بقلم نضال حمد : من سحماتا بدأ المشوار ..إلى روح أبو ماهر اليماني

في العام 2004 تجمعت في بيروت بمبادرة من بعض المقربين لليماني، مجموعة من الرفاق والأصدقاء ومحبي ابو ماهر اليماني ، وذلك لتكريمه والاحتفال معه بعيد ميلاده...فقدموا له التحية والتقدير وذكروه ببداية حياته النضالية طالباً وعاملاً في فلسطين الانتدابية قبل الاحتلال الصهيوني .. وقالوا له أنهم هنا لينقلوا إليه تحيات أبناء شعبه الفلسطيني وأمته العربية ، الذين مازالوا يتذكرونه قائداً ميدانياً ، خطيباً مفوهاً ، نقابياً شجاعاً ومربياً للأجيال عرفته المخيمات ومدارس اللاجئين وسجون السلطات والحكومات العربية الرخيصة.

حضر الاحتفال في ذلك اليوم بعض الرجال التاريخيين الشجعان من الفلسطينيين والعرب ، الذين عرفهم النضال الوطني الفلسطيني خير المعرفة ، ومنهم بعض الذين سبقوا اليماني في الرحيل إلى جوار شهداء فلسطين.. اذكر منهم المناضل الكبير رفعت النمر ، المناضل الكبير شفيق الحوت ، المناضل الكبير أنيس صايغ .. أسماء كبيرة ووجوه فلسطينية لا تَغيب ولا تُغيب، رجال قادوا السفينة الفلسطينية في أحلك الظروف وأصعبها. كلهم بالإضافة لآخرين تجمعوا لتكريم اليماني وتحيته. مضوا وها هو رفيقهم الكبير أحمد  اليماني يلحق بهم وبرفيقه الحكيم جورج حبش ،وكذلك بشقيقه ورفيقه الشهيد ، أحد أوائل شهداء الثورة الفلسطينية المعاصرة.

الفنان المبدع الشهيد ناجي العلي ، أحد تلاميذ المعلم اليماني قال في استذكاراته:
حين كنت صبياً في عين الحلوة ، انتظمت في فصل دراسي كان مدرسي فيه أبو
ماهر اليماني ..وعلمنا أبو ماهر أن نرفع علم فلسطين وأن نحييه ، وحدثنا عن أصدقائنا وأعدائنا .. وقال لي حين لاحظ شغفي بالرسم " ارسم .. لكن دائماً عن الوطن " ..

لقد اصدر اليماني مذكراته (تجربتي مع الأيام ) في خمسة أجزاء ، وفي الجزء الأول منها يصف كيفية انتقاله للدراسة في مدينة صفد وتعرفه هناك على ابراهيم حمد زميل الدراسة الذي كان يساعده في الدروس المستعصية، ويقول أبو ماهر في الصفحة 58 من الجزء الأول من كتابة " كنت في العطلة الأسبوعية ( في غالب الأحيان) أذهب مع الزملاء إلى قريتهم الصفصاف القريبة من صفد ، ومازلت أذكر حسن المعاملة التي كنت ألقاها من أهالي الزملاء ، وكأنني أحد أبنائهم".

 ذكرت هذه الحادثة لأنها ترتبط بحادثة جرت أبان الاحتلال الصهيوني للبنان سنة 1982. بعد عودتي  من العلاج في ايطاليا  إلى سورية ، على اثر إصابتي في معارك حصار بيروت 1982 ، جاءني في مخيم اليرموك نهاية سنة 1983 أو بداية سنة 1984 العم ابراهيم حمد (توفي قبل عدة سنوات) والعم قاسم حمد  كبيرا آل حمد (عائلتي) ، وشكا لي عن أن الفدائيين الذين يعملون في مخيم عين الحلوة ضد الاحتلال والعملاء بشكل سري، قاموا بتهديد شخص من عائلتنا لأن العملاء يجلسون في حانوته كل يوم. وكان الفدائيون يعتقدون أن هذا الشخص أيضاً عميل .. وشكت العائلة للأستاذين قاسم و ابراهيم حمد ، اللذان قصا على مسامعي تلك القصة طلباً للنصح ، وقالا لي أنهما ينويان التحدث مع أحمد اليماني (أبو ماهر) طلباً للمساعدة. فقلت لهما (كان عمري آنذاك 20 عاماً ) لن يفيدكما اليماني بشيء ، لأنني اعرف المجموعة التي تتحدثون عنها وهي ليست تحت سلطة وسيطرة تنظيم اليماني، كما أن معظمهم من الجيل الصاعد ، جيل الشباب المندفع لمحاربة الاحتلال واعادة الاعتبار لشعبنا وثورتنا. وأنا أعدكم بأن لا يحدث للشخص المذكور أي سوء في حال ثبت أنه بريء  ، لأنني أعرف نزاهة وصدق هذه المجموعة من الفدائيين... فغالبيتهم من اصدقائي. وفعلاً ثبتت براءة الشخص الذي توفي في وقت لاحق. ذكرت هذه الحادثة لتأكيد رواية أبو ماهر اليماني عن علاقته الحميمة مع المرحوم ابراهيم حمد وأهالي بلدة الصفصاف (بلدتي).

