شاهد عيان ومقاتل أسعد زغموت يروي ملحمة الدفاع عن "الصفصاف"
بعد سقوطها تهاوت البلدات والقرى في الجليل الغربي كله

من الذاكرة الفلسطينية
دمشق -"الاتحاد":

أسعد زغموت من مواليد قرية الصفصاف قضاء صفد عام(1929)، و قد شارك في معركة الدفاع عنها ضد الغزو اليهودي (1948) وفي هذه الشهادة يروي وقائع الاستعداد للمعركة كما وقائع المعركة الأخيرة التي أسفرت عن سقوط القرية في يد اليهود في 28 /10/1948.

بعد صدور قرار التقسيم في (29/11/1947/ )، بدأنا بالتحضير لمعركة الدفاع عن البلدة وكان شأننا في ذلك، شأن المدن والقرى الفلسطينية التي بدأت بالتهيؤ والإعداد لمواجهة اليهود، فجرى تشكل اللجان القومية في المدن والقرى .. في الصفصاف شكلت لجنة لادارة البلد والدفاع عنها، برئاسة قاسم زغموت وعلي طه شريدة وكان في عضويتها إسماعيل حمد، ونجيب يونس وغيرهما.. وتمثلت المرحلة الأولى بشراء السلاح والقيام ببعض التدريبات، وتنظيم الحراسة، حيث كان يتم تشكيل دوريات حول القرية ، كما شارك المتدربون في نجدات للقرى العربية التي كانت تتعرض لهجمات العصابات اليهودية.

ولكن عملية التحضير والتهيئة أصبحت اكثر جدية مع دخول فوج من المتطوعين السوريين (ضمن جيش الإنقاذ ) بقيادة النقيب غسان حديد،ومساعدة الملازم جودت أتلي إلى بلده الصفصاف والمنطقة المحيطة بها، حيث بدأت إقامة الاستحكامات ،وتكثيف التدريبات أصبحت اكثر جدية ،كما بدأ ايلاء الصفصاف ما تستحقه من اهتمام كموقع استراتيجي.

كان من المعروف أن سقوط الصفصاف يعني نهاية الجليل الغربي كله، فالبلدة تشكل ما يشبه البوابة آلي الجليل ، ولم يكن من الممكن اقتحامه إلا من خلالها،وقد روعي هذا الجانب في إقامة الاستحكامات، والتحصينات واعتبرت الصفصاف خطا أماميا.

شرق البلد كان يتألف من قسمين: الشمال الشرقي وهو سهل (مرج ) ومنه منخفض يتجه آلي القرية، أما الجهة الجنوبية والجنوبية الشرقية فهي جبلية ووعرة يصعب الاقتحام منها، وهناك الطريق القادم من الناصرة باتجاه لبنان، وجرى تركيز الاستحكامات في المنطقة السهلية التي يتوقع أن يأتي الهجوم منها .

وقد امتدت الاستحكامات من غرب القرية (العين التحتا) بمحاذاة الطريق الرئيسي 0صفد- عكا) مرورا بقرية ميرون آلي الصفصاف فالجيش (حيث مركز القيادة الرئيسي) ، وصولا آلي الحدود اللبنانية، ومن جنوب القرية آلي الشرق في منطقة المرج مقابل قرية (قديتا) حيث أقيم البرج الرئيسي تحت إمرة الوكيل (حسن زيني ) وهو من أبناء اللاذقية على الساحل السوري.

