رحلتي إلى هولندا
كانون الثاني (يناير) 2005
نضال حمد
كنت قبل أسابيع عدة كتبت مقالة طويلة بعنوان مرحاض المراحيض تحدثت فيها عن المراحيض
بشكل عام وعن مرحاض هولندي ناطق،جديد و مستحدث بشكل خاص،وصفت فيه ميزاته التقنية
والثقافية،وخصاله الجيدة التي تريح قاضي الحاجة نفسياً.وكان من المفترض أن أجربه
أثناء رحلة قادتني إلى هولندة نهاية شهر سبتمبر الماضي.لكن ولسوء حظي فان رحلتي
كانت قصيرة جداً،لمدة ثلاثة أيام فقط،قضيت معظم الوقت في اجتماعات فلسطينية
مهجرية،كان يفترض بها ولازلت أؤمن بذلك أن تضيف أشياء جديدة للعمل الوطني المهجري
بين المؤسسات والروابط والجاليات ولجان العودة في أوروبا.لكن وفي خضم تلك
الاجتماعات والتنقلات وبعد التعب والعناء من السير في الأزقة والشوراع والساحات
وقلة استعمال المراحيض، لا أعرف لماذا ؟!.. نسيت أن أقصد المكان المذكور لقضاء
حاجتي في المرحاض الجديد.وعدت من هولندا دون أن أرى المرحاض الذي كتبت مقالة كاملة
وطويلة عنه سابقاً.. وهنا انطبق علي المثل الشعبي القائل "تيتي تيتي مثل ما رحت
جيتي".
في اليوم قبل الأخير من رحلتي الهولندية توجهت فعلا إلى العاصمة أمستردام بصحبة الأخ طارق،هذا الفلسطيني الطيب الذي رافقني في رحلتي سيرا على الأقدام ، وتحمل عناء مرافقتي خاصة أنني أسير ببطء كسلحفاة، نتيجة إصابتي في معركة حصار بيروت الشهير صيف 1982 و التي أفقدتني ساقي اليسرى وحطمت ما تبقى من اليمنى.كنت خلال مسيري اتكىء على عكازتي التي يسمونها باللغة البولندية "لاسكا" ولها معنى آخر وهو البنت الرشيقة والجميلة. لكنها أي كلمة لاسكا باللغة التشيكية وهي أيضاً لغة سلافية مثل البولندية،ويتحدث بها التشيك وهم جيران البولون، تعني الحب، نعم لاسكا تلك تعني الحب...الحب بعظمته وهيبته ورهبته ولذته وسطوته. وأذكر قصة روتها لي رفيقة عمري ودربي زوجتي دوروتا.. قالت لي أنها في إحدى المرات و قبل أن تصبح زوجتي كانت تسير بصحبة صديقتها وقد رأتني أسير قرب مسكن الطلبة (كأنها كانت تراقبني وأنا بغافلٍ عما يدور حولي)، قالت لرفيقتها أنني اعرف هذا الشاب العربي الذي معه العصا، ولكن صديقتها نظرت فرأت شابا بولنديا يسير مع فتاة بولندية على مقربة، فقالت لزوجتي : لكن لا يبدو عليه انه عربي... طبعا الحق على اللغة لأنها كانت السبب في اختلاط الأمر على الصديقة فظنت أن المقصود بكلمة لاسكا الفتاة وليس العصا.
المهم تجولت في شوارع وأزقة مدينة التحشيش العلني برائحته الكريهة التي تجعل الصاحي ينسطل والمسطول يزداد انسطالاً. وكان طارق صديق صديقي الواثق الموثوق أبو عمر ، يريد راحتي وقد وضع نفسه رهن إشارتي، لكنني أنا أيضاً كنت كذلك أريد وضع نفسي تحت تصرفه ورهن إشارته ولم أرد أن أزعجه أو أثقل عليه. وهكذا قضينا ساعات طويلة في التسكع والتقاط الصور التذكارية. التي فيما بعد فقدتها كلها بسبب فيروس ضرب جهاز الكمبيوتر قبل أن أتمكن من نسخ ملفاتي الموجودة فيه. فذهبت الملفات ومن ضمنها الصور في هولندا والكثير من البلدان والأمكنة العالمية الأخرى. يعني بصراحة كان الفيروس كارثياً ومجزرة الكترونية.
