مصر...تونس...وحافة الهاوية - د. فايز رشيد

ما يجري في هذين البلدين:مصر, الدولة العربية الأكبر التي تؤثر في كافة الأقطار العربية، وتونس الدولة الأولى في انتفاضات الجماهير العربية،والتي كان لها تأثيراً كبيراً في انطلاق الانتفاضات الأخرى،جد مرير وخطير في آن معاً هذا الانقسام الشعبي, الذي هو عنوان الحالة في البلدين .انقسام طولي وعرضي يتحمل الجانب الأساسي فيه:السلطة في كل بلد والتي تمثل الإخوان المسلمين.

ذلك أن حزب الحرية والعدالة في مصر،انسحب من كافة الوعود التي سجّلها على نفسه مثل:عدم الاستفراد بالحكم أو بمجلس الأمة أو بالوزارت.الذي حصل هو استفراد بالسلطة وإقصاء لكل القوى الأخرى ومحاولة إنشاء دولة بدستوره ورؤاه السياسية , بعيداً عن التصورات للقوى السياسة الأخرى،التي كانت لها اليد الطولى في الانتفاضة الجماهيرية فيما يسمى بثورة 25 يناير.

الإخوان التحقوا بركب الانتفاضة المصرية, متأخرين بعد أن ثبت خطأ تصورهم بأن هذه الحركات ليست أكثر من أخرى سابقة شبيهة وستنتهي مثلما انتهت تلك.الحزب ذهب طائعاً الى الحوار،الذي نادى به نائب الرئيس المصري السابق عمر سليمان, في ظل رفض كل القوى الأخرى للحوار،حزب الحرية والعدالة ركب موجة الانتفاضة فاستأثر بالسلطة من خلال استغلال صناديق الاقتراع،تفاعلت الأزمة تصاعداً إلى أن أوصلها الرئيس مرسي إلى ذروتها،بالإعلان الدستوري الذي صاغه لينصب نفسه امبراطوراً في مصر , وفرعوناً في القرن الواحد والعشرين , وحاكماً بأمره في زمن الانتفاضات.الإعلان الدستوري يحد من السلطات الثلاث وبالأخص القضائية،هذه التي لم يجرؤ رئيس أو ملك سابق من محمد علي إلى مبارك على مسّها في مصر.جاء الإعلان لتحصين سلطات الرئيس وقراراته ويجعل منها قرارات للباب الأعلى السلطاني.ثم جاءت القشة التي قصمت ظهر البعير،وهي المصادقة على مسودة الدستور(الذي جاء مفصلاً على الإخوان) من قبل اللجنة التأسيسية المشكلة في 95% منها من الإخوان (بعد انسحاب كافة القوى الأخرى من تشكليتها)ومن ثم عرض هذه المسودة على الاستفتاء الجماهيري في 15 ديسمبر الحالي.

تأكد ذلك في الكلمة التي ألقاها مرسي في محازبي الحرية والعدالة الذين أرسلهم الحزب لقصر الاتحادية لتأييده.في ميدان التحرير كان تجمع المعارضة يهتف ضد خطوات الرئيس.لم يتوجه إليهم مرسي ليلقى فيهم خطاباً \يثبت أنه رئيس لكل المصريين،بل توعدهم(بالضرب بيدٍ من جديد)وهذه لغة ليس من المفترض أن يقولها رئيس مفترض انه ديموقراطي وجاء بانتخابات ديموقراطية،هذه اللغة يستعملها دكتاتوريون مثل موسوليني وبينوشيت وغيرهما من القمعيين.

بفعل الحراكات الجماهيرية دعى الرئيس المعارضة إلى الحوار على قاعدة استكمال مجلس الشورى،وبحث الانتخابات التشريعية والاتفاق على خريطة طريق لما بعد الانتخابات.هذه المسائل والقضايا ليست ذات صلة بالقرارات الأخيرة للرئيس،التي هي ماضية قدماً في تنفيذها.لم توافق المعارضة وجبهة الإنقاذ الوطني منها تحديداً على الحوار مع مرسي قبل إلغائه للإعلان وللتصويت على الدستور.في هذه المرحلة جرت اشتباكات بين أعضاء الرئيس ومعارضيه ذهب ضحيتها سبعة قتلى والعشرات من الجرحى!.

