رسالة حب من سحالي اليابان

   2003-06-04  

بقلم : نضال حمد

 

قلت مرة في مقالة من مقالاتي العديدة التي عنونتها بعجائب وغرائب، أن الانترنت نعمة ونقمة، فهو نعمة لأنه يجعل الدنيا الكروية كالكرة بين أيدينا، لا بين أرجل لاعبي كرة القدم. ونقمة لأنه يسرق الوقت، وقد يخرب حياة حبيبان بعد طول حب وعيش بوئام وسلام. لكن هذا كله في جهة، وما أريد الحديث عنه في جهة أخرى. إذ أن القصة التي أنوي التحدث عنها، تعتبر أكبر بكثير من مجرد حب عادي، وهو ليس حب بين ناطق وناطقة، ولا وفاء بين إنسان وإنسان، ولا حتى من مغامرات  بني آدم. إنها قصة سحليتان من اليابان يجب أن تعتبرا مثالا حيا للحب الحقيقي وللتفاني والوفاء.


وصلتني قبل أيام قليلة رسالة الكترونية عبر مجموعة فلسطين عربية، هذه المجموعة المثابرة، والتي أسسها زميلنا الكاتب الصحافي الفلسطيني عادل سالم، رئيس تحرير شهريات فلسطين الإلكترونية وديوان العرب بالعربية، وأحبك يا قدس بالإنكليزية. وهذا العادل لا يكل ولا يتعب، مثابر وعملي وفعال، عرفته عبر نعمة الإنترنت، ثم التقينا في صيدا في الجنوب اللبناني، مع أنه يعيش في أمريكا، وأنا أعيش في النرويج. في صيدا عرفته بصديق طفولتي عامر أبو رامي، هذا الأخير صاحب نكتة، والجلسة معه مثيرة دوما وشيقة أبدا. كان عادل يقوم بزيارة خاصة للبنان. وكنت أنا بدوري أقوم بزيارة أهلي هناك. ندمت فقط على حاجة واحدة، هي أن الوقت لم يسعفني للقيام بجولة في مخيم عين الحلوة مع عادل المقدسي الفلسطيني الأمريكي. ولكني لم أندم أبدا على لقاءي بعادل سالم وجها لوجه. .
 

 وصلت الرسالة الالكترونية من مجموعة فلسطين عربية، كان مرسل الرسالة العجيبة والغريبة والمثيرة، شخص من أعضاء المجموعة المذكورة. في الرسالة قصة مثيرة لسحليتين يابانيتين، جار الزمن عليهما، فكانت مصيبتهما صعبة وتثير الإعجاب والتضامن، وبنفس الوقت يتمنى كل إنسان أن يكون مخلصا وحبيبا مثلما كانتا ولازالتا. اكتشفت مأساة السحليتان بالصدفة، وذلك يوم قرر و قام أحد أصحاب المنازل في اليابان، بتفكيك جدران منزله الخشبية بغية إصلاح المنزل وترميمه. حيث تفاجئ الرجل الياباني بوجود سحلية عالقة بالخشب من أرجلها. تقول الرسالة التي وصلتني أنه انتابت الرجل الياباني رعشة الشفقة على السحلية. ولكن الفضول كان أقوى من العدول عن متابعة مصير السحلية العالقة. خاصة أن صاحبنا الياباني، أي صاحب البيت الخشبي، تذكر أنه رأى مسمارا مغروزا في رجل السحلية، وهذا يعني أن السحلية موجودة هناك، وعالقة بالخشب منذ عشرة أعوام مضت. وهذا بحد ذاته الشيء الذي حير الرجل، إذ كيف عاشت هذه السحلية كل تلك السنوات؟ أخذ صاحبنا الياباني يراقب السحلية، وكانت دهشته الكبيرة، عندما رأى سحلية أخرى قادمة، وتحمل في فمها طعاما للسحلية العالقة. إذن كانت السحلية العالقة تعيش بفضل وفاء ومحبة السحلية الأخرى. فلولا الوفاء الذي أبدته السحلية الثانية، لكان الموت جوعا من نصيب السحلية الأولى، أي العالقة بالخشب.
 

هذه القصة تعتبر من روائع قصص الحب والوفاء، في عالم الحيوانات الناطقة والأخرى غير الناطقة. ويجب أن تكون عبرة ومثالا لنا نحن البشر. فالوفاء مثل الحب ضروري ويمنع الناس من السقوط إلى الهاوية. ولا يمكن لإنسان صاحب أحاسيس ومشاعر صادقة، أن يعيش بلا وفاء ومحبة. لكن يمكن للآخر الذي لا وفاء لديه ولا محبة، أن يعيش في عالم خالٍ من القيم مادام هو نفسه بلا قيم ومبادئ.
 

أدعو كل البشر لكي يأخذوا العبرة من تلك السحالي التي تفوقت في أمانتها وحبها على البشر، مع أن البشر حيوانات ناطقة والسحالي من الحيوانات غير الناطقة. فإذا وصلت المواصيل بالبشر لتكون الحيوانات، أكثر منهم وفاءً وشيمة وحبا وأمانة، فما قيمة وجود بني البشر كبشر؟. أنها مناسبة لكي ندعو الناس للحب والوفاء والأمانة، ولتحكيم لغة العقل على لغة الحروب والهيمنة والاستعلاء، ولنبذ العنصرية والضغينة والحقد. لأننا نحيا بالحب مع الخبز والحرية، لكنا بالتأكيد لن نستطيع العيش سعداء مع الحقد والكراهية، وكذلك مع عدم الوفاء وقلة الحب وبلا أمانة وسلام وأمان.
 

عاش الحب يا سحالي اليابان . .
 

عاشت الأمانة وعاش الوفاء . .
 

هكذا حيوانات وفية، خير من بشر بلا وفاء ومحبة وقيم حقيقية

 

عودة لمقالاتي المختارة

رجوع للصفحة الرئيسية