يقول أبو ماهر أيضاً في مذكراته (تجربتي مع الأيام ) أنه يوم غادر بلدته الجليلية سحماتا  للمرة الأولى عام 1930 كان في السادسة من عمره .. توجه الى مدينة عكا عروس الساحل ولؤلؤة بحر فلسطين، كان برفقة والده. اعتقد الطفل أحمد أن الحشود التي شاهدها على الطريق، في طريقها لحضور عرس لإحدى العائلات الميسورة.  لكنها كانت حشود أبناء فلسطين في وداع أبطال سجن عكا ، وثورة البراق ، عرس ثلاثة من المجاهدين الذي شاركوا في ثورة البراق عام 1929، وهم عطا الزير ومحمد جمجوم من الخليل وفؤاد حجازي من صفد، قررت السلطات البريطانية إعدامهم. مشهد هاماتهم على اعواد المشانق يشحن إرادة اليماني ويجعله مصمماً على استعادة فلسطين الى احضان اصحابها الفلسطينيين.

 بدأ أبو ماهر اليماني عمله النقابي في فلسطين ففتح له هذا العمل طريق التواصل مع سامي طه امين سر جمعية العمال العربية الفلسطينية. عرض الأخير عليه التفرغ كمنظم للنقابات. حماسته للنضال جعلته يقبل العرض. لم يتوقف عند ميزان الرواتب الذي كان يميل بشكل كبير لمصلحة عمله الاول. فقد كان التفاني وكانت التضحية تسري في دماء الشاب أبو ماهر اليماني وكانت قضية فلسطين فوق الحياة الدنيا. لذا سرعان ما شارك ابو ماهر في حرب فلسطين عام 1948 وأسهم بتعبئة المقاتلين وتجميعهم وإرسال النجدات الى «جيش الانقاذ». لم تنفع محاولات أبيه إقناعه بالمغادرة. بعد انهيار المقاومة أصر على البقاء. قال له «أفضل الموت في سحماتا».  وعلى ذكر هذه الجملة فأن لليماني جملة أخرى قالها في اجتماع للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية رداً على قبول المرحوم ياسر عرفات بالبرنامج المرحلي الذي يعترف بوجود الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، وبدولة فلسطينية في الضفة والقطاع، قال أبو ماهر اليماني للمرحوم عرفات انه يريد كامل فلسطين بما فيها مزبلة قريته سحماتا.

بعد سقوط سحماتا سنة النكبة 1948 اعتقل اليماني من قبل العصابات الصهيونية ، وتعرض للتعذيب والضرب والأعمال الشاقة. ثم ما لبث أن أفرج عنه ، فالتقى بعائلته في طرابلس شمال لبنان.وبعد فترة قضاها هناك اخذ يعمل كاتباً للحسابات في إحدى الشركات، ثم قدم استقالته وسافر إلى الضفة الغربية للالتحاق مجدداً بجمعية العمال العربية الفلسطينية في نابلس سنة 1949. وكان اليماني معروف بدفاعه عن العمال مما أزعج السلطات الأردنية فقامت بتقييد حركته ومحاصرته والتضييق عليه. ولما شعر أبو ماهر أن وجوده هناك لم يعد يخدم النقابات والعمال قفل عائداً إلى بيروت، لكن المخابرات اللبنانية (الشعبة الثانية) كانت له بالمرصاد ، وأخذت تضيق عليه هي الأخرى وتطارده وتعتقله لأنه أجج المشاعر الوطنية والقومية لدى التلاميذ وطلاب المدارس التي أصبح مسئولا عنها من مخيم عين الحلوة جنوباً وصولاً إلى مخيمي البدواي ونهر البارد في الشمال؟.. أعتقل أبو ماهر اليماني 55 مرة  خلال عشرون سنة ، ودخل في السجن في كل مرة كان يعتقل بها..وكان يملك حقيبة صغيرة سماها حقيبة السجن جهزها لهذا الغرض. وكان كلما خرج من السجن وجد قرارا بطرده من الوظيفة والعمل.و رغم ذلك استمر وصمد وصبر ونجح ..

