التطويع والتطوع - محمد علي الحلبي

التطويع عملية فكرية ذهنية الغرض منها التأثير،ومن ثم التبديل الجذري لفكر المُطوُّع يمارسها عليه المطوِّع بخبرات عالية،وبوسائل متجددة متطورة لتغيير بنيته السلوكية،وأحياناً لدرجة مناقضة كلياً لما اعتاد عليه وألفه ، والتغيير قد يكون نحو الأفضل عبر البرامج الدراسية،أو من خلال فقهاء الديانات ومرشديها المستوعبين للجذور العبا دية ومراميها ، أو من خلال المدارس الفكرية العلمية الأخلاقية لتنقية وتخليص البشرية من بعض ما درجت عليه من شوائب تحرف المعاني القيمية عن طريقها القويم , لكن الغالب فيه أن يكون استعباداً،واسترقاقاً لدرجة محو للشخصية رمز التميز الإنساني ،وعن ذلك،وبدقة عبّرت اللغة العربية في معجم (تاج العروس من جواهر القاموس) ، فجاء فيه:  فالطواعية مخففة  :  الطاعة...يقال فلان حسن الطواعية لك أي حسن الطاعة لك،وقيل الطاعة اسم من أطاعه،يطيعه,طاعة.

لكنّ التطويع كما ظهر عبر مراحل التاريخ كان في مواجهة المعاني والمفاهيم الأساسية المعبّرة عن الكنه السامي للإنسان   زاد وثروة المرء عبر وجوده على سطح المعمورة ، وكتاب (محاضرات الأدباء ومحاور الشعراء والبلغاء) للراغب الأصفهاني في معرض حديثه عن التبجح في معاضدة السلطان قال الخليفة لجرير:  "إني أعددتك لأمر،فقال:إن الله تعالى قد أعدّ لك مني قلباً معقوداً بنصيحتك،ويداً مبسوطة بطاعتك  , وسيفاً مشحوذاً على أعدائك" وقال بعضهم بعد أن بلغ منه التطويع مراحل قصوى: "أنا أطوع لك من الردى،وأذل لك من الحدأ " والحدأ:رؤوس الفؤوس ، والاستمرار في التطويع يصل إلى حد أن تنطبق مقولة (إنه كالفرس طوع الجناب) أي سهل القيادة،وأخطر أنواعه ما بات يُعرف،ويعرّف بالتطويع الاجتماعي العلامة المميزة والمرافقة في زماننا المعاصر للاستعمار،وللأنظمة الشمولية الاستبدادية،وعن الأول كتب المفكر العربي محمد عابد الجابري في كتابه قائلا ً:"إن مشكلتنا مع الغرب تتمثل في صيرورة التطويع لبنى التشكيلات الاجتماعية العربية،والذي يمارسه الغرب من أجل الإبقاء على علاقة الاستغلال والنهب للوطن العربي،وتعميق هذه العلاقة،وأيضاً في زحف الأنموذج الحضاري الغربي على الأنموذج الحضاري العربي  "  والاستبداد،والاستعمار يتماثلان في مظاهر عدة فهما وجهان لعملة واحدة تنتزع ممن ابتلوا بأحدهما حرياتهم،ويمارس عليهم الإرهاب والقهر من خلال الأجهزة التي تبنى وتعتمد مغدقة الهبات والعطاءات على أفرادها لمنع وإسكات الأصوات المعارضة حتى لا تتفوه بكلمات يشتم منها تعرضاً، وتعريضا بالمسؤولين والقياديين الراغبين دوماً في إحكام سيطرتهم على المجموع،وحتى على سُبل معيشتهم فلا يحصلون إلا على النذر اليسير بالرغم من الجهود  المضنية التي يبذلونها،والمفكر عبد الرحمن الكواكبي عرّف في مطلع القرن الماضي الاستبداد أروع تعريف في كتابه(طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد)جاء فيه : لو كان الاستبداد رجلا ً،وأراد أن يحتسب ويُنسب لقال:أنا الشر،وأبي الظلم،وأمي الإساءة،وأخي الغدر،وأختي المسكنة،وعمي الضرّ،وخالي الذل ، وابني الفقر،وابنتي البطالة،وعشيرتي الجهالة،ووطني الخراب" فحتمية الخراب للأوطان هي النهاية الطبيعية توصلها إليها نظم الاستبداد والقهر بفعل العوامل المسببة لها،والتي ذكرها المؤلف وعددّها ، ولكي يطول عمر التسلط وزمنه تعمد جميع القوى العاقة للوطن لمسايرة الواقع،بل إلى حقن الشعوب بمخدرات فكرية عارية عن الصحة الغاية منها إطالة أمد النسيان للذات الإنسانية في حراكها الوجودي،وفي تطلعاتها الفكرية نحو المستقبل،وتراث أمتنا الثقافي والتراث العالمي يؤكدان أن بدايات الخلل تبدأ من القمة لتنتشر بعدها في أغلب أركان المجتمعات ،ويزداد ويتوسع الخلل فقد نُقل عن السلف الصالح،وفي كتاب البخاري: " أن امرأة جاءت للخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه سائلة له:ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟!..قال:بقاؤكم عليه ما استقام بكم أئمتكم"....ولقد أدرك السلف أن أمانة المجتمع هي انعكاس طبيعي لاستقامة سلطته الحاكمة ، فعندما جيء بأموال الجباية،ووضعت أمام الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه تعجب من أمانة الذين أوصلوها ، فقال له علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: " يا أمير المؤمنين إنك عففت،فعفت رعيتك ".

