مخيّم عين الحلوة: 70 الف نسمة بـ 2 كلم2

المقدح:السلاح الفلسطيني يعالج بالحوار
 

يخرجون من المدارس كنهر بشري (ريشار سمور)في الطريق الى مخيم عين الحلوة، حاول زميلي المصور تبديد قلقي عما ينتظرنا في جولتنا. افصحت له عن الصور المطبوعة في ذاكرتي، على "أن المخيمات هي بؤر امنية وتحوي ارهابيين ومتسللين"، وهي بمثابة "شوكة في خاصرة الوطن الصغير المعرّض للانفجار مع كل استحقاق كبير".

بلغنا مدخل المخيم المحروس من قبل الجيش والمغطّى بصور الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وخلفه محمود عباس وصور للمسجد الأقصى في القدس. وما هي إلا لحظات معدودة، حتى فتح عناصر الجيش اللبناني امامنا الطريق في اتجاه المخيم، بعد ان اطلعوا على هويتنا الشخصية، وبطاقاتنا الصحافية.

وما ان وطأت اقدامنا ارض المخيم، بادرنا الى الاتصال بقائد المقر العام لحركة "فتح" ومنظمة التحرير الفلسطينية في لبنان العميد منير المقدح، الذي رحّب بلقائنا، على رغم عدم وجود موعد مسبق معه. وسارع شباب من المخيّم إلى مساعدتنا للاستدلال على منزل المقدح، فوصلنا اليه بعد ان مررنا امام منازل متلاصقة تتميز بصغر مِساحتها، في أزقّة ضيّقة. بادر العميد، الذي كان يرتدي بزة عسكرية وكوفية فلسطينية تلفّ عنقه، الى السؤال عن الهدف من زيارة المخيم، متعهدا أنّه لن يبخل علينا بالحديث عن القضايا السياسية والأمنية في مخيّم عين الحلوة، من دون إغفال المعاناة الإنسانية لاهالي المخيم، الذي أنشئ عقب نكبة 1948. يتجاوز عدد سكان المخيم السبعين الف نسمة، قال المقدح، ويتوزّعون على مِساحة تقل عن 2 كلم مربع.

مخيم يشكل فيه الأطفال النسبة الأكثر ارتفاعا، لتشبه لحظة خروجهم من المدارس نهرا بشريا. ويحاول الرجل الذي يمسك خيوط أكبر مخيم فلسطيني في لبنان، ارسال اشارات تطمينية الى انّ "الوضع في مخيم عين الحلوة من سنة حتى اليوم هادئ نسبيا"، رافضا ما يتردّد عن انّه "بؤرة تطرف مهدّدة بالانفجار". غير أنّ هذا الهدوء مردّه الى وجود تفاهم بين الفصائل الفلسطينية الـ 16 التي تتولى ضمان امن المخيم بالتنسيق مع الجيش اللبناني.ولا ينكر المقدح الصورة النمطية عن الفلسطينيين أنهم "جيش السنّة في لبنان"، وقد تعاطف قسم منهم مع تيار "المستقبل" في مرحلة سابقة.

الا ان الامور تغيرت اليوم في نظر الفلسطينيين الذين "اتخذوا قرارا انهم ليسوا طرفا... نحن بوصلتنا فلسطين"، وما يهمنا ان "تقف الاطراف اللبنانية كافة الى جانب قضيتهم"، على حد تعبيره. امّا بالنسبة الى مسألة السلاح داخل المخيّمات، فيرى المقدح انّ "أهل المخيمات الفلسطينية في لبنان لا يريدون أن يلدغوا من الجحر نفسه، مستذكرا مجزرة صبرا وشاتيلا في أيلول 1982". بيد أنّ هذه الهواجس لم تمنع الفلسطيني من وضع ملفّ سلاحه داخل المخيمات وخارجها على طاولة الحوار اللبناني العام 2006، مشيرا الى انّ مسألة تنظيمه هي "لمصلحتنا".

