متهـم منـذ الـولادة

نضال حمد

  أثناء تصفحي لإحدى الصحف اليومية النرويجية وهي صحيفة"بريد أوسلو" عثرت على خبر صغير في آخر صفحات الجريدة في زاوية "حول العالم" ، مفاده أن أحد العرافين العسكريين الروس المعروفين ويدعى ألكساندار بوسينوف ، يقول في دراسة قام بها أخيرا عن أسامة بن لادن ، أن هذا الأخير من مواليد 28-6-1957م وولد تحت تأثير ثلاث نجمات غير محظوظة ، وهذه النجمات جميعها تنضوي تحت لواء النجمات القذرة  والعنيفة ، وهذا أثر في بناء شخصية المتهم رقم واحد والمطلوب رقم واحد أيضا ..  وبنفس الوقت حذر العراف والفلكي الروسي عبر صفحات "البرافدا" الروسية ، من أن اعتقال بن لادن لن يتم قبل سنة 2006م أو سنة 2008م ، ولهذا على الغرب أن لا يوهم نفسه وأن لا يعلق آمالا على اعتقال أسامة بن لادن قبل الموعد المذكور . ويعيد ذلك العراف توقعاته لعوامل فلكية كتخلي تلك النجوم عن بن لادن في المرحلة التي حددها بالعامين المذكورين .

هذا الكلام يعيدني ثلاثة أسابيع إلى الوراء عندما ألتقيت أثناء تجوالي في أحد شوارع أوسلو ، العاصمة النرويجية ، بكهل مسلم ، قال لي أنه في أثناء نومه قبل أيام رأى مناما .. وفي المنام رأى بن لادن وهو يمتطي فرسا أبيض اللون ويلبس عباءة سوداء ويحمل سلاحه باليد اليسرى ، وكان يستعرض جنده وهم يحملون راياتهم الملونة ، الخضراء والسوداء والبيضاء ، وبعد أن جال بهم كلهم عاد لنقطة البداية ثم ترجل عن فرسه ومشى حتى وصل إلى نصف الصف الطويل من المجاهدين ، ثم بدء كلامه بذكر الله وأخذ يحدث جنوده عن الرسول والصحابة والإسلام والجهاد والشهادة في سبيل العقيدة والدين ، وعن النصر المبين القادم وعن انتصارهم على أمريكا والغرب وأعداء القاعدة والإسلام والمسلمين ، كما تحدث بن لادن عن أنه يعيد بناء نفسه وأنه لن يسلم نفسه لأمريكا ولن يرضى غير الشهادة أو النصر ، وأن الدنيا جهاد واستشهاد ووقفة شرف ، وأنها - الدنيا - لا تساوي حجرا من حجارة الجنة ولا ذرة رمل من رمالها ولا حبة تراب من ترابها .. وتكلم العجوز بقناعة وصدق عن شعوره بأن بن لادن عائد بقوة وبأن المعركة لم تنتهي بل بدأت ولن تنتهي حتى ينطق الشجر والحجر ويقول للمسلم : يا مسلم أنظر ورائي يهودي تعال فاقتله ..

 لم أعلق على حلم العجوز وعجزت عن الكلام ، لأنه في عالمنا الحالي لا زال هناك بشر يؤمنون بالفلك والعرافين وبالأحلام والمنامات ..

بعدما تركت العجوز وودعته داعيا له بالصحة والعافية ، فكرت وأنا سائر على الرصيف بفلسطين ، وبآلاف المعذبين في غزة والضفة ومخيمات الشتات ، فكرت بأمهاتنا المشدودات لشاشات التلفزة يتابعن أخبار الحرب في أفغانستان وأخبار القتل والحصار والدمار اليومي في فلسطين ، وكذلك كيف يلقي مندوبو أمريكا بنفاياتهم السياسية في العواصم العديدة ، وكيف يأمرون الناس - بلا حياء - أن يكونوا مع أمريكا وضد أنفسهم وشعوبهم أو أنهم سيلقون مصير طالبان ومصير شعب أفغانستان الذي خرج من الويلات إلى الويلات ، وكما يقول المثل الشعبي الفلسطيني "من تحت الدلفة لتحت المزراب" .

