في مثل هذا اليوم رحل الرفيق طلعت يعقوب تاركا خلفه ذكريات وعبر من المسيرة الصعبة .. له الخلود ولنا الوفاء ، ها أنا أعيد نشر ما كنت قد كتبته قبل أعوام عن هذا الرجل الشجاع ..
نضال حمد
وفاء لطلعت يعقوب
نضال حمد – اوسلو
في ذاك الرجل المبدئي كانوا يرون المبادئ المعافية والأخلاق النبيلة،الثورية الصافية والفلسطينية الوافية،وحسن السلوك، والتواضع، ورحابة الصدر ، وقوة التحمل والاحتمال، وهيبة الفقر المسلح بقداسة الايمان، والسلوكيات السليمة والمسلكيات الرزينة،والانتماء للفقر المسلح والخبز الثوري الساخن...
فيه كان الوفاء يتكلم بثقة وقوة الصحابة،بصحابية العقيدة والفعل حيث بالممارسة مارس عمله النضالي وكافح منذ البداية حتى النهاية. هذا القائد الذي فضل أن يبقى في الظل على الشهرة المصطنعة وكاميرات التلفزة وأقلام الصحافة..فعاش أمينا ومات أكثر أمانة وشموخ..
وما اعتلاء الجوع لعرش الوجع فيه سوى شهادة على نظافة جيوبه وصفاء ومثالية سلوكه..فقد كان يجوع ويُجَوِع من هم أقرب الناس إليه حتى يوفر المال والطعام لمن هم أيضا محرومون وجياع،لأبناء وبنات شعبه من أهالي الشهداء والجرحى والأسرى،ومن رفاقه أرباب العائلات... وكم من أولائك الرفاق خذله وذهب بالمال إلى رؤوس الأموال من قادة المصادفة الذين كان البعض يظنهم رجالا فإذا بهم مجرد ديوك تصيح على جوانب الطرق في عواصم الخلافة ..
أذكر يوما كان فيه بعض الرفاق يجلسون على كنبة في بيت طلعت يعقوب وذلك عندما حضرت والدة أحد شهداء جبهة التحرير الفلسطينية والتي كان أبو يعقوب زعيمها المحبوب..دخلت المرأة المنزل وهي تحمل بين يديها صندوقا من البرتقال.. وبعد القاء التحية على الجالسين ثم تسليمها على الأخت وفاء " أم طارق" زوجة طلعت يعقوب،قامت بتقديم البرتقال لها.بعد هنيهات سألت أم الشهيد عن امكانية التحدث مع الرفيق طلعت،حيث كان الأخير يجلس في الغرفة المقابلة للصالون، مكان جلوس رفاقه وجلهم من الجرحى الذين لم يكن لهم من مأوى بعد الرحيل عن بيروت سوى بيت قائدهم..بعد ذلك على الفور قام أحدهم بإبلاغ أبو طارق بأن المرأة تريد التحدث معه.
في تلك الأيام كانت الجبهة محاصرة ماليا ومحاصرة أمنيا وسياسيا وكانت الأزمة المالية خانقة جدا ومميتة خاصة بعد خروجها من بيروت وازدياد التوتر والخلاف بين الفصائل والقيادة المتنفذة في منظمة التحرير الفلسطينية من جهة،وبينها وبين النهج العدمي والانشقاقي في الساحة الفلسطينية من جهة أخرى.وكان مطلوبا من طلعت يعقوب كقائد لجبهة التحرير أن يحسم أمره مع عرفات أو ضده..حيث كان الحل الوسط مرفوضا تماما من المنشقين أو المنتفضين كما كان يحلوا لهم القول. وكذلك من حلفائهم في بعض الدول العربية،بالإضافة للرفض المدعوم بعقوبات مالية من الجانب الآخر، جانب القيادة المتنفذة،الذي قام بقطع المال وحصة الجبهة من الصندوق القومي الفلسطيني،ثم حجزها طويلا إلى أن استطاع لاحقا شق جبهة التحرير الفلسطينية.ومنذ تلك الواقعة بقي ولازال حتى يومنا هذا يسلم أموال أحياء و شهداء الجبهة للمجموعة التي انشقت عن طلعت والتحقت بنهج الهيمنة في الساحة الفلسطينية منذ حصار طرابلس الشهير سنة 1983.وقد حرصت تلك الفئة من المنتفعين على البقاء في دائرته ولازالت تابعة له لغاية الآن.
كان المقصود من هذه الإطالة توضيح ما سيحدث بين ام الشهيد ورفيقه،وكذلك توضيح وتبين حقيقة خلفية ردة فعل طلعت يعقوب عندما رأى البرتقال بين يدي أفراد عائلته. حيث ان والدة الشهيد جاءت كي تطالب بمرتبات أبنها الراحل والتي لم تتقاضاها منذ عدة أشهر.