ما نود أن نسأله:هل اختلف مرسي عن مبارك في أي شيء؟لا نجد ثمة خلافاً بين العهدين،سوى أن مرسي يحرص على السلطة أكثر من الأول ويريد تحصين قراراته ليكون الحاكم بأمره في مصر.إن الإعلان الدستوري الذي قام مرسي باستبداله بآخر جديد يحمل نفس المضامين والإصرار على المضي قدماً بالتصويت على استفتاء مسودة الدستور لن يزيدا من الأزمة إلا اشتعالاً ووصولاً إلى مرحلة الخطر وحافة الهاوية.

الإخوان المسلمون يفسرون الدين على هواهم،فاقتراض مصر من البنك الدول أيام السادات ومبارك, حرام،لأن فيه عملية ربوية،أما في عهد مرسي فهو جائز(اقتراض 4 مليار من البنك الدولي)وحلال في فتوى مغايرة كون نسبة الفائدة 1.5% هي مجرد مصروفات إدارية!في القضية الفلسطينية وفي التعامل مع إسرائيل لم يختلف مرسي عن مضمون تعامل مبارك.

من الواضح:أن سياسة تصعيد الأزمة ستؤدي بمصر إلى الهاوية.المطلوب هو:تراجع الرئيس المصري عن قراراته والجلوس إلى طاولة المفاوضات بين الحكم وكافة ألوان الطيف السياسي المصري والوصول إلى قواسم مشتركة تضمن عدم تفرد جهة معينة بالسلطة واستثارها بها.

بالنسبة لتونس،فهي تسير على خطى مصر،حزب النهضة يستأثر بالسلطة،ويهّمش كل الأخرين حتى أحزاب الائتلاف الثلاثي الحاكم.فقد هدد حزب المؤتمر (حزب الرئيس منصف المرزوقي) بالانسحاب من الحكومة التي تهمين عليها حركة النهضة الإسلامية.أما الحزب الثالث:التكتل برئاسة رئيس الجمعية التأسيسية مصطفى بن جعفر فليس بأفضل حالاً ويأتي في ذات السياق.

الرئيس المرزوقي لا يستشار في غالبية القضايا والقرارات التي تتخذها تونس،هذا وفقاً لأقوال أمين عام حزب المؤتمر محمد عبو في مؤتمر صحفي(الأحد 9 ديسمبر الحالي) وليس أدل على ذلك من حادثة تسليم رئيس وزراء لبيبا السابق المحمودي للسلطات اللبيبة بقرار من رئيس الحكومة التونسية حامد الجبالي, رغم قرار من الرئيس المزروقي بعد تسليمه.

نتيجة لاستفراد حزب النهضة برئاسة أمينه العام راشد الغنوسي بالحكم في تونس واعتداء رابطة حماية الثورة(وهي ميليشيا شعبية أسستها الحكومة) على اللجنة النقابية المركزية الجهاز القيادي التونسي للشغل(النقابة التي تضم أكثر من نصف مليون عامل) دعى الاتحاد الأسبوع الماضي إلى إضراب عام في أربع ولايات تم تنفيذه ,وإلى إضراب عام يشمل كل انحاء تونس في 13 ديسمبر الحالي.

على صعيد السياسة الخارجية رفع النهضة شعار(تونس أولاً) ونأى بتونس عن القضية الفلسطينية،ووفقاً للغنوشي رئيس الحزب"لا تجريم للتطبيع مع إسرائيل في دستور البلاد".

الانتفاضات الجماهيرية قامت من أجل الجماهير: من أجل حريتها ومن أجل العدالة الاجتماعية والديموقراطية وسيادة القانون،والفصل بين السلطات واحترام السلطة القضائية, وزيادة صلات الانتماء العربي للقطر, ومن أجل مقاومة إسرائيل ومشروعها الصهيوني في المنطقة , ومن أجل التصدي للمخططات التآمرية الأمريكية للمنطقة العربية ,ومن أجل لقمة الخبز أيضاً.لم تقم الانتفاضات العربية من أجل استئثار حزب واحد بالسلطة بل من أجل مشاركة الجميع،فقد عانت من الدكتاتورية عقوداً طويلة وهي ليست بحاجة إلى دكتاتوريين جد في ثوب الإسلام السياسي.نتمنى أن تتجّنب مصر وتونس الوصول إلى الهاوية وأن تستدرك السلطات الحاكمة فيهما أخطاءهما.

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 14-12-2012