زوبعة الفارس بلا جواد ..

 

 نضال حمد

لازالت قضية مسلسل فارس بلا جواد آخذة في التفاعل وقد تمتد تفاعلاتها حتى تغدو حديث الشارع بعدما صارت موضوع الصحافة. فحملة المتأمركين وكذلك المتصهينين على المسلسل والقائمين عليه آخذة بالتوسع، لا من أجل الحفاظ على سمعة العرب كشعوب متمدنة ومتحضرة، بل من أجل اتهام العرب بالتخلف والكراهية ونشر العداوة والحقد على اليهود، كما هو من اجل تصفية حسابات شخصية لبعض الذين يرون في أمريكا مسيحهم المنتظر، المنقذ الذي سيحقق أحلامهم التي عجز عن تحقيقها الآخرين بعدما كانوا هم أنفسهم عجزوا عن تحقيقها، مما أضطرهم لمجاورة البعبع الأمريكي. لكن المسيح الأمريكي المنتظر لن يعدو عن كونه المسيح الدجال الذي ستصطدم قافلته بمهدي الأمة المنتظر.

 

 واليهود الذين احتلوا فلسطين ويسكنون فيها وسموها "إسرائيل" أو الآخرين الذين يحتلون العالم ويتوزعون فيه ويتمددون كما الإخطبوط ، يمصون دماء الناس وينشرون العداء ويزرعون الكراهية ضد العرب. هؤلاء كأنهم مخلوقات  من كوكب المريخ أو المشتري أو الزهرة،لا ينطبق عليهم ما يطبقه بعض الكتبة العرب المتأمركين على الشعوب العربية التي ترفض وحشية وسادية الفكر الصهيوني الذي يحكم إسرائيل ويتمتع بشعبية واسعة بين يهودها. ثم أن التطورات الخطيرة والمصيرية التي شهدتها المنطقة مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، الحالية التي جاءت كتعبير شعبي فلسطيني عن رفض الظلم والجور والعنصرية والكراهية الصهيونية.

 

هذه الظاهرة كيف تمت معالجتها من قبل الإسرائيليين، بالقمع والقتل والتدمير وبكل الوسائل الشنيعة والمريعة والمرعبة. والأهم أن كل تلك الأعمال حصلت بدعم ومساندة النسبة الأكبر من فئات المجتمع الصهيوني. هذا المجتمع شرع قتل الفلسطيني وقمعه وسجنه واغتياله ومصادرة أرضه وتدمير بنيته التحتية ومعاملته معاملة الحيوانات، بطرق وحشية وسادية، نقلت بعضها شاشات التلفزة وبعضها الآخر روته الألسنة. أليست هذه فاشية وعنصرية وكراهية جماعية تجتاح المجتمع الإسرائيلي الذي هو نتاج النظرية الصهيونية التي لا تختلف كثيرا عن البروتوكولات.

 

ثم ماذا تسمون أيها المدافعون عن هربكم إلى السياسة الأمريكية والتعاطي مع الأكاذيب الصهيونية بعقلية غربية عاشت الحرب الثانية العالمية، وتركت مذابح النازية فيها بعض الهيبة والخوف من قول الحقيقة، فالحقيقة لا تنفي تعرض اليهود للإبادة من قبل النازية، لكنها ترفض تكذيب التضخيم والمبالغة في الأمر والأعداد من قبل يهود العالم والحركة الصهيونية،هنا تكمن المشكلة...

 

 ثم ماذا تقولون في الكراهية اليهودية والصليبية السياسية التي تجتاح أمريكا وتعادينا كلنا لسبب أصولنا المشرقية وثقافتنا العربية ودياتنا وحضارتنا المختلفة عن حضارتهم.أبعد كل هذا الحقد وتلك الكراهية للعرب وللمشرقيين مسيحيين ومسلمين، يحق لهؤلاء الحديث عن سياسة الكراهية والحقد والعداء؟.

 

 أصلاً اليهود الصهاينة وحدهم ينشرون هذه السياسة من خلال أعمالهم الإرهابية والإجرامية في فلسطين المحتلة. فالمواطن العربي ليس بحاجة لمسلسل تلفزيوني أو فيلم رمضاني حتى يؤسس عليه موقفه من مرتكبي المذابح والجرائم والمجازر بحق إخوانهم في فلسطين. فالذين يبيحون للمستوطنين اليهود سرقة الأرض الفلسطينية وما عليها من أشجار وثمار، ويحللون مصادرة الزيتون الفلسطيني وأحقية اليهود به. ويقطعون الماء عن مليون ونصف المليون فلسطيني، مع أنها مياه الفلسطينيين المسلوبة من المياه الجوفية التابعة للضفة الغربية وقطاع غزة.. عداك عن أرض فلسطين التاريخية.