وقد بادرت لجنة مشتركة من الفصائل في اثناء وجود السفير الفلسطيني السابق في لبنان عباس زكي بتقديم مذكّرة موحّدة تتضمّن معالجة الملف الفلسطيني ضمن سلة واحدة ومتكاملة. إلا أنّ عدوان تموز، والتجاذبات اللبنانية بين القوى السياسية اديا الى عدم استكمال هذا الحوار، متهما "أيدي خفية بتعطيل هذا الاتفاق، والذي يصل في كل مرة الى افق مسدود، بسبب تهديده لمصالح بعض الأطراف".

ويوضح على سبيل المثال انّه حين بادرت اللجنة المشتركة الى حلّ امر المطلوبين سياسيا، والذين طلبوا الى الشهادة في المحكمة وتمنعوا عنها، وبعضهم لم يقم سوى بإطلاق نار في الهواء، الا انّه تم ربط الموضوع بملف "فتح الإسلام" والأعضاء السابقين في جيش لحد. واقترحت اللجنة حل مشكلة ما بين 3 و4 آلاف مطلوب الى العدالة، والذين صدرت في حقهم احكام غيابية، عبر تكليف محامين لمتابعة ملفاتهم على نحو منفرد، ولا سيما انّ قانون العفو العام في التسعينيات شمل اللبناني، مستثنيا الفلسطيني. ويعدّد المقدح، وهو يبتسم، الأحكام القضائية التي صدرت بحقه، بسبب استخدامه السلاح ونقله، وكذلك قدح وذم في معرض ردّه على النائب نقولا فتوش، الذي وصف الفلسطينيين بـ" النفايات، والتي "سقطت بمرور الزمن".

 نرفض توقف "الأونروا" عن اداء مهامها في رعاية الفلسطينيين، كي تبقى "شاهدا على جرائم الاحتلال الاسرائيلي، حتى يعود الفلسطيني الى ارضه"، ولكن هناك نية واضحة لتسليم الملف الى الحكومة اللبنانية.وعلى رغم انّ الحوار مع الطرف اللبناني يتخلله مصاعب جمة، فإنّه "ليس لديهم خيار آخر، ولن يتخلّوا عنه". غير انّ صوت المعركة المقبلة لم يشغل "أبو حسن" الذي يتابع قضايا وطنه المصيرية، وفي حضنه احد احفاده (منير جونيور)، عن الالتفات الى الوضع الانساني لاهله في المخيم.

وهو لهذه الغاية قام بانشاء برنامج مدني لـ"شبيبة فلسطين"، لإبعاد الجيل الجديد من أبناء المخيمات عن المسار التخريبي والتطرف، ولا سيما من آفة المخدرات والتكفير والضياع، في ظل ارتفاع نسبة البطالة التي تتجاوز 75 في المئة. ويروي العميد قصة عدد كبير من شبان واطفال تركوا مدارسهم وجامعاتهم، خوفا من احراج اهاليهم الذين يعجزون عن توفير هذه الاقساط ، فيتوجهون نحو سوق العمل. وانطلاقا من هذا الواقع المزري، بدأت فكرة هذا البرنامج منذ نحو سنتين، الذي يهدف الى توفير التعليم للأطفال منذ مرحلة الحضانة، ومساعدة بعض الطلّاب في العودة الى مقاعد الدراسة، واعطائهم دروسا خصوصية، وتوزيع ادوية على المرضى. في مركز "الشيخ زايد"، يعمل المقدح لحماية شباب المخيم من التطرف وسياسة التكفير، مكتفيا بالقول "ثقافتنا التحرير، واذا انحرفت البندقية، قضي على حقوقنا".

وما ان اطلّ ابنه الذي يبلغ من العمر 16 سنة بصينية القهوة، حتى طلب منه الجلوس معنا وإطلاعنا على واقع الشباب الفلسطيني في المخيّم. استرسل الشاب في الحديث عن برنامج "شبيبة فلسطين"، والذي يضم الآلاف من أبناء المخيم الذين تراوح اعمارهم بين 6 و22 سنة، وعن الدروس الدينية والثقافية والتاريخية، ولا سيما عن تاريخ فلسطين، في مجمع "الشيخ زايد" الذي انشئ بمساعدة اماراتية. الى جانب هذه الدروس، يتلقى هؤلاء الشباب "الأشبال" تدريبا على استخدام الأسلحة والقتال. تابعنا جولتنا في أزقّة المخيم، متوجهين الى "مستشفى الأقصى".

