في بلدة كاشكايش - الحلقة الأولى - من رحلتي الى البرتغال - بقلم نضال حمد

إهداء الى زين وحمد

يخرج الزائر من محطة القطارات مباشرة الى شارع جميل تتفرع منه عدة أزقة وزواريب تقود الى أحياء بلدة  كاشكايش البرتغالية والى سوقها الرئيسي وكذلك الى شواطئها الوافرة. في البلدة الصغيرة تنتشر المحلات التجارية على جانبي الطريق، غالبية المحلات والمنازل القديمة العهد تتواجد في مركز البلدة ، وتم تشييدها بطراز معماري تفوح منه رائحة الشرق المخلوطة بالغرب ، حيث النكهة العربية والإفريقية والأثر الأوروبي. على جانبي الطريق كثير من المحلات التي تبيع الصناعات المحلية البرتغالية وبالذات منتجات الفلين التي تشتهر بها البرتغال حيث أنها اكبر منتج للفلين بالعالم. وكذلك السيراميك والهدايا التذكارية المنوعة ، والرسوم والمنحوتات التي تمثل رموزا برتغالية مثل الديوك والقلاع القديمة والمنحوتات والرسوم المنوعة التي تصور حياة السكان هناك على مر العصور. كما يمكن للزائر المهتم بالرياضة ونجوم كرة القدم اللعبة التي لها شعبية كبيرة في البرتغال أن يرى ويشتري القمصان الرياضية للمشاهير الرياضيين البرتغاليين والعالميين من رونالدو البرتغالي الى غريمه التقليدي الأرجنتيني ميسي.

 تشتهر البرتغال بصناعة وإنتاج عدة أنواع من النبيذ الجيد والتي نالت جوائز عالمية عديدة. لذا يرى الزائر انتشارا كبيرا لمحلات بيع النبيذ في المدن والبلدات البرتغالية، بعض أشهر أنواع النبيذ البرتغالي: فينيو فيردي وفينيو ألفارينيو وفينيو دو دورو وفينيو ألينتيخو وفينيو دو داو وفينيو دا بايرادا ومن النبيذ حلوة المذاق: نبيذ بورتو ونبيذ ماديرا وموسكاتيل من سيتوبال وفافايوس. نبيذ بورتو معروف جيداً في جميع أنحاء العالم كما أن نبيذ منطقة دويرو هو الأقدم في العالم.

كما هناك مشروب " أ جينجينيا" الشعبي الذي يصنع من فاكهة الكرز وفي بعض الأحيان يتم خلطه ببعض الكحول الخفيفة، وهناك بارات مختصة أيضا بتقديم هذا المشروب في أكواب صغيرة على غرار القهوة والشوكولاتة.

 كما أن هناك الكثير من المطاعم والمقاهي التي تقدم أنواعا كثيرة من المأكولات والحلويات. وجدير بالذكر أن المطبخ البرتغالي يمتاز بتنوعه حيث يستهلك البرتغاليون الكثير من سمك القد المجفف (باكالياو) وتوجد المئات من الوصفات التي تحتويه، حيث تزيد أعداد أطباق سمك القد عن أيام السنة.  كما هناك أيضا طبقا أسماك آخران ذوا شعبية : السردين المشوي وكالديرادا وهو حساء أساسه البطاطس يصنع من عدة أنواع مختلفة من الأسماك أو اللحوم أو حتى الخضروات.

هناك كذلك المطاعم و المقاهي التي تقدم وجبات سريعة نموذجية مثل سندويشات فرنسيسنيا - لحم خنزير مشوي - أو بريغو- لحم البقر المشوي- وهي معروفة جيداً في جميع أنحاء البلاد.كما تقدم تلك المحلات أصنافا عديدة من المعجنات والحلويات التي تشتهر بها البرتغال، ومن تلك الحلويات الرز بالحليب وهي أكلة عربية معروفة وبنفس الوقت تعد صنفا أساسيا من أصناف الحلويات في البرتغال.

ولا تخلو شوارع كاشكايش وحوانيتها من ذوي البشرة السمراء سواء من الأفارقة  أو الآسيويين. حيث هناك كثير من المهاجرين استوطنوا في البرتغال. ويلاحظ ندرة وجود العنصر العربي في البرتغال كما هو الحال في فرنسا واسبانيا وايطاليا. إذ أن الوجود الرئيسي هناك يعود لمهاجرين من المستعمرات البرتغالية السابقة مثل البرازيل ، ماكاو ، انغولا ،غينيا بيساو، موزامبيق وتيمور الشرقية.

