شاعرة بولندية عربية

كانون الأول 2004

بقلم نضال حمد

شاعرة فتية ، نصفها بولندي والآخر من دمشق أول عاصمة عربية ، ولدت في سوريا وبالتحديد في الشام حيث ترعرعت وبقيت حتى رحلت عن بلاد الهلال الخصيب عائدة الى بولندا وهي في سن السابعة من عمرها ، ظلت تحمل في مشاعرها حنينا لدمشق، كبر معها ورافقها في المدرسة والجامعة وفي منحتها الدراسية للغة العربية التي كانت في المغرب العربي. فقد قادتها تلك المنحة الى تونس الخضراء ، أرض قرطاج بتاريخها الغني وهنيبعل العظيم واليزا الحكيمة، والشاعر الكبير ابو القاسم الشابي رائد الشعر التونسي الحديث، صاحب إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد ان يستجيب القدر ...

وشاعرتنا الشابة استجابت لإرادة اللغة وعنفوان الأدب حين حطت رحالها في تونس الخضراء.. وكارولينا فرنسيس التي ولدت سنة 1980 في دمشق الجميلة ، درست في بولندا.. ثم واصلت تجربتها مع اللغة في تونس ، هناك تعلمت العربية على الأرض وعبر الاختلاط مع الناس والوسط الثقافي. كتبت الشعر فكان لها حضورها في الوسط الأدبي والثقافي التونسي كما في البولندي، شاعرة شابة ، حديثة التجربة لكنها رقيقة المشاعر واسعة الخيال تؤمن بالشعر رسالة وبقوة الكلمة لغة للمخاطبة والمصادقة والكتابة،صراحتها راحة، تكتب الشعر باتزان ولا تخفي حنينها للبعيد حيث الشرق العربي الأول ، حيث طفولتها وما تركت هناك من ذكريات ...

كلماتها ترينا كيف يكون الحنين للبدايات ، فحين مضى قطار الطفولة بعيدا عن الطفولة.. وطارت طائرتها بعيدا عن ملاعب وحدائق وأزقة وأحياء عرفتها كطفلة وهي لما تكن بعد أصبحت شاعرة ، لكنها كانت تنشد الشعر بلغة الأطفال ... بقي حنينها للمنزل الأول مرتبطا بالمكان والزمان رغم تحولها عن الأمكنة السابقة و نموها في أمكنة لاحقة ، في عالم آخر أحبته وتحبه كما أحبت ومازالت تحب عالم طفولتها الدمشقي.. تقول في واحدة من قصائدها:

سأمضي

بين صفحات الأمس
كشعلة ضائعة من الإحساس
كوهلة عاشقة من الأحلام
...

كم هي صعبة تلك الرحلة التي يمضي فيها الإنسان ولا يعرف متى يعود ، يمضي الى عالم مجهول ، حاملا رغباته وأحلامه وما بقي له من ذكريات ، يجرب فتح دفاتر أيامه ، يقلبها ، يقرأ نفسه ولا يعرف أحيانا أنها نفسه ، مع انها شعلة من الإحساس ، تمضي حينا مع الحب حين يمضي، وتضيع أحيانا في زحمة الحياة التي تظل ثابتة رغم رحيل الناس.. ، لكن شعلة الايمان بالحب، بإنسانية الإنسان، وبحب الحياة بجسد وعقل وقلب انسان يحب الحياة ، تجعل الطريق اليها اقرب من الطريق الى دمشق حيث لازال يجلس "الجنيّ" على مقعد أبي الشعر البولندي "آدم ميسكيفيتش" .. ترى فهل كانت شاعرتنا الشابة على موعد قبل ان ترى الحياة مع المكان الذي كتب عنه شاعر الأمة البولندية ؟! وفي قصيدة الوداع تقول:

سأمضي ...

وكأس النسيان في يدي

أتذوق الأبدية

... مرة

بعد

مرة

كيف يتذوق الإنسان الأبدية من كأس النسيان ؟

هل الطعم حلو في بدايته عكس ما هو عليه عند نهايته ؟

إنها هدية الإنسان الذي يرفض النسيان مرة بعد مرة ومرات ، هدية الشعر الذي يلد القصائد من كلام البشر العاديين ، من حياتهم ومعاناتهم ومن إحساس يحسهم ويحس أحاسيسهم... من طلوع الشمس على جباههم وفوق كؤوسهم الفارغة .. انها جهة الشعر تغير مسار الأبدية،تجعله خمرا، وتصبه في كأس النسيان ، تروي منه ربيع نيسان ، تحفظ ما في كأسه المعصورة بدقة عالم أو راهب، عملا بالقول المعروف " قليل منها يشفي قلب الإنسان" ولكن كثيرها قد يصرعه.. تمضي الشاعرة باحثة عن حياة في قصيدة وعن قصيدة تعيد لها ما مضى من قطار العمر .. فلا العمر يفقد طريقه ولا تفقد الحياة معانيها ، انما الشعر يفقد كلماته في صمت القصيدة.. وماذا يتبقى للفاقد حين يفقد المفقود ؟

