تفاحة الزعيم

 

قصة نص بنص ...

 

  نضال حمد

 

 مايو / أيار 2005

 

التقيت به بالصدفة كانت صلعته مدورة كالسكون فوق النون، كان يحمل بيده اليمنى تفاحة حمراء.. نظرت إلى التفاحة بين أصابعه،كانت كأنها عالقة بين فكي كماشة، فقد أمسك بها من خناقها .. لا اعرف لماذا تذكرت في لحظة خاطفة قول صديقي الشاعر الراحل محمد أبو الطيب "يدي على الجرح / هذا نهار وهذي صخور" ..... مضى قطار عمر صديقي الشاعر قبل أن يمضي العام المنصرم.. عاد  إلى الله كملاك شعر وبسمة وسلام... أما هذا الممسك بالتفاحة، واضعا يده في جرحها، وكاتما نفسها بكل قوته،يكاد يخنقني أنا ... من هو هذا الرجل الغريب، ولما هو في بلدتنا....  كنت أتساءل في قرارة نفسي..

 

يمتاز الرجل الأصلع بالفتحة الظاهرة على آخر قرعته...كانت الفتحة عبارة عن أثر لجرحٍ قديم، تقافزت فوق بياضه شعيرات متبقية على جلدة رأسه، كانت الشعيرات تقفز من مكان إلى مكان كما الحركات فوق وتحت الحروف في الكلمات..عندما قفزت من مكانها مع هبوب ريح خفيفة، شاهدتها ترتفع فبانت النتف الصغيرة المتبقية فوق جلدة رأسه المحروقة بأشعة شمس الصيف...فتحة على شكل حركة،وعند النظر من زاوية مختلفة تصبح على شكل كسرة،تتحرك وفق حركة الشفاه حين يبدأ كلامه، وتتحرك أيضا مع هبوب الرياح الحمسانية التي تهب على البلاد في الربيع،كأنها فيلم عن عاصفة رملية مثل عاصفة الصحراء الأمريكية....

 

  لاحظت أن الحركات الساكنة فوق رأسه تصبح متحركة بتحرك الشفاه وباهتزاز الشعيرات العالقة فوق جلدة الرأس الملساء... كانت السكون أقوى من الفتحة، ثابتة فوق الصلعة...فجأة وبدون سابق إنذار تذكرت قصة الأستاذ أبو تحسين الذي اعتقلته قوات الغزو الإسرائيلي في مخيم فلسطيني بجنوب لبنان، حيث أثناء نقله وآخرين في حافلة عسكرية إلى معتقل أنصار الشهير، قامت مجندة صهيونية بالتبول فوق صلعته... كانت تنتقم من صلابته وفصاحته ومنه كونه موسوعة تاريخية وثقافية ووطنية،لكنها لم تهزه ولم تهزمه، فقد تحمل الموقف وعض على الجرح واحتمل الردى والعدى.. بعد سنوات من تلك الحادثة مات المعلم أبو تحسين غريباً في مخيمه الغريب بعيدا عن أوروبا ومشاريعها وعن كندا وتوطينها.

 

كانت سكون الرجل الأصلع صلبة مثل رأس جندي أقرع، لا تحركها رياح ولا تهزها عواصف..عكس الفتحة المتحركة والمتبدلة.. وكان هو الآخر يتبدل بدوره حسب تبدل أمكنته في المهاجر العربية، وبحسب اتساع حركته في البلاد الغربية، وكان يتكلم العربية بكسورٍ واضحة وبلهجات متعددة، اكتسبها من أهل المغرب العربي واليمن والسودان والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين ومصر الكبيرة.. رجل أصلع يتكلم  بلهجات مكتسبة من شتاته و وفق ما كسرته الغربة وما أنتجته اللهجات الجديدة للشباب العربي المهاجر. إذ يوجد الآن من قواعد اللغة العربية في المهاجر الأجنبية ما ليس له علاقة بالقواعد العربية الحقيقية...

 

