|
سنة أولى بلا إدوارد سعيد في الذكرى الأولى لرحيله يوم 25-9-2004 نضال حمد - أوسلو |
قبل عام غيب الموت المبدع العالمي والرمز الثقافي الفلسطيني - الأمريكي البروفسور إدوارد سعيد.. كان الرجل يعرف بأنه مقبل على الموت بسبب مرضه العضال، فانتظر موته بصبر، لكنه قبل أن يسافر إلى العالم الآخر ترك آخر أعماله على شكل مذكرات، فأغنى الحياة الثقافية والمكتبة العالمية بمؤلف جديد وفريد.
رحل إدوارد سعيد لكن أعماله الكبيرة بقيت معروضة لمن يبحث عن المعرفة وللذين بمقدورهم الغوص فيها للبحث والدراسات والتنقيب عما هو جديد.
الكتابة عن هذا الصرح الحضاري والثقافي العالمي ليست بالسهلة، لأن الذي يريد الدخول في عالمه عليه الكتابة عن الرجل كشخص وعنه كقضية وطنية وثقافية ونسخة عن شعب موزع ومشتت في الأرض قاطبة، وبعيداً عن وطن سلب، سرق، اغتصب واستعمر على مرأى من عالم ساهم في الزيّف والخداع وتكريم ضحيته بنحر ضحية أخرى قرباناً لها.
ذاك المنطق أكد سابقاً ويؤكد الآن على عدم وجود فارق كبير بين الذين يتهمونهم بالإرهاب واللاإنسانية لأنهم يقطعون رؤوس الضحايا الأجانب المختطفين في العراق, وبين الذين قطعوا رؤوس الفلسطينيين في النكبة والنكسة والانتفاضة وما بينها من أزمنة.
ليس الصراع بين الشرق والغرب سوى تسمية خاطئة لبرامج حرب خاطئة، إذ لا يوجد حوار حقيقي أو حوار بمعناه العلمي بين الشرق والغرب. وعدم وجوده لا يعتبر دليلاً على انعدامه، بل تكريس طبيعي لحالة الفوضى التي تسود العالم منذ عاصفة الطائرات الأيلولية في نيويورك وواشنطن. ثم إن الصراع الحق والطبيعي والحقيقي يجب أن يكون لا بين الشرق والغرب أو بين الديانات بل بين الحق والباطل. فسيطرة وهيمنة القوي على الضعيف هي من أهم أسباب بروز معوقات الحوار بين الشعوب والأمم والحضارات والثقافات. الصراع هذه الأيام يدور بين رؤوس تفكر وأخرى تعادي الفكر، وبين أموال وشركات ضخمة مستعمرة تمتص دماء الفقراء لصالح الأغنياء، هو صراع بين رؤوس تقطع لأجل هذا وذاك هنا وهناك وهنالك، وبين قطاعين للطرق وللرؤوس وللأرزاق ينتشرون في عالم اليوم.
كان المرحوم إدوارد سعيد من المثقفين الموسوعيين الذين اهتموا بأصناف كثيرة من العلوم والاختصاصات، حيث لم يكن مفكراً، وباحثاً وناقداً أدبياً فقط لا غير، بل كان أيضاً من المهتمين بأمور أخرى كثيرة مثل السياسة والرياضة والموسيقى والرقص الشعبي (كان إدوارد سعيد عازف بيانو ممتاز، وكان له عمود نقدي ثابت عن الموسيقى في مجلة اليسار الأمريكي "ذا نيشن" التي هي مجلة المثقفين الأمريكان اليساريين) وقد كتب إدوارد سعيد دراسات هامة في الموسيقى أهمها "من الصوت إلى الصمت وعود على بدء". وقد وظف سعيد علاقاته القوية والمتينة مع عظماء المويسقى في العالم مثل عازف الكمان اليهودي الراحل مينوهين. كذلك مع الشهير الأرجنتيني اليهودي دانيال بارينباوم قائد الأوركسترا المعروف. وقد أثمرت تلك الصداقة مع الموسيقيين اليهود فأنتجت مدارس موسيقية استقطبت واستقبلت طلبة من فلسطين، وكذلك نتج عنها مواقف تدين إرهاب (إسرائيل) الممارس ضد الشعب الفلسطيني، وهي مواقف هامة لأنها تصدر عن يهود مشهورين ومعروفين، ومواقفهم هذه ستساعد الآخرين على اتخاذ مواقف من الصهيونية وأعمالها الإجرامية في فلسطين المحتلة.
بحسب المترجم والباحث صلاح حزين "يتناول سعيد فكرة الصوت والصمت باعتبارهما مكونين أساسيين من مكونات الموسيقا حيث الصمت موسيقا أيضاً، ويطبقها على التاريخ وحركة المجتمع، فيرى أن الصمت ليس سوى صوت المقموعين والمهمشين والمضطهدين عبر التاريخ، وأن الانتفاضات الفاشلة التي قام بها هؤلاء عبر التاريخ لم تكن سوى تعبير صامت عن قمعهم وظلمهم واضطهادهم، فالانتفاضة حين تفشل تتحول صوتاً مقموعاً، تتحول صمتاً.
