وداعاً سوزان سونتاج

نضال حمد

 2005 / 1 / 6
 

يأبى عام 2004 أن يختتم مظاهره السوداء مكتفياً بما حل بدول جنوب آسيا من كوارث طبيعية ومد لأمواج البحر وزلازل وطوفان أغرق مدنا ومناطق كاملة في تلك البلاد البعيدة، كما كلف حياة ومسكن مئات آلاف الناس... وفي غمرة الاستعداد للرحيل يقوم عام 2004 بتجهيز آخر حقائبه، لكنه وقبل أن يحزم حقائبه كان شاهدا على عصر الفاشية الأمريكية الجديدة، وعلى سياسة القتل الأمريكي العلني،حيث كانت قوات الاحتلال الأمريكي مارست في العراق المحتل أبشع الجرائم الوحشية، من تعذيب واغتصاب للمعتقلين والأسرى وإذلالهم وتصويرهم وهم عراة، وبينما كانوا يتعذبون ويتم تعذيبهم بالقبضات والفنون الإجرامية الأمريكية. وقبل وبعد ذلك كانت الكاميرات تصور حلقات الإجرام في الفلوجة والنجف وأبو غريب وغيرها من مدن وبلدات العراق، ولا شك أن عملية قتل الجريح العراقي المتلفزة في مسجد الفلوجة تعتبر واحدة من أبشع جرائم الحرب الدولية.وسوف تحتل مكانتها في الإعلام العالمي الحر، وكذلك في الضمير الإنساني الحي كصورة الطفلة الفيتنامية الشهيرة.

عام 2004 رفض أن ينهي أعماله وأن يقدم أوراق رحيله دون أن يمس الثقافة العالمية بمصاب اليم جديد. فها هو يختطف من بين أيدي الملتزمين بحرية وتآخي الشعوب والأمم وحقوق الإنسان، من بين المعادين للحروب وهدر حقوق الانسان مهما كان وأينما كان وحيثما كان... يختطف منهم ، الأديبة الأمريكية المكافحة لأجل حقوق الإنسان سوزان سونتاج.

معروف عن سونتاج قيادتها لحملة مع بعض الكتاب الأمريكيين من اجل الضغط على الإدارة الأمريكية والتأثير في قرارها السياسي من اجل التدخل في البوسنة. وكانت كتبت " أن كل الحروب ليست حروبا غير عادلة".. كما أنها عاشت في مدينة سراييفو عاصمة البوسنة والهرسك في الفترة بين 1993 – 1996. وقد دخلت سونتاج المعترك السياسي الأمريكي مبكراً وكانت ناشطة هامة ومهمة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان. كما أعلنت موقفها المعادي لحرب فيتنام وحصلت سنة 2000 على الجائزة الوطنية للكتاب عن روايتها الرابعة والأخيرة "في أمريكا". كما أن سوزان سونتاج حازت على جائزة مكارثي تكريما لعطائها الأدبي والثقافي. منحت خلال مسيرتها الأدبية عدداً كبيراً من الجوائز الأخرى ومنها بالذات جائزة القدس التي تسلمتها في عام 2001 خلال معرض الكتاب الدولي في القدس المحتلة. حيث في تلك المناسبة قامت الأديبة الشجاعة بتوجيه نقداً عنيفاً إلى الكيان الصهيوني ودولته التي منحتها الجائزة، وذلك احتجاجا واستنكاراً لسياسة الاحتلال في المناطق الفلسطينية.كما كانت سوزان سونتاج سنة 2003 تسلمت في فرانكفورت جائزة السلام لدور النشر الألمانية ، على هامش معرض فرانكفورت الدولي. حيث قال القائمون على الجائزة الالمانية: إن سونتاج هي أهم سفيرة فكرية بين أمريكا وأوروبا.



برزت الكاتبة والأديبة الجريئة سونتاج في الحياة الثقافية الأمريكية أواسط الستينات من القرن الماضي حيث بدأت تتوالى مؤلفاتها في الرواية والنقد الأدبي والقصص القصيرة، هذا بالإضافة للمقالات.وتعتبر سوزان سونتاج من أشهر المثقفين وكتاب الرواية والنقد والمقالات الناقدة في أمريكا.وقد جرّت عليها المقالات الناقدة الكثير من الذم والانتقاد، بينما نالت في أمكنة أخرى التكريم والمديح. وازداد هذا النقد لها بعدما اعتبرت سوزان سونتاج أن أحداث الحادي عشر من أيلول حصلت بسبب السياسة الخارجية الأمريكية واتهمت تلك السياسة بالتسبب بذلك العمل الدموي ضد أمريكا. وكانت انتقدت بشدة سياسة الحكومة الأمريكية بعد تلك الأحداث،حيث اعتبرتها ضربة ضد الحقوق المدنية والحرية.

اعتبرت سونتاج امرأة تسيطر عليها هواجس الأخلاقية ، وقد انفصلت عن زوجها وهي في السادسة والعشرين من عمرها،وطلبت الطلاق منه وهي بالسيارة في طريق عودتها من باريس. كما أنها بدأت بعد ذلك حياتها الأدبية حيث أنتجت كماً كبيراًً من المقالات والروايات.أما روايتها " ذا فولكانو ريفير* " تصدرت الأعمال الروائية لسنة 1992 وترجمت أعمالها لأكثر من ثلاثين لغة. لقد كانت سوزان سونتاج من الأدباء والنقاد الأمريكيين الذين تنوعت إسهاماتهم الأدبية والثقافية، وترجمت أعمالهم للعديد من اللغات،وتوزعت وتنوعت كتاباتها، كما كانت من المهتمين بمسرح الدمى والصمت.

الآن وبعدما صمتت إلى الأبد نقول أن صوتها سيبقى حاضرا وحيا في أدبها الحي والحر ، حيث أبدعت في حب الإنسان والحرية ... وداعا ميسيز سوزان ..
 

* نشر في جريدة الخليج الإماراتية

  الحقوق محفوظة لنضال حمد

Copyright©2004Nidal Hamad

اخبرونا عن أي وصلة لا تعمل

hnidalm@chello.no

تصفحوا سجل الزوار

عودة  /Back