التقينا بالصدفة في شارع غطاه الغبار، كنت اعتقد انه شارع الضباب الذي غنى له عبد الحليم حافظ .. كان الشارع يقع في بلد عربي يطبع مع الصهاينة رسميا ويرفض التطبيع شعبياً، في مدينة نصفها من التاريخ العريق والنصف الآخر من الحاضر الغريق... كانت المدينة تشهد حفل ختان ولي العهد في الجمهورية.. لا تسيئوا الظن بي، ففي بلادنا تتم تولية رئاسة الجمهورية لابن الرئيس كما يتولى ابن الملك العهد ويصبح ملكا بعد وفاة الملك.. يعني مات الرئيس عاش الرئيس الجديد.على كل كانت الاحتفالات هناك تعم البلاد من أفقر نقطة حتى أغناها .. وفي تلك اللحظات الاحتفالية تذكرت حفل زفاف ولي عهد البلد الذي منحني جنسيته وحمايته... فقد تزوج الأمير من بنت شارع، أصبحت بنت الشارع أميرة .. أليست هذه ديمقراطية حقيقية؟.. بنت شارع وأميرة! يقال أن الأميرة الجديدة قبل معرفتها بالأمير الولهان كانت تتعاطى المخدرات ومارست الجنس الجماعي مع شلتها السابقة... ويقال أن تلك شائعات ملفقة وتحريض صحفي ضد بنت الشارع التي صارت أميرة وضد حبيبها الأمير ...

 

قال صديقي محمد علي : لم تبارك لي ختان ولي عهدنا فبفضله خرج نصف أفراد عائلتي من السجن، حيث كان جده وضعهم فيه ..

 

قلت له : تقصد بمناسبة ختان أميركم وولي عهدكم تحرر محابيسكم ..

 

قال : نَعم .. قلت : نِعم الديمقراطية في بلادكم بلادنا ..

 

 قال لي دعك من هذا، المهم أن نصف عائلتي الآن تنعم بالحرية و خارج السجن الصغير.. على كل يا صديقي يبدو الهم باديا على محياك .. تعال نرتاح على رصيف 2005...

 

قلت ماذا تقصد برصيف 2005 ؟

 

انه كورنيش طويل فيه كل شيء تقريباً .. ثم مالي أراك مثل الفتحة الظاهرة على آخر الكلمة في الجملة التالية: أكلَ الزعيم التفاحة...

 

شو بدك تجنني يا محمد علي، طلع لي الذم، شو فتحة و شو تفاحة ؟

 

يقال انها تفاحة مستوردة،أحضرت للزعيم، اشتهاها فقضم نصفها بأسنانه الحادة، البيضاء كأسنان المشط العظمي،فتتها بتلك الأسنان الحادة، ثم التهمها كلها.. كان يمضغها بين أسنانه،كانت تتألم في فمه وبين أنيابه الحادة، كان مثل الجنيّ الجائع، ساكنا فيها ومسكونا بها...وقد عرف عنه القوم صراحته وأحياناً وقاحته،لكنه بعد التهام التفاحة تغير، صار رجلاً آخر، تبدل تبديلا كاملاً منذ أكلها..تفاحة مسكونة بالجن، ملعونة ..منذ واقعة التفاحة أيقنوا أن الزعيم لم يعد يتحدث بصراحة، وان لسانه ارتبط وانه انصطل وأن رأسه غدت مثل طبلية الكبة، مهما دقوها لا فائدة.. وأن حاسته السابعة فقدت وان حواسه كلها تبدلت وتغيرت.. لم يعد يشم خطر المؤامرات عن بعد آلاف الكيلومترات، لم يعد يسمع بالصاروخ قبل انطلاقه من أراضي الأعداء، ولم يعد قائداً بل أصبح رجلاً ضعيف النفس قليل الكلام كثير المنام وعديم المنفعة...

 

أصبحت تفاحة زعيم القوم حديث الناس، فمنهم من يتساءل ويقول : ترى هل كانت التفاحة محشوة بالحشيش الأفغاني أو اللبناني أو حتى الإيراني.. أم أنها كانت ملغومة بالغبار الأمريكي الأبيض، سم السموم المصنع في القارة الأمريكية. أم أنها كانت تفاحة من مزارع شارون المقامة على أراضي الفلسطينيين المنهوبة في بئر السبع والنقب.. طيب إذا كانت تفاحة من فلسطين المحتلة ومن عند شارون، فما الذي جاء بها إلى بلادنا بالرغم من المقاطعة ؟؟ هل هربها احدهم إلى قصر الزعيم، هل جاءوا بها لقصره كي يجربها قبل بقية الشعب، هل تذوقها كي يكسر قرار المقاطعة..؟؟ ممكن سفير دولة أوروبية ما أو عربية تطبيعية ما، هو الذي جلب التفاح الشاروني بغية نشره عبر الحاكم الفلاني في بلاد العرب مقابل عمولة من فضة وذهب، وحصة من نفط العراق والخليج..؟؟ كثرت الأقاويل والشائعات في البلد، صار كل شيء ممكن ووارد، طبعا لا شيء مستحيل في هذه الأيام، فالانكسارات تأتي من قصور وبلاط الحكام والزعامات.. لم يفكروا بالأصلع والتفاحة التي كانت في قبضته.. لغاية الآن لا احد يملك الإجابة الصحيحة عن سر التفاحة الحمراء...لكن الناس قلقون على مصير رئيسهم وقضيتهم ووطنهم الكبير الذي يصغر كلما التهم احدهم تفاحة ما..