تأثر اليماني بمقال للزعيم السوري الوطني عبد الرحمن الشهبندر تحدث فيه سنة 1935 عن خطر الصهاينة على فلسطين فقرر مع مجموعة من زملائه تشكيل المنظمة العسكرية لتحرير فلسطين وكان ذلك سنة 1950 . بعد ذلك بعدة سنوات تعرف اليماني على وديع حداد أحد أهم قادة حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.وعرفه حداد على جورج حبش وهكذا بدأ الإعداد الجدي لتشيل حركة القوميين العرب.. ثم في سنة (1959) التقى وفد من حركة القوميين العرب وكان اليماني من ضمنه مع الزعيم جمال عبد الناصر في دمشق، طلب الوفد من عبد الناصر تدريب وتسليح الفلسطينيين.. وكان اليماني من أوائل الذين عملوا على تدريب الخلايا الفدائية في مخيمات لبنان. وأسس مع رفاقه جورج حبش ووديع حداد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. واستشهد شقيقه في عملية جرت في بدايات العمل المسلح للقوميين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

لقد كان أبو ماهر اليماني أول من أعلن في ملعب بيروت البلدي عن تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية. ففي سنة 1964 شهد لبنان أول نشاط ذي طابع فلسطيني صرف تمثل بتنظيم مهرجان في الملعب البلدي في بيروت. وتقدم الصفوف حينها القوميون العرب، وكان الخطيب السياسي في المهرجان أبو ماهر اليماني، الذي البس ابنته العلم الفلسطيني، وقتها وقفت الحكومة اللبنانية من المهرجان موقف الحياد، وبعدها تم تأسيس مكتب لمنظمة التحرير، تسلمه الصحفي الفلسطيني شفيق الحوت، الذي أصبح فيما بعد عضوا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير. كما أبو ماهر اليماني. وكلاهما في نهاية المطاف اختلف مع ياسر عرفات وسياساته واعتبراها هدامة وتضر بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. فترك أبو ماهر اللجنة التنفيذية مبكراً أما المرحوم شفيق الحوت فتركها على خلفية اتفاقية أوسلو السرية.

ابو ماهر اليماني رجل انسان وقائد متميز من صفاته البساطة والتواضع والهدوء والتعقل ، لكنه شديد العناد في الدفاع عن القيم والمبادئ والثوابت ، لذا ترك منظمة التحرير الفلسطينية واللجنة التنفيذية مبكراً ، فقد اكتشف زيف القيادة الورق ومشروع الدولة الورق، وعرف أنها مشروع تسوية ، عبثت وتعبث بقضية شعب فلسطين. ولا يمكن لشخص أمين وصادق وحازم وثابت على الثوابت أن يسير مع تلك المجموعة التي دمرت القضية الفلسطينية. التزم ابو ماهر منزله الذي صار مقره ومكتبه ومرجعية للاجئين الفلسطينين والثورييين في لبنان. فهو المعلم الأول والمربي الذي يستشار ويتم العمل بنصائحه..

في زيارتي الأخيرة لمخيم عين الحلوة قبل نحو شهر ونصف سألني والدي الذي بدوره لم يحمل سلاحاً منذ خرج من فلسطين سنة النكبة الفلسطينية الكبرى 1948، وبندقيته على كتفه ، قام بدفنها في بنت جبيل جنوب لبنان لأنه عز عليه بيعها بليرة واحدة لتاجر بخيل اراد استغلاله مع أن سعرها يساوي عشر ليرات. سألني والدي عن أبو ماهر اليماني وأين هو الآن وكيف صحته وماذا يفعل... فوالدي يعرفه منذ كان شاباً بداية الشتات واللجوء والحياة الصعبة. قلت له أن ابا ماهر يعيش في بيروت وصحته مستقرة لكنه كبر في السن كثيراً ولا يغادر منزله إلا الى الطبيب أو المستشفى. قال: أبو ماهر رجل صادق ، قوي ، فاضل ونقي هكذا عرفته المخيمات ..

في الرابع من يناير / كانون الثاني 2011 يوم رحيل اليماني عن عالمنا ، نقول أن الحديث عن مناضل صلب ومبدئي وكبير كما كان أبو ماهر اليماني لا ينتهي أبداً ويحتاج المرء لصفحات كي يعطيه حقه ، لكن لا بد من القول أن اليماني حالة ثورية إنسانية لا يمكن تكرارها أبداً ..

* مدير موقع الصفصاف

 

 

 

مقالة سابقة

الصفصاف- تاريخ النشر: 05-01-2011

العودة الى الصفحة الرئيسية