أعطتنا الأبراج والاستحكامات ثقة عالية بالنفس ، فهي كانت حصينة يصعب اختراقها ويفصل بين الواحد والآخر حوالي (200م) في الجهة الجنوبية الشرقية (الجهة المتوقعة للهجوم )وتصل بينها خنادق للنقل أثناء المعركة.
في تلك الآونة كثفنا التدريبات وكذلك دوريات الحراسة، خاصة بعد سقوط صفد في أوائل أيار/ مايو/ 1948، بعد سقوط صفد تزايدت هجمات اليهود ومحاولاتهم اختراق خطنا الدفاعي ، آو التسلل من المنطقة الوعرة. ففي أوائل شهر تموز/ يوليو، كنت مع أهلي في حقلنا نقوم بالحصاد حين سمعنا إطلاق نار آلي الشرق من البلدة ، قلت لأهلي لا بد أن معركة قد وقعت، ركبت فرسي أخذت سلاحي وتوجهت آلي الجهة التي يأتي منها صوت إطلاق النيران حتى وصلت آلي منطقة الأحراش ، التي يتواجد فيها عادة خفراء لحراسة الغابة واهم بيت وسط الحرش، قبل وصولي آلي بيت الحقراء بقليل وجدت ضابطا عراقيا اسمه آبو علي عمران، ومعه حوالي العشرة من أفراد الحرس الأهلي من أبناء القرية، وهم يتجهون نحو القرية، سألتهم آلي أين ، فقالوا آلي الاستحكامات ،ولكني حرضت الشباب على العودة متجهين آلي البيت الذي في وسط الحرش زحفا حيث قامت مجموعة بالتغطية وتقدمت المجموعة الأخرى حتى وصل معي خمسة أشخاص آلي البيت اذكر منهم فيصل زغموت، محمد مرعي الحسن ،واحمد سعيد زغموت، وكان مع كل منا بندقية إنجليزية،فأخذنا نضرب بست بنادق مرة واحدة، لإيهام اليهود بأننا نملك رشاشا،وسرعان ما التحق بنا الضابط العراقي وأفراد آخرون من الحرس الأهلي أصبحنا جميعا داخل البيت وسط الحرش،ومن هناك أصبحنا اكثر قدرة على تحديد جهة إطلاق النار علينا فاقترحت على فيصل زغموت القيام بهجوم لتطويق الرشاش أسره وبالفعل تحركنا زحفا باتجاهه ، فإذا بطلقات تأتي من الجهة الجنوبية الغربية. وهي صادرة عن رشاش (برنج) فخشينا الوقوع في طوق النيران فعدنا آلي البيت وهناك اشرف (آبو علي عمران ) على تنظيم هجومنا مرة أخرى على موقعي الرشاشين ، حتى أتجبرنا اليهود على الانسحاب، وعندما وصلنا آلي مواقع الشاشات وجدنا بقايا علب ذخيرة وحيالا قاموا بسحب قتلاهم بواسطتها.

في تلك الأثناء كان قد وصل خبر آلي القرية بأننا وقعنا في التطويق ، فسارعت النسوة وهن يحملن الماء والطعام والذخيرة لنجدتنا وعندما تبين أننا أتجبرنا اليهود على الانسحاب دب الحماس في نفوس الجميع، وارتفعت المعنويات، وبعد تلك المعركة بدأنا حراسات اكثر تنظيما ووسعنا مدى تجوال الدوريات خاصة بعد أن تكررت هجمات النهود على القرى المجاورة حتى كان يوم 28/10/ 1948م. في ذلك اليوم كنت برفقة المختار (آبو حسن) محمد كريم زغموت، واخي سعيد محمد زغموت ، وابن عمي مفلح زغموت ، وذيب سلامة من الظاهرية في زيارة آلي (آبو علي عمران) في قرية ميرون كعوش التي تبعد ستة كيلومترات عن قريتنا، وحوالي الساعة الثانية والنصف بعد الظهر ، واثناء وجودنا في مقر قيادة الضابط عمران في ميرون ظهرت في الاجواء طائرة استطلاع لليهود، قامت باستطلاع المنطقة بدءا من قرية الجش شمال فريتنا، وحتى قرية ميرون مرورا بالصفصاف فادركنا عندئذ أن هجوما وشيكا سوف يقع وعدنا مسرعين آلي القرية، التي وصلناها حوالي الرابعة والنصف عصرا، وهو الوقت نفسه الذي بدأت فيه طائرات اليهود عمليات القصف ، مركزة على مواضع تمركز جنود جيش الإنقاذ ، وعلى البيادر التي كان يتواجد فيها أعداد كبيرة من اللاجئين من مدينة صفد ومن عرب القديرية ، وبعض عشائر البدو من منطقة طبريا من المواسي والزنغرية.