 

 لا حول ولا قوة إلا بالله العلي القدير، من أين جاءت التفاحة المكورة والمدورة، الحمراء، هل كانت تفاحة ذاك الرجل الأصلع،ومن هو الأصلع؟ أم أنها كانت تفاحة مسحورة أم مصابة بعين أجنبية،أم كان فيها مس جنيّ من ممالك قديم الزمان.. لا أحد يدري من أين جاءت التفاحة ومن أوصلها للزعيم القوي في خيمته العربية. لقد تبدل حاله بعدما التهم تلك التفاحة التي كانت شبيهة بنهد من نهدي ملكة جمال الكون. ترى هل ظن نفسه مع حورية من حواري الجنة الموعودة؟ طيب شو دخله هو بالجنة، الجنة مفتوحة للأبرياء والشرفاء والشهداء، وهو بصراحة ليس من هؤلاء.. قد يكون بكل بساطة وجد أمامه تلك التفاحة فالتهمها في لحظة جشع وضعف وقبل أن يسأل عن أصلها و فصلها؟؟ لكن ليس هذا من خصال وشيم الزعماء الظالمين، فهم لا يقربون الطعام قبل أن يقوم احد الطباخين أو الحاشية بتجربته خوفا من أن يكون هناك سموم أو قطران ما في الطعام والفاكهة.

 

قلت لصديقي : يا أخي لا احد يستطيع مقاومة الجوع خاصة إذا قدمت له تفاحة ملكية مكورة بشكل جيد وكأنها تحفة منحوته في أفضل المتاحف الفنية. فنحن ايضاً أولاد الأزقة وحارات الفقراء لا نستطيع مقاومة تفاحة من جنة عدن الخضراء.. خاصة إذا كانت تفاحة منتفضة كرأس قط أو كنهد مدعم بالسيليكون.. هذا النوع  السيليكوني من التفاح يشبع كل جائع.. ويجعل حتى من الزعيم أو الرئيس مثل رأس بصل في كيس، ومن الملك صفر على الشمال.. ومن المواطن العادي إشارة ضوء أو بوليس سير يلتفت في كل الاتجاهات طوال اليوم، ويقضي نهاره من الصباح حتى المساء باحثا عن نهد أو تفاحة يسد بهما جوعه.

 

على ذكر الشارات وشرطة المرور أو السير ،قال لي صديقي: إن شرطي المرور في بلده رجل مسكين يقضي الوقت كله يكش الذباب، لأنه وظف شرطي سير بينما الشوارع في بلدته لا تصلح للسير. ولا يوجد هناك إشارات ضوئية،كل واحد يسير حسب سير الأوضاع في الشارع.

 

سألته طيب إذا كانت شرطية :

 

 إذا كانت شرطية فهي أيضا مسكينة، لأنها ستتعرض لوابل من المشاكسات والكلمات والتلطيشات بكل أنواعها.. وقد تتسبب في حوادث كثيرة لان السائقين سوف ينظرون نحوها بدلا من النظر أمامهم.. خاصة إذا كانت مسلحة بتفاح بلدي يستطيبه أهل البلدة، فهم ناس بسطاء، لا يحبون الكيمياء ولا يفهمون في علم الأحياء وأسرار السيليكون... كل مصائب الذكور في الدنيا بدأت من أكل التفاحة..وكل مصائب النساء في الدنيا بدأت من قلة حيلة وضعف الذكور ..

 

قلت لصديقي : شرطي السير في بلادنا يقف في الشمس الحارقة طوال اليوم، ينظم سير المركبات والحمير والجمال والبشر.. المشكلة ان بلادنا تعج بهؤلاء، نعم في بلادنا كثير من الجَمال والجِمال، أحيانا وبسبب كثرة تلك الأخيرة يتهيأ لي أنني في بلاد غير بلادنا، أحيانا اشعر وكأنني أسير في شوارع المدن الهندية التي تتكاثر فيها الأبقار، إذ أن للأبقار مكانة محترمة أكثر من مكانة البشر في بلد سيصبح عدد سكانه في القريب العاجل مليار  نسمة..

