ضرورة التمسك بثوابت الحقوق الفلسطينية - محمد علي الحلبي

من بعض ما قاله الأعراب ، وفيه حلاوة وطلاوة الكلم "ما الدنيا إلا فرح وترح،وما من ترحة إلا وبعدها فرحة" فرحى الزمن تدور، وتطوي الساعات والأيام لا يستقر فيها حال على حاله ، بل يمضي كل شيء إلى نهايته مثل الوجود الإنساني تاركاً خلفه تركته بحلوها حيناً،وبمرّها حيناً آخر،وقدرة المرء المبدعة الخلاقة تلزمه التوقف في محطات الحياة جاهداً في بحثه عما أثار سروره وسعادته ليعمل على تعزيزه ، وعلى العكس من ذلك محاولا ًعزل وإنهاء الأسباب المسببة لآلامه المنغصة عليه حياته....إنها السنّة الكونية في صيرورة أبدية دائماً.

جمعتُ هذه الكلمات، وأنا أحاول أن أستشف معاني النصر المرحلي الذي حققته القضية الفلسطينية في محفل الجمعية العامة للأمم المتحدة بقبولها دولة عضواً مراقباً فيها...ذلك عنى وفق القوانين والتشريعات الدولية الاعتراف قبل كل شيء بدولة لها كل الحق في الانضمام إلى المنظمات الدولية المتخصصة التابعة لها ، وهي سبعة أجهزة رئيسية منها:محكمة العدل الدولية إضافة إلى ثماني عشرة وكالة متخصصة منها:منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة ، وبرنامج الأغذية العالمية،ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة.... , والمحكمة تلعب دوراً ثنائياً فهي بموجب القانون الدولي تقوم بحسم الخلافات القانونية المُقدمة من الدول الأعضاء كما تقدّم آراء استشارية في المسائل القانونية المُحالة إليها من قبل هيئات ووكالات دولية مُعترف بها عالمياً،والمحكمة تتألف من15قاضياً تنتخبهم الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن لولاية من تسع سنوات،وأهمية الانضمام إليها تساعد الفلسطينيين على نيل حقوقهم تباعاً من خلال أحكامها،وبالتالي فتنفيذها يحتاج إلى إرادة دولية غير متوفرة في ظروفنا الحالية،ومع ذلك فهي محطة هامة في أيامنا المعاصرة توقف عندها الشعب العربي الفلسطيني معرباً عن فرحه وسعادته في كامل أرجاء أرض فلسطين،وشاركهم سعادتهم كل فرد عربي من المحيط إلى الخليج،إنما ومن أجل استثمار هذا النصر ، وتعزيزه وتطوير مرتكزا ته، وحتى نكون على بيّنة نسبية مما هو آت وما يجب عمله لابد من اعتماد للجدلية التاريخية،والربط الوشيج بين الماضي والحاضر وآفاق المستقبل،والعمل بوعي مدرك لكل الظروف التي اعترت المسيرة النضالية لهذا الشعب العظيم الذي عانى ويلات التشرد،والتشريد،والحروب،والقتل،وذاق أفراد كُثر منه عذابات السجون والاعتقالات،وعاش بعضه في بلاد اللجوء والنزوح خلال عقود طال أمدها قدمت لهم فيها المساعدات ليبقوا على الحد الأدنى للمستويات المعيشية،ورغم كل الظروف القاسية ابدع الكثيرون منهم وحازوا على مراكز علمية واجتماعية مستمدين قدراتهم من تاريخهم،وتاريخ أمتهم العربية،ومحاولة منّا للتقيد ما أمكن بدقة التحليل،وموضوعيته للوصول إلى مرتسمات مستقبلية تحافظ على الأصالة العربية،وتجنباً للمنزلقات والمطبّات كان لابد من وضع العناوين التالية لبحثنا:

مفهوم الدولة،والتناقض الجذري له بين الحق العربي والفكر الصهيوني.
معنى يهودية الدولة.
حقيقة الصراع القائم في حدّ ذاته هو بمقدار أكبر وأهم بين الأمة العربية من طرف،وبين الصهيونية وداعميها من أجل مصالحهم من طرف آخر لا بين الفلسطينيين وحدهم وبينهم.