يلحظ الزائر أن شوارع وطرقات بلدة كاشكايش مرصوفة بالحجر البرتغالي التقليدي الذي ترصف فيه عادة أزقة وشوارع المدن البرتغالية، وهو باللونين الأسود والأبيض. نفس الحجارة التي تعج بها طرقات لشبونة وجدناها في بلدتي كاشكايش ونيسترا. تمتاز بلدة كاشكايش بشواطئها الرائعة ووفرة الفنادق والأندية الليلية والمقاهي والمطاعم وأماكن الترفيه.  وفيها مجموعة من القصور والفيلات الرائعة التي يمكن أيضا للسواح والزوار استئجارها.  ففي كاشكايش وليس بعيدا عن محطة القطارات شاهدنا فيلا "بيرغوليا" الرائعة ، وعندما سألنا عامل الحديقة هناك عن هذه الفيلا أجابنا بأنها فيلا للاستئجار.

في قلب كاشكايش وبالقرب من مبنى مجلس البلدية الجميل يقع النصب التذكاري للمغامر والشاعر البرتغالي الكبير الراحل لويس دي كامويس (حوالي 1524-1580) ، وكان كامويس يكثر من الكتابة ضد المسلمين والعرب المعروفين بالمورو أي المغاربة في البرتغال واسبانيا. ويقال أن أحد الأشخاص قام بفقء عين الشاعر كامويس. ومن قصائده الهامة، القصيدة الملحمية "أوس لوسياداس"، حيث كانت تحت التأثير الرئيسي للإنياذة لفرجيل. ويوجد نصب تذكاري آخر للشاعر في قلب العاصمة لشوبنة بمكان غير بعيد عن مقهى " أ برازيليرا"  حيث كان يجلس في ذلك المقهى الشهير الشاعر البرتغالي الآخر فرناندوا بيسوا. وحيث يوجد له أيضا نصب تذكاري في ساحة المقهى بميدان باشيا في لشبونة

 بلدة "كاشكايش" البرتغالية البحرية العريقة ، كانت بلدة للصيادين ثم تحولت منذ سنوات قليلة الى بلدة سياحية تجذب السواح والزوار والمصطافين من كل العالم، ولا تبعد عن العاصمة لشبونة سوى مسافة 45 كلم ويمكن الوصول إليها بالقطار والباص والسيارة وحتى بواسطة الدراجات الهوائية.

في كشكاش وبصحبة الدكتور الفلسطيني حمد محمود حمد ، أخصائي القلب بمستشفى لشبونة  التقينا بالأخت الفلسطينية " زين أم عودة "، ابنة بيت لحم في فلسطين المحتلة ، التي تحمل فلسطين وحبها لشعبها معها في قلبها وفكرها. لذا وجدناها مهمومة بالفلسطينيين وتحاول لم شملهم وجمعهم في مؤسسة ما.. مع العلم أن الفلسطينيين في البرتغال لا يتجاوزوا مع أطفالهم ال50 شخصاً. ورغم ذلك تريدهم الأخت زين أن يكونوا صفا واحدا لأجل فلسطين الوطن والقضية.

دعتنا الأخت أم عودة لتناول طعام الغذاء في مطعم يسمى ( مار دو انفرنو) يعني بالعربية " بحر الجحيم" بمنطقة "مارينا" في "كاشكايش". هذا المطعم يقدم وجبات خاصة ، جلها من الأسماك والفاكهة البحرية بالإضافة للحوم والخضراوات. وللمطعم قصة كما قصص بعض المطاعم في بلادنا وبلاد غيرنا من الشعوب والأمم ، بدأ هذا المطعم حياته ككوخ صغير يقدم وجبات واكلات بحرية للصيادين وللزوار. عمل في المطعم أفراد من عائلة واحدة ومازالوا يعملون حتى يومنا هذا. لكن المطعم تحول من كوخ معدم وهامشي الى مطعم شهير وكبير تقصده الطبقة الراقية من المجتمع وكذلك السواح والمصطافين وبعض الميسورين من الناس والسكان. سمي المطعم ببحر الجحيم لأنه يقع على تلة تتلاطم عليها الأمواج المحيطية العاتية ، وتسمى تلك المنطقة البحرية (فم الجحيم)وهي نقطة سياحية هامة في المنطقة.

ما يميز المطعم المذكور أن عماله يأتون الى الطاولة بالسمكة التي على الزبون اختيارها قبل ان يقوموا بطهيها. وسوف نتذكر طويلا ظهيرة ذاك اليوم وتلك الجلسة الجميلة التي جمعتنا بأم عودة ، التي بدورها لم تبخل علينا بما تملك من معلومات تاريخية وجغرافية وثقافية قيمة عن المنطقة وناسها.

