الرفيق القائد المؤسس أحمد اليماني "أبو ماهر"

 ضمير فلسطين و شيخ الثورة المستمرة

 

 

 

أحمد اليماني "أبو ماهر" الذي لقبه رفاقه وأخوته في النضال "بضمير فلسطين"، وهو المعروف بترفعه وأخلاقه ونقائه،صاحب تجربة نضالية غنية تشع عزة وضياء،فهو يجسد حقبة هامة في تاريخ الكفاح الفلسطيني، كان شاهداً على النكبة عام 1948، كما يشهد اليوم تقلبات الأزمنة،وهو بقراءاته المتعددة،مازال يقرأ الأمل والحلم الكبير، مؤكداً الانتماء إلى التراث النضالي،تراث فلسطين التاريخية،يراقب مسارات الزمن، ويقارب الأمكنة في تجواله مع الذاكرة...ذاكرة المكان، باحثاً عن شروط الحرية والعدالة مع كل زمن عاشه، بارعاً بأفكاره، متقشفاً، وحريصاً في مسيرته ومع رفاق دربه في النضال.


يقدم أبو ماهر ذاكرة في كتاب السيرة، وهي مليئة بالدروس، ومفيدة للأجيال والمستقبل،تاريخ وذاكرة هذا الرجل تفيض إنسانية،وهو رفيق لمشروع التحرر الوطني منذ كان شاباً يافعاً في فلسطين، يدوّن على أوراق مذكراته تفاصيل الحياة والانتقال من زمن إلى آخر، ومن مكان لآخر في سيرة مباركة نحتت في أصالتها، وامتدت جذورها التاريخية الضاربة في عمق الأزمنة والأمكنة على السواء، هي ذي السيرة... سيرة ملؤها الكبرياء، يرتسم محياها على وجه صاحبها الرجل الكريم أبو ماهر،يمتلك اليماني تجربة تستطيع أن تفتخر بماضيها، فترافقه مع ايمانه بما يمكن أن ينجز في المستقبل.... وبالنسبة (لأبو ماهر) لم تنكسر فلسطينه، طالما ظل هناك رمق مقاوم وميراث مقاومة، كما استطاع عبر تجربته مع شعبه تجاوز النكبات المتتالية1948-1967وتجاوز المؤامرات والانكسارات التي رافقت مشروع النضال الفلسطيني،وكان على الدوام يقف مع كل شكل من أشكال إسناد المقاومة،ويمدها بجسور الوعي القومي العربي، لأن رؤيته للعمق العربي من ضرورات أي مقاومة فلسطينية. وهو الذي عاش أحلام الوحدة العربية والوعي القومي العربي، لم يخرج من جلده، ولم يكن انفعالياً في مواقفه بل أن سلوكه النضالي مؤسس على الوعي القومي العربي، وهو هادىء عكس معظم السياسيين،دوماً برفقة الحكمة التي تحمله إلى شواطئ الأمان،الحكمة التي ترافقه وبقيت معه،بعد أن افتقدها الخطاب السياسي،وربما يجد المتتبع لخيط هذه السيرة صور الحنين عند أحمد اليماني"أبو ماهر"الحنين الذي يذرفه دمعاً سخياً عند تذكره فلسطين ولقاء الأعزاء،كما حصل عندما التقى رفيقه الدكتور جورج حبش قبل عام بعد غياب ثلاث سنوات،كان اللقاء مفعماً بالأحاسيس الجياشة المحبة،ولكن يأخذ الحنين في سيرة أبو ماهر شكلاً فلسطينياً ونبيلاً،الحنين إلى وطنه وذكرياته ومربى طفولته إلى الأمكنة التي تنقل بها منذ طفولته مروراً بشبابه،حتى شيخوخته المباركة...ومع كل هذه المراحل تجد عند (أبو ماهر) سجلاً ناصعاً نظيفاً،تسكنه مساحة نقية كبياض الثلج، وفي مقدمة مذكراته يكتب أبو ماهر عن أهمية قراءة التاريخ والتجارب ومعرفة الماضي، ويؤكد باستخلاصه أن المعرفة أمانة ومسؤولية يقول: ( يتفاوت الناس في درجات حماسهم لقراءة التاريخ ومعرفة ماضي من سبقهم.البعض يبدو غير مكترث وغير مهتم بالإطلاع على تجارب السابقين،ولسان حاله يردد:ما مضى فات وانقضى فلنهتم بما هو آتٍ...بعض آخر يرى أن معرفة الماضي مفيدة جداً وهامة لأنها تشكل عامل تواصل وتفاعل بغية استخلاص الدروس والعبر الإيجابية لاعتمادها وتطويرها،والسلبية لتجنب الوقوع فيها ،وتساعد بالتالي على رسم معالم دروب المستقبل.وبهذا المعنى أخذت بما ارتآه البعض الثاني،فرحت أراجع وأطالع ما كتب عن تاريخ الآباء والأجداد وما نقل عن تضحياتهم دفاعاً عن حقوقهم وحفاظاً على عروبة الوطن العربي الكبير، وفلسطين في موضع القلب من كيان هذا الوطن الممتد من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي. قرأت ما تيسر لي من غزوات التتر والفرس والرومان،والإفرنج والأتراك لبلادنا العربية واستخلصت درساً مفاده:أن الشعب المؤمن بحقه وعدالة قضيته يواصل ويواصل الكفاح،لا يساوم ولا يفرط ولا يستسلم،لا بد أن ينتصر مهما طال الزمن).