 

أبقارنا تختلف عن أبقار الهند، هناك تتحكم البقرة بالرجل والمرأة والدولة، وهنا يتحكم العجل بالرجل والبقرة بالمرأة والدولة بالجميع..جنون بقر وجنون بشر... هناك لا حياة بدون البقر وهنا لا حياة مع هؤلاء البشر.. عجقة سير، فوضى،حفر في كل الشوارع والطرقات، مازوت ، ديزل و بنزين، شرطية تكش ذباب وتهتم بترتيب تفاحها السيليكوني..شرطي ينقر في الصخر، يحفر نفقاً جديداً في انفه، يبحث فيه عن جيوبه المسدودة نتيجة الغبار وهبوب الرياح الرملية... قيظ و حرّ ، صراخ وجدل بيزنطي، مشاجرة على لا شيء،مركبات آلية وأخرى تجرها الحيوانات... بصراحة يا صديقي تلك مهنة صعبة.. لو كنت قبلت في كلية الشرطة لما وافقت أبداً على تلك المهنة المتعبة.واحمد الله أن بلدتنا لازالت بعيدة عن تقدم وازدهار بلدات أوروبا سنوات ضوئية، وأنها لازالت بلا إشارات ضوئية وبدون شرطة مرور ووجع راس وأن فيها زعيم قوي علينا وضعيف أمام كل أنواع التفاح، وان الكهرباء في بلدتنا لم تصل سوى لمؤخراتنا.. تماما كما في مسرحية غوار الطوشة ..

 

وزعيمنا المتجدد في أولاده واحفاده، ملكنا ورئيسنا الجديد بالرغم من فطنته ومعرفته إلا انه علق عندما أكل تفاحة مجهولة الهوية، تفاحة رجل أصلع مجهول الشخصية، فصارت التفاحة قصة و قضية تشغل بال الأمة...

 

هل تعتقد أن التفاحة كانت مؤامرة من معسكر أعداء الديمقراطية في البلد؟

 

 اسمع أقول لك لقد قرأت في جريدة عربية تصدر من دولة أجنبية هربت إلى البلد وأقول دولية ومهربة لأن أصناف الجرائد تلك ممنوعة من الوصول والدخول إلى بلدنا،ولو وجدوها معي سيكون عقابي مخيف ، فحكامنا يخافون على ديمقراطية الحكم من فكر المؤامرة الذي تصدره الجماعات الخارجة عن القانون، والصحف المطبوعة في بلاد أوروبا... يخافون أيضا من الديمقراطية والليبرالية والشورى .. حتى أن بعضهم يخاف على نفسه من أولاده الذين لا يترددوا بدورهم بالانقلاب على الآباء .. خليها على الله ... المهم قرأت من بين ما قرأته: إن التفاحة تعرضت عن طريق الصدفة أو بالخطأ لإشعاعات قوية نتيجة التفتيش الدقيق الذي قامت به شرطة الحدود على الشاحنات التي كانت تنقل البضائع. فقد أدخلت صناديق الفاكهة في أجهزة تفتيش حديثة، اشترتها دولة الزعيم من دول صديقة كبرى..لتفتيش كل من يدخل ويخرج إلى ومن البلد.. المهم تسربت إشعاعات سامة من الجهاز الحديث إلى صناديق التفاح مما أدى إلى تسممها، وكان الزعيم الأوحد ضحية للإشعاع المستورد، فقد جلبه كي يحافظ على الأمن والنظام وليكشف المتفجرات والمخدرات والإرهابيين وما يدور في دواخلهم لأن الجهاز المذكور يدخل إلى جسم الإنسان ويعريه تماما، يكشف كل عوراته ومستوراته...وكان يطبق مبدأ المرور عبره على كل أبناء الشعب العائدين من السفر ومن ضمنهم ذاك الرجل الأصلع المجهول الهوية .. مسكين الزعيم ففي النهاية ونتيجة التهامه لتفاحة عبرت الجهاز عن طريق الخطأ، أصيب بإشعاع غريب، أثر على حياته وسلطته وسياسته وأفكاره..صار مثل البقرة المريضة لا يصلح لزرع ولا لحصاد، لا يعطي ولا يفيد، وجد نفسه بدون قوة وبلا حول.. لم يبق منه سوى طيف لرجل هزيل في مرايا القصر وتحت أشعة الشمس.. حاكم تذوق طعم سياسته وعرف آثار الإشعاع الذي سمم به جسد حاشيته عبر تفاحة مدورة ضعف أمامها فالتهمها لكنها في النهاية هي التي التهمته.. مات الزعيم واختفى الرجل الأصلع بالفتحة الظاهرة على صلعته وبقي أهل البلاد يبحثون عن رزقهم، يقرئون الفاتحة على أرواح أمواتهم من روح أبو تحسين في مقبرة مخيمه إلى أرواح أمواتهم في الوطن الكبير.. مات الزعيم ولم تمت الأمة، حيث واصل الناس عجلة الحياة كأن شيئا لم يكن.