لقد بدا الغضب على وجه طلعت يعقوب وكان حزنه كبيرا وشديدا،ظهر وبان على محياه عندما خرج مع المرأة لكي يوصلها إلى باب البيت مودعا وواعدا بفعل أي شيء من أجل تأمين المساعدة لها.
طلعت وعدها رغم انه هو نفسه كان يعيش على وعود الآخرين،لكنه ومعه جيل القواعد والتحرير من رجالات الخبز العقائدي الذي لا يهزه الجوع، وكل شرفاء ومناضلي الجبهة في تلك المرحلة،كانوا يعرفون أنهم يعيشون وضعا غاية في الصعوبة والخطورة. فالمطلوب منهم المبايعة،الردة والارتداد، بيع موقفهم،تقديمه لهذا او ذاك من الإخوة الأعداء وأولاد عمومتهم الأشقياء.ثم بعد ذلك تنهمر المساعدات وتتدفق الأموال من هنا وهناك.. لكنهم رفضوا وقالوا انهم مع فلسطين،مع الوحدة الوطنية الفلسطينية،وضد الاقتتال الفلسطيني الفلسطيني،ومع وحدة الصف والموقف،ومع تنظيف البيت،ومع تطهير الصفوف من العملاء والجبناء وبخاصة الذين فروا من مواقعهم وساحات المعركة يوم اشتدت المواجهة،ومع ان لا تنحرف البنادق المقاتلة وصواريخ المقاومة عن أهدافها ومساراتها.وانهم ضد حصار طرابلس وضد استغلال حصار المدينة والانشقاق للتوجه إلى أحضان كمب ديفيد وتمهيد الطريق لمشاريع التصفية والاستسلام.
بكل تلك الأشياء والأمور كان يفكر طلعت يعقوب وهو يودع والدة الشهيد ويعود أدراجه متجها نحوهم. وفي تلك اللحظة بالضبط شاهد طلعت أطفاله الصغار وهم يقشرون البرتقال،ورأى على طاولة في المطبخ صندوقا من البرتقال..فجن جنونه،وسرعان ما ذهب إلى المطبخ صارخا في زوجته أكل هذا البرتقال لنا؟أولادي يأكلون منه وأم الشهيد وأولاده لا مال لديهم ولا طعام؟؟!! حاولت أم طارق أن توضح له سر البرتقال الحزين لكنها لم تفلح ولم تتمكن من إيجاد لحظة واحدة كي تقول له الحقيقة..ففي تلك اللحظات القليلة قام أبو يعقوب بقذف البرتقال من البلكونة واتلافه.. حينها تدخل الحضور وشرحوا له الأمر ،وتمكنت ام طارق من تفسير الموقف وإبلاغه بأن البرتقال هو هدية لأولاده المحرومين منه منذ بدأ الموسم،انه من تلك المرأة .. من أم الشهيد.
ألا يحق لهكذا رجل أن يرقى لمقام القديسين ؟
نعم يحق لطلعت يعقوب ما لا يحق لغيره من قادة المصادفة الذين تسلقوا على جثث الشهداء والضحايا كي يبنوا مجدهم الزائف والغابر والغائر .. فطلعت يعقوب امتطى الفقر فرسا لمواجهة نهج التركيع والتجويع،وبقي كالفارس الأبي،وفيا لمبادئه وقناعاته حتى وافته المنية يوم 17-11-1988 في العاصمة الجزائرية نتيجة نوبة قلبية. ولم يقدم قبل موته أي موقف تنازلي للقيادة المتنفذة والمتفذلكة بالرغم من كل ألاعيبها وإغراءاتها.
لقد وجدت وبعد طول تفكير ومن واقع انني عايشت الشهيد عن قرب أنه من الضروري جمع كل ما يتعلق بهذا الفلسطيني الطيب،هذا القائد الذي رفض تلميع نفسه وفضل العمل في الظل كمقاتل سياسي وثوري على الشهرة العابرة.
ان الوفاء لأبي يعقوب يكون بلملمة كل ما يتعلق بحياته ومسيرته،فهو رجل كبير،ورمز وطني،وقائد حقيقي،آمن بالكفاح سبيلا لتحرير فلسطين منذ بداياته الأولى شابا قوميا يانعا في مخيم عقبة جبر، في أريحا حتى مواراته الثرى عن عمر ناهز ال44 عاما في مقبرة الشهداء في مخيم اليرموك قرب دمشق ...
انتهى