عزيمة متجددة

*نص البيان السياسي الذي افتتح المؤتمر السابع –التوحيدي لحركة أبناء البلد في 22/12/2012

 والذي قدمه المحامي سليم واكيم، عضو اللجنة المركزية الموسعة للحركة

 الرفاق والرفيقات:

نفتتح مؤتمرنا هذا بعزيمة متجددة، عزيمة الوحدة، فبعد أن عانت الحركة لمدة تربو على السنوات العشر من انقسام بين جناحين، قامت مجموعة من أصدقاء ورفاق ومناصري الحركة بأخذ زمام المبادرة لتذليل الصعوبات ورأب الصدع، خاصة وأن أسباب الانشقاق كانت قد انتفت منذ زمن، وقد تكللت مساعيها بالنجاح وأعادت اللحمة بين جناحي الحركة لتعود أبناء البلد واحدة موحدة ويعقد هذا المؤتمر تحت شعار الوحدة والتطلع للمستقبل، مستقبل الحركة الذي هو من مستقبل شعبنا وقضيتنا، ولا يشوب هذه الوحدة التي تثلج القلوب، قلوب الرفاق والأصدقاء والمناصرين من أبناء شعبنا الشرفاء، سوى استنكاف بعض الرفاق الذين آثروا عدم الاستجابة لنداء الوحدة وقرروا عدم المشاركة في مؤتمرنا هذا، ونخص بالذكر رفاقنا في فرع حيفا وفرع سخنين، وبما أن مبررات استنكافهم تستند إلى تحفظات على نهج أصبح من الماضي أو مبررات تنظيمية، دون أن يكون بيننا خلاف فكري، فإننا نأمل بأن يعدل هؤلاء الرفاق عن موقفهم وأن يتخذوا قرارهم بالعودة إلى صفوف الحركة وأخذ دورهم في إعادة بنائها ووضعها في طليعة نضال جماهيرنا، وفي المقابل، فإن حركتنا وهيئاتها التي ستنتخب اليوم، ستكون من أولى مهماتها معاودة فتح باب الحوار مع هؤلاء الرفاق بهدف حثهم وإقناعهم بأخذ دورهم الذي لا نرى أن للحركة غنى عنه.

الرفيقات والرفاق:

يأتي مؤتمرنا هذا في مرحلة تاريخية مفصلية، إن كان على مستوى العالم أو المستوى العربي والفلسطيني، فمنذ سقوط الاتحاد السوفييتي، لأسباب وظروف لا يتسع المقام لتعدادها وتحليلها، دخلت البشرية في عهد القطب الواحد، عهد وحيد القرن الأمريكي، حيث هلّل كثيرون لمقولات نهاية التاريخ وروّجوا لنظريات الانتصار التاريخي والأخير الحاسم للرأسمالية، فبرزت عصابات رأس المال بكامل وحشيتها وتوسعت الشركات الاحتكارية وعابرة القارات لتمتص خيرات الشعوب ولتتسع الفجوات الاقتصادية على مستوى العالم ككل بشكل غير مسبوق، ولكن الساحة السياسية لا تحتمل الفراغ، وما أن برزت الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة حتى ظهرت مقابلها حركة المعارضة العالمية، وإن كانت بشكل خجول وغير واضح في البداية تحت شعار "مناهضة العولمة"، ورغم عدم طرحها بدائل واضحة، إلا أن حركة مناهضة العولمة هذه استطاعت التأثير على الشارع السياسي وعرقلة عمل بعض مؤسسات العولمة كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وشجعت دول العالم الثالث المتضررة لتشكيل قطب مناهض للإملاءات الإمبريالية. وفي ذات الآن، برزت في أمريكا اللاتينية، التي اعتبرتها الولايات المتحدة حديقتها الخلفية، حركات اشتراكية تدعو لإعادة سيطرة الدولة على الموارد الطبيعية واستغلال مردوداتها لتحسين ظروف معيشة الفقراء واستطاعت هذه الحركات الوصول إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع في دول عدة أهمها فنزويلا، حيث لم تبخل الولايات المتحدة بكافة الطرق لمحاربتها، حتى بانقلاب عسكري، وشهدنا صعود الصين والبرازيل وروسيا كقوى اقتصادية كبيرة، بشرت هذه الحقائق بأن نظرية "نهاية التاريخ" أكذوبة وأن عصر وحيد القرن لا بد إلى زوال. استمرت الولايات المتحدة في سياستها بمحاولة بسط سيطرتها على كل شعوب العالم، بجميع الوسائل المتاحة، الاقتصادية والإعلامية والعسكرية المباشرة، محاولة "تأديب" كل من يخرج من تحت جناحها، ففي منطقتنا، احتلت أفغانستان والعراق بجيشها، وخاض ذراعها في الشرق الأوسط، الكيان الصهيوني، عنها حرباً ضد المقاومة في لبنان وفلسطين. لا شكّ أن مجرى الأمور في هذه الحروب خالف حسابات الولايات المتحدة، فبرغم الدمار الهائل والنتائج الكارثية لتلك الحروب وإشعال نار الطائفية في العراق على سبيل المثال، إلا أن الولايات المتحدة ظهرت كمن علق في الوحل وبدا أنه بدأت تتكون في مقابلها أقطاب مختلفة لا تستكين لإملاءاتها. استمر تراكم الأمور حتى بدايات الأزمة السورية، حيث فرضت الصين وروسيا وإيران نفسها كندّ للولايات المتحدة لتبدأ مرحلة نهاية القطب الواحد.