أثناء كتابتي لهذه الكلمات ، كانت زوجتي تشاهد نشرة الأخبارالمتلفزة في القناة الأولى البولندية (تلفزيون بولندا الرسمي) ، وكنت أنا بدوري أستمع للنشرة وأواصل كتابتي إلى أن  لفت انتباهي - وكذلك انتباه زوجتي - صوت المذيعة وهي تقول : "تحتفل الكنيسة الكاثوليكية في بولندا باليوم اليهودي .." ، قلت لزوجتي يا سلام ! ما هذا الخبر العظيم ؟! .. ألا تخجل بولندا وكنيستها من هكذا كلام ومن هكذا احتفالات كاثوليكية تكرم الذين عذبوا الناس واستعبدوهم مع أنهم ولدوا أحرارا كما قال الفاروق العادل الإمام عمر بن الخطاب ؟! ألا تخجل الكنيسة الكاثوليكية من تبعيتها لغايات اليهود ، ومن عجزها عن قول الحقيقة حتى عندما تكون الأمور تمس جوهر وجود وسيادة تلك الكنيسة في بلادها وعلى أرضها ؟! بدورها قالت زوجتي : إن هذا الكلام مثير للسخرية ومحزن ومخجل .. فالبولنديون لا يتذكرون ، ونسوا التارخ البعيد والقريب من زمن السيد المسيح عليه السلام حتى قصف وحصار بيت لحم قبل أيام ..

هكذا إذن العراف الروسي يتهم أسامة بن لادن بالإرهابي منذ الولادة ، والكنيسة الكاثوليكية لا تعترف بالإسلام دينا سماويا ، لكنها ترتضي دور السمسار والخادم لدى اليهودية العالمية .. وبعض العرب والفلسطينيين من رجال الدين المسلمين والمسيحيين ينظمون لقاءات لا طعم لها ولا فائدة منها مع رجال دين وسياسة يهود بمباركة شارون ، المستفيد الأول من هكذا لقاءات في ظل إعادة احتلال المدن الفلسطينية ، وحملة الحصار التي تشمل كافة المناطق الفلسطينية من رام الله إلى رفح ومن المسجد الأقصى وكنيسة المهد إلى كافة مساجد وكنائس غزة . 

إن المتابع للصحافة اليومية المقروءة والمرئية والمسموعة في أوروبا "الحرية" يخرج بانطباع مفاده : أن إمبراطورية الشر الصهيونية الأمريكية موجودة ، ولها تأثير في كل ما نقرأ ونشاهد ونسمع ، وأن العرب لا وجود عملي لهم ولا قوة ولا قدرة على اتخاذ موقف ولو كلامي يحفظ ماء الوجه ،  هكذا عروبة لا تلتزم بميثاقها المشترك ولا تدافع عن عضو من أعضائها ، ويرفض معظم زعمائها الحديث مع الرئيس الفلسطيني المحاصر في رام الله ، لا تحركهم الدبابات اليهودية وهي تعيد احتلال طولكرم ، وتعيث خرابا وفسادا في بيوت المدينة ، وتجعل من مدنييها دروعا بشرية تختبئ ورائهم لحماية نفسها من المقاومة الفلسطينية المحدودة الإمكانيات .

إن أكثر ما يخيفنا الآن هو الضغط الأمريكي الممارس على قيادات العرب التي ستمارس بدورها الضغط على الطرف الفلسطيني ، من أجل قبوله بالاستسلام وخضوعه لشروط شارون وبوش ، ومن ثم التحول إلى سلطة أمنية فلسطينية مهمتها حماية الاحتلال .

لكن الشعب الفلسطيني لن يرضى بذلك ، وسوف يهزم هكذا مشاريع وسيستمر في مواجهة مؤامرة بوش - شارون وتعرية أزلامهما في المنطقة ، الذين قبلوا الوقوف معه على حساب فلسطين وشعب فلسطين . وهذا الدرس الجديد في انهزامية وتبعية المواقف الرسمية العربية قد يفيد السلطة الفلسطينية في العودة عن قراراتها التي أساءت للوحدة الوطنية الفلسطينية ولنهج الانتفاضة ، قد تعيد فهم ما آلت إليه سلامات وإنجازات أوسلو التي تغنى بها الكثيرون من مؤيدي تلك الاتفاقات الهزيلة والعليلة

 

 نشرت في القدس العربي / لندن

 

Copyright©2004Nidal Hamad

hnidalm@chello.no

تصفحوا سجل الزوار gbook

عودة  /Back