سقى الله أيام زمان - محمد علي الحلبي

 

عندما يخلد المرء لذاكرته ليستعيد ذكريات له من غابر الأيام، وعندما تطوف في ذهنه أحداث حلوة المعاني...جميلة المشاهد فإنها تستأثر بوجوده وعقله ناشرة كل ظلال السعادة عليه مثيرة كل عوامل الحب،ولواعج الشوق إلى ذلك الماضي وقد غاب الكثير من معانيه،وعن تلك الروعة الحياتية يقول الشاعر العراقي من أهل بغداد هارون بن علي المنجم865-901 م :

ســقى الله أيامــا لنا ولياليــاً مضين فما يرجى لهن رجوع

إذ العيش صاف والأحبة جيرة وإذ كل أيــام الزمــان ربيــع

ويردد شاعر آخر:

سقى الله أيام التواصل بيننا وردّ إلى الأوطان كل غريب

أعادتني نوابغ الكلم إلى يوم كنت في عمان العاصمة الأردنية في منتصف سبعينات القرن الماضي،وقد التقيت بالمرحوم عبد المنعم الرفاعي الشاعر ورئيس الوزراء السابق،وفي استعادتي لحلاوة اللقاء وجدتني وبدون جهد كبير وقد عدت إلى ديوان شعره (مسافر) أجد المعاني الأصيلة لديه ، والاعتزاز بوطنيته وانتمائه القومي ،ففي غزله ببلده وقد هام بحبها ينشدها،ويقول:

حاشا لحبك إما جئت أذكره

أن أقبل الشك يوماً فيه والريبا

تخطري فصباك الغض منشرح

يضفي على الصبح منك الفتنة العجبا

ويجمع الشاعر بين مدينة عمان وشقيقاتها في تفاعل وتناغم عربيّين فيقول:

دمشق هل تذكرين الخطوة السببا

لما إليك ركبت الريح واللهبا

في جناحيّ ضممت الشوق مستعرا

وفي ضميري حملت الشام والعربا

ألقي عليك تحياتي تعطرها

عمان بالأريج الزاكي هوى وصبا

والشاعر شارك أبناء دمشق في تصديهم للاستعمار الفرنسي، فأصيب برصاصة في قدمه خلفت له العرج الدائم، ولأنه مؤمن الإيمان كله بالمقاومة الفلسطينية قال:

يا لنفسي والفدائي هوىً

أسمر كالرمح ممشوق الصبا

لك قلبي يا شباباً ثائراً

كشهاب شك أثواب الدجى عاطر مرّ على كل لسان

صادق العزمة ماضٍ كالسنان

شدّ في بحر الردى ثبت الجنان

ومضى في ومضة عبر الزمان

وثقته كبيرة بانتصار المقاومين المحددين لوقته،فيقول:

والفدائي بأطراف القنا

يكتب النصر ويملي الموعد

وفي يوم لقائنا تحدث الشاعر رئيس الوزراء الأسبق بلغة عقلانية،ومشاعر وطنية فياضة في معرض نقده للأبنية التي تشاد لأجهزة الأمن على الحدود بين البلدين- سوريا والأردن - بينما الشعارات الوحدوية تنطلق هنا وهناك،وعادت به الذاكرة ليقول لي:"يوم كنت أدرس في جامعة دمشق كنت أزور بلدي الأردن من حين لآخر،وعندما أصل إلى نقطة الحدود الفاصلة أجد لوحة خشبية كتب على وجه منها سوريا وعلى الوجه الآخر الأردن،وكثيراً ما كان يحملها الهواء ويرمها بعيداً،فلا نعرف أين الحدّ والحدود" ويستدرك في نهاية حديثه وهو من مبدعيّ الكلمات "سقى الله أيام زمان" .



