدلاً من أن تعقِّدها، وأن نكتشف ما يخطِّطه الآخرون من المستكبرين الذين لا يعني الإسلام ولا المسيحيّة شيئاً لهم إلا بمقدار ما يحققان لهم من مصالح بعيدة عن مصالح المستضعفين من أتباع هذا الدين أو ذاك.

لقد دأب الكثيرون على استغلال الدِّين كمادّةٍ سريعة الالتهاب والاشتعال انطلاقاً من التخلّف الروحي والثقافي في الوجدان الدِّيني للمؤمنين، الأمر الذي أطلق الانطباع بأنّ الدِّين لا يستطيع أن يخدم سلام الإنسان مع الحياة والإنسان الآخر، لأنه يشجّع الصراع، ويخلق التوتّر، ويقود إلى الحروب، ويعمل على إلغاء الآخر واعتبار العنف أساساً للتعامل معه، حتى أنّ بعض العلمانيين حرَّك الدعوة في إبعاد الدِّين عن الحياة وعن حركة الإنسان، وعن النظام الأخلاقي للمجتمع والاستغن اء عنه، ليبقى، إذا بقي، مجرَّد حالة ذهنيةٍ أو روحيةٍ فرديةٍ ضائعةٍ في الفراغ، أو غارقةٍٍ في الضباب، للذين يحبّون أن يفكّروا في اللاشيء، أو يعيشوا أحلامهم في الغموض الساحر.

إنّ على المؤمنين في العالم أن يكتشفوا الطريقة المثلى التي يستطيعون من خلالها التخطيط للحركة الدِّينية المنفتحة على قضايا الحريّة والعدالة للإنسان، والمتحركة في دائرة الحوار الفكري على مستوى النظرية والواقع، بحيث لا يفقد المثال معناه في الواقع، ولا يبتعد الواقع عن مضمون القيمة وروحيّته، مع احترام التعدّدية الدِّينية في نطاق المحاولات الجادة للوصول إلى الكلمة السواء في مواقع اللقاء، أو إلى الفكرة الواحدة في ساحة الوحدة لتكون المحبّة في خط الرحمة، ولتتحرّ َك الإنسانية في امتداد العدالة ولتكون حركة الحريّة في حدودها الإنسانية التي لا تحوّل الحياة إلى فوضى ولا تُسقط الإنسان في وحول الخطيئة.

التبشير والتبليغ

وتبقى مسألة "التبشير" في الصعيد المسيحي، و"الدعوة" أو "التبليغ" في الصعيد الإسلامي، خاضعة للحوار على مستوى دراسة الوسائل التي يحركها كل فريق في خطّه في دعوة الآخر، أيّاً كان الآخر، لفكره الِّديني، في المناطق المشتركة، أو في المناطق المختلفة، لتكون القضيّة قضية التنافس في نطاق الأساليب الأخلاقية في دائرة القيم الروحية، لا قضية الصراع. فقد نستطيع اكتشاف أساليب جديدة، وعلاقات جديدة في هذا الجانب أو ذاك، بدلاً من استغلال القوى الكبرى أو غير الكبرى في تدمير الواقع كلّه هنا وهناك، لنتحرَّك بالعقل المفتوح، والقلب المفتوح، والحركة المفتوحة على طريق الإيمان، ولنوجِّه الساحة إلى المزيد من الانفتاح على ما لدى كلٍّ منّا، من قيم روحية وأخلاقية، وإيمانية مشتركة.

قد يكون هذا خيالاً يبحث عن وجدان يُخلق فيه، أو أرض ينغرس فيها وقد يكون، فيما يتصورّه البعض، وهماً، ولكن كثيراً من الحقائق الواقعيّة التي فرضت نفسها على الحياة، كانت وهماً في الذهن، وخيالاً في الوجدان، ثم جاءت الحركة وتحرّكت الظروف، وتجمّعت العناصر الإيجابية، فأصبحت حقيقة أقوى من كل الحقائق النظرية، لأنها تحوّلت إلى جذور للواقع كلّه.

كسر الجمود

لذلك فإننا نتصوّر أن إيجابيّات الحوار، حتى لو كان قاسياً في صراحته، حاسماً في موقفه، فهو يكسر الجمود الفكري والروحي والثقافي، الذي يمثّله الاستغراق في الذات أو في الانتماء أو التقليد، ليتحوّل الإنسان إلى حالةٍ متحجّرةٍ جامدةٍ لا تملك أيّة حيوية، أو حركيّةٍ في اتجاه احتمالات التفكير الآخر، أو إمكانات التغيّر والانتقال، في المستوى الثقافي من موقع إلى موقع، ومن انتماء إلى انتماء.

إن اعتبار الدَّين حالة روحيّة لا تبتعد عن الانفتاح الفكري يحقِّق للإنسانيّة، في حركتها الدِّينية الثقافية، الكثير من الغنى والعمق والحركيّة والشموليّة في حركة الاجتهاد المتحرّك أبداً في اتّجاه دراسة ما عند الإنسان المنتمي، وما عند الإنسان الآخر مما قد يكشف لنا الخطأ في بعض ما نفكر به أو ما نتحرَّك فيه أو ما ننتمي إليه.

وإذا استطعنا أن نتخلَّص من جمود التقليد، وتحجّر الذهنيّة في مضمون الانتماء فإنّنا سوف ننفتح على أفق جديد، ونتحرّر من همّ مستقبليّ حضاري كبير