وأبو ماهر من مواليد سحماتا عام 1924(قضاء عكا-لواء الجليل)عاش طفولة فلاحية في كنف والديه،وأكمل دراسته الابتدائية في ترشيحا،وعندما كان طفلاُ لا يتجاوز السادسة من العمر خرج لأول مرة من قريته برفقة والده،من عكا وكان مندهشاً للغاية في حضور عرس الاحتفال بالشهداء الأبطال الثلاثة،شهداء ثورة البراق(فؤاد حجازي،محمد جمجوم،وعطا الزير)وكانت سلطات الانتداب البريطاني قد حددت ذاك اليوم 17/6/1930موعداً لإعدام الشهداء الثلاثة،والذين يشكلون طليعة شهداء فلسطين آنذاك،استفاق وعي الطفل أحمد اليماني على منظر الاعدامات وأجساد الشهداء المعلقة على أعواد المشانق في باحة سجن عكا المركزي،وتأثر أيما تأثر،وبقيت هذه الصورة راسخة في مخيلته لا ينساها.
يسجل أبو ماهر ذكرياته، ويبدأ من ثورة البراق عام 1929التي شملت كل المناطق الفلسطينية احتجاجاً على تسهيل حكومة الانتداب البريطاني للغزاة اليهود بدخول فلسطين وتقديم أراض أميرية لهم لإقامة مستعمرات عليها،وتنفيذاً لوعد بلفور،الوعد المشؤوم.


وبعد أن أصبح شاباً تنقل في دراسته الثانوية من صفد الى عكا ثم الى الكلية العربية في القدس. اختار العمل الوظيفي الرسمي فعمل في دائرة الزراعة الحكومية-عكا-ودائرة الأشغال العامة في حيفا،وخلال عمله النقابي،أصبح أمين سر النقابة المركزية لعمال وموظفي دائرة الأشغال العامة،ومنظم نقابات في جمعية العمال في يافا"مجلس النقابات"وأصبح أمين سر اللجنة المركزية في لواء الجليل حتى النكبة عام 1948.


يمكننا أن نتخيل مدى التصاق المناضل الكبير (أبو ماهر) منذ مطلع شبابه بالهم الوطني وانخراطه في العمل السياسي والنقابي،فكان قبل النكبة من الرجال المؤثرين في النشاطات والتحركات الوطنية المناهضة لسلطات الانتداب البريطانية الاستعمارية،ومقاوماً الغزو الصهيوني،ومدافعاً عن شعبه وأرضه،ضد عصابات الإرهاب الصهيونية التي بدأت تتشكل قواتها على أرض فلسطين بدعم وتسليح بريطاني،وقبل النكبة واكب أبو ماهر عمليات المقاومة الفلسطينية ضد الوجود الصهيوني على أرض فلسطين.


