رسالة السلطان عبد الحميد إلى محمود أبو الشامات
عن رفضه إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين

--------------------------------------------------------------------------------


يا هو
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد رسول رب العالمين وعلى آله وصحبه أجمعين إلى يوم الدين.
أرفع عريضتي هذه إلى شيخ الطريقة العلية الشاذلية، إلى مفيض الروح والحياة إلى شيخ أهل عصره الشيخ محمود أفندي أبي الشامات وأقبل يديه المباركتين راجياً دعواته الصالحة.
بعد تقديم احترامي، أعرض أنني تلقيت كتابكم المؤرخ في 22 مايس من السنة الحالية وحمدت المولى وشكرته أنكم بصحة وسلامة دائمتين.
سيدي: إنني بتوفيق الله تعالى مداوم على قراءة الأوراد الشاذلية ليلاً ونهاراً. وأعرض أنني ما زلت محتاجاً لدعواتكم القلبية بصورة دائمة.
بعد هذه المقدمة أعرض لرشادتكم، وإلى أمثالكم أصحاب السماحة، والعقول السليمة المسألة المهمة الآتية كأمانة في ذمة التاريخ: إنني لم أتخل عن الخلافة الإسلامية لسبب ما سوى أنني ـ بسبب المضايقة من رؤساء جمعية الاتحاد المعروفة باسم «جون تورك» وتهديدهم ـ اضطررت وأجبرت على ترك الخلافة الإسلامية.
إن هؤلاء الاتحاديين قد أصروا وأصروا عليّ بأن أصادق على تأسيس وطن قومي لليهود في الأرض المقدسة ـ فلسطين ـ ورغم إصرارهم فلم أقبل بصورة قطعية هذا التكليف. وأخيراً وعدوا بتقديم (150) مائة وخمسين مليون ليرة إنكليزية ذهباً، فرفضت هذا التكليف بصورة قطعية أيضاً، وأجبتهم بالجواب القطعي الآتي: إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهباً ـ فضلاً عن (150) مائة وخمسين مليون ليرة إنكليزية ذهباً ـ فلن أقبل بتكليفكم هذا بوجه قطعي. لقد خدمت الملة الإسلامية والأمة المحمدية ما يزيد عن ثلاثين سنة فلن أسوّد صحائف المسلمين آبائي وأجــدادي مــن الســلاطين والــخلفاء العثمانيين. لهذا لن أقبل بتكليفكم بوجه قطـــعي أيــضاً.
وبعد جوابي القطعي اتفقوا على خلــعي، وأبلغوني أنهم سيبعدونني إلى سلانيك، فقبلت بهذا التكليف الأخير هذا وحمدت المولى وأحمده أنني لم أقبل بأن ألطخ الدولة العثمانية والعالم الإسلامي بهذا العار الأبدي الناشئ عن تكليفهم بإقامة دولة يهودية في الأراضي المقدسة فلسطين. وقد كان بعد ذلك ما كان. ولذا فإنني أكرر الحمد والثناء على الله المتعال. وأعتقد أن ما عرضته كاف في هذا الموضوع المهم وبه أختم رسالتي هذه.
ألثم يديكم المباركتين وأرجو وأسترحم أن تتفضلوا بقبول احترامي. سلامي إلى جميع الإخوان والأصدقاء.
يا أستاذي المعظم
لقد أطلت عليكم البحث، ولكن دفعني لهذه الإطالة أن نحيط سماحتكم علماً، ونحيط جماعتكم بذلك علماً أيضاً
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

في 22 أيلول 1329
خادم المسلمين
عبد الحميد بن عبد المجيد

* عرّبها الشيخ أحمد القاسمي المدير العام للأوقاف في دمشق سنة 1957

 موقف السلطان عبد الحميد من الهجرة اليهودية إلى فلسطين


إن لليهود نفوذاً في أوروبا أكثر من نفوذهم في الشرق، لهذا فإن دولاً أوروبية كثيرة أرادت التخلص من اليهود ـ العرق السامي ـ وأيدت هجرتهم إلى فلسطين. ولكن في دولتنا عدداً كبيراً من اليهود، فإذا كنا نريد أن يستمر العنصر العربي الإسلامي (مسلمان عرب ـ (Müslümen Arab) متفوقاً في فلسطين يجب أن لا نسمح بتهجير اليهود إليها. وإذا كان الأمر عكس ذلك وسمحنا لهم بالهجرة، فإنهم بفترة قصيرة سيسيطرون على الحكم، وتصبح فلسطين تحت سيطرتهم.
إن زعيم الصهيونية هرتزل لم يستطع إقناعي بأفكاره. وقد يرى «أن حل المسألة اليهودية (Yahudi Meselesi) ستنتهي يوم يستطيع اليهودي قيادة محراثه بيده». وربما كان هرتزل على حق بالنسبة لشعبه، فانه يريد أرضاً لهم، ولكن نسي أن الذكاء وحده ليس كافياً لحل جميع المشكلات. إن الصهيونية لا تريد أراضيَ زراعية في فلسطين لممارسة الزراعة فحسب، ولكنها تريد أن تقيم حكومة، ويصبح لها ممثلون في الخارج. انني أعلم أطماعهم جيداً، وانني أعرض هذه السفالة (Saflik) لأنهم يظنونني انني لا أعرف نواياهم أو سأقبل بمحاولاتهم. وليعلموا أن كل فرد في أمبراطوريتنا كم يكنّ لليهود من الكراهية طالما هذه نواياهم، وأن الباب العالي ينظر إليهم مثل هذه النظرة. وانني أخبرهم أن عليهم أن يستبعدوا فكرة إنشاء دولة في فلسطين لأنني لا زلت أكبر أعدائهم.

عن كتاب: السلطان عبد الحميد الثاني: خاطراتي السياسية

 

السفير ملحق فلسطين

 

الصفصاف 07-12-2010

العودة الى الصفحة الرئيسية