حقيقة ثابتة،ففي غابر أيام منعتنا وعزتنا لم تكن هناك حدود،ولم تكن هناك بلدان،والتاريخ يؤكد ذلك فالغرب قسّم الوطن العربي في اتفاقيات عُقدت بين أركانه،ووزع الوطن إلى مساحات تأميناً لمصالحه،ونظرة سريعة إلى الخارطة تظهر أن مسطرة الأعداء رسمت أغلب تلك الحدود بخطوط مستقيمة لا مكان فيها للتضاريس الجغرافية المعتادة المشكلة لحواجز طبيعية بين البلدان المتجاورة،وإن تواجد بعض منها على المساحة الكبيرة للوطن العربي فلم تشكل عائقاً أمام وحدة شعبه،وتراثه القومي الواحد في التاريخ،اللغة،والثقافة،وأمام الطموح الشعبي المتنامي لتحقيق الوحدة العربية بين كامل الأقطار التي أوجدها الاستعمار الغربي،ومحاولات العودة للأصول أقيمت في عام1945جامعة الدول العربية وإن شابت ميثاقها التعابير الفضفاضة وغير المحددة لكن الوثيقة الأولى والمسماة ببرتوكول الإسكندرية نصت على أن تكون مهمة مجلس الجامعة مراعاة تنفيذ ما تبرمه هذه الدول فيما بينها من اتفاقات،وعقد الاجتماعات الدورية لتوثيق الصلات بينها تحقيقاً للتعاون بينها إلا أن البروتوكول أكد على السعي نحو تحقيق مزيد من الوحدة بين الدول العربية الأعضاء فيها وغير الأعضاء،ومع مرور زمن طويل على البداية فمازالت الآمال الوحدوية معلقة،ولم تجد أسلوباً لتحقيقها في أي مجال من المجالات حتى في التكامل الاقتصادي العربي حيث تتركز فيه مصالح الأفراد والأمة،والقوة الرافدة لعناصر القوى الأخرى السياسية،العسكرية،والثقافية.

لقد أقرت اتفاقية الوحدة الاقتصادية عام1950لكنها رُكنت على الرفوف،أو غيبت في دروج المسؤولين, إنما وجهات نظر البعض تفتقت عن أفكار وحدوية جديدة،فبدأ عصر الوحدات الإقليمية فكان مجلس التعاون الخليجي الذي أقيم في25مايس- أيار- 1981ويضم ستة أقطار عربية،وفي النظام الأساسي له "هدف تحقيق التنسيق والتكامل،والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولا ًإلى وحدتها" وأعلن في شهر شباط- فبراير- عام1989وعلى الجزء الغربي للوطن العربي عن قيام اتحاد المغرب العربي المؤلف من خمسة أقطار،وتحددت أهدافه " في تعميق التعاون الاقتصادي والتجاري،وتوحيد السياسة الجمركية،وتحقيق حرية نقل الأشخاص والخدمات،والسلع،ورؤوس الأموال إضافة إلى أهداف ثقافية تحافظ على القيم الروحية " ، وكالعادة ما زال الكل ينتظر ليرى بارقة أمل ، وأعلن عام1989عن قيام مجلس التعاون العربي بين العراق والأردن واليمن ومصر لكنه لم يدم سوى أشهراً.



وأمام التصريحات المعلنة والديباجات المكتوبة،ورغم مرور السنين عليها فالأوضاع راحت تتردى أكثر وأكثر بين البلدان العربية،فما من قطر إلا واختلف مع جيرانه العرب على خارطة حدوده البرية،أو البحرية،أو على الاثنين معاً بدلا ًمن السعي للوحدة وإزالة الحدود , كان الدافع لها جميعها وبخاصة في دول مجلس التعاون الخليجي :

1- في بعض الحالات رُسمت الحدود من قبل بريطانيا التي كانت تدير فعلياً السياسة الخارجية لمعظم هذه البلدان حتى عام1971, إضافة إلى أن الاتفاقيات اتسمت بالغموض والإبهام مستندة إلى إشارات وعلامات غير واضحة،وعلى سبيل المثال فلقد اعتبر موقع شجرة نخيل علامة مميزة للحدود بين الكويت والعراق.