وهكذا فالتطويع في حالتي الاستعمار والاستعباد فعل قسري مخالف لأصالة الطبيعة الإنسانية بينما التطوع على النقيض منه،فهو فعل إرادي قيمي يمارسه الإنسان بملء رغبته مستمتعاً،وسعيداً أيما سعادة في ممارسته ، في حالات التطوع للمساهمة في الأعمال الاجتماعية ليزداد رصيد عمله الوطني،ولتزداد ثقته بنفسه،وبالتالي شموخه وعزته فيصبح عصياً على النيل منه ولو بجزء من حريته.....إنها القاعدة الأساسية التي اعتمدتها الشعوب المتحضرة في بناء منظمات مجتمعها المدني حتى تتلاقى فيها جهود الأفراد للخدمة العامة بلا مقابل معبرة عن طبيعة النفس البشرية التي جُبلت على حبّ الخير والعطاء مستجيبة للدوافع الدينية التي أمر الله جلت قدرته بها واعداً في ثوابها منه في الدنيا والآخرة،وفي ذلك قمة إيثار الآخرين على الذات لا الاستئثار بالشيء دون الآخرين،واعترافاً بجمائل الأمة العربية،وما قدمته للبشرية من حضارة في جميع المجالات يقول الطبيب والمؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون(1841-1931) في كتابه (حضارة العرب) : " لما أمعنا في دراسة حضارة العرب وكتبهم العلمية،واختراعاتهم وفنونهم ظهرت لنا حقائق جديدة،وآفاق واسعة،ولسرعان ما رأينا بأن العرب أصحاب الفضل في معرفة القرون الوسطى لعلوم الأقدمين،وأن جامعات الغرب لم تعرف لها مدة خمسة قرون مورداً علمياً سوى مؤلفاتهم،وأنهم الذين مدّنوا أوروبا مادة،وعقلا ً،وأخلاقاً،وتأثير العرب في الغرب عظيم،وهو في الشرق أشد وأقوى "  إلا أن منطق التاريخ وفلسفته يعتمدان عبر مراحل الزمن المقولة التي تقرر أن (بقاء الحال من المحال)  بفعل التقلبات،والتغيرات العديدة والمتناوبة فما أن ضعفت الخلافة العباسية حتى بدأ الغزو الصليبي للأرض العربية في21تشرين الأول1097بدءاً من أنطاكية،تلاه الاحتلال المغولي،وحلّ محله في مناطق عدة.....لقد بدأ حكم المغول عام1206عندما سيطروا على منغوليا،ثم توسعوا من خلال الحروب ليحكموا في تلك الفترة حوالي100مليون نسمة،وما مساحته22%من مساحة اليابسة على الكرة الأرضية،وحيثما تواجدوا دمروا،وخربوا،وبغداد كانت الرمز المشين لجرائمهم إذ دمروها بالكامل،وقتلوا الخليفة،واستمر عهد الاحتلالات والنكبات،فالعثمانيون بدأ احتلالهم للعراق عام1514واحتلوا بلاد الشام عام1516ثم مصر عام1517وسيطروا على الحجاز واليمن عام1551وثم احتلال المغرب العربي عام1518وامتد عمر الاحتلالات العثمانية   حتى عام 1918  ليبدأ عصر الاستعمارين الفرنسي والإنكليزي بعد اتفاقية سايكس بيكو ليتوزع البلدان استعمار الأقطار العربية،وراحت الثورات تنشب من قطر لآخر،وانتصرت جميعها،واندحر الاستعماران عن المنطقة بدءاً من مشارف خمسينات القرن الماضي دفعت الأمة العربية خلالها أكثر من مليون شهيد لتنال حريتها،والجزائر كانت النموذج في التضحية فهي صاحبة ثورة المليون شهيد،وبدأ عصر الحريات،وراحت الجماهير تعبر عن مكنوناتها وأمانيها في مظاهرات الشوارع،وفي الصحافة الحرّة،وعبر الأحزاب،وتداول السلطة لكن عادت الأمور إلى ساحات التطويع من خلال الأنظمة الشمولية،ورغم بعض الثورات المدنية والعسكرية إلا أن السمة الغالبة لتلك المرحلة راحت تتصاعد بتواتر مخيف في قمع الحريات،وتخدير للشعب العربي في كل أرجاء وطنه