التقينا عددا من الأطباء، بينهم الدكتورمحمد ميعاري الذي شرح لنا اهمية انشاء هذه المستشفى داخل المخيّم، متحدثا عن المشقة التي يتعرض لها اهاليه من الوقوف على الحواجز لاستصدار تصاريح مرور للعلاج في المستشفيات التي تقع خارج المخيّم. ولم تفارق البسمة وجه هذا الطبيب الذي كشف لنا عن المراحل التي ادت الى افتتاح هذا المركز في شباط الماضي. وقد رافقنا بجولة على طبقاته الثماني، موضحا انّ معظم العاملين في المستشفى متطوعون، ويتقاضون مبالغ رمزية لقاء عملهم. والمعاينات الطبية لا تتجاوز قيمتها 10 آلاف ليرة لبنانية. واشار ميعاري الى انّ "الأنروا" لا توفر سوى مبلغ مقطوع للمرضى في المستشفيات، ولا تقوم بتغطية اكثر من 3 ليالٍ في المستشفى. من هنا "جاءت فكرة هذا المركز الطبي لسد هذه الثغرة، والتخفيف من معاناة اهلنا".

 من مستشفى "الأقصى" توجهنا إلى مركز "الشيخ زايد" للاستيضاح عن نشاطه ودور العاملين فيه. في باحة المركز الخارجية، جدران ازدانت برسوم لشباب المخيم. رسوم تروي قصة اجيال فلسطين من نكبة 1948 الى نكسة 1967. رافقنا أبو صالح الى منزل الشابة العشرينية حنان الشهابي، والذي حوّل والدها مدخله إلى دكان. منزل هو عبارة عن غرفة جلوس ونوم في الوقت عينه؛ بدت علامات الانفعال على حنان في حديثها عن البرنامج التعليمي والتثقيفي الذي يستقطب الشباب والاهالي. اذ تقوم بتدريس الطلاب عن تاريخ فلسطين وعواصم العالم، واعطائهم دروسا خصوصية باللغات الاجنبية، كاشفة عن وجود معدّل تسرب عال من المدارس، إذ يتم اجبار الطلبة في الغالب على ترك المدرسة من اجل إعالة اسرهم.وتوضح حنان انّ ما يهمنا من هذا البرنامج، "الشعب، وليس التنظيمات. وعندما يأتي الأهل ويجدون ان اولادهم ينشأون في هذه البيئة الجامعة، يقومون في ما بعد بتشجيعنا".

لم يغفل هذا البرنامج التعليمي النشاطات الترفيهية، اذ اتيح لهؤلاء الاطفال والشباب الفرصة لإلقاء قصائد وتنظيم احتفالات، واكتشاف مواهبهم، والقيام برحلات خلال فصل الصيف. همّ حنان أن "لا ينسى شباب المخيم واطفاله فلسطين، تريدهم ان يعيشوا فلسطين". وهي تصر على اكمال مهمتها ومتابعة دراستها لإدارة الأعمال على رغم عدم توافر العمل لعدد من المتعلمين من مهندسين واطباء ومهنيين من ابناء المخيّم.وقد افصحت لنا عن انّها كانت تريد ان تدرس الصحافة، وحلمها ان "تصبح في يوم ما صحافية، الا انّه بحكم كونها فلسطينية، فلن يكون لها فرصة للعمل في وسائل الاعلام اللبنانية".

 انتهى نهارنا الطويل في المخيم، غير انّ الصورة التي ارتسمت في مخيلتي بعد هذه الزيارة، هي غير ما قبلها، صورة شعب لم تفلح المأساة التي يعيشها في حرفه عن التمسك بقضيته وحق العودة. دخلت عين الحلوة قلقة، لكنني غادرته احمل حزن الأطفال ووجع اللجوء وبؤس الغياب عن البيت، والأخطر من ذلك كله خطر الانفجار السكاني لأقل من كيلومترين مربّعين يحتضنان 70 الف انسان، أكثرهم اطفال، واكبرهم مشروع "يأس" في السنوات المقبلة..

*لا ندري من هو كاتبها وصلتنا كرسالة على فيس بوك

 

الصفصاف- تاريخ النشر:22-3-2011

العودة إلى الصفحة الرئيسية