نصغر أمام أساطيركم وأنتم تكبرون

نضال حمد
الأسبوع الماضي ، وتحديدا يوم الثلاثاء الفائت ، كان يوما متعبا بالنسبة لي ، حيث بقيت من الصباح وحتى المساء مع زملائي نتابع عملية تأمين الدعم والإسناد لقضية المناضل الفلسطيني عزمي بشارة . كنت على اتصال دائم ومستمر مع عضوتين من البرلمان النرويجي حاولتا السفر إلى الناصرة للتواجد مع عزمي بشارة أثناء المحاكمة .
وبين المكالمة التلفونية والأخرى والرسالة الإليكترونية والأخرى ، ضاع النهار وجاء المساء النرويجي الذي عادة ما يأتي سريعا أيام الشتاء ، حيث أن الشتاء النرويجي بطبيعته قاس ويبتلع ليله جزءا مهما من نهاره ، عداك عن الصقيع الذي يجمد الشجر ويزعج البشر ، والثلوج التي تغطي كل شيء فتجعل المدينة بيضاء جميلة وأكثر بهاء وروعة ، إذ تختفي الأنهار والبحيرات وأجزاء من الألسنة البحرية التي تتداخل في أوسلو ، بحيث تتجمد المياه مما يجعلها ميادين للألعاب الشتوية وللذين يرغبون بالمشي فوق الأنهار والبحيرات المتجمدة .
ذاك اليوم كان طويلا ، إذ تبعه مساء المؤتمر السنوي للمنظمة النرويجية الموحدة من أجل فلسطين (لجان التضامن النرويجية مع الشعب الفلسطيني التي تضم حوالي 20 حزب ومنظمة وجمعية) . وبما أنني عضو في المؤتمر المذكور وممثل عن جمعية أصدقاء فلسطين في النرويج ، وكذلك السيدة كارين غوول عضوة البرلمان أيضا هي عضو قيادي في المنظمة المذكورة ، اتفقنا على التالي : إذا تعذر حصولها على إذن من رئاسة البرلمان بالسفر إلى الناصرة الليلة ، سوف تأتي وتشارك في المؤتمر . أما إذا حصلت على الإذن فسوف تستقل الطائرة الوحيدة التي تسافر إلى بلادنا ذاك المساء .
شاءت الأقدار أنني وصلت أولا إلى قاعة المؤتمر ولما لم أرها هناك تفاءلت وظننت أنها سافرت . لكنها ما لبثت أن حضرت بعد تأخير حوالي ربع ساعة . للوهلة الأولى قلت لنفسي لم تحصل على موافقتهم ، لكن سرعان ما لفت انتباهي حقيبة صغيرة كانت تحملها بيدها ، ظننت أنها ستسافر وجاءت هنا لدقائق معدودة ، ووجدتني بدون شعور أذهب فورا إليها ، لكن قبل أن أوجه سؤالي ، بادرتني بالقول بأنها لن تتمكن من السفر لأنها لم تحصل على الإذن ، لكنها سوف تتابع القضية بشكل دائم وباستمرار .
كاترين غيون عضو في البرلمان النرويجي عن حزب العمال وهي من المؤيدين للقضية الفلسطينية وتزور فلسطين بشكل منتظم وقد شاركت في حملة التضامن مع عزمي بشارة يوم تم استدعائه للمحكمة في القدس بعد سحب الحصانة البرلمانية منه العام الماضي .
أما الحدث الثاني الذي أود الحديث عنه هو الحفلة الفنية التي أقيمت دعما لأطفال فلسطين تحت الاحتلال وبمشاركة فرقة من الأطفال الفلسطينيين المقيمين في النرويج . بدا واضحا على الأطفال الذين غنوا لفلسطين مدى تأثرهم بالغناء لوطنهم الذي لا يعرفوا منه وعنه سوى ما قاله الآباء والأجداد وما يرونه على شاشات التلفزة من مناظر الانتفاضة المجيدة وجرائم الاحتلال الصهيوني التي تقشعر لها الأبدان .
كان الأطفال يعبرون عن فرحهم بتمثيلهم لبلدهم ويحاولون التعبير عن ذلك بالغناء بصوت عال أو بالقيام بحركات يدوية تعبر إما عن غضبهم أو عن فخرهم بفلسطين وبكونهم فلسطينيين . فكلهم يتذكر محمد الدرة وإيمان حجو وشهيد وملاك وأطفال فلسطين الذين قتلوا ويقتلون بلا رحمة وبوحشية صهيونية .
هذا الاعتزاز بالذات الفلسطينية لاحظته مع أطفالي يعقوب ووردة وسفيان يوم شاركوا في التظاهرات المنددة بالإرهاب الصهيوني وبالإجرام الإسرائيلي المستمر والذي أخذ يتفوق على جرائم النازيين بحق اليهود في أوروبا . كانوا يهتفون بأعلى الصوت : ساندوا فلسطين . أدينوا إسرائيل . ادعموا الانتفاضة . قاطعوا إسرائيل . كما أنهم عبروا في إحدى المرات عن تواصلهم مع التراث الفلسطيني من خلال قيامهم بالغناء لفلسطين وبالدبكة الفلسطينية على أنغام الموسيقى والألحان الشعبية الفلسطينية ، فأنشدوا أغنية "جنة جنة جنة ، تسلم يا وطنا" مع أطفال فلسطينيين آخرين لا يقلوا حماسة واعتزازا عن أطفالي الثلاثة .
