سنعود يعني سنعود
نضال حمد
2005-05-15
التئم شمل فلسطينيي أوروبا الأسبوع الماضي في مؤتمر العودة الذي شهدته عاصمة النمسا فيينا، فكان للحضور ألوانه المتعددة والمنوعة، تلك الألوان التي تعكس واقع العمل الفلسطيني في ساحات أوروبا بالذات وفي الشتات الفلسطيني بشكل عام ، فقد جاءوا من تجمعات الفلسطينيين في بلاد العرب ومن داخل فلسطين المحتلة ومن داخل داخلها المغتصب بفعل التآمر الدولي على شعب أعزل طرد من وطنه وسلبت أرضه وتم تشريع الجريمة والاعتراف بالاحتلال كأمر واقع.
تجمع الفلسطينيون من أقاصي القارة الأوروبية ، جاءوا من الصقيع ومن شمال الشمال وجنوب الجنوب ووسط الوسط وشرق وغرب القارة، معلنين مواسم الرحيل والتنقل بين العواصم وصولا الى فيينا التي جددت معهم وشهدت بوجودهم ليالي أنسها الجميلة... ولم تكن ليالي الأنس الفلسطينية في فيينا سوى انعكاس لحزن السماء على ارض الشهداء...
كانت فيينا تشهد ليالي فلسطينية مع الأجيال المتعددة، ليالي للأمل الطالع مع قمرها الساطع،مع الذين يؤمنون بحقهم في العودة إلى أرضهم ومنازلهم مهما طال الزمن ومهما طالت الغربة. ولم يغب عن بالهم هناك في عاصمة الموسيقى والعلم والتاريخ والتراث والآداب والجمال وجع الأهل في البلاد ووجع الشعب في الشتات وفي المخيمات،حيث كان الوجع الفلسطيني حاضرا في بسماتهم الباكية التي اختلطت فيها دموع الفرح بالحزن الأخضر المزهر و النابث فوق أضرحة الشهداء وعلى تذاكر السفر وفي جوازات سفرهم التي أوصلتهم وتوصلهم الى كل البيوت بما فيها بيوتهم، لكنها لا تعيدهم ولم ترجعهم كأصحاب ارض بل مجرد سواح وزوار يحق لهم إلقاء نظرة على أملاكهم ولا يحق لهم حتى الدخول الى دورهم وحدائقهم و بيوت أجدادهم..
كان مؤتمر فيينا جامعا وشاملا ، فتح أبوابه وشرعها لكل من يؤمن بحق العودة للبيت وللشجر وللورود وللزيتون وللبشر من للذين لازالوا ينتظرون الأرض التي تمنحهم العمر والمطر. كان المؤتمر بوابة للجمع وللتوحد في الطريق الطويل، وكان كجلمود صخرٍ يصد السيل المنهمر من علٍ.. وكان قلعة حصينة كونت لمنع وصد القسمة والنواقص ومشاريع التعري من الداخل ونزع حق العودة عن هياكل عظام الشهداء في قبورهم تحت الأرض، وفي أجساد وأرواح البنات و الأبناء الذين اعتادوا السفر على أرجل قطعتها دروب النضال والرحيل من جوارِ إلى جوار ومن حصارٍ إلى حصار ...
كانوا هناك يقدمون الورد لجرحى الثورة المغدورة وللذين تركوا سيقانهم في بلاد العرب وعلى حدود فلسطين وفي المخيمات التي قاومت كل أنواع الموت والحصار من الأشقاء والأعداء .. كانوا يقدمون الحب على طبق من وفاء للجرحى الذين قُلعت عيونهم من وجوههم، ففقدوا النظر، لكن رغم ذلك ظلوا يبصرون فلسطين ويرونها وهي تبصر الحرية والاستمرارية والمقاومة بعيونهم التي ترى ما لا يراه الذين افسدوا ملحها .. كانت فلسطين ترى النور بأعين جرحاها، بقامات الشهداء التي كانت حاضرة في أروقة المؤتمر، بعيون هؤلاء يرى شعبها الدرب ناصعة البياض ومشعة كفجر الحرية المنتظر ... في فيينا وبالذات في قاعات المؤتمر كانت بلاد كنعان تسير رافعة الرأس، مرفوعة الهامة، منتصبة القامة، كالسنديانة الحمراء شامخة، متحركة كالريح العنيفة كالمطر وكما القدر ... كانت فلسطين الكنعانية العربية تسير في شوارع وأزقة فيينا وأروقة المؤتمر على سيقانٍ خشبية وبلاستيكية ثابتة الخطى ...