2- تحرك المصالح القطرية،والطمع في أراضي الثروات المتواجدة والسعي لضمها،ومنها حقول النفط والغاز العامل المسبب للنزاعات لدى دول مجلس التعاون الخليجي التي دخلت الصراع الحدودي،فأثناء زيارة وفد رسمي إماراتي إلى السعودية بعد وفاة الشيخ زايد بن سلطان طالب أعضاؤه بالنظر مجدداً في ترسيم الحدود بينهما،فكان الجواب السعودي قاطعاً بأن هذا الموضوع حُسم في اتفاقية جدة الموقعة في آب1974وبقي الاتفاق سرياً ، ولم يمط اللثام عنه إلا عام1995وقد حصلت بموجبه أبو ظبي على ست قرى في منطقة البريمي،وحصلت الرياض على80% من آبار الشيبة النفطية المثبت أن احتياطها النفطي بلغ15مليار برميل،كما تضم650مليون متر مكعب من الغاز غير المستغلة،وتنامت خصومات حدودية بين اليمن الجنوبي قبل انضمامه للوحدة اليمنية وعُمان بنتيجة تباين السياسات بين البلدين إلا أن الخلاف حُسم في عام1982،وحُسم خلاف آخر يعود إلى عام1925 بين اليمن والسعودية عندما حاولت اليمن ضمّ عسير إليها بما سُمي باتفاق جدة عام 2000, إضافة إلى خلاف بين عُمان ودولة الإمارات عام1977على حقول نفط اكتشفت على طول16كم من مضيق هرمز،وأنهيت مشاكل الحدود بين السعودية والكويت،ولأن الحديث يدور في محوره عن الجزيرة العربية ذلك يذكرنا بالخلافات العراقية الكويتية الحدودية،وغزو العراق للكويت،والمآسي التي تبعت ذلك وغطت الساحة العربية برمتها، ولسوريا كانت لها مشكلة حدودية مع الأردن حُلت باتفاق البلدين في عام 2004، أعيدت بموجبه أراض لسورية بمساحة كيلومترين ونصف ،لكن الأشد إيلاماً فهو الصراع الحدودي،والذي نشب مؤخراً في العراق حيث البلد الواحد وحيث الألفة والمحبة المكوّنان الرئيسيان بين أفراده،فبعد الاحتلال الأمريكي وبمساعدة أفراد قدموا له العون و المعونة أثار"بريمر" الحاكم الأمريكي الأول النزاعات الإثنية والطائفية فيه،وكرسّها في تفاهمات مع أعوانه والعملاء موزعاً الرئاسات الثلاث....الرئاسة،السلطة التنفيذية،والسلطة التشريعية وفق ما ابتكرته العقلية الهدامة،وبينما تنادي القوى الوطنية في لبنان بإلغاء الطائفية في توزيع الرئاسات اعتمد الاحتلال الأمريكي لا الإثنية فقط،بل و الطائفية قي توزيعها عراقيا لاغياً مفهوم الكفاءة الوطنية المؤهلة للفرد الحامل لشرف المواطنة ليؤدي واجبه الوطني.... والخلاف يدور حول تبعية كركوك"النفطية"أتتبع بغداد،أم إقليم كردستان؟!..وما زال يدور في خلد المتآمرين على وحدة العراق نهب الثروات الدفينة في الأرض تمهيداً لتعزيز الانفصال، وإقامة دولة جديدة....وضع غريب عجيب فلقد أصبح للإقليم جيشاً خاصاً وحكومته تبرم عقود للنفط بدون الرجوع إلى الحكومة المركزية.



في الإطار ذاته ولو بحثنا في القطاع العربي في شمالي القارة الإفريقية لتبدى لنا الخلاف المصري السوداني،فحدود البلدين رسمها الاحتلال البريطاني عام1899ضمت المناطق من دائرة عرض22شمالا ًلمصر ويقع فيها مثلث حلايب،لكن وبعد ثلاثة أعوام وفي عام1902جعل الاحتلال المثلث تابعاً للإدارة السودانية والتبرير كان لقربه من الخرطوم أكثر من القاهرة،وما زال الوضع قائماً بمشاكله بعد أن سيطرت القوات المصرية عام2000على المنطقة اثر انسحاب القوات السودانية منها،والصراعات اشتدت بين المتنازعين ففي السودان أيضاً ، بعد إعلان انفصال الجنوب عنه و ما زالت الاجتماعات تُعقد بين قيادي الشمال والجنوب من أجل حلّ للمشاكل العالقة وفي مقدمتها الحدود.

