هدية لم تصل بعد

بقلم : نضال حمد

(إلى صديقي السريع الغضب والذي لم يقبضه التعب..

 عبد السلام عقل الشاعر الذي أحب..)

حكاية هذه الهدية تعود إلى سنة 1989 وهي عبارة عن كلمات من القلب إلى القلب كنت قد كتبتها لأهديها لصديقي المشاكس عبد السلام عقل, شاعر الغضب العنيف واللهب المخيمي في زمن التخريب الذي كان يستهدف كل ما هو فلسطيني ومخيمي، نقول مخيمي لأن ثورة فلسطين هي ثورة المخيمات ..

كنت حين كتبتها لازلت أتابع دراستي الجامعية في مدينة فروتسلاف التي لها مكانة خاصة وكبيرة في قلبي. وكان صديقي عبد السلام أيضا يتابع دراسته في الجامعة اللبنانية في بيروت...

 بيروت التي نحب, بيروت الفقراء والميناء الذي جمع كل المدن في أحواضه التي لم تغرقها الحروب ولعنة الغزاة وأعوان الغزاة.

لم تصله رسالتي لأن الظروف منعتها من الوصول ومنعتني نفسي من اللقاء بصديقي عبد السلام لعدة سنوات. أما في السنوات الأربعة الأخيرة فقد سافرت ثلاث مرات إلى لبنان والتقيت بعبد السلام لكن دون أن أقرأ على مسامعه تلك الكلمات المكتوبة على شرفه. ببساطة لأنني كنت أنساها بين أوراقي الكثيرة التي تحتاج لترتيب واعادة مراجعة وتصحيح وتنقيح وتحلية وتمليح... كذلك هناك قسم منها قد يكون مصيره التمزيق ان دعت الحاجة أو الضرورة ومن ثم رميه في سلة المهملات.

عدت من زيارة قمت بها إلى لبنان وكنت على أمل أن ألتقي بصديقي القديم والمتجدد دوما, رفيق الصبا وزميل الشباب عبد السلام سريع الحركة والذي يعمل كخلية نحل, دون كلل أو تعب. لقد كان وبقي عبد السلام رجلا لا يعرف الملل ولا يعترف بالكلل, أعتقد أنه لازال على حاله لكن مع تغيير بسيط سببه الحياة والعمل والارتباطات الكثيرة والبرنامج المحبوك دوما ولقة العيش...

 يعمل عبد السلام طوال النهار مع جزء من الليل, لا يهدأ ولا يستريح, لا يعرف الراحة وكله قوة وصراحة. يعرف ماذا يريد وكيف يجني ثمار أتعابه, يغرف المحبة من بئر الحب الباقي على جوانب الدروب القديمة التي لم تجرفها بلدوزورات التحديث والتطور في لبنان المشاريع الخيالية. ويتنشق صديقي هواء البحر دون واسطة من أحد, لأنه امتداد لبحر عكا وحيفا و يافا وغزة ولبحور العرب التي أصبحت بحوراً للأساطيل الغازية والسفن الحربية الأمريكية والأطلسية والصهيونية.

في واقع الحال هذا يحيا صديقي كما كل أصدقائي الذين لازالوا على قيد الحياة بعدما كانت الحروب المختلفة اختطفت أصدقاء آخرين وأخذتهم إلى العالم الآخر دون عودة ودون حتى كلمة وداع أو قبلة أخيرة ونحن وهم في طريق الفراق الأبدي.

لم تكن صداقتنا عابرة وبقيت متينة على الرغم من السنوات العشرين التي هي عمر الفراق وعمر الرحيل الذي حملني من بيروت إلى مدن وعواصم وبلدان عديدة تعتبر أوسلو آخر محطاتها وأبعدها على الإطلاق.

أذكر أنني في إحدى المرات القليلة التي تلقيت فيها رسائل من زميلي وصديقي وأخي عبد السلام, احترت طويلا وأنا أقرأ  أولى رسائله قبل أن اعرف من هو مرسلها ومن أين مصدرها. كانت رسالة جميلة ومعبرة ومؤثرة حد التحام العنفوان بالدموع وصلابة الإرادة برقة القلوب, كانت الكلمات جميلة ومعبرة وثائرة وحنونة ومميزة وغاضبة وملتزمة خاصة أنها جاءتني وأنا على الفراش الأبيض في المستشفى الايطالي, وذلك بعد شهور قليلة من حصار بيروت، وإصابتي فمن ثم مجزرة صبرا وشاتيلا... كانت كلماته مسكني دون أن أدري, وكنت أغوص عميقا في بحرها أثناء التهام عيني للرسالة المحيرة, كانت الكلمات قوية بقيمتها وبمعانيها وبتوقيتها وحدتها ورقتها في آن واحد.

 لكي أعطي الرسالة حقها سوف تقرئون معي الآن هذه الأبيات الجميلة التي افتتح بها عبد السلام تلك الرسالة:

"أحبك

 نابضا

متحركا

كالطفل

كالريح العنيفة

كالقدر.."

هذه هي كلمات صديقي وزميلي, وهذا هو عبد السلام الذي لم يدع لي مجالا للشك في صداقتنا وعمقها ومحبتنا المتبادلة, الممتدة من عين الحلوة الذي نحب إلى فلسطين الكاملة الأوصاف, والتي نحبها أكثر من حبيباتنا.

صاحب هذه الكلمات لم يلتزم هذا العام بوعده, ولم يحضر لطرح السلام على صديقه المتعب من مشقة السفر ومن حر الشام ودوشة بيروت وصيدا و خراب مخيم عين الحلوة.