بعد الانتهاء من تناول الغذاء اصطحبتنا أم عودة بجولة سياحية سريعة بالسيارة ، عبرنا خلالها بعض المناطق الساحلية والجبلية الجميلة المتاخمة لبلدة "كاشكايش" ، ثم واصلنا مسيرنا الى منطقة ( كابو دا روكا ) آخر نقطة في أوروبا! وهي أقرب نقطة الى أمريكا ، هكذا يقولون في البرتغال. تبعد كابو دا روكا نحو ساعة بالقطار عن العاصمة لشبونة .. وهي تلة تطل من علٍ على المحيط الأطلنطي ، وتعتبر منطقة سياحية يقوم المصطافون والسواح بزيارتها والتمتع بجمالها.. ببساطة شيء رائع . 

في الطريق من "كاشكايش" الى "كابو دا روكا" مررنا بقرية  "الزاوية" الصغيرة النائية. تقع هذه القرية على قمة جبل وتطل على المحيط الأطلنطي ، ما يميزها عن بقية القرى المجاورة أنها تعتبر مدينة الرسامين البرتغاليين ، حيث يعيش فيها 11 رساماً. يستلهمون أعمالهم وفنهم من الطبيعة الجذابة والخلابة. 

في طريق عودتنا من كابو دا روكا الى "كاشكايش" توقفنا لمشاهدة منزل أحلام رسامة برتغالية معروفة ، أقامته البلدية تخليدا للرسامة وكمعلم سياحي ، حيث تم أخذ رسم يعبر عن منزل أحلام الفنانة وقامت بتصميمه وتشييده كما هو في الرسم.

بعد ذلك تابعنا سيرنا داخل بلدة "كاشكايش" التي آوت في أزمنة غابرة ملوك وزعماء أوروبيين  فشاهدنا فيللا وقصورا تعود لهؤلاء الناس. وشاهدنا كذلك مبنى المركز الثقافي التابع لمجلس المدينة ، وهو عبارة عن مبنى قديم تم تحديثه فظهر بمظهر جميل، وطلي باللون الزهري. وجدير بالذكر أن مقابل المركز الثقافي يرى الزائر السور القديم الذي يلف المنطقة المتاخمة للبحر من جهة منطقة المينيا.وعلى امتداد الشاطئ هناك وصولا الى قلب مركز المدينة. وعلى الشاطئ مقابل السور وفي المرفأ الصغير تتجمع قوراب الصيادين وقوارب السياحة كذلك ، ويقوم بعض الصيادين على رصيف الميناء بصناعة السلال من الشبك والبلاستيك.

أما في منطقة المينيا السياحية الرئيسية ، حيث توجد محلات تجارية ومطاعم ومقاهي وفنادق،علمنا أن ملكية هذه المنطقة تعود لأحد رجال الأعمال العراقيين. وكذلك فأن نفس هذا الرجل يملك فندقا ضخما يدعى فندق البلاثيوس أو القصر في منطقة "اشتوريل" المتاخمة لبلدة  "كاشكايش" والفندق يجاور أحد أكبر الكازينوهات في البرتغال وأوروبا. وعلى مقربة من الفندق يوجد نصب تذكاري يمثل الصداقة بين الشعوب والأمم ، وهو عبارة عن شخصين يجلسان ويؤديان حركات معينة. كتبت على النصب كلمة صداقة باللغة العربية وبلغات أخرى.

عند المساء عدنا الى لشبونة وفي طريقنا كانت أسماء المناطق مثل ( الجيش) و (القنطرة)  تذكرنا بالحضور العربي الإسلامي العريق في هذه البلاد البرتغالية العريقة.

 

في الحلقة القادمة سنتحدث عن رحلتنا في العاصمة لشبونة وكذلك في مدينة سينترا البرتغالية - العربية الإسلامية التاريخية

---------------------------

بعض الصور من رحلة كاشكايش وجوارها

فم الجحيم


منطقة بحرية في كشكايش تسمى فم الجحيم

أحد المسابح الشعبية على شط كاشكايش

النصب التذكاري للمغامر والشاعر البرتغالي الكبير الراحل لويس دي كامويس - حوالي 1524-1580

مجلس بلدية كاشكايش

صيادون في كاشكايش يصنعون السلال

فيلا للايجار في كاشكايش

مع الأخت زين والدكتور حمد محمود حمد في مطعم بحر الجحيم
 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 25-02-2012