عن مفهوم الدولة:التعريف وفق الموسوعات العلمية "الدولة هي تجمع يؤسس كياناً ذا اختصاص سيادي في نطاق إقليمي محدد الحدود،ويمارس السلطة عبر منظومة من المؤسسات الدائمة،وبالتالي فالعناصر الأساسية لأي دولة هي الحكومة،الشعب،والإقليم بالإضافة إلى السيادة والاعتراف بها " ومن هذه المضامين فالاعتراف أصبح شبه قائم يعد التصويت الأخير له لعدد كبير من الأعضاء في الجمعية العامة،أما المعارضون للقرار فهم قلة - ثماني دول - منهم إسرائيل والحليف الدائم لها أمريكا،وبعض من الدول التي يصعب على المرء معرفتها على الخارطة الكونية لصغر مساحتها،وأدوارها المحدودة عالمياً بل ربما المنعدمة،والدول التي امتنعت عن التصويت كان بعضها من أشد المؤيدين لإسرائيل،بل الداعمين لوجودها...أما عن الشرط الهام وهي الحدود فالحديث عنها يحتاج إلى بحث مطول وخاص،فآراء الأطراف المعنية بذلك متباينة ومتباعدة كل البعد،فبينما قبلت السلطة الفلسطينية , وأنظمة عربية بحدود عام1967أي قبل الاحتلال الكامل لفلسطين ولأراض عربية لا يزال الإسرائيليون،وحتى الآن لم يصدر عن مسؤول منهم منذ قيام الكيان الصهيوني أي تحديد لها،وبقيت إسرائيل منذ الإعلان عن قيامها عام1948وحتى الآن بلا دستور،فالدساتير تنص على عاصمة البلد والحدود،وإحدى اللجان المسماة (لجنة كوهين) وضعت مشروع دستور لم يحصل على موافقة الكنيست،لكن السلطات الحاكمة أصدرت ما أسمته بالقانون الانتقالي عام1949وسُمي بالدستور الصغير،ومن مبررات عدم إقرار دستور دائم إتاحة المجال أمام الحكومة والكنيست حرية أكبر في التصرف لمواجهة المستجدات،وبالتالي السير تتابعاً لتحقيق أحلامهم الدينية في أرض الميعاد وفق زعمهم.

إذاً، “فالدولتان وفق ما دُرج على تسميته" لديهما مشكلة حدودية كبيرة يصعب حلها...نصور إسرائيلي واسع الآفاق،وتنازلات فلسطينية وعربية رسمية لم يألفها شعب من شعوب الكرة الأرضية إضافة فنحن اليوم أمام دولة فلسطينية ممزقة إلى قسمين:الضفة وغزة....منذ فترة وغزة مهددة دوماً بالاحتلال،والضفة الغربية ليست أسعد حالا ً،ففي الواقع وفي السياسة الداخلية فسلطة حكومتها لا تتعدى السلطة البلدية في نظام الإدارة المحلية تقدم الخدمات لمواطنيها،ولا تستطيع حتى جباية الرسوم عن صادراتها ومستورداتها،فالجباية لإسرائيل وهي تتكرم- إن رغبت- بتحويلها لهم،وتهددهم بقطعها عندما تثار الأزمات بين الطرفين،والأشد قسوة تخل كامل للقيادة عن أدنى حقوق السيادة في التنسيق الأمني المتفق عليه الملزم للسلطة باعتقال المناضلين والمقاومين،وغض النظر والعفو عن كل من يتعامل مع الإسرائيليين....إنها معضلة كبيرة تواجه الفلسطينيين والعرب.


