Dr. Swee Chai Ang - By Nidal Hamad

 الدكتورة سوي شاي أنغ - بقلم : نضال حمد
 

تحية لك من إنسان لم يرك إلا في المجلات والجرائد والتلفاز.. وقد يكون رآك قبل ذلك الوقت بكثير لكنه لم يعد يذكر ذلك. ربما لم يركِ لأنه لحظة وصوله إليك كان قد فقد الكثير من دمه والكثير من تركيزه. ففي الطريق إلى المستشفى كان يرى البنايات والعمارات وهي تلف وتدور بسهولة وبساطة وخفة. لم يكن في حلمٍ بل كان في تلك اللحظات الحرجة يحيا بين عالمين، عالم يغوص فيه بدمه، وآخر يأخذه فيعيده إلى طفولته. ليتعجب حين يرى رفاقه الذين ماتوا وهم يعودون كأنهم لم يمتوا. ويعجب أكثر حين يرى أمه تتجه نحوه فاتحة ذراعيها لاحتضانه. ويتعجب أكثر حين يستوقفه زميله الذي قضى غرقاً في النهر قرب المخيم. ويتعجب كذلك لفتاة كان يلاحقها طوال سنوات جهله وهي تندفع نحوه وتقبله.. ويفرد ذراعيه لشقيقاته اللواتي أسرعن نحوه مبتسمات سعيدات برؤيته. ويصبح أكثر جدية حين يطل والده بمشيته المعتادة، وخلفه شقيقه الأكبر. يستقبلهما بكل عنفوانه، يخفي ألمه، يبحث عن أي شيء يستر به ساقه الممزقة، يحاول الوقوف امامهما وكأن شيئاً لم يكن.. تخذله قواه ويغيبا عنه حين يرفع يده من بركة الدماء في صندوق السيارة التي وجد نفسه مكوماً به مع جثمانين لشهيدين. و ليرى اللون الأحمر يزداد احمراراً...

في الطريق من مكان إصابته إلى المستشفى رأى ملائكة اليمين والشمال، الذين حرسوه طفلاً صغيرا وهم على جانبي الطريق يمسحون دموعهم بمناديل بيضاء. لم يكن يدري أن الطريق إلى مستشفى غزة أصعب من الطريق إلى جهنم. كانت طوابير اللاجئين الفارين من المذبحة تلوذ بالمستشفى هرباً من بطش و إرهاب و إجرام القتلة. لم يترك الجزارون أسلوبا للقتل إلا واستعملوه ضد أهالي صبرا وشاتيلا.

حين وصلت السيارة التي كانت تقله، سمع أصواتاً عرفها وأخرى لم يعرفها. بعد ذلك غاب عن الوعي.. ليعود بعد هنيهات فيتمتم ويتفوه بكلمات لم يعرف كيف خرجت من فمه. خاطب الذين تجمعوا حوله بالعربية وبالإنكليزية، كان في غاية الحماس والعنفوان، رغم أنه وصل إلى حدود الموت وأصبح على تخوم النهاية. لم ينتظروا نهاية خطابه وضعوه على نقالة الموتى، أدخلوه غرفة العمليات، حيث الطبيبة سوي شاي أنغ التي حاولت أن تعمل كيد إلهية، تنقذ الجرحى من الموت المحتم. لم تتمكن من إنقاذهم كلهم لكنها أنقذت حياة كثيرين منهم. وكانت حياتي من الحيوات التي أنقذت بفعل يدها الإلهية. تلك اليد التي قاومت المجزرة وجابهت الإرهابيين والمجرمين، وتسلحت بقوة ربانية وهبها إياها رب العباد كي تساعد اللاجئين الأبرياء في زمن القتل والإجرام.

مع أنها بعد الله هي التي أعادتني للحياة بعدما كدت أفقدها بسبب الإصابة القوية والخطيرة التي تعرضت لها نتيجة قذيفة دبابة إسرائيلية في مخيم صبرا صبيحة يوم السابع عشر من أيلول سبتمبر 1982. عالجتني وأجرت لي عملية إنقاذ حياة بعد بتر ساقي، بدون وجود للكهرباء وتوفر للماء المطهر.. للأسف لا أذكر لغاية اليوم كيف كان شكلها ولا كيف بدت لي. رايتها بالصورة في احتفال بلندن في ذكرى المجزرة. كان ذلك بعد أكثر من عشرين سنة من المجزرة.

أود أيتها الطبيبة الطيبة أن أشكرك على كل ما فعلته لفلسطين وشعبنا وقضيتنا العادلة. وأبلغك جزيل شكري على ما فعلته لإنقاذ حياتي وحياة آخرين غيري يوم المذبحة. وأبلغك أسفي على عدم تمكني من شكرك قبل هذا اليوم. كما أحب أن أقول لك بأنني لازلت على العهد، احمل عنوان صراعنا بيدي وأقاوم بقلمي وكلمتي وموقفي. وأعمل لمصلحة بلدي وشعبي وقضيتي.

اسمك سيبقى معلوماً لدى عامة الناس تماماً كما هو معلوم لدى سكان صبرا وشاتيلا، ولدى المعنيين بالشرق الأوسط وبالقضية الفلسطينية وبحقوق الإنسان وبمتابعة مجرمي الحرب الدوليين. سيبقى خالداً في قلوب أهالي المخيمات. وسيذكرونك دائماً وأنت تقدمين شهادتك على مجزرة صبرا وشاتيلا في قلب المحكمة الصهيونية.

سوي شاي أنغ ، طبيبة، مواطنة بريطانية من أصل ماليزي، شاءت الأقدار أن تكون الطبيبة الوحيدة في مستشفى غزة بمخيم صبرا وذلك إثناء بدء المذبحة التي ارتكبتها عصابات القوات اللبنانية بالتنسيق التام مع القوات الصهيونية. بعد كل ما رأته وعاشته مع الفلسطينيين في مخيماتهم، وشهادتها على همجية القتلة في صبرا وشاتيلا، عادت إلى بلدها وكتبت كتابها الشهير من بيروت إلى القدس.

هذا الاسم سيبقى خالداً في حياتي خلود فلسطين وطني.. و لن ارتاح قبل أن اصل إليها وأقدم لها شكري على ما فعلته لأجلي ولأجل غيري من أبناء شعبي. فهي التي أنقذت حياتي، وهي التي قدمت شهادتها على المجزرة... وهي التي مازالت حتى يومنا هذا تساند وتدعم وتؤيد النضال العادل للشعب الفلسطيني كما جورج غالاوي وآخرين. وتماماً بعكس طوني بلير وحكومات بريطانيا المتعاقبة.


المخلص.. نضال حمد

أوسلو : 22-12-2007

صورتي بعد الإصابة في الجامعة الأمريكية ببيروت 1982، وأثناء العلاج ووقوفي والسير لأول مرة في ايطاليا 1983 بعد شهور من الإصابة

العودة إلى الصفحة الرئيسية

الصفصاف 17-9-2011  آخر تحديث س 22,39