بين حمام الشط وحطين أزمنة وسنين
الى الشهيد فيصل شريدي
تاريخ النشر السابق : 2 تشرين الأول 2003
نضال حمد
مات فيصل شهيدا فلسطينيا في شمال أفريقيا ، على مقربة من قرطاج و مآثر زعيمها العظيم هنيبعل ،الذي قاوم الفرنجة وهزمهم في أحيانا أخرى. رحل أبن البلد الهادئ والمتواضع والشريد في عالم العرب القريب البعيد، رحل فيصل مدرجا بدمه ، ومرت الأيام والسنون وتشتتنا في كل بقاع الدنيا ، تحت وفوق الأرض ، ولم أجد الإجابة الشافية على سؤالي ، لا في حياته ولا بعد مماته.
قبل أيام قليلة مرت ذكرى الغارة التي شنتها الطائرات الحربية الإسرائيلية على مقر الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بمنطقة حمام الشط في تونس ، وكان ذلك يوم 29-09-1985 ، حيث قيل أنها جاءت ردا على عملية لحركة فتح، ثم تبع ذلك في السابع من تشرين الأول 1985 عملية اختطاف السفينة الإيطالية أكيلو لاورو من قبل مجموعة فلسطينية مسلحة، حاولت الوصول الى ميناء أسدود لتنفيذ مهمة قتالية ضد الصهاينة في فلسطين المحتلة.
وقد أدت الغارة لاستشهاد وجرح العشرات من الفلسطينيين والتونسيين، حيث لازالت قبور الشهداء موجودة في تونس حتى يومنا هذا. كان من بين شهداء الغارة، الصفصافي أبن بلدتنا الصفصاف في الجليل و بنفس الوقت أبن مخيمنا عين الحلوة في المنفى العربي الذي تريده إسرائيل ومعها أمريكا وطنا بديل. هناك في حمام الشط يرقد الصفصافي فيصل الشريدي أحد شهداء حركة فتح ، من الفلسطينيين الذين استشهدوا في الغارة المذكورة.
لقد كان فيصل الشريدي شابا فلسطينيا تقيا ومؤمنا، ظل ملتزما دينيا حتى آخر أيام حياته ولحظات مماته.
لم يكن من الذين يعرفون من الدنيا أي وجه آخر غير وجه الله ودينه الإسلامي الحنيف، لذا كان دائما يثير استغرابي بوجوده في قوات أمن ال17 ، فعندما كنت أراه في لبنان قبل الرحيل عن بيروت وقبل وأثناء الحصار الصعب والطويل في عاصمة العروبة ، حيث كان يقاتل بشراسة و يمارس معتقداته الإيمانية والدينية بهدوء وخشوع،كنت أقول هذا الرجل غريب الأطوار فعلا، فما الذي يجمعه مع قوم مثل أهل ال17 ؟
كان يداوم في وسط غريب و عجيب كما كان حال جهاز أمن ال17 في لبنان، فهذا الجهاز كان حكرا على فئة معينة من الرجال الذين أنجبتهم تجربة لبنان، حيث كان وكرا لمعظم الذين لا دخل لهم بالدين أو بالدنيا.
كنت أتساءل دائما لماذا هذا الفيصل في هذا الجهاز بالذات ؟ مات فيصل شهيدا فلسطينيا في شمال أفريقيا ، على مقربة من قرطاج و مآثر زعيمها العظيم هنيبعل ،الذي قاوم الفرنجة وهزمهم في أحيانا أخرى. رحل أبن البلد الهادئ والمتواضع والشريد في عالم العرب القريب البعيد، رحل فيصل مدرجا بدمه ، ومرت الأيام والسنون وتشتتنا في كل بقاع الدنيا ، تحت وفوق الأرض ، ولم أجد الإجابة الشافية على سؤالي ، لا في حياته ولا بعد مماته.
كنت في خريف العام الماضي زرت تونس برفقة أصدقاء لي، وكانت الزيارة ممتعة وشيقة، حيث أن لتونس مكانة في قلبي، ثم عدت وزرتها نهاية أغسطس آب من العام الحالي ، وعقدت العزم على زيارة مقبرة شهداء حمام الشط ، ووضع أكليل أو باقة من الزهور على قبر الأخ فيصل وإخوانه الشهداء، لكن الحظ لم يسعفني في كلا الرحلتين، وعدت من تونس دون زيارة قبر أبن البلد وأبن المخيم، مما زاد من غضبي على نفسي وعلى قلة حيلتي وبرامجي غير المرتبة كما يجب أن ترتب ، وغير المعدة كما يجب أن تعد وتكون. ها أنا أخي فيصل أعلن ندمي وأسفي على عدم وفاءي بوعدي، مع أن الوعد قطعته على نفسي فقط لا غير ، ولم أخبر به أحدا ، ولم أشرك أيا كان بنيتي زيارة قبرك ، لكي تشتم من رائحة الورد الذي أحمله عبق ورد مخيمنا، وعطر زهور بلدتنا الجليلية، ولم أفصح حتى لأصدقائي في سفرتي ورحلتي ما كنت أنوي القيام به، فزيارة قبرك يا فيصل واجب عائلي ووطني وأخلاقي.
الآن وبعد كل هذه السنوات من عمر الغارة الوحشية على حمام الشط ، ينظر الإنسان بحزن كبير للحالة العربية الرثة ، حيث لا عرب ولا عروبة سوى على الورق وفي بعض الحناجر التي لم تتعبها الهزائم العربية المتتالية.
فالأمة العربية متعبة من ثقل الهزائم ووقعها الصاعق على الآباء والأبناء، لكن وبالرغم من احتلال العراق وسقوط الأنظمة العربية في وحل التبعية الأمريكية، إلا أن بشائر الأمل بحيوية وحياة هذه الأمة تأتينا دائما من أخوة فيصل الشريدي الذين يدافعون عن التراب الفلسطيني ويصدون بأجسادهم المقنبلة وصدورهم العارية هجمة التصفية التي تستهدف الأمة العربية ليس في العراق وفلسطين فحسب بل في كل العالم العربي.
علينا أن نعيد الأمل للذين فقدوه، ففي مثل هذا اليوم من سنة 1187 حرر الناصر صلاح الدين الأيوبي القدس من الفرنجة الصليبيين في معركة الكرامة العربية والإسلامية في حطين الفلسطينية.
ففي ذكرى شهداء غارة حمام الشط ومعركة تحرير القدس في حطين بقيادة صلاح الدين ، نقول للعرب أينما كانوا أن تاريخنا عظيم وجليل ، لكن علينا النظر ألى حاضرنا والعمل من أجل مستقبلنا بعيدا عن البكاء على الأطلال وفوق أضرحة الموتى والشهداء، فليس سوى العمل والتلاحم والتضامن والأيمان بأن هذه الأمة لازالت عظيمة ، وتملك إمكانيات ومقومات الخروج من حالة الحصار والقنوط التي تسودها.
الحقوق محفوظة لنضال حمد
Copyright©2004Nidal Hamad
اخبرونا عن أي وصلة لا تعمل