لا شيء من تراب الحياة ، إنما قليل من رمل الذاكرة المثقوبة ، حيث تتسرب كل الأشياء من دون دعوة وبلا مواعيد مسبقة فتكون الزيارات بلا عزائم ودعوات وولائم وملذات . هناك في ذاكرة ليست للنسيان تنمو الحقائق في جنان ملائكة الزمان الذين يأتون بخطوات الأناشيد ، يستقبلون وليدا ويودعون شهيدا، يأتون ويذهبون و هي وحدها في هذا النشيد كلحن كئيب.. فقد كتبت شاعرتنا الشابة بعذوبة وأنشدت حين عزت الدنيا ولم يبخل الشعر بدنياه.. تقول عنها الكاتبة البولندية ماجدة كوبارك :

" كارولينا فرانسيس - شاعرة فتية في قصائدها امتزج الدفء والفتوة والغربة بالحنين والإحساس المرهف "... وقد أحسنت ماجدة كوبراك قولا لأن الشاعرة كارولينا فرانسيس من جيل الشعراء الشباب الصاعدين حديثا، والذين بدأوا تسلق جبال الشعر ، أملا في الوصول يوما ما الى قمة الجبل. وقد حصلت كارولينا على شهادة الماجيستير في الأدب العربي من جامعة ياجيلونسكي في كراكوف ثم حصلت على منحة دراسية في تونس للعام الدراسي 2002/2003. هناك تعرفت على المغرب العربي عن قرب ، درست وتعمقت وبنت صداقات وعلاقات أدبية وثقافية أفادتها في تجربتها الطرية.

تقوم حاليا بتحضير رسالة الدكتوراة في جامعة ياجيلونسكي حول موضوع الشعر التونسي المعاصر. أول إنتاج أدبي لها عرف الطريق الى دور النشر كان ديوان شعر باللغة البولندية بعنوان " من اللحظات" 2003 ، كما لها ترجمة لمجموعة شعرية هي الأولى من نوعها لشعراء تونسيين وبولنديين باللغتين العربية والبولندية بعنوان "فضاءات الشعر" أيضا في سنة 2003 . و تقول كارولينا أن هذا العمل جاء ثمرة لتعاون قائم وهام بين جمعية علي بن غزاهم للشعر التونسية ورابطة أخوة الشعراء من كراكوف، حيث كارولينا عضو في هذه الرابطة،وقد صدر العديد من أعمالها ضمن منشورات الرابطة. تقوم كارولينا هذه الأيام بتحضير ديوانها الشعري باللغة العربية.و كانت شاركت في عدة مهرجانات شعرية أقيمت في بولندا وليتوانيا وتونس، حيث كان النقاد في تونس رحبوا بكتاباتها واثنوا عليها واعتبروها من بين أفضل ست شاعرات تونسيات هذا لو كانت تونسية، وجاء ذلك في مجلة الملاحظ التونسية عدد 15 ، 26-2-2003 ص 31. ونشرت أشعارها وحوارات معها معظم الصحف والمجلات التونسية.

قصائدها ،دافئة، سريعة تحسب الوقت حسابا جيدا، لا تهدره ولا تدعه يمر بلا ثمن ، تراعي ذهبيته المشعة، لذا نراها لا تدعه يمر بدون ان تستغل وجوده، وحين يذهب تحمله سحر الجمال الشعري المغلف بحنين يعبق بدفء ونسيم يتوق إلى الشرق .. ترى هو الحنين الى دمشق أم أن الشعر يبقى لحظة عابرة تجعل الشاعر حينها يقول ما لم يقله خلال سنوات....

لكي تتعرفوا أكثر على كارولينا أقرئوا قصيدتها "الوداع" المنشورة في مجلة ديوان العرب ... انتهت

نضال حمد

 

Copyrightę2004Nidal Hamad

hnidalm@chello.no

تصفحوا سجل الزوار gbook

عودة  /Back