ودول الاتحاد المغاربي لم تنج من هذه المشكلة،فبين الجزائر والمغرب وبدل أن تكون اتفاقات إقامة الاتحاد هادياً ومرشداً لهما لتقاربهما وتوحدهما مع بقية دول الجوار،فقد أغلقت الحدود بينهما وما زالت مغلقة منذ عام1994للخلاف على تبعية الصحراء المغربية،ومن طريف القصص في هذا المجال لقاء ضمني وشلة من الأصدقاء دار الحديث فيه حول ذات الموضوع وتشعب النقاش وطال زمنه فما كان من أحد الحضور الظرفاء وإنهاء للحوار ان اقترح ضم الصحراء للأردن في شرق الوطن العربي وبذا تصبح له نافذة بحرية على المحيط الأطلسي يصل إليها الأردنيون بالطائرة معللا اقتراحه بأن مثل هذه الصر عات لا الصراعات تحتاج الى مثل هذه الحلول , أما عن بداية المشكلة ، ففرنسا الدولة المستعمرة لعبت دوراً قذراً في تأجيج الصراع فقررت في عام1912تثبيت الحدود لفاصلة , إنما بعد اكتشاف حقول البترول ومناجم الحديد والمنغنيز في منطقة"تندوف"ضمت المقاطعات للجزائر،وعند استقلال المغرب عام1956بدأت المطالبة باسترجاع السيادة على هذه المناطق وكي تضع فرنسا حداً لدعم المغرب للمقاومة الجزائرية عرضت إعادة السيطرة المغربية عليها مقابل منع الثوار من استعمال الأراضي المغربية لكن المرحوم الملك محمد الخامس رفض الاقتراحات واعتبرها طعنة خنجر في ظهر الإخوة الجزائريين فرفض العرض الفرنسي...هذه الواقعة تشير بجلاء ووضوح على عودة الأصالة العربية بروحها العميقة في جذور الإنسان العربي.



الغيوم السوداء في سماء الوطن العربي كثرت،والإشراقات التي تحدثنا عنها تدفع بأمل الأمة لوحدة الشعب العربي الذي يزداد إصراره يوماً بعد يوم على تحقيقها لا لتحقيق موجباتها الفكرية فقط،بل من أجل ضمان أمنه أولا ًومستقبل حياته،ومؤخراً بدأ الحديث عن قمة خليجية قادمة – وقد عقدت مؤخرا - لإقامة اتحاد خليجي إنما يصدم حديث وزير الخارجية العماني أماني مواطنيه : "بأن الاتحاد لن يمس السيادة"والسيادة تعني في المفهوم السياسي السيادة الداخلية،والسيادة الخارجية فما الذي قصده من هذه المفاجأة؟!...

ونحن نكن الحب والرجاء لأهل الخليج متمنين لهم و معهم أن تخفف،أو تلغى السيادة القطرية،فالسيادة الحقيقية والأقوى ستكون لهيئات الاتحاد المزمع إقامته،لكن وفي نهاية الاجتماعات صدرت قرارات عدة كان منها " إعلان الصخير " ومن أهم ما فيه " التأكيد على مبدأ الأمن الجماعي المشرك تجسيدا للدفاع المشترك والتنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولا لوحدتها " والإعلان جاء تماشيا مع إعلان الرياض المتضمن مبادرة خادم الحرمين الشريفين للانتقال من مرحلة التعاون الى مرحلة الاتحاد , وكان المؤتمرون قد تبنوا في إعلان الرياض في القمة الثانية والثلاثين بتاريخ 20 كانون الأول – ديسمبر – 2011 وتحت عنوان " خليجنا واحد " دعوة الملك السعودي الى تجاوز مرحلة التعاون الى مرحلة الاتحاد , وشكلوا لجانا للدراسة لتقدم تقاريرها , لكن المسيرة المعتاد عليها تستمر .

وتزداد ترددات الأصوات العائدة للجذور القيمية منادية " سقى الله أيام زمان " .



محمد علي الحلبي


 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 27-12-2012