إذاً،فالواضح والجلي أن التناقض جذري بين معنى ومضمون الدولة في الفكر الصهيوني،وبين الحق الفلسطيني العربي وعمره آلاف السنين ، وزعماء بني صهيون لا يتوانون عن الإفصاح عن ذلك فمنذ أواخر القرن التاسع عشر بعد انعقاد مؤتمرهم الأول في مدينة بال السويسرية عام1897فهرتزل رئيس المؤتمر توعّد من تلك الأيام بإزالة كل شيء ليس مقدساً لدى اليهود في مدينة القدس إذا حصل اليهود عليها،بل ليحرق جميع الآثار ولو مرّت عليها قرون،وفي عام1960قال لوري أوبراني مستشار بن غوريون:"سنعمل على تحويل السكان العرب إلى مجتمع حطابين،وندل"والنادل:الخادم الذي يقدم الطعام،واستمرت ذات النزعات والأحلام المرضية حول عدم محدودية الحدود ، فغولدا مائير رئيسة وزراء العدو،وفي10/7/ 1969خاطبت الجنود قائلة:"إن الآخرين لن يحددوا حدودنا إذ أنه في أي مكان تصلون إليه وتجلسون فيه تكون حدودنا" وفور إقرار عضوية الدولة الفلسطينية كمراقب في الجمعية العامة للأمم المتحدة صدر قرار عن الحكومة الحالية بالتوسع ببناء ثلاثة آلاف وحدة استيطانية،كما وحدد نتنياهو رئيس الوزراء شرط الاعتراف بيهودية الدولة للعودة إلى المفاوضات الثنائية،ويهودية الدولة شعار قديم متجدد،وهو من أخطر الشعارات،ومدى الخطورة فيه فالصهاينة وكما ذكرنا لم يرسموا حدود دولتهم المزعومة ًوتركوا ذلك للمفاوضات ضمن توازن القوى الداخلية فيها....إنه فهم جديد يضع الدين محوراً أساسياً لكيان الدولة،كما وأن المقصود منه أنها دولة لجميع يهود العالم ومن حقهم الهجرة والعودة إليها والعيش فيها،وليس لأصحاب الأرض المشردين حق العودة لها،والحليف الأمريكي المعادي للأمة العربية عبر قادته ومنذ قيام الكيان الصهيوني عام 1948 فالكاتب الإسرائيلي "إسرائيل شاحاك" يتحدث في كتابه عن الرئيس الأمريكي ترومان وكان في رحلة انتخابية في القطار وبعد أن سلمه صهيوني تبرعاً بمبلغ مليوني دولار،وفي حفل انتخابي في معهد لاهوتي يهودي،وعريف الحفل قدّمه واصفاً إياه بأنه الرجل الذي ساعد على خلق دولة إسرائيل،فردّ عليه ترومان"ماذا تعني بقولك ساعد على خلق الدولة؟!.."إنني قورش..إنني قورش،ومن ذا ينسى قورش وهو الذي أعاد اليهود من منفاهم في بابل إلى القدس" ، وكل الرؤساء الأمريكيين كانوا إلى جانب إسرائيل،والرئيس الحالي باراك أوباما يكرر اعترافه بيهودية الدولة في خطابه أمام مؤتمر منظمة (ايباك) الصهيونية عام2008قبل الانتخابات الرئاسية ،وعاد لتبني ذات الفكرة في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول2010.

هذه الحقائق تضعنا أمام إدراك لابد منه عن حقيقة عبثية المفاوضات في طل التوازنات المحلية والدولية وبنتائجها الهزيلة - هذا إن وُجدت - .

والسؤال الكبير المطروح أهو صراع فلسطيني إسرائيلي، أم أنه عربي إسرائيلي؟!..والجواب الفوري له إنه صراع بين الأمة العربية بشموليتها وبين الصهاينة...أثبتت ذلك حقائق التاريخ المعاصر في تعابير المسؤولين الصهاينة وحقدهم على العرب لأنهم من الأغيار بينما اليهود من الأخيار صفوة النخبة البشرية في اعتقادهم،والآخرين ندل وخدم لديهم،والحروب والاعتداءات التي وقعت منذ منتصف القرن الماضي واستمرت بشكل شبه متناوب الزمن،فلا يمرّ عقد زمني إلا وفيه حرب،أو حربان،وما سمي باتفاقيات السلام التي أبرمت مع الإسرائيليين كان فيها الغبن كل الغبن للموقعين عليها،وآخرها اتفاقية أوسلو مع الفلسطينيين وقد مضى ما يقارب العشرين عاماً ولم تقدم شيئاً لأصحاب الحقوق،وقبل كل مرحلة تفاوضية يُرفع شعار فضفاض المضمون،فمن"الأرض مقابل السلام" إلى "السلام من أجل السلام" وما زال عشاق طاولات المفاوضات من بعض الفلسطينيين يتنقل بهم من خيبة إلى خيبة،ومن تنازل إلى تنازل آخر.

إذاً،فالحل السليم يكمن في التمسك بالثوابت،ودعمها بكل عناصر القوة الكفاحية،وفي طليعتها المقاومة المسلحة مضافة إليها جميع الأساليب المقاومة سياسية وغير سياسية في إطار الوحدة الفلسطينية،وإجراء المصالحة عاجلا ً،وعدم خوض البعض في تفاهات التبرير لعناوين أثبتت عقمها،ولابد من دعم عربي مطلق،وكسب للرأي العام الدولي،ولمزيد من الأصدقاء الدوليين لخلق تناسب محلي،وإقليمي،وحتى دولي عندها ترتفع الآمال بالنصر الحقيقي.

منذ أيام حدد قائد حماس أثناء زيارته لغزة الركائز الأصيلة للحقوق الفلسطينية، ومن دونها لن يكون هناك ما يسمى بالسلام....إنها : الأرض- القدس- حق العودة – والمقاومة مقدسات الشعب العربي الفلسطيني الواجب التمسك، وعدم التفريط بها في مواجهة الصلف، والأطماع الصهيونية.



محمد علي الحلبي

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 20-12-2012