ولا بد أن الشعب الفلسطيني الذي أطلق العنان لصرخته المدوية في الانتفاضة الثانية قد تعلم من الانتفاضة الأولى فالصوت الصارخ يجب أن يخترق خزان الصمت ويصل إلى الهدف المحدد.
وإدوارد سعيد لم يكن معروفاً في العالم العربي مثلما عرف وذاع صيته في الغرب. كما أنه لم يقرأ بالشكل الصحيح في عالمنا الذي أصبح صعباً عليه تمييز الصحيح من الغلط في هذا الزمن الصعب، الزمان الرخو. لذا لا يمكن إعطاء الرجل حقه إلا عبر دراسة أعماله التي تخطت فلسطين والعرب لتكون عالمية واسعة الانتشار والسمعة، إذ لا تخلو مكتبة عالمية أينما كانت من أعمال ومؤلفات إدوارد سعيد وأهمها الاستشراق.
وحين يسأل الفلسطيني عما يفخر به من مفكريه أمام الناس في العالمين وبالذات الغربي منه, يكون أحد أهم أجوبته: إدوارد سعيد...
عرف عن إدوارد سعيد حبه ومساندته ودعمه الشديد للمظلومين في العالم، لذا فحبه ودعمه لقضية فلسطين لم يكن عبر العاطفة والقلب وبحكم الأصول والجذور والانتماء العائلي والمكاني والعصبوي، بل نتيجة لما رآه وشاهده وعرفه عن الظلم الكبير الذي لحق بشعب فلسطين. وقد امتاز إدوارد سعيد بمعرفته الواسعة لعالم الغرب العادي والأكاديمي حيث عرف الفكر الغربي والحضارة والعقلية والثقافة الغربية ودرسهم بعمق حتى فهمها فهماً موسعاً، دقيقاً وعميقاً ساعده في ترسيخ مكانته الثقافية والفكرية.
يقول الدكتور أحمد محدوبة أستاذ الأدب الأمريكي في الجامعة الأردنية: " إدوارد سعيد هو من بين القلائل الذين اخترقوا الحضارة الغربية، وسبروا غورها من داخلها، ثم قلبوا مفاهيمها التقليدية رأساً على عقب، محدثين في علوم التفسير والقراءة والتحليل، وفي الخطاب بوجه عام، نقلة ليس لها مثيل في التاريخ الإنساني. إدوارد سعيد يقدم في الغرب على أنه من عمالقة الفكر الغربي نفسه، لا على أنه دخيل عليه".
إذن الرجل أوسع من أن تنحصر سمعته أو ثقافته في الثقافة الفلسطينية وحدها لذا فهو عالمي وموسوعي ومعرفي صاحب مساحة تمتد في عالم الفكر، مثقف ومفكر بكل معنى الكلمة. لكي نستطيع فهمه، فنحن والآخر بحاجة لمثقف من وزنه هو نفسه لنستطيع فهم فكره ورؤيته. وقد كان الأكاديمي والشاعر الدكتور محمد عبيد الله دقيقاً حين قال: "ربما أن اكتشافنا نحن العرب لإدوارد سعيد جاء متأخراً بعض الشيء، على الرغم من أن بعض انتاجه قد نُقل إلى العربية مبكراً. لكن الانتباه إلى عالميته وإلى تأثيره الطاغي انطلاقاً من تلك العالمية كان متأخراً بعض الشيء.. وما يُخشى منه حقيقة أن يتحول الاكتشاف المبهور بإدوارد سعيد إلى نوع من التصنيم المناقض للحرية في البحث والثقافة وفي الجدل السياسي وهو ما دافع عنه إدوارد سعيد نفسه.. أي أن يتحول سعيد اسماً وفكراً إلى سلطة أخرى من تلك السلطات التي سعى إلى نقدها وتفكيك خطاباتها".
لقد حرص إدوارد سعيد على أن يكون الهم الفلسطيني همه لأنه بالأساس ضد الظلم ومع الحق والعدالة للإنسان بغض النظر عن دينه ولونه وعقيدته وجنسه، وقد مثل إدوارد سعيد قضية شعبه خير تمثيل على طريقته ووفق رؤيته التي رفضت التعصب والتزمت وكانت منفتحة على الدراسة والتحليل والتدقيق والتمحيص في كافة المجالات وحتى في إخضاع المسلمات للفحص والنقد. كان الرجل موضوعياً ومنطقياً وصاحب فكر منفتح ساعده في تأطير الأنصار والأصدقاء للقضية وخاصة في الجانب اليهودي العالمي.