في أمستردام قلت لطارق أريد رؤية ميدان الضوء الأحمر، لأن أحد أصدقائي الكُتاب قال لي إياك أن لا تزور الميدان، فإذا لم تزره كأنك لم تر أمستردام. وهذا الكاتب المشاكس اعلم مني بخبايا ودواوين وطواحين ميدان الضوء الأحمر. وقد قال لي إياك، مما يعني أن الميدان أهم من معالم العاصمة الأخرى، مثل الطواحين والجسور وأزهار التوليبان.. ففي الميدان توجد النساء شبه العاريات تحت ضوء القمر أو ضوء الميدان الأحمر،وأكثر من ذلك أن الميدان أهم من كل حشاشي أمستردام من الهولنديين والمهاجرين. ولسذاجتي وأنا الذي يعيش في أوروبا وصديقي على العكس مني يعيش في أمريكا بعيدا عن هولندة وبولندة والنرويج، قمت بسؤاله عن سر ميدان الضوء الأحمر، بداية ظننت أنه يشبه الساحة الحمراء في موسكو حيث هبط متطفل ألماني بطائرته الصغيرة في زمن البيروسترويكا ورئيس الاتحاد السوفيتي الآيل إلى الانقراض والتفكك آنذاك، الرفيق ميخائيل غورباتشوف.وكذلك حيث قبر فلاديمير ايليتش لينين زعيم البلشفية والثورة الاشتراكية التي غيرت مسار أوروبا والعالم لأكثر من 70 سنة،وبدلت الكثير من البلاد واللغات والعادات والديانات والأخلاقيات،وأعادت ترسيم حدود أوروبا كما أرادت، حيث لازالت آثارها موجودة في جمهوريات البلطيق وبولندة وكذلك في الشيشان وجورجيا وابخازيا وارمينيا واذربيجيان...الخ. كما أنها بنت قوة عسكرية هائلة و مخيفة. لكنها فشلت اقتصاديا ورسبت في امتحان حقوق الفرد و حريات الرأي و البشر، فسرعان ما تهدمت وزالت وأصبحت في خبر كان كأنها ما كانت. وبعد وصول جواب صاحبي الوافي عرفت أن هناك فرقاً كبيراً بين الساحة والميدان وبين الأنوار المشعة والأضواء الحمراء.
الميدان الأحمر أو ميدان الضوء الأحمر هو عبارة عن صف طويل من محلات الدعارة والبغاء يمتد على ضفتي رافد من روافد نهر يخترق العاصمة الهولندية أمستردام، حيث تنتشر الجسور بكثافة، ويقال أنها مدينة الجسور الثانية بعد البندقية في ايطاليا.يمر المرء بمحاذاة الأمكنة المخصصة للبغاء والدعارة،يشاهد نسوة وفتيات في ملابسهن الداخلية أو ملابس الإغراء، منهن الواقفات ومنهن الجالسات والمتغنجات والراقصات، وهن من ملل كثيرة ولهن بشرة منوعة، تجمع كافة الأنواع الإنسانية المعروفة في كل القارات. يعني باختصار ميدان حمير بشرية، سيء و مقرف، فيه سلع رخيصة ورجال ارخص يتهافتون على هذه وتلك من بائعات الهوى. وكل هذا يحدث في منطقة تفوح منها روائح الحشيش والأفيون والخمر والدعارة.
في يومي الهولندي الأخير وقبل السفر بساعات قليلة وعند الظهيرة سافرت بالسيارة من مدينة لايدن حيث التجمعات الجامعية والطلابية،وحيث يسكن الصديقان واثق وطارق الى حيث محكمة العدل الدولية، في مكان لا يبعد كثيرا عن العاصمة، ولاحظت أن المسافات قريبة جدا بين المدن الهولندية مثل امستردام وروتردام وفلاردينجن ولايدن التي فيها طواحين مميزة وجميلة ومدينة جامعية، ومدينة محكمة لاهاي الدولية المعروفة، ومدن أخرى عدة حول العاصمة. مررنا بالقرب من السجن المخصص لمجرمي الحرب الدوليين وحيث يعتقل الرئيس اليوغسلافي السابق ميلوشيفتش. كما توقفنا أمام مقر المحكمة الدولية حيث القصر الضخم والعريق الذي يتكون منه ذاك المقر. وأمامه حديقة خضراء فيها ورود منوعة وجميلة. التقطنا هناك صورا عديدة وكان يقف على مقربة منا حشد من اليابانيين يمارسون هوايتهم المفضلة في التقاط الصور بكاميرات حديثة جدا. وفي نفس المكان كانت جرت التظاهرة الدولية الكبرى ضد الجدار العازل في فلسطين المحتلة وقد شارك فيها يهود يعارضون فكرة دولة إسرائيل ولا يعترفون بها.