خلف القصف حالة من الارتباك ، لا سيما مع اشتعال الحرائق في البيادر، وصرفنا جهودا كبيرة من اجل إطفاء الحرائق الآمر الذي استمر آلي حوالي الغروب حيث بدأ النقيب غسان بوضع خطة الدفاع عن البلدة وقام بتوزيعنا على أبراج الحراسة المعدة مسبقا، وقام بإرسال ابن عمي صالح زغموت آلي البرج الشرقي الأمامي ، حيث تواجد الوكيل حسن زيني (آبو جهاد ) ومعه رسالة تقول : "الوكيل حسن زيني، ربما هوجمنا هذه الليلة ، اثبت مهما كلف الامر" وهذا ما كان.

توجهت آلي النقطة المحددة لي قرب مزارع العجمي بين شجر الزيتون على زاوية المقبرة الشرقية وكان معي في الموقع نفسه طالب زغموت ، وعلي القبلان ، ونمر حسن زغموت واحمد محمد يونس، وكان الاخير بدون بندقية ، كما كانت مجموعات أخرى من شباب القرية في مواقع على خط الدفاع ، آما نحن فكنا مسلحين ببنادق إنجليزية وفرنسية وبعض القنابل، ومتصلين مع البرج الرئيسي الذي يوجد فيه هاتف ميدان موصول مع القيادة ، ومرابض المدفعية (75مم) في الجش بواسطة خنادق. و بالقرب من موقعنا كان يوجد موقع رشاش، وحظيرة مقاتلين من فوج الإنقاذ برئاسة الوكيل محمد إسماعيل بركات.

كنا مطمئنين إلى استحكاماتنا، وواثقين من قدرتنا على الصمود، وفي حوالي الساعة السادسة والنصف بدأ الهجوم اليهودي بواسطة الدبابات والعربات المصفحة انطلاقا من مستعمرة عين زيتيم إلى الغرب من مدينة صفد وهنا ظهر الخطأ الأول في عملية الأعداد ، حيث لم تقم القيادة بقطع طريق الإسفلت القادم من صفد وجرى تركيز مدفع مضاد للدبابات في غرب البلد ، مع ذلك فقد جرى التصدي بمهارة لدبابات اليهود القادمة من قديتا ، بواسطة المدافع (25مم)المتمركزة في الجش وكنا نسمع الوكيل حسن وهو يصرخ في الهاتف إلى الجنوب(50م) اضرب ، إلى الجنوب (20م) اضرب ، وهكذا كانت القذائف تصيب دبابات ومصفحات العدو اليهودي وبعد عدة موجات من الهجوم لم يتمكن اليهود من اقتحام أي من الاستحكامات ، رغم القصف الشديد واطلاق النيران من الرشاشات، وحوالي منتصف الليل آخذنا نشاهد القذائف وهي تنطلق من صفد وتمر فوق الاستحكامات لتنهمر على البلدة ، وأعقبها هجوم قوي لليهود فشل أيضا وبعد ذلك خفت وطأة الهجوم من جهة الأبراج والاستحكامات ، ووصل إلينا حوالي الساعة 2.30 بعد منتصف الليل الملازم جودت ومعه سعيد زغموت ، وقال لنا الملازم جودت اثبتوا حتى الصباح فقط، وستصل نجدات كثيرة ، اصمدوا حتى الصباح ، تبادلنا معه عبارات التشجيع وكذلك مع المواقع الأخرى ، خاصة مع موقع الرشاش حيث يوجد الوكيل محمد إسماعيل بركات ، الذي كان يملك صوتا قويا، ويطلق كلمات التشجيع بين الفينة والأخرى .. اثبت اصمد مكانك؟ عليهم؟ في تلك الأثناء كان انهمار القذائف على وسط البلد مستمرا، وخفت حدته على جهتنا ، ولكننا آخذنا نسمع صوت إطلاق نيران كثيف من الجهة الغربية، ولم نعد قادرين على معرفة ما يحدث حيث كانت الأوامر تقضي بالثبات في الأبراج والاستحكامات .

