تكريم متصوّف فلسطيني - بقلم رشاد ابوشاور

 

ربّما تختصر هذه الصفة بعض ما يتمتع به هذا المناضل المحترف الكبير الذي بدأ مسيرته قبل ستة عقود ، هو الذي بلغ الثمانين وما زال على حاله وعهده وطريقه وطريقته .
اسمه أحمد محمد اليماني ، عرف وما يزال بأبي ماهر اليماني . بدأ نضاله في الحركة العمّالية الفلسطينية وهو في بدايات العمر والشباب مع سامي طه المناضل العمّالي الفلسطيني الذي اغتيل في ظروف غامضة _ وكل الدلائل تشير نحو الانتداب البريطاني _ وواصله في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين التي أبعد إليها قسراً من عصابات الاحتلال التي انتزعته من قريته الجليلية والقت به على حدود لبنان مع بعض إخوانه الذين قرروا وإيّاه البقاء في الوطن .
المناضل العمّالي أبوماهر اليماني استأنف نضاله في مخيمات اللاجئين ، أستاذاً ومديراً لمدرسة مخيم ( عين الحلوة) ، ومنظماً للعمّال والشغيلةالفلسطينيين ، وملقناً تلاميذه حب فلسطين والعهد على تحريرها .
تكوّنت حركة القوميين العرب بقيادة الدكتور جورج حبش في الجامعة الأمريكية ، وأبو ماهر اليماني عمل على نقلها من أجواء الأكاديميين والمثقفين إلى فلسطينيي المخيمات ، وصفوف العمّال والشغيلة وطلاّب المدارس ، أي جعلها حركة شعبية ميدانية .
أسس مع ( الحكيم) جورج حبش ، والدكتور وديع حداد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، وحين هبّت رياح الخلافات ( الإيديولوجية) بقي متمسكاً بمعتقداته : الوحدة العربية ، تحرير فلسطين ، الثقة بالجماهير ، العمل الميداني بصدق وشرف واستقامة .
القيم التي آمن بها ، ومارسها سلوكاً حيايتاً يومياً ميّزته في مسيرة المقاومة والثورة الفلسطينية ،فهو صارم في العمل التنظيمي ، وهو شديد الصلابة في المباديء والتمسك بالقيم ، وهو شديد المحاسبة في الجانب المالي ، فلا تسيّب ، ولا رشاوى ، ولا تدليل ، ولا شراء ذمم ...
اشتبك مع الفساد والأفكار الانتهازية ، وتصدى لخطاب(المرحلية) في السياسة الفلسطينية التي رأى فيها انحرافاً شديداً عن المنطلقات والهدف ، وتفريطاً بالقضية الوطنية ، وتعبيراً عن انكسار الهمم والتلف لدى بعض القيادات المتنفّذة ، ولذا آثر أن يغادر موقعه في اللجنة التانفيذية لمنظمة التحرير ، كما أنه انسحب من المكتب السياسي للجبهة الشعبية مفسحاً الطريق لجيل الشباب، وعاد إلى بداياته الأولى الصحيحة : الجماهير في المخيمات والأحياء الشعبية ، وإلى الناس الصادقين أمثال المفكّر الدكتور أنيس صايغ .
عكف على كتابة ( شهادته) عن مراحل النضال الفلسطيني منذ نهاية الثلاثينات حتى يومناوكما خبرها وعاشها ، وقد صدر من هذه المذكرات ثلاثة أجزاء ، وقريباً يصدر الجزءان الرابع والخامس .
في بيروت ، يوم الثلاثاء 21 أيلول الجاري ، وفي مقر جمعية خريجي الجامعة الأمريكية ، وبدعوة من ( اللقاء الفلسطيني الثقافي ) الذي يترأسه الدكتور المفكّر أنيس صايغ ، أقيم الاحتفال تكريمي بمناسبة بلوع أبوماهر الثمانين ، هذا المناضل الكبير الفذ المتميّز بقيم أصيلة باتت نادرة في زمن ( فهلوية ) و( شبيّحة) و( سماسرة ) وأثرياء السياسة والثورة والنضال ، ولذا لم يكن غريباً أن يصف الأستاذ شفيق الحوت أباماهر بأنه صوفي الثورة الفلسطينية ، بل إنه لو وجدت طائفة صوفية فلسطينية لكان شيخها.