هناك عانقوا بعضهم بعدما أمطرت السماء رذاذا خفيف وبعدما هطلت من عيونهم المتبقية دموع الفرح .. فها هم رفاق الانتفاضة و الكرامة و بيروت الحصار وحروب الدفاع عن البندقية الفلسطينية والقرار الفلسطيني المستقل الذي اغتيل باسم السلام المعتل، يحملون فلسطين على أكتافهم مثل الكوفية المرقطة، ويشقون الطرقات ويسافرون مؤكدين عزمهم على الاستمرار بالرغم من عاهات اوسلو وشقيقاتها العاقرات ...
ها هم أخوة ورفاق أبو علي إياد وأبو جهاد الوزير و سعد صايل وماجد أبو شرار وعبد الله صيام وعطية عوض وبلال الأوسط وطلعت يعقوب وسعيد اليوسف وجهاد حمو وغسان كنفاني ووديع حداد وجيفارا غزة وأبو علي مصطفى واحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي ويحيى عياش وفتحي الشقاقي وأبو شرخ ودلال المغربي وريم الرياشي ووفاء إدريس وعندليب طقاطقة وهنادي جرادات يحملون الراية ويتابعون المسيرة متشبثين بالحقوق التي لا تقبل القسمة ولا تعترف بالتنازلات وبالاتفاقيات المشوهة.
ها هم أهل فلسطين في أوروبا جاؤوا من كل أصقاعها قاطبة إلى مؤتمر فيينا بعد مؤتمري لندن وبرلين و لسان حالهم يقول لا، ولا يخفون تلك اللا الكبيرة، يقولونها مدوية وعالية كي يسمعها أهل التنازل والتخاذل والانحراف والانهزام..
جاءوا ليرددوا لا كبيرة لأصحاب مبادرة جنيف من الذين خانوا الأمانة وباعوا الانتماء وتنازلوا عن مفاتيح البلاد للجلاد.. جاءوا يقولون لا للذين يواصلون اغتصاب منظمة التحرير الفلسطينية ويفعلون بالثوابت الوطنية ما يفعلون في وضح النهار وسراً وعلانية...
جاءوا يقولون لا لكل من يريد البيع والشراء والمتاجرة بحقوقنا المقدسة.. ويقولون نعم لمنظمة التحرير الفلسطينية الحرة السيدة التي تتمسك بثوابت الشعب الفلسطيني كما أقرتها مجالسها الوطنية وكما رسمها ميثاقها الوطني المشطوب والمغيب باسم الفذلكة والفهلوة السلمية العقلانية..
جاءوا يقولون نعم لإعادة بناء وصيانة وترميم وتجديد المنظمة كي تصبح بالفعل لا بالقول ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني .. فلا يجوز أن تبقى رهينة للذين استولوا عليها ومرروا اوسلو ومشتقاتها من خلالها، يجب إعادتها وانتزاعها من المعتقل الكبير، من سجن الذين اغتصبوها وعروها وشوهوها وجعلوها ختما لتمرير صفقاتهم المرفوضة.. لا يجوز أن تبقى المنظمة رهينة بأيدي أصحاب اوسلو الذين يريدون شطب حقوق شعب فلسطين والقبول بما يلقيه لهم بوش وشارون...
لقد كان مؤتمر فيينا مؤتمرا للوحدة الوطنية والشعبية الفلسطينية وجاء بيانه الختامي ليؤكد ذلك. وقد ظهرت تلك الوحدة وتجلت في ورشات عمل اللجان التي حرصت على تحقيق التوافق بين الجميع حيث انتهت أعمالها بالبيان الختامي الجامع، البيان الذي يعتبر برنامجا وطنيا شاملا وجامعا يستحق الالتفاف حوله من قبل الجميع لأنه يلبي شروط العمل الفلسطيني الجماعي في الساحات الأوروبية وذلك عبر تأكيده على التمسك بالثوابت الوطنية الفلسطينية.