 

هذا التاريخ العبق بطيب الحضارة والقيم،والذي شابته ظلمات التطويع الاجتماعي لقرون طال أمدها يحفزنا على التفكير في المستقبل من أجل عودة الروح الأصيلة لهذه الأمة برابط وشيج الأركان بين الماضي والحاضر،والمستقبل عبر التطوع الجمعي للعمل الاجتماعي مؤكدين على الربط الجدلي الحيّ بين الماضي والحاضر،والتراث والعصرنة واضعين مستقبلنا أمامنا.

 

إن الشعوب المتطلعة لحياة أفضل تدرك حقيقة أساسية أن بناء حضارات الأمم يقوم على عمل الجميع،وللجميع،ومن أجل الجميع،والبديهية الأولى لمنطلق أمتنا العربية تتجسد في الحفاظ على انتمائنا القومي مصدر عزتنا ورفعتنا،والانطلاق فوراً لبناء منظمات المجتمع المدني التي تؤمن ترابطاً اجتماعياً متيناً،وتعزز الحصائد الثمينة للحراك الفردي ضمن الحراك الاجتماعي ، فالجمعيات بمختلف توجهاتها الإنسانية والنقابات المهنية،وبمختلف تنوعاتها عليها جميعها العمل لا من أجل حماية حقوق منتسبيها فقط، بل لبذل الجهود الخيرة للصالح العام ففيه مصالح أفرادها ،وقد بدأت جمعيات تسعى لجمع التبرعات لإعمار غزة بعد العدوان الأخير عليها.

لكن أليس حرياً بأطباء وصيادلة الأمة ومن خلال منظماتهم البدء بحملة تبرعات،وحمل الأدوية لضحايا العدوان؟!..وأيضاً أليس حرياً بالمهندسين العرب أن يهبّوا لإعادة إعمار ما تهدم؟!..ففي ذلك مرضاة لله وعشق لا نهائي لقيمه في الولع بخدمة الآخرين،ومن المؤسف أن اتحادات مهنية منضوية تحت لواء الجامعة العربية0000الاتحاد العربي للمهندسين،ومثله الأطباء والصيادلة...جميعها جمدت،وحُفظت في زوايا النسيان تماشياً مع رغبات الأنظمة المكونة للجامعة العربية،لكن الأمل يبقى في أن يصحو بعض النقابيين،وليبدؤوا العمل،والأمل الأقوى أن تخفف جماهير الثورات في الأقطار التي نجحت نسبياً ثوراتها من تظاهراتهم وإن كانت حقاً،بل واجباً عليهم إلا انها في حدّ ذاتها ردود أفعال إنما في تكوين جمعيات الخدمة الاجتماعية مساعدة المحتاجين. ومحو الأمية..والتدريب المهني،وفي البحث وبناء كل ما يؤدي إلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

 

إنه الطريق القويم في تغليب التطوع الاجتماعي على ما أراده أعداء الأمة من التطويع.

 

محمد علي الحلبي

 

 

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 12-12-2012