بعد تلك الزيارة السريعة في لاهاي والتي جرت يوم 28سيبتمبر 2004، أي في ذكرى الانتفاضة الفلسطينية الثانية،عدت إلى اوسلو من أمستردام عبر العاصمة الدنماركية كوبنهاغين وذلك بسبب إضراب عمال المطارات في النرويج. فبعد تأخير دام يوم كامل في عاصمة الأجبان والألبان والبيرة وعروس البحر التي قطع رأسها لص دنماركي وقام بسرقته لكنه أعاده بعد فترة. اضطررت للمبيت بضيافة صديق الدراسة والسياسة جمال "أبو خالد"، والتقيت خلال تلك الليلة الكبيرة أيضاً بصديقين آخرين هما رمزي وأبو سمرة. هؤلاء كلهم أصدقاء قدامى تزاملنا معا في مرحلة ما بعد بيروت 1982 على مقاعد العلم في إحدى الدول الأوروبية الشرقية. في تلك الحقبة من الزمن كان مجرد التفكير بزيارة النرويج أو الدنمارك أو هولندة ضرباً من الخيال. وكنا في مدن وودج وفروتسلاف وكاتوفيتسى ويلينيا غورا نسهر الليالي في طلب العلم وفي ضرب الكؤوس وطق الحنك والحديث في السياسة وكل شيء فلسطيني يوجع الرأس ويفرغ الجيب والكأس. كنا في دولة من الدول الحمراء (نسبة للشيوعية) ولكنا لم نر هناك ساحات و ميادين حمراء كما في موسكو وأمستردام.
رحلتي في هولندا كانت مفيدة حيث تعرفت أكثر وبشكل أفضل على أصدقاء قدامى وجدد، واستفدت معلوماتياً أيضاً، فأصبحت اعرف أن في هولندة جالية فلسطينية كبيرة ومنها من جاء إلى هناك منذ عشرات السنين حيث وصلت أول دفعة سنة 1963 وكان تعدادها ستون شخصاً حضروا لتلقي دورات في مصانع السمن والزبدة والزيوت الهولندية، حيث كانوا يعملون في مصانع آل المصري للزيوت في نابلس. ثم تبعتها دفعة أخرى من 16 شخصاً وذلك سنة 1966 ، هذه الدفعة أيضاً استقرت هناك نتيجة حاجة المصنع الهولندي لها وتمديده إقامتها ومن ثم وقوع نكسة حزيران 1967. وقد استقر بهم المقام في مدينة فلاردينجن بهولندا ولم يرجعوا الى فلسطين إلا زواراً أو تجاراً. كما ويبلغ تعدادهم الآن حوالي ألف نسمة هم وذريتهم ومن تبقى منهم على قيد الحياة.. ويقال أنهم يسكنون تقريباً في منطقة واحدة بنفس المدينة، ومعظمهم من مدينة نابلس وقراها.
قبل الختام أقول إن في هولندا وجودا لجالية فلسطينية يقدر تعدادها بعدة آلاف من المهاجرين موزعين على كافة مناطقها. وينطبق عليهم ما ينطبق على معظم الجاليات الفلسطينية في أوروبا، هناك تفتت وتشرذم، و لا يوجد مؤسسات فعلية أو روابط ولجان وإطارات عملية تجمع أبناء فلسطين فيها، أما السفارة أو الممثلية الفلسطينية فليست أكثر من شاهد لم ير حاجة ولا يعرف حاجة عن الفلسطينيين في تلك البلاد. وهي بذلك تكون مثل معظم السفارات والمكاتب الفلسطينية في الخارج لا تفكر بفلسطين ولا بالفلسطينيين، فقط بالمال وبالبنين وبالحياة الدنيا.
في النهاية آلمني جدا أنه لم يبق من صور رحلتي الهولندية أي صورة فقد أكلهم الذئب الالكتروني الغازي، حيث احتل حاسوبي وقام بتعريته وتشريحه مما أتلفه وأدى إلى اختطاف كل شيء كان موجودا فيه. وهذه الكارثة الالكترونية مع عدم تجريبي مرحاض المراحيض الذي كتبت عنه تجعلانني ملزما بإعادة تكرار زيارتي لهولندة، بالرغم من تصاعد أعمال العنف فيها ضد العرب والمسلمين خاصة بعد مقتل المخرج الهولندي "فان غوخ" المثير للجدل على يد شاب عربي من المغرب.
الحقوق محفوظة لنضال حمد
Copyright©2004Nidal Hamad
اخبرونا عن أي وصلة لا تعمل