الصوت العربي في الانتخابات المُبكّرة - بقلم علي بدوان

باتت قوة الصوت العربي تُشَكِلُ عاملاً ملموساً وهاماً في مسار الانتخابات البرلمانية في الدولة العبرية، نظراً لحجم الكتلة السكانية العربية التي بقيت صامدة على أرض الوطن التاريخي داخل المناطق المحتلة عام 1948، ونظراً للدور الحيوي والحراك الديناميكي الذي أصبح منذ سنوات طويلة سمة مميزة لهذا الجزء الغالي من الشعب الفلسطيني، بعد أن كان قد عاش عقدين متتاليين ونيف من السنوات تحت ما كان يسمى بالحكم العسكري الإسرائيلي من العام 1948 وحتى العام 1966 .

فقد مرت الكتلة السكانية العربية الفلسطينية التي بقيت فوق أرضها عام النكبة، بمراحل عصيبة، وخاصة خلال الفترة التي امتدت منذ عام 1948 وحتى عام 1966، حيث ساد الحكم العسكري في كافة التجمعات السكانية الفلسطينية داخل العمق المحتل، في منطقة الجليل والمثلث، والنقب، وفي المدن التي أصبحت فيما بعد مُدناً مختلطة كمدن حيفا، ويافا، واللـد، والرملة، وعكا، حيث بقي وصمد في الجزء المحتل من الأرض الفلسطينية التي قامت عليها الدولة العبرية عام 1948 حوالي 160 ألف فلسطيني، بعد أن تم طرد نحو 850 ألفاً على يد العصابات الصهيونية من الهاغانا، والبالماخ، والأرغون، وشتيرن.

لقد برزت خصوصية واضحة للمجتمع الفلسطيني داخل حدود العام 1948، أي داخل المنطقة الفلسطينية التي أقيمت عليها إسرائيل على مساحة 78 % من مساحة أرض فلسطين التاريخية والبالغة 27009 كيلو مترات مربعة، وقد ترتب على تلك الخصوصية أن مواجهة سياسات «الأسرلة» التي حاولت، أن تَهضُمَ هذا المجموع العــربي، وأن تجعل منه جماعة إثنية هامشية، في إطار دولة تعتبر نفسها دولة اليهود وحدهم، وتسود فيها الصهيونية كأيديولوجياً، وكثقافـــــة ومؤسسات.

إن بقاء تلك الورود اليانعة من أبناء الشعب الفلسطيني داخل حدود العام 1948، ترك بصماتهم على اتجاهات التغيير، حيث يتزايد التأثير العربي كقوة سياسية وديمغرافية هامة، لهم مكانتهم في الصراع في المرحلة المقبلة، ودفع نحو توليد عملية وطنية وقومية عربية فلسطينية، عملية تراكمية سياسية وفكرية وتنظيمية جديدة ساعدت على تصليب عود الفلسطينيين هناك، وزودتهم بطاقة جديدة سمحت لهم بتطوير خطابهم السياسي وعلى الأخص منه الخطاب المطالب بالمساواة والحقوق الوطنية والقومية وحق التعبير عن الذات وكينونتها، وعلى الأقل أسوة باليهود المهاجرين (المستعمرين) الذين جاؤوا من أصقاع المعمورة الأربع.

وعليه، فشلت سياسات «الأسرلة» بعد عقود طويلة من عمر النكبة، ولم تستطع الدولة العبرية الصهيونية أن تمحي الهوية الوطنية والقومية للشعب العربي الفلسطيني في الداخل، ليصبح هذا الجزء الهام من الشعب الفلسطيني قوة مؤثرة داخل إسرائيل، فيما يتوقع لوزنه السكاني الديمغرافي أن يزداد وفق منسوب أعلى من منسوب تزايد النمو السكاني اليهودي خلال السنوات القادمة، وهو مايعطي الصوت العربي دوراً هاماً في الانتخابات التشريعية في إسرائيل بشكل عام، حيث تشير التقديرات أن عدد المواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل يقارب نحو 22 % من السكان، يمكن لهم حال توحدت قوائمهم الإنتخابية أن يضمنوا وصول نحو 25 نائباً عربياً من أصل 120 يمثلون كامل عضوية الكنيست (البرلمان) في إسرائيل.