في السابق وقبل أن يفهم البعض طريقة فهم وتفكير الغرب كانوا يقفون ضد توجهات الانفتاح على الغرب والأخذ بعين الاعتبار رؤيته للصراع. ثم هناك منهم من اعتبره خرقاً للثوابت الفلسطينية، لكن وبعد أن عرفت المواقف وعاشوا في الغرب وتعرفوا على ناسه وطرق تفكيرهم ومواقفهم صار لديهم استعداد لفهم مواقف إدوارد سعيد ومنهم من ذهب أبعد من ذلك وتبناها تماماً.
لقد دخل الفلسطنيي المثير إدوارد سعيد إلى وطنه فلسطين من بوابة العالم والفكر والثقافة والحضارة التي لا تقبل بالظلم والامتهان، فكان فلسطينياً كما هو عالمي، ومن العجيب أن بعض الفلسطينيين الرسميين وبالذات المنتفعين عادوه وحاربوه لأنه وقف ضد اتفاقيات أوسلو والقيادة الفلسطينية التي لم تستشر شعبها بما أقدمت عليه في لقاءات وحفلات المفاوضات والاتفاقيات مثل أوسلو وأخواتها. اعتبر سعيد اتفاقية أوسلو كارثة على الشعب الفلسطيني أولاً لأن الذين فاوضوا ووقعوا واتفقوا يحهلون حتى اللغة الإنكليزية وليسوا متمكنين منها بشكل يؤهلهم للقيام بذلك، وثانياً لأنهم تنازلوا عن الحقوق مقابل لا شيء مضمون، وقد عقب عليهم: "لأول مرة في القرن العشرين تقوم حركة تحرر وطني على التفريط بإنجازاتها الضخمة وتقبل التعاون مع سلطة الاحتلال، قبل أن تجبر هذه السلطة على الاعتراف بعدم شرعية احتلالها للأراضي بالقوة العسكرية". وقد كتب أيضاً في هذا المجال الكثير من المقالات وهناك مؤلف كامل بعنوان (غزة - أريحا) فيه مجموعة مقالات هامة لإدوارد سعيد عن هذا الموضوع. لقد غضب عليه "الأوسلويون" لأنه قال ذلك, لكنه لم يعيرهم كثير اهتمام وكتب فيما بعد أنهم لا يملكون شرعية أو حق تقرير مصير الشعب الفلسطيني والتنازل عن حقوقه الشرعية. فقد عرف إدوارد سعيد أن هذا هو دائماً حال الفلسطيني عندما يقف في صف معارضة الحاكم وحاله كحال أي عربي ينطق بحرف الضاد ويعيش شرق المتوسط.
لقد أدرك إدوارد سعيد مكانة الحوار بين الأمم لذا كان رافضاً للحوار الشكلي مع الآخر فهو أراده حواراً منتجاً مثمراً لا فارغاً ومموهاً يعطي البعض مكاسب شخصية آنية ثم تنتهي القضية الأساسية بكارثة تاريخية. من هنا رفض أوسلو وعلى هذا الأساس جاء تقديم الكاتب الصحفي العربي الكبير محمد حسنين هيكل لكتاب (غزة - أريحا) كالتالي: "إن مسافة الاستقلال التي يحتفظ بها سعيد بعيداً عن المؤسسة السياسية جعلته الأقرب إلى كبرياء العالم والتزام المفكر وأحزان الوطني الذي رأى أن يأخذ قضيته ويذهب بها إلى الناس محتفظاً لها بكل جلال الفكر ورقيه".
امتازت مواقف الراحل إدوارد سعيد بالجرأة العالية في مواجهة الحركة الصهيونية واللوبي اليهودي وكيان ما يسمى (إسرائيل) مما جعله مُحارباً بقوة من قبل تلك الجماعات واللوبيات وبعض أركان الفكر والثقافة والسياسة من المتصهينين في زمن انفلات القوة الأمريكية وسياستها التي لا تهادن ولا تجامل ولا تعير العقل والمنطق والقانون أي انتباه.
لقد التزم بموقفه الواضح من حرب أمريكا وحصارها للعراق وضوح موقفه من نظام البعث والرئيس المخلوع صدام حسين. فعارض الحرب بشدة مثلما عارض قبلها الحصار، وأدان الإدارة الأمريكية واتهمها بالتسبب في موت مئات آلاف العراقيين نتيجة الحصار الاقتصادي. وقد هاجمه البعض بسبب تلك المواقف المعلنة، دون أن يقدموا طرحاً علمياً مضاداً لمواقفه الجريئة والإنسانية قبل أي شيء آخر.
توفي إدوارد سعيد يوم الخميس في الخامس والعشرين من أيلول سنة 2003 في إحدى مستشفيات نيويورك، وقد قال يومها كوفي عنان أمين عام الأمم المتحدة: "بغيابه سيصبح العالم العربي وأمريكا أكثر فقراً"..
ودفن إدوارد سعيد في لبنان حيث مسقط رأس زوجته وبناء على وصيته، ليصبح فلسطيني المولد، مصري الطفولة، أمريكي الحياة, ولبناني القبر, وعالمي الفكر والرؤية.
Copyright©2004Nidal Hamad
اخبرونا عن أي وصلة لا تعمل