في تلك القاعة رأيت مفكرين ، قادة سياسيين من نوعية أبي ماهر ، ورجالات سياسة لبنانيين مشهود لهم ،يتقدمهم رئيس وزراء لبنان السابق الدكتور سليم الحص ، والرئيس رشيد الصلح ، والنوّاب : بشارة مرهج ، وعبد الرحيم مراد، ومحد قبّاني ، وصحفيين يتقدمهم الصديق طلال سلمان رئيس تحرير ( السفير) ، وفلسطينيين قدموا من مخيمات لبنان وسورية ، مواطنين عرفوا أباماهر وأحبوه لأخلاقه ، واستقامته ، وصلابته ، وطهرانيته ، وباختصار لأنه منهم .
حشد ضخم من الناس الشرفاء على اختلاف مشاربهم السياسية ، ومراكزهم الاجتماعية ، وانتماءاتهم ، التقوا لتكريم هذا الإنسان الكريم الجوهر والروح والمسيرة .
ليس غريباً من رجل هذه بعض صفاته الكريمة أن يعتذر عن قبول هذا التكريم ، لطبع أصيل في شخصيته وهو التواضع ، والشعور الملّح بأنه لم يقدم ما ينبغي لشعبه وقضيته وأمته ، وأن يلّح عليه الدكتور أنيس صايغ وبعض أصدقائه يتقدمهم الأستاذ رفعت النمر رفيق أبوماهر في حركة القوميين العرب ، وفي التشبّث بالمباديء .
قال الدكتور صايغ في تقديمه: خفنا أن يعتذر ، وفي النهاية قلبه طيّب عتب علينا وغضب ، لكننا كسبناه معنا .
استذكر صالح شبل أيام كان أبوماهر مديراً لمدرسة عين الحلوة ، ورأى أنه حرص دائماً على ( الذاكرة) متسلحة ، حيّة ، وأنه لم يتغيّر كما غيره ، ورغن ظروفه الصحيّة فإنه نشط يعمل بأقصى طاقته .
رفعت النمر ، صديقه القديم ، وصفه بأنه الصديق الوفي ، المبدأي الذي لم يساوم ،المتسلّح بالأخلاق ، المؤمن بعروبته .
ولأن الأستاذ شفيق الحوت كاتب صحفي كبير ، ومتحدث بارع ، وسياسي شهد تقلبات الأحوال العربية والفلسطينية فقد ارتجل كلمة أنعشت أرواح الحضور بما حوته من مداعبات _ رغم جديتها _ انتزعت الابتسامة والضحكة من القلوب . تمنّى الحوت لو أنه رسّام ليرسم فلسطين ممثلّة بأبي ماهر اليماني . خاطب اباماهر : اتمنى لو تحبني عشر ما أحبّك . وروى الحوت فصولاً من العمل السياسي الفلسطيني ، وأين اختلف مع ابي ماهر المؤمن بتحرير كامل التراب الفلسطيني ، وأين اتفق ، وكيف أحبه دائماً لاستقامته ونزاهته .
لم يختلف ما جاء في كلمة الدكتور صلاح الدباغ عمّن سبقوه : أبوماهر المثال والقدوة ، جمع بين الصلابة والمبدأيّة ، الجديّة والبساطة المتناهية ...
تقدّمت بعد أن خفّ الزحام حول أبي ماهر ، فأدهشه أنني في بيروت وأنني أشارك في تكريمه ، فأضاءت عيناه الطيبتان ، ورغم وهن جسده _ يعاني من مرض السكر الذي أنهكه في السنوات الأخيرة _ فقد فتح ذراعيه وأخذني بينهما ، فشعرت أنه يباركني ، وإذ أفسحت للمحبين لعناقة وتمني العمر المديد بعد الثمانين التي بلغها ، سالت دمعات من عيون كثير من الحضور ، هي دمعات الفخر بأن أباماهر موجود بيننا ومعنا بما يمّثله ، وبأن من شوهو سمعة شعبنا ليسوا هم الواجهة والمثال ، وأن شعبنا الصلب المكافح العنيد المتصوّف في حب وطنه المضحّي يستحق قيادات أمثال أبي ماهر ...
الاحتفاء بأبي ماهر ، فلسطينياً ولبنانياً ، كان احتفاءً برجل من زمننا وشعبنا وأمتنا ، واحتفاءً بمثل وقيم لن يمسخها المفسدون ، والمارقون ،والتجّار والسماسرة ،وقيادات المصادفة ...
أباماهر الحبيب يا والدنا : على دربك نمضي ، وبقيمك نتسلّح ..اللهم أعنّا على هذا حتى نكون لائقين بالانتساب لك ولفلسطين ولأمتنا ..
 

الصفصاف- تاريخ إعادة النشر: 04-01-2011

العودة الى الصفحة الرئيسية