 مررت على الهاتف وقلت في سماعته قبل أن أطلب الرقم, لعلني أزعجه ان تشددت في طلب اللقاء, ولعله مشغول حد أن لا يلتزم بموعد لقاء خارج بيروت التي زادت الكلام حرارة وزادت الشوق حرارة التهبت بنار اللقاء الذي أطفأت شعلته أشغال عبد السلام وتخلفه عن الحضور, حتى وأنا في مطار بيروت أنتظر السفر, انتظرته قبل موعد إقلاع الطائرة بساعتين, لم يأتي ولم نلتقي..

أنا لا ألومه لكنني ألوم الشغل والعمل والوقت الذي لا يقدر بثمن والمسافة التي لا تقدر في عصر المواصلات الحديثة. وألوم الوقت الذي لم يكن ملكي وقد يكون وقته أيضا ليس ملكه. لكن المؤسف أنني لم أتمكن من رؤية ولقاء صديق كان يهمني لقاؤه وكانت تهمني معرفة آرائه وسماع أفكاره, خاصة ونحن الآن في زمن الفرز وتقسيم الناس والبشر حسب جنون الرأي والالتزام والفكر والعمل والممارسة وحسب جنون رعاة البقر ومن يدعون أنهم حماة العالم وخير البشر.

هذا من ناحية السفرة الأخيرة ولقاؤنا الذي لم يتم لأسباب خارجة عن إرادتنا وتتعلق بسوء البرمجة الزمني من جهتي وبما سأسمعه من صديقي عبد السلام حينما تتوفر فرصة الحديث أو اللقاء أو حتى المكالمة الهاتفية.

في العودة إلى الرسالة التي لم ترسل أبدا وهي عبارة عن كلمات كتبت اهداء لعبد السلام وكذلك للمبعدين الفلسطينيين في جنوب لبنان.. هذا هو  نصها :

"أهديك الرسالة بيضاء مثل كف امرأة مدت كي تقرأ عند عرافة.. وبياض رسالتي ليس كاملا, لأنني رصعته ببعض الكلام عن دنيا الفلسطيني وأحوال الشعب في زمن الخرافة.. ومن الكلام الذي أبحته لقلمي بعدما وافق عليه قلبي, ما يلي:

 أهديك الرسالة والشجون, فلا ترسلهما إلى السماء غيمه.. فقد تمطر السماء عنوة فتهطلان اضطراريا في مظلة.. قد تمطر غيمه الأحلام على أحصنة الرحيل فتتبلل الحقيقة وتبلل الخيمة.. فالغربة يا صاحبي مرّة ..

وفي الخيمة يا صاحبي مبعدون هم أقربنا إلى الأرض المحتلة.. وهم اشتعال الياسمين في حقول الجليل الممتدة من الخالصة والصفصاف إلى سفورية المستقلة.. ومن أحلام الأطفال في المخيمات إلى اغترابنا القسري ونحن أطفالا، إلى انتفاض الأمة في كل شارع وحارة..

أهديك ما سميته نثريتي وتلك العيون الساهرة على قضيتي .. فلا تحتفظ بالنثرية في مكتبك ولا تغلق الباب الضوئي فتترك العيون في عتمة الزمن التعسفي.. خذهم يا صديقي وأنثرهم وردا على القبور الممتدة في لبنان الذي نحب, عل فيهم عطرا فلسطينيا يعطر دروب الموت الاغترابي.. وعل في الكلام أنشودة للعائدين من سحاب النهارات الطويلة إلى ليالي البرد والنهايات الآتية من صيف أحلام الكلمات المنبعثة من دمنا الأبجدي..

أهديك الكلام بأسراره فلا تودع حروف الجر ولا تذهب بعيدا في الكر و الفر.. كن لكلامي كلامه الذي يجب أن يكونه.. كن قامتي وهامتي ووصايتي على الموت الذي اخترت وعلى القبر الذي لم يخترني.. وزع أغاني الطفولة على من لا أغاني لهم ولا طفولة.. على المخيم في إصراره البدائي وفي صمود النشيد الوطني الفلسطيني رغم المحارق المتعددة والمذابح الأخوية والمجازر المتكررة..

أهديك نثريتي وحصيرة أحلامي ووسادة نوم أفكاري وانتصار الإرادة في إصراري على غياب الرؤية الواضحة في انهيار اللعبة الصالحة عند أول اختبارات السنة الجانحة من عصر السفينة المبحرة عكس الأمواج المالحة.

أهديك ما هديت يوم أصبت ويوم سال دمي في بيروت ويوم جرحت فنزفت حتى كدت أفقد الوعي, لكني صمدت لأنك ورفاق الثورة المستمرة كنتم زادي ودماءي المتجددة رغم النزف ورغم الموت الذي كان يحلق فوقي ويدور خلفي طيلة فترة إصابتي ونزفي. أي أهديك محبتي ورضا قناعة المرء بما لديه من صواب العقل والقلب. وأرسل على جبينك العالي قبلة أخوية عائدة من وسط أوروبا إلى وسط بيروت..".

هنا انتهت رسالتي التي لم أرسلها قط.. وهنا أذكر عبد السلام بالكتاب الذي كان يجب أن يصلني منذ عام ولم يصلني حتى الآن.. لعل في رسالتي ما قد يجعل الحمام الداجن أسرع من طائرة البوينغ , فيأتيني برد صديقي..

نضال حمد – اوسلو

16-2-2002

 

 

 

  الحقوق محفوظة لنضال حمد

Copyright©2004Nidal Hamad

اخبرونا عن أي وصلة لا تعمل

hnidalm@chello.no

تصفحوا سجل الزوار

عودة  /Back