لكن، من الواضح بأن هناك تضارب في المواقف داخل الشارع العربي الفلسطيني في إسرائيل بالنسبة لعملية المشاركة في الانتخابات التشريعية، حيث تشارك عملياً غالبية القوى والأحزاب العربية في إسرائيل في الانتخابات، فيما اشتق الجزء الشمالي من الحركة الإسلامية في الداخل (تيار الشيخ رائد صلاح وكمال الخطيب) موقفاً أخر، يدعو للمقاطعة العربية لانتخابات الكنيست تحت دعاوى أن المشاركة في تلك الانتخابات يعني إطلاق قَسَمِ الإخلاص للدولة العبرية الصهيونية.

وبالطبع، فإن مشروعية المشاركة الفلسطينية في الانتخابات التشريعية في إسرائيل من عدمها أمر يحتاج لنقاش طويل، لكن المهم في هذا المجال أن هذا الطريق المفتوح أمام العرب لتطوير دورهم داخل حدود العام 1948 يجب أن يُستثمر، باعتباره مدخلاً متاحاً لهم لإعلاء صوتهم، وإسماعه للعالم بأسره من أجل حقوقهم الوطنية والقومية فوق أرض وطنهم بإعتبارهم أصحاب الوطن الأصليين.

إن الطامة والملاحظة الكبرى التي يمكن تسجيلها على المشاركة العربية الفلسطينية في الانتخابات التشريعية الإسرائيلية أن مجموع الأحزاب العربية المشاركة لاتعمل وفق تنسيق واحد أووفق قائمة واحدة بل وفق قوائم متعددة، ومتنابذة أحياناً، وهومايضعف من قوة الصوت العربي،ويشتت تلك الأصوات في أكثر من مسار، بل ويدفع ببعض المواطنين العرب للتصويت لأحزاب مايسمى بـ «اليسار الصهيوني» الذي يستحوذ على كتلة هامة من الأصوات العربية التي تذهب لصالح كتلة ميرتس، أو حزب العمل أو حتى حزب كاديما (يمين وسط) ... الخ.

وخلاصة القول إن التجمع الفلسطيني في مناطق الـداخل المحتل عام 1948 ليس قنبلة ديمغرافية فقط، بل يُشَكّل قوة سياسية، يُفترض بها أن تتكامل مع مجموع حلقات العمل الوطني الفلسطيني وعلى أضلاع المثلث الفلسطيني : مناطق 1948، الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، والشتات. إنما الخصوصية التي تميز هذا الوسط وطبيعة الظروف الخاصة التي تحكم حياة هذا الجزء من الشعب الفلسطيني، تفرض على الجميع درجة عالية من الدقة في التعاطي معه، بما في ذلك تجنيب هذا التجمع الخوض ببرامج عمل غير ممكنة الآن، وقد تكون كارثية عليه. وعلى هذا الأساس فمن الخطأ بمكان دعوة قوى أو جمهور أو قطاعات هذا الوسط الفلسطيني داخل إسرائيل لممارسة الأعمال الفدائية المسلحة مثلاً، أو استخدام أنماط كفاحية مغامرة تشكل وصفة أكيدة وجاهزة عند جيش الاحتلال للبطش والفتك المكشوف بأبناء فلسطين الصامدين على أرض وطنهم منذ عام 1948 .

أخيراً، إن النهوض لاستعادة الهوية والشخصية الفلسطينية أخذ يشق طريقه ويتعاظم يوماً بعد يوم، خاصة بعد احتلال العام 1967 الذي فتح أبواب التداخل بين الفلسطينيين على جانبي الوطن المحتل، وتصاعد إلى الذروة في معركة يوم الأرض عام 1976، في سياق السعي لإزاحة كابوس التمييز العنصري والتصدي لزعات «الأسرلة والتماثل» والإصرار على الهوية الوطنية والقومية كجزء لايتجزأ من الشعب الفلسطيني الواحد الموحد.

 

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 12-12-2012