وبعد أن تجرع مرارة النكبة استقر أبو ماهر اليماني مع أسرته في لبنان وعمل مديراً لمدرسة الأونروا،في مخيم برج البراجنة،وناظراً لثانوية خالد بن الوليد-بيروت ومدرساً في كلية التربية والتعليم-طرابلس لبنان ومديراً لمدرسة الأونروا في عين الحلوة-صيدا-لبنان-وكان أحد مؤسسي الأندية الثقافية في مخيمات لبنان،أما في الميدان النضالي العسكري،كان أحد مؤسسي المنظمة العسكرية لتحرير فلسطين،عام 1949،وأحد مؤسسي اللجان الشعبية في المخيمات الفلسطينية ولبنان،وأمين سر رابطة المعلمين الفلسطينيين(لبنان)وكان مشرفاً على رابطة الطلاب الفلسطينيين في لبنان ومؤسس وأمين سر اتحاد عمال فلسطين ومندوب الاتحاد العام لعمال فلسطين في الأمانة العامة للاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب.
وكما هو معروف فإن (أبو ماهر) اليماني تقلد في مسيرته النضالية مراكز ومهام نضالية عديدة في مراحل المقاومة والنهوض الثوري،فكان أحد مؤسسي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي كان أمينها العام الدكتور جورج حبش،وانتخب اليماني أمين سر جبهة القوى الرافضة للحلول الاستسلامية،ورئيس دائرة شؤون العائدين،وعضو المؤتمر الوطني الفلسطيني عام 1998. أما عن التجمعات الثقافية النخبوية،فهو عضو المؤتمر الثقافي الفلسطيني، وعضو المؤتمر القومي العربي،وعضو مجلس أمناء المنتدى القومي-لبنان.
الآن بلغ أبو ماهر الثمانين ونيف، وفي شيخوخته الجليلة مازال يحث الخطى في السير نحو فلسطين،وهو مثل زيتونة شامخة،وهو أحد آبائنا، وأحد مناضلينا الكبار،حزيناً لبعده عن وطنه،يحلم بالعودة،ويكاد يكون جسده النحيل حاملاً لأحزان النكبة والمنفى،يناجي وطناً،يناجي الذاكرة ونحن نعيش معه اليوم طقس التذكر والذاكرة ..


يقول في مذكراته: (آليت على نفسي أن أعرض تجربتي المتواضعة بوضوح وببساطة تقديراً مني بأن الوضوح في العرض والبساطة في التعبير ينتج الفرصة لتعميق الآمل وتعزيز الثقة بالنضال والعمل على طريق بناء المستقبل الأفضل،آمل أن أوفق بما استهدفت من تسجيل هذه التجربة الذاتية المتواضعة،داعياً الأجيال المتلاحقة لبذل المزيد من التضحية والعطاء والتمسك بالحقوق الوطنية والقومية،غير القابلة للتصرف واستمرار النضال مهما طال الزمان لتحرير كل ذرة من تراب الوطن المقدس واعتماد سبل المقاومة ونبذ ومحاربة نهج المساومة المستسلمة).


يدهشك لدى هذا الشيخ الجليل المناضل أبو ماهر صورة الإيمان الراسخ بحتمية الانتصار،مهما كانت الصعاب، وهو المؤمن بقدرة شعبه على الصمود والثبات والاستمرار يرسخ لدينا قيمة الوعي وميراث الذاكرة عبر هتافه الهادئ وكأنها وصيته:"فلسطين لن ننساك" ..


يقول اليماني : لتبقى الجماهير داخل فلسطين وفي دنيا الشتات تردد بثقة وإيمان عهد الولاء والوفاء لموطن الأجداد والآباء والسير على طريق المجاهدين والشهداء....فلسطيننا لن ننساك ولن نرضى وطنناً سواك...نشهد الله والتاريخ ونعاهدك أن نواصل الكفاح بكل شكل من أشكاله الممكنة وبكل وسيلة من وسائله الميسرة لتحريرك من الغزاة الصهاينة المغتصبين وحلفائهم الاستراتيجيين وخاصة الأميركين والبريطانيين ونعود إليك كلنا مقاومين.


يذهب أبو ماهر إلى ملتقى الأحبة والأصدقاء في حركة القوميين العرب وأبناء جيله،يعيش زاهداً منسجماً مع ذاته،المليئة بالطيبة والحياة،ويتذكر أصدقاءه الشهداء الذين رحلوا،يتذكر أخاه محمد اليماني من الشهداء الأوائل في مسيرة الثورة الفلسطينية، يتذكر رفاقه-وديع حداد ،غسان كنفاني،ناجي العلي وأبو علي مصطفى ،الذين كانت تربطهم به أواصر تاريخ نضالي بأكمله،هي ذي السيرة ومع كل هذه الاستقامة لا يسعنا إلا أن نجد متسعاً من الوقت لتكريم (أبو ماهر) اليماني، مثلما يكرمنا هو بسيرة النضال الفلسطيني ..


لنكرمه، بما لدينا من وفاء وبعضاً من أناشيد الحياة وبعضاً من حبر أقلامنا،كما نكرم الأبطال الرموز،و(أبو ماهر اليماني) رمز من رموز النضال الفلسطيني ..

 


 

الصفصاف- تاريخ النشر: 30-12-2010

العودة الى الصفحة الرئيسية