 

هؤلاء الذين أيدوا سياسة حكومة الوحدة الوطنية بشارون وبيريز وبن اليعازر و لم يعبروا سوى عن كراهيتهم للعرب وللفلسطينيين، وهم يقولون ذلك علنا وبلا تكليف وبدون خوف من عواقب أو محاسبة. لأنهم يعيشون في كيان إرهابي عنصري حاقد بكراهيته للعرب يعبر عن أحقاد دفينة وأمراض أصولية يهودية تعبر عن نفسها وسوداويتها من خلال أعمالها التي تتوافق ولب النظرية الاستعلائية الصهيونية. هؤلاء هم اعداء الحياة والحب والمساواة..

 

قال ريتشارد باوتشر المتحدث باسم الخارجية الأمريكية" نحن نعتقد أنه من غير اللائق أن تبث محطات التلفزيون الحكومية برامج نعتبرها عنصرية وليست صحيحة"، وعلى ذمة بعض الصحف العربية هناك دول عربية ألغت عرض المسلسل في تلفزيوناتها. هذه الدول التي توافق أمريكا في كل شيء ولا تعارضها في أي شيء، كما أنها تسمح لها بالتحكم بسياساتها وسير حياتها، إذن تلك الدول ليست دولا حرة ومستقلة بالمعنى الصحيح، لأنها بكل بساطة تماشي السياسة التطبيعية الصهيونية واليانكية الأمريكية.

 

 أما الأخرى التي أصرت على عرض الفيلم مشكورة أولا على عدم رضوخها للضغوط الصهيونية والأمريكية وثانيا على احترامها للحريات المحدودة في بلادها. هذه التي استعملها بعض منتقدي ومعارضي فارس بلا جواد لمهاجمة المسلسل ومن خلفه الأنظمة التي وافقت على عرضه ومنها مصر. طالبوا أيضا تلك الدول القيام بمشاريع وأعمال فنية تليق بالقضية الفلسطينية وتضحيات الشعب الفلسطيني، وأعتقد أن هذا أفضل ما جاء في تعليقاتهم، لأنه كلام حق... إذ يجب على الدول العربية أن تقوم بدعم الشعب الفلسطيني بطرق أخرى وأهمها وقف كافة العلاقات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية مع الكيان الصهيوني. فما معنى أن يرفرف العلم الصهيوني في سماء بعض العواصم العربية، وهل في استمرار وبقاء السفراء والسفارات الإسرائيلية في تلك العواصم ما يخدم القضية الفلسطينية، كما كان ولازال يصرح ممثلي تلك الدول. حقيقة أن بقاء تلك العلاقة يعتبر شوكة في جسد الأمة وحسكة في حلق العروبة ووصمة فشل وهزيمة على جبين البلاد العربية.

 

أن عرض مسلسل فارس بلا جواد الذي يتحدث عن التآمر الصهيوني على الوطن العربي والأمة العربية، لا يزيل عن تلك الأنظمة ذاك الوشم الأسود الذي زرعته سياساتها المرتهنة والتي أدت بالنهاية إلى دخول الكيان الصهيوني إلى  الدول العربية عن طريق التقسيط والمفرق بدلا من الجملة. لكن إذا استمرت الحال كما هي عليه فأن الفارس العربي الذي يمتطي الجواد العربي الأصيل، سوف يصبح فارسا بلا سيف وبلا جواد وبلا كرامة وسوف يصبح الجميع من بعده سعاة بريد يعملون في قسم توزيع البريد الأمريكي الصهيوني.

 

فارس بل جواد هذا المسلسل الذي جوبه بعداء الأمريكان والصهاينة، يريدونه فارسا متسولا و بلا بلاد، ويريدونه حمارا مستعبدا بلا سرج وبلا كرامة وبلا إرادة. كما أنهم يريدون منا أن ننشد أناشيدهم ونعبد آلهتهم ونبدل جلدنا حسب رغباتهم وتمنياتهم. أنه فعلا عصر الفرسان بلا جياد والسيوف بلا أغمده والأنظمة المستعبدة.

 

  أوسلو 6-11-2002

 

Copyright©2004Nidal Hamad

اخبرونا عن أي وصلة لا تعمل

hnidalm@chello.no

تصفحوا سجل الزوار

عودة  /Back