عند الساعة الثالثة والنصف فجرا صمت رشاش الوكيل محمد إسماعيل ، ولم نعد نسمع كلمات التشجيع منه، وعندها خشينا أن يكون قد أصيب ، توجهت من خلال الخندق إلى موقع الرشاش ، فلم أتجد أحدا ؟. عدت إلى موقعي أخبرت الشباب الموجودين معي بأن موقع الرشاش قد أخلي أخذت تشتد أصوات إطلاق النيران القادمة من داخل البلدة ومن الجهة الغربية ، توجهت أيضا إلى موقع مجاور كان فيه عدد من أفراد الحرس الأهلي منهم محمود درويش قاسم ، ومحمد إبراهيم يونس، فوجدناهم على الحال نفسه من الارتباك، واستقر الرأي على أن أتوجه مع محمد إبراهيم يونس لنستطلع ما يحدث داخل البلدة ، وعندما وصلنا إلى قرب المسجد وجدنا اليهود أمامنا، وقد بدءوا بإيقاد نار كبيرة كإشارة إلى مدفعيتهم في صفد لكي نوقف القصف ، عدنا إلى موقعنا وتشاورنا في الآمر فرأى البعض أن ندخل القرية ، ورأى آخرون أن نلتحق وموقع الوكيل حسن زيني، بعد أن اكتشفنا أن اليهود دخلوا إلى البلدة من مأمن ، آي من المنطقة التي لم يتوقع الهجوم منها بعد أن تجاوزوا قرية الجش والمنطقة الحرجية، وزعنا ما تبقى معنا من رصاص فيما بيننا، وتوجه البعض إلى داخل البلدة ، فيما توجهت مع محمد إبراهيم يونس وطالب العوض إلى موقع الوكيل حسن زيني، فوجدناه صامدا في موقعه. ومع طلوع الشمس انجلى الموقف تماما، ولم يكن لدينا آية إمكانية للصمود في مكان مكشوف ومطوق فبدأنا الانسحاب بقيادة الوكيل حسن باتجاه الحدود اللبنانية حتى وصلنا إلى قرية بيت ياحون . في حين بدأ اليهود تنفيذ مذبحة ثأرية بربرية في الصفصاف ، ذهب ضحيتها حوالي 54 فلسطينيا أسماؤهم محفوظة لدي ومنهم حوالي العشرة من أبناء عائلتي ، بالإضافة إلى 60 من أبناء القرى التي لجأت إلى الصفصاف .
وكما كنا نعرف فمع سقوط الصفصاف تهاوت البلدات والقرى في الجليل الغربي كله ، ووقعت نجدة كبيرة من جيش الإنقاذ في كمين مروع عصر يوم 28/10/48. وفجر اليوم التالي، وصلت نجدة كبيرة من المتطوعين المغاربة إلى الجش وكانت محتلة ساعتها ، فوقعوا في كمين مروع لليهود واشتبكوا معهم بالسلاح الأبيض، واستشهد كعظم المتطوعين بعد أن انزلوا خسائر فادحة باليهود. و عندما سمعت بذلك امتلأت غيظا ومرارة، فغادرت بنت جبيل إلى سوريا وبقيت فيها منذ ذلك الوقت احلم باليوم الذي نسترد فيه أرضنا من الغزاة اليهود.

* شكرا للأخ فادي إبراهيم خليل على قيامه بإرسال هذه الرسالة للموقع

عودة إلى الصفحة الأصلية