صراع من نوع آخر
 

07--10-2004

بقلم نضال حمد
 

لا يوجد في أوروبا مدافعون كُثُر عن الذين يتعرضون لأعمال عدوانية من قبل صهاينة و جماعات مناصرة لإسرائيل. حيث أن الجميع يبقى مشغولا ومشدودا لبعض الأعمال التي تعتبر معادية للسامية، مثل الاعتداء على المقابر والمعابد اليهودية في بعض دول أوروبا. تلك الأعمال مدانة بكل تأكيد من كل إنسان سليم العقل ومنفتح على الآخرين. لكن وفي حادثة عابرة إنما ذات دلالة مميزة كشف النقاب مؤخرا في فرنسا عن أن بعض اليهود يقومون بافتعال بعض تلك القضايا، وقد جاءت اعترافات شابة يهودية بذلك لتخفف من العبء الذي يحمله بعض الأوروبيين المناصرين للقضية الفلسطينية والقضايا العربية. لكن على الجهة الأخرى وفي فرنسا أيضا قامت قبل أيام مجموعة ملثمة تحمل الهراوات و قنابل الغاز المسيلة للدموع وتركب الدراجات النارية وهي مجموعة من المناصرين لإسرائيل بتدمير واجهة مكتبة باريسية كانت تستضيف وقت الاعتداء الكاتب الفرنسي آلان سورال وذلك لتوقيع كتابه الجديد.

معروف عن الكاتب سورال تأييده العلني والواضح للفلسطينيين ووقوفه ضد الظلم الممارس عليهم من قبل الصهيونية الحاكمة في إسرائيل. وكان سورال خلال الانتخابات الأوروبية الأخيرة قدم دعمه للائحة أوروبا – فلسطين التي ضمت أيضا الممثل الفرنسي الكوميدي الشهير ديودوني الذي اتهمه اليهود وأنصارهم في أوروبا بمعاداة السامية. وكان ديودوني مدعوا للمشاركة في الحفل المذكور لكن وصوله تأخر قليلا مما جنبه التعرض للاعتداء والإصابة كما حدث مع بعض المدعوين.

يعتبر سورال مناصرا للقضية الفلسطينية وصديقا للمثل ديودوني و مدافعا عنه مما جعله هدفا للدعاية الصهيونية وعنوانا للاعتداء الأخير. وكان سورال أكد مؤخرا انه تلقى تهديدات عدة بالقتل بعد ما أثاره في مقابلة تلفزيونية، حيث اعتبر أن بعض اليهود المتزمتين لا يقومون أبدا بتقد ذاتي. وكانت محطة التلفزة التي نشرت المقابلة تعمدت بثتها بانتقائية مهنية مما أظهر سورال بمظهر المعادي لليهود. وقد اعترف سورال نفسه بان انتقاء جزء من مقابلته تلك ونشره كان بمثابة فخ.

هذا ما حدث في فرنسا أم الحريات الثقافية ، لكن في النرويج حدث بداية الأسبوع الماضي عمل مشابه وإن اختلفت الوسائل، حيث احتجت بشدة السفارة الإسرائيلية في اوسلو على عرض فني نرويجي اعتبرته معادٍ للسامية.وجاء ذلك على لسان السفيرة لورا هرتسيل التي احتجت ضد عرض المجسم الفني الذي يجسد المحرقة الفلسطينية، والذي قام بتصميمه الفنان النرويجي الراحل سيغورد بيون انغفيك الذي توفي بداية شهر ايلول – سبتمبر الفائت، لكنه ترك وصية يطلب فيها عرض عمله الخاص هذا والمعروف بالجدار في الميدان المذكور, ويذكر أن هذا الميدان كان شهد في الصيف الماضي عرضا لشاحنة ركاب إسرائيلية من الشاحنات التي دمرت او أصيبت بالعمليات الفلسطينية. وقد شهدت وقتها النرويج حالة صراع إعلامي شديد بين أصدقاء إسرائيل وأصدقاء فلسطين. وفي ذلك اليوم لم يقم الذين يحتجون اليوم على المجسم المعروض بالاحتجاج على جلب الشاحنة ومنح موافقة الحكومة النرويجية على عرضها في عدة مدن نرويجية. وقد علق حينها بعض المختصين النرويجيين على الموضوع بأنه انحياز من الحكومة النرويجية للإسرائيليين وان ضحايا الفلسطينيين أكثر بكثير لكنهم لا يملكون الوسيلة لعرض ذلك.