ابنتي وردة تبلغ من العمر ست سنوات وهي تتكلم العربية بلكنة أجنبية بحكم أن أمها ليست عربية وأننا في البيت نستعمل لغات عديدة منها البولندية والنرويجية والعربية . يوم طلب منها مدرب الدبكة أن تنشد الأغنية أولا ومن ثم باقي الأولاد خلفها ، ظننته يمزح ، لكنه قال لي أن خير من سيغني هي وردتك يا نضال ! . بقيت مترددا في الحكم عليها إلى أن جاء العيد وذهبنا إلى الحفلة ، حيث قدمت "الوردة" الأغنية بشكل أعجب الحضور ولفت انتباه العديدين ، رغم أنها لم تستطع التغلب على كلمة واحدة وردت في الأغنية وهي كلمة تراب ، فبدلا من "تراب الطيب" كانت تقول "كراب الطيب" وهذا جعل الحضور يتجاوب معها ومع الأطفال بحرارة .
هذا الجيل الفلسطيني الذي ولد في أوروبا ، في المهاجر الجديدة سيحمل فلسطين في فكره وسيجعلها بوصلة مسيره وسيضعها في قلبه إلى أن ترد إليه البلاد أو أن يستردها بأي طريقة كانت . هنا وهناك الجبهة واحدة والعدو واحد والهدف واحد وواضح ، فلسطين الآن وليس غدا ، اليوم وليس بعد غد ، فلسطين ستبقى الاتجاه الوحيد الذي تسير عليه وإليه عقارب حياتنا .
يوم الأحد 3-3-2002م اجتمع أبناء الجالية الفلسطينية في إحدى القاعات في أوسلو ليشاركوا في أعمال مؤتمر الجالية الفلسطينية ، كان الجو حميمي وهادئ على غير عادة اجتماعات ولقاءات الفلسطينيين ، أهم شيء أن السياسة لم تكن الهم الأول في اللقاء ، لذا كانت نسبة الهدوء عالية وأكثر من المتوقع ، لم نسمع صراخ التنظيمات ولا هتاف الحركات ولا ضجيج الأحزاب وأنين الجمعيات والمجموعات ، كانت الصرخة الأكثر سماعا هي صرخة الانتفاضة وكيف نساعد أهل الانتفاضة .
بدأت أعمال المؤتمر الساعة الثانية عشر ظهرا وانتهت الساعة السابعة مساء بانتخاب هيئة إدارية جديدة ، نتمنى عليها أن تأخذ العبرة من التجربة السابقة وتعد برنامج عمل يخدم فلسطين أولا وأبناء الجالية ثانيا ، وكذلك يعزز العلاقة الجيدة مع الشعب النرويجي ويعمل على تطويرها وتفعيلها من أجل دعم الانتفاضة التي ستأتي بالسلام للشعب الفلسطيني ولشعوب المنطقة .
إن الضرورة تقضي بوحدة العمل الفلسطيني من أجل فلسطين ، لذا علينا كفلسطينيين نعيش في المهجر الأوروبي أن نوحد جهودنا من أجل دعم شعبنا وتفعيل التضامن الأوروبي معه بشكل لائق ، والمسئولية هنا تقع على قيادة الجالية المنتخبة وعلى الذين انتخبوها مناصفة . فهل سنكون على قدر أهل العزائم ونمضي بمشروع الجالية نحو بر الأمان ؟
هذا السؤال سنجد الإجابة عليه قريبا ، فأمامنا على المدى القريب حملات تضامن لا بد من القيام بها ، ومنها إحياء يوم الأرض ودعم النائب عزمي بشارة في شهر نيسان القادم ، وعلى المدى البعيد بناء الأسس التي ستضمن استمرارية عمل الجالية وحشد كافة الطاقات الفلسطينية وتوحيدها في إطار عريض يأخذ على عاتقه مهمة رفع لواء فلسطين والحقوق الفلسطينية وتعريف المجتمع النرويجي بالمعاناة المستمرة لشعبنا في الداخل والخارج . يجب أيضا حث الفلسطينيين هنا للمشاركة في العمل الجماعي من أجل مستقبل أطفالنا في المهجر وذلك من خلال تأمين مقر للجالية وإنشاء ما يشبه المدرسة ، حيث يتم تعليم اللغة العربية والتاريخ والتراث ، كذلك تعزيز التواجد الرياضي الفلسطيني في النرويج ، حيث أن هذا البلد الصغير يعيش منذ عدة أعوام ثورة رياضية ، تمثلت بالإنجازات الرياضية الهامة التي حققتها النرويج خلال السنوات العشرة الأخيرة وخاصة في دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في" سالت ليك سيتي" الأمريكية .
هذا كله جزء مهم من برنامج عمل أهم يجب أن تعمل الجالية الفلسطينية بكل جمعياتها ومؤسساتها وأفرادها على تطبيقه وتفعيله من أجل مستقبل أفضل وانتماء حقيقي لبلادنا فلسطين ووطننا الثاني النرويج .
الأسبوع الفائت كان محبوكا ومليئا بالنشاطات ، لكن هذا التعب لا يذكر أمام دمعة أم فلسطينية فقدت طفلها أو بكاء طفل فلسطيني فقد والده أو والدته بفعل إرهاب الاحتلال الإسرائيلي ، كل هذا العناء لا يقدر بقطرة دم ينزفها جريح من أبناء فلسطين في مخيمي بلاطة وجنين .
نحن نصغر أمام أساطيركم وأنتم تكبرون في أعيننا .
Copyright©2004Nidal Hamad
اخبرونا عن أي وصلة لا تعمل