إن ظهور روسيا والصين كقوى مقابلة للولايات المتحدة تزامن بل كان من خلال الثورات والانتفاضات في المنطقة العربية. إن بداية هذه الثورات كانت في تونس، حيث تفاقم الفقر نتيجة الزمرة الحاكمة، عميلة الإمبريالية، التي استأثرت بمقدرات البلاد ومواردها الأمر الذي ترافق مع قهر وقمع سياسي وتقييد للحريات، فكانت الشرارة من أفقر مناطق تونس، في سيدي بوزيد وامتدت سريعا إلى جميع المناطق التونسية الأخرى بما في ذلك العاصمة تونس. لقد فاجأت الثورة التونسية جميع المراقبين وصناع القرار على حد سواء، ليتهاوى النظام أمام هذا المد الشعبي الجارف الذي سرعان ما انتقل إلى مصر، التي انتفضت جماهيرها بدورها بوجه الطغمة الحاكمة، الفاسدة سياسيا ووطنيا واقتصادياً، لتسقط هي أيضاً أمام إرادة الشعب المصري. لا شكّ أن اندلاع هذه الثورات وسرعتها كان مفاجئاً للغرب الإمبريالي الذي لم يكن قد أعدّ نفسه لمواجهتها ووجد نفسه في وضع لم يكن معه يستطيع الدفاع عن عملائه، فتظاهر بتأييدها تحت مسميات حقوق الإنسان والديمقراطية، ولكنه في ذات الوقت، بدأ ينفخ الروح سريعاً في أركان الثورة المضادة المتمثلة بالعسكر والرجعية الدينية وفلول الأنظمة العميلة المتهاوية. الغرب الذي فهم أنه لن يستطيع الوقوف في وجه الثورات التي انتشرت كالنار في الهشيم، قرّر بدل ذلك احتواء هذه الثورات وتجييرها لصالحه أو قمعها بشكل مباشر في أحيان أخرى، فبشكل متوازٍ، استطاعت الولايات المتحدة احتواء الثورة في اليمن عن طريق عملائها في المملكة السعودية ومحاولة سحق ثورة البحرين عبر استقدام قوات درع الخليج، أما في ليبيا، فما أن ظهرت بوادر التحركات الشعبية حتى حشدت الولايات المتحدة مع حلفائها في حلف الناتو، بحجة حماية المدنيين، أذرعها وأدواتها مستصدرة قراراً أممياً ظاهره حماية المدنيين وباطنه وفحواه احتلال ليبيا والسيطرة على ثرواتها مستفيدة من موقف روسيا السلبي، التي وجدت نفسها عند تقسيم كعكة ليبيا خارج نطاق المستفيدين، مما جعلها تفهم أن عليها إعادة حساباتها وأخذ دور فعال مناقض لموقف الولايات المتحدة وحلفائها، الأمر الذي تجلى في موقفها من الأزمة السورية، حيث وقفت هي والصين ودول البريكس في موقف متحدٍّ لموقف الولايات المتحدة وحلفائها، حتى لا يتكرر سيناريو الاستيلاء على ليبيا وتجد نفسها مرة أخرى خارج اللعبة. لقد تحولت سوريا إلى ساحة صراع دولي وإقليمي، تقف فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون والأتراك والإسرائيليون، في جهة، مستخدمة أدواتها وعملائها من أنظمة الخليج الرجعية، ومقابلها، تقف روسيا وخلفها الصين، حيث يدفع الشعب السوري ثمن كل هذا، وتقوم الولايات المتحدة، عن طريق أدواتها الخليجية، وعلى رأسها قطر، برفد أطراف من المعارضة السورية بالسلاح والمال والكوادر السلفية الإرهابية، مانعة كل محاولة لإخراج سوريا من أزمتها بالطرق السلمية التي تحفظ سلامة الكيان السوري ونسيجه الاجتماعي كقطب مركزي في الصراع مع الكيان الصهيوني وقوى الهيمنة الإمبريالية، مستثنية ومهمشة لدور قوى المعارضة الوطنية التي ترفض التدخل الأجنبي وترى في فلسطين بوصلتها.

لقد بنت الولايات المتحدة محوراً مركزه قطر وتركيا، تسعى من خلاله للسيطرة على المنطقة عبر إذكاء صراع شيعي سني لتصويره وكأنه محور الصراع الأساسي بدل أن يكون الصراع بين المحور الصهيوني وحركة التحرر العربية، لتقوم من خلال ذلك بتسليم مفاتيح المنطقة للحليف القديم الجديد المتمثل بالإسلام الإخواني، ومحاولة زجّ مصر لتكون جزءاً من هذا المحور بقيادتها الإخوانية الحالية، ولكن المشهد الحالي يؤكد أن الحراك الثوري الحقيقي في مصر والمتمثل بتحالف القوى الوطنية القومية، ما زال يقف بالمرصاد مانعاً تنفيذ المخطط الأمريكي القاضي بأن تعود مصر للعب ذات الدور الذي لعبه نظام مبارك بما يتعلق بالصراع في المنطقة وعلى رأسه القضية الفلسطينية. إن تأثير دور هذا المحور –القطري التركي والمصري ألإخواني-، امتد ليشمل حركة حماس، فكما هو معلوم منذ ما بعد أوسلو انقسمت الساحة الفلسطينية بين تيار التسوية بقيادة حركة فتح، وتيار المقاومة الذي شكلت حماس ركنا أساسياً من أركانه، ولكن ارتباط حماس التاريخي والأيديولوجي بتيار الإخوان في مصر، قد جعلها، بعد الحرب الأخيرة على غزة، تتنازل عن مشروعها المقاوم لصالح مشاريع ذات سقف منخفض تتمثل في دولة في حدود أل-67، والدفع باتجاه المصالحة مع حركة فتح على أساس مشروع فتح وليس مشروع المقاومة، إذ لا شكّ أن الانقسام الفلسطيني قد أضر كثيرا بالقضية وأبعدها عن الواجهة وأفقدها الكثير من مناصريها حول العالم، ولكننا توخينا مصالحة على أساس مشروع وطني تحرري وليس العكس، وفي ظل هذا التراجع، قام الشق الآخر، المتمثل بقيادة السلطة الفلسطينية بطرح مشروع منح فلسطين صفة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة كخطوة لتحسين شروط التفاوض معتقدا أنه بذلك يفرض على الكيان الإسرائيلي المحكوم من قبل اليمين المتطرف بالعودة إلى طاولة المفاوضات، من خلال التلويح بإمكانية التوجه لمحكمة الجنايات الدولية ولكن بعد أن طمأن رئيس السلطة الفلسطينية إسرائيل بأنه لن يسمح باندلاع انتفاضة ثالثة في فلسطين، فما كان من الكيان الصهيوني إلا أن صادق على بناء آلاف الوحدات السكنية في المناطق المحيطة بالقدس وبيت لحم وغيرها موغلاً في غطرسته قاطعاً الطريق على أية إمكانية لقيام دولة فلسطينية في حدود 1967، وهو السقف الذي وضعته السلطة الفلسطينية لحل الصراع مع هذا الكيان.

إن سياسة إسرائيل هذه ليست متعلقة بهذا الحزب أو ذاك، بل هي سياسة تحظى تقريباً بإجماع بين جميع الأحزاب الصهيونية من يمينها إلى ما يسمى بيسارها، حيث تقوم جميعها برفع شعار الدولتين وتعمل على بناء أمر واقع يمنع تحقيق مثل هذا الحلّ، حيث ينعقد مؤتمرنا هذا في ظل الظروف المفصلة أعلاه والكيان الصهيوني يستعد بعد ثلاثين يوماً لإجراء انتخابات الكنيست الصهيوني، وجميع الدلائل تشير أن لا جديد سيكون تحت الشمس.

ويهمنا في هذا المقام التأكيد مجدداً على الموقف المبدئي التاريخي الثابت لحركة أبناء البلد بمقاطعة انتخابات البرلمان الصهيوني الذي يمثل تجسيداً لهذا الكيان الذي قام على أنقاض شعبنا الفلسطيني الذي احتلت أرضه وشرد من دياره، مؤكدين أن المشاركة في هذه الانتخابات ما هي إلا مساهمة في تأكيد شرعيته ومشاركة في اللعبة الديمقراطية الزائفة لتبييض وجه الكيان إعلامياً، حيث يفتقد أعضاء الكنيست العرب لأي تأثير فيه وينحصر دورهم في أن يكونوا شهود الزور وورقة التين التي تغطي عورة هذا الكيان الفاشي. إن دور حركة أبناء البلد كان وما يزال دوراً محورياً في رفع شعار المقاطعة وحشد القوى المختلفة من أبناء شعبنا حوله، ولنكن صادقين مع أنفسنا، أن حمل هذا الموقف بحاجة لتنظيم متماسك قوي قادر على نشره بين الجماهير ومستوعب للالتفاف الجماهيري حوله، الشيء الذي نفتقده، ولكن لا بدّ أن يكون على رأس أولوياتنا في المرحلة المقبلة إعادة بناء الفروع وتثقيف الكوادر لتكون قادرة ومؤهلة على حمل مشروعنا الاستراتيجي في بناء الدولة العلمانية الديمقراطية على كامل أرض فلسطين وعودة اللاجئين إليها، كحل عادل وواقعي لقضيتنا الفلسطينية بنت المائة العام، خاصة في ظل انقشاع وهم إمكانية حل الدولتين، نحن مدعوون اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى رص الصفوف وشحذ الهمم والنهوض بحركتنا لتكون حاضنة لبقية القوى من أبناء شعبنا وحلفائنا من اليهود الذين يلفظون الصهيونية فكرا وممارسة ويؤمنون كما نؤمن بأن الحلّ الواقعي والعادل لقضايا سكان هذه البلاد هو في إطار الدولة الواحدة، العلمانية الديمقراطية الاشتراكية.

نعم للدولة العلمانية الديمقراطية على كامل التراب الفلسطيني

نعم لعودة جميع اللاجئين إلى ديارهم

الحرية لأسرى الحرية

المجد والخلود لشهدائنا الأبرار

 

معاً على الدرب

 

*نص البيان السياسي الذي افتتح المؤتمر السابع –التوحيدي لحركة أبناء البلد في 22/12/2012، والذي قدمه المحامي سليم واكيم، عضو اللجنة المركزية الموسعة للحركة

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 27-12-2012