مرة جديدة تدخل سفيرة إسرائيل في النرويج على خط العلاقات المتوترة مع الفنانين النرويجيين، فقد شنت حملة عنيفة على المجسم الفني المعروض في احد ميادين اوسلو العاصمة مقابل مبنى بيت الشعب النرويجي حيث مقر نقابات عمال النرويج ومعظم الأحزاب السياسية النرويجية، وهو عبارة عن مجسم يظهر بوضوح دموية إسرائيل وتعاملها مع الشعب الفلسطيني، ويُشبه التعامل المذكور بالهولوكوست والابادة ضد الفلسطينيين.

تعتبر سفيرة إسرائيل في النرويج  لورا هرتزل أن إزالة المجسم أمر ضروري لأنه يظهر إسرائيل وكأنها ترتكب جرائم حرب وابادة ضد الفلسطينيين وأنه معادٍ للسامية. لكن الذي يجري في قطاع غزة من مجازر رهيبة يؤكد صدق نية وعمل الفنان التشكيلي الراحل، حيث أراد عبر عمله الفني التعبير عن تضامنه مع الفلسطينيين والتذكير بماساتهم بهذه الطريقة. وقد صدق عندما كتب على المجسم عبارات مثل قرار التقسيم ودوره في قيام إسرائيل مما اعتبره الفنان سببا للابادة المستمرة للفلسطينيين. وعبارات أخرى عن دموية شارون ودوره في مجازر صبرا وشاتيلا 1982. وكذلك إظهار نجمة داوود ملطخة بالدماء الحمراء، بالإضافة للأسلحة والدولارات الأمريكية التي أراد عبرها الفنان إبراز دور أمريكا في الصراع والانحياز لإسرائيل.

كما هو معروف فان النرويج بلد ديمقراطي يسمح بعرض الأعمال الفنية وعلى هذا الأساس تم السماح بعرض مجسم الفنان الراحل سيغورد بيون انغفيك وبلدية اوسلو أعطت الموافقة بعرضه في ميدان حيوي من ميادين العاصمة. وأكد مدير جمعية الفنانين التشكليين بأوسلو آرفي برينغاغر ان قرار البلدية سمح بعرض المجسم في العاصمة. ويجدر بنا التنويه الى ان هناك تعاطف شعبي نرويجي كبير مع القضية الفلسطينية وتذمر من الإسرائيليين الذين لا يعجبهم العجب، كما قال احد المواطنين النرويجيين الذي كان موجودا في مكان العرض .

هذا وكانت سفيرة إسرائيل تدخلت مرارا في عدة معارض فنية لمنع عرض لوحات او أعمال فنية تربط بين النازية والصهيونية في الممارسة البشعة والدموية. ومن تلك التدخلات منع عرض عمل فني لأحد الفنانين الشباب في احد معارض الفن في اوسلو ربيع العام الحالي. ونجحت يومها السفيرة الإسرائيلية في إزالة لوحة تشكيلية عرضت في معرض أمينور للفنون التشكيلية بأوسلو بعد تدخل مباشر منها وضغوط مارستها على الحكومة النرويجية والقائمين على المعرض.

كذلك كان الاحتجاج والتدخل من قبل الإسرائيليين وأصدقائهم لمنع عرض صور فوتوغرافية فنية لفنانة نرويجية شابة أظهرت بحسها الفني مدى تلاقي أعمال إسرائيل مع أعمال النازية وذلك من خلال لوحاتها الفنية.كما لازالت قضية تدخل السفير الإسرائيلي في السويد ضد العمل الفني الذي تحدث عن الاستشهادية الفلسطينية هنادي جرادات ماثلا في الأذهان. فقد تصرف السفير مثل أولاد الشوارع، وقام بتحطيم أجزاء من المعرض، مع أن الفنان القائم عليه إسرائيلي يحمل الجنسية السويدية وليس فلسطينيا او أجنبيا متعاطفا مع الفلسطينيين.

ان ما يجري في أوروبا يؤشر على وجود مأزق حقيقي حيث أن الإسرائيلي لم يعد مدللا بالكامل كما كان سابقا، لدا فان ما تشهده أوروبا من حملات ضد المؤيدين بصراحة لقضية الشعب الفلسطينية مثل الكاتب الفرنسي سورال وزوجة رئيس البنك الأوروبي الهولندية غريتا دونسبرغ والفنان سيغورد انفيك والمطران النرويجي ستولست وغيرهم ليس سوى تعبير حقيقي عن قرب نهاية النفوذ الصهيوني في أوروبا بالرغم من إرث المحرقة وتدريسها منذ الصغر في المدارس والكنائس الأوروبية.

 

Copyright©2004Nidal Hamad

اخبرونا عن أي وصلة لا تعمل

hnidalm@chello.no

